islamaumaroc

هل يدعو تكاثر السكان إلى تحديد النسل؟

  دعوة الحق

العددان 60 و61

أصدرت أكاديمية العلوم الوطنية بالولايات المتحدة تقريرا خطيرا حول تكاثر سكان العالم، ويتجلى من هذا التقرير الذي تبلغ صفحاته خمسة وثلاثين ونيف، والذي وقعه عدد من كبار الأساتذة والعلماء والمهتمين بهذا الموضوع، أن نسبة الزيادة في سكان العالم تبلغ اثنين في المائة كل سنة، وإذا ما استمرت هذه النسبة فإن عدد سكان العالم سيتضاعف بعد خمس وثلاثين سنة، وبما أن مجموع سكان العالم يبلغ اليوم ثلاثة ملايير نسمة فإن عدد سكان المعمور سيصبح في سنة 2000 ستة ملايير وفي سنة 2070 سيكون مجموع سكان العالم حوالي 25 مليارا...
وقد أحدث هذا التقرير ضجة عظمى في الرأي العام بالولايات المتحدة الأمريكية، نظرا لمكانة الأكاديمية الوطنية للعلوم وقيمة العلماء الديمغرافيين والأساتذة الذين وقعوا هذا التقرير.
ومن الطبيعي أن يحدث هذا التقرير ضجة في أوساط الشعب الأمريكي نظرا لارتفاع عدد سكان الولايات المتحدة نفسها من جهة ودور القيادة الذي تلعبه أمريكا في العالم المسمى «بالحر»، والمجهودات التي تبذلها حكومة الولايات المتحدة للقضاء على المجاعة والبطالة في عدد من الأقطار المتخلفة، خشية من انتشار الشيوعية فيها من جهة أخرى. والواقع أن هذه الحقائق المرة التي أعلنها التقرير لا تخص الولايات المتحدة وحدها ولكنها تهم العالم أجمع، لأن خطر تكاثر السكان يهدد العالم ويضر بالمجتمع، فزيادة سكان العالم تتطلب زيادة في التغذية كما تدعو إلى تعجيز كل نشاط اقتصادي وكل ازدهار صناعي، لأنها تجعل المسؤولين في حكومات البلاد المتخلفة والدول النامية المتعددة أمام صعوبات لا قبل لهم بها وتبعات لا يستطيعون القيام بها وحتى مواجهتها.
وليس غريبا عنا الوقوف على أسباب تزايد السكان في العالم بهذه الصفة المستعجلة خصوصا في الأقطار المتخلفة أو البلدان التي هي في طريق التقدم والتطور كما يعبر عنها.
فأجل هذه الأسباب وأعظمها استمرار الولادة التي لم تضعف ولم تنقص في الأقطار المتخلفة بينما توقفت الوفيات بفضل التطورات التي عرفها الطب الحديث والمساعدة الطبية التي تقدمها الدول الصناعية إلى هذه الشعوب، فقد كانت الأمراض والأوبئة متفشية في هذه الأقطار لما كانت منعزلة عن العالم منكمشة في حدودها بل وفي قارتها، ولكن لما بدأ احتكاك هذه الشعوب بالحضارة الجديدة أخذت الدول الصناعية تمد الدول المتخلفة بالأدوية وتنظم بها حملات التلقيح وإبعاد الأمراض، فتسبب عن ذلك بطبيعة الحال استمرار الولادة ومحافظتها على نسبتها المرتفعة المهولة بينما تقلص ظل الموت وضعفت أخطاره وابتعدت أضراره، وإذا أضفنا إلى هذه الحقائق أن المستوى الاقتصادي في هذه البلاد لا زال يسمح للأجيال الجديدة بالاكتفاء بحياة بسيطة لا تكاليف فيها أدركنا سبب إهمالها لتحديد النسل، فما دام الطفل لا يتطلب عناية خاصة، وما دامت الدول الأجنبية تمد يدها لعلاجه وتعهده فلا داعي للوالدين لتحديد النسل وعدم إكثار الأولاد خصوصا والدول المتخلفة تعتمد على الأطفال في مساعدة الوالدين في عملهما اليومي.
وقد جاء في هذا التقرير الخطير كذلك أن هذه الزيادة في السكان لا يمكن أن تنسجم أبدا مع السير الحالي للتطور الاقتصادي الحديث، ولو كان الشيطان لرجال الاقتصاد ظهيرا، لأنها تعدو تطور كل تقدم اقتصادي وتفوق مجرى أي ازدهار صناعي، ويرى أصحاب التقرير أن زيادة سكان الكرة الأرضية بهذه النسبة يعتبر عبئا ثقيلا يتنافى والمجهودات المبذولة لتحسين حالة المخلوقات الموجودة حاليا وتطور البشرية جمعاء.
تلك أهم الاستنتاجات التي توصل إليها هؤلاء العلماء الديمغرافيون بالولايات المتحدة الأمريكية وهي تعطينا أضواء واضحة على الأخطار التي تهدد البشرية من جراء تزايد سكان المعمور، ونحن ندرك ما تقوم به عدد من المنظمات الاجتماعية في مختلف الأقطار في سبيل حصر هذا الداء الفتاك، كما نقدر الأعمال الجليلة التي تقوم بها مختلف الهيئات الدولية لصد هذا التيار المهول الذي سيؤدي إذا لم يتدارك في حينه إلى عدم الاستقرار في العالم من جهة وإلى انهيار كل تطور وازدهار من جهة ثانية.
وسوف لا يشعر القراء بهذه الآفة الخطيرة الشريرة إلا إذا علموا أن أزيد من نصف سكان المعمور يموتون اليوم جوعا، وأن خطر المجاعة لحق بمليار وخمسمائة ومليون نسمة. وقد قامت منظمة التغذية والفلاحة الدولية بتنظيم أسبوع للقضاء على المجاعة في العالم ومحاربة أخطارها في مختلف أنحاء المعمور، وقد نظم المغرب بدوره أسبوعا للقضاء على المجاعة ابتداء من 21 مارس من السنة الجارية وانتهى في 28 منه، وكان الغرض من تنظيم هذا الأسبوع الوصول إلى هدفين اثنين:

أولهما:
إشعار البشرية بمشاكل المجاعة والتغذية السيئة التي تقض مضجع أزيد من نصف سكان المعمور، والتي تشكل خطرا دائما على الأمن والتطور في العالم، بالإضافة إلى الآلام التي تحدثها للمحتاجين وذوي الفاقة.

ثانيهما:
تهييء جو ملائم ليتدارس الناس الحلول الناجعة التي يمكن أن يتوصل بواسطتها إلى محاربة المجاعة في الميدانين الوطني والدولي.
ومن الطبيعي أن الإنسان لا يستطيع إذا كان جائعا أو متناولا لتغذية سيئة أن يباشر أي عمل من الأعمال مهما صغر، كما أنه لا يستطيع في هذه الحالة أن يستفيد من عمله إذا عمل.
وقد استطاع العلم الحديث أن يخترع الذرة ويصرفها حسب أهوائه ومناه، كما توصل إلى إرسال إنسان إلى الفضاء، ومكن هذا الفرد من الاتصال بالأرض وهو في الجو، كما أمكن للعلم الحديث بفضل تطوره وتقدمه أن يقضي على الأمراض التي كانت إلى عهد قريب معدية فتاكة تقضي على العائلات بأسرها، بل وتحطم القرى والمدن بأكملها، ولكنه ويا للأسف لم يستطع حتى الآن أن ينجي الإنسان من الموت جوعا، فما زال نصف العالم يموت جوعا وما زالت البشرية تعيش ويلات المجاعة، والسبب يرجع في كل هذا إلى ارتفاع سكان العالم والنقص الحاصل في الإنتاج الزراعي.
فما دامت البشرية عاجزة عن تحقيق هذا التوازن المنشود بين زيادة السكان ونقصان الإنتاج فإن خطر تزايد السكان سيكون عظيما ونتائجه وخيمة وضرره وبيلا، فما هو الحل الممكن لحصول هذا التوازن؟ وهل اكتفى العلماء الديمغرافيون الأمريكيون بذكر هذه الاستنتاجات دون تعداد الحلول الكفيلة بوضع حد لتزايد سكان العالم؟ وما هي هذه الحلول إذن؟
قبل التعرض إلى الإجابة على هذه الأسئلة أود أن أؤكد أن من واجب البشرية جمعاء أن تجعل حدا لهذا الضغط البشري وهذا التيار الديمغرافي الذي يعرقل كل تطور اقتصادي. فالبشرية لا تتوفر على وسائل الاستثمار الكافية وطرق الاستغلال الكفيلة بإطعام ضعف سكان العالم بعد ثلاثين سنة، لأن وسائلها محدودة وطرقها دقيقة، وليس في استطاعة الإنسانية أن تفر من عواقب هذه الزيادة في عدد سكان المعمور التي ستصبح بعد حين عبئا لا يحتمل وتبعة لا يستطيع مواجهتها أحد. ومما لا شك فيه أن من دواعي التحسر أن يقف العلم الحديث رغم تطوره وتقدمه العظيمين مشدوها عاجزا أمام هذه الظاهرة الغريبة فما هو العمل؟
لقد ارتأت أكاديمية العلوم الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الحلول تتلخص في اللجوء إلى تحديد النسل، لأنها رأت أن أحسن حل لحصر هذا التيار العارم رغم ما يتضمنه هذا الحل من صعوبات جمة وما ينطوي عليه من مشاكل عويصة، ذلك أن تحديد النسل نفسه مشكل صعب يتطلب تمرينا خاصا وتكوينا صحيحا، ويستدعي اللجوء إلى وسائل صعبة وطرق متشعبة، لذلك سوف لا نستغرب إذا رأينا الأكاديمية الوطنية للعلوم تضع برنامجا مستعجلا يتضمن خمس نقط مهمة هي:
1)- تطور البحث الطبي النباتي حتى يتوصل إلى أنجع الوسائل الكفيلة بالوصول لهذه الغاية.
2)- القيام بإشهار المعلومات المتعلقة بالموضوع بين الشعوب وتوزيع الوسائل الوقائية وسط المجتمعات.
3) – تكوين عدد مهم من الموظفين من رجال العلم والإدارة يعهد إليهم بتحقيق هذين الهدفين الأولين حتى يسهل تعميمهما بين مختلف الشعوب والقارات.
4) – إنشاء لجنة خاصة داخل أكاديمية العلوم الوطنية لتنسيق هذه الأعمال والدعوة إليها.
5) – القيام بدعاية كبرى لتشيع بين الناس الوسائل التقنية لتحديد النسل.
تلك أهم الوسائل التي أعلنتها الأكاديمية الوطنية للعلوم كمرحلة أولى للفت أنظار العالم إلى ما قد يحف به من الأخطار وما قد يتعرض له من الأضرار، وقد أدركت الأكاديمية أن هذه الوسائل ستلاقي في تطبيقها معارضة شديدة ومقاومة قوية من طرف الهيئات الاجتماعية والمنظمات السياسية التي تتمتع بنفوذ كبير وقوة تأثير شديد في كثير من الأقطار، فسيرى الكثير من هذه الهيئات أن تحديد النسل لا يجوز من الناحية الأخلاقية ولا يتفق وأبسط المعتقدات الدينية، لأنه وأد خفي تعاقب عليه الأديان السماوية، كما أن الأوساط الرجعية ستثور في وجه هذا التقرير مدعية أنه لا داعي لتعميم هذا الإجراء في كل مكان وأن الأفضل حصره في الأجزاء المضطرة إليه من الكرة الأرضية، ومن الغريب أن لا تسمح مثل هذه المنظمات بالقيام بتنظيم حملات لتحديد النسل، والأغرب منه أن تعتمد في ذلك على آراء عقيمة وأحكام سقيمة.
وقد اعتبرت الأكاديمية الوطنية للعلوم كل هذا وقررت مواجهة الأمر مهما كانت العواقب، فنشرت تقريرها واتخذت القرار بتوزيعه والدعاية له حتى يصل إلى جميع أركان المعمور متحدية بذلك كل مقاومة مهما كلفها ذلك من ثمن، وقد وجهت هذا التقرير تحت عنوان: (تقرير إلى الشعب) لتصبغه بصبغة الخطورة، كما أشارت إلى أن المشاكل التي يحدثها تكاثر الولادة وتزايد البشر في الأرض تكتسي صبغة سياسية زيادة على الصبغة الاقتصادية والاجتماعية، وقد جاء في خاتمة التقرير ما مفاده: «ليست هناك أية مشكلة تتطلب الحل السريع عدا تحقيق سلم دائم في العالم كقضية مراقبة الولادة وتحديد النسل».
أشرنا في مقدمة هذا المقال إلى أن تقرير أكاديمية العلوم أحدث ضجة مهمة في أوساط الشعب الأمريكي، حيث اهتم به مختلف العلماء وأولته الأهمية اللائقة به جميع الهيئات الاجتماعية والمنظمات السياسية، ومما يدل على اهتمام الشعب الأمريكي بهذه القضية أن صدور هذا التقرير صادف صدور كتاب مهم في هذا الموضوع لأحد أساتذة جامعة هارفارد تحت عنوان: «لقد حان الوقت: مقترحات طبيب كاثوليكي لإنهاء معركة مراقبة الولادة»، ويدل العنوان وحده على أن مؤلف الكتاب وهو الأستاذ (جون روك) يريد أن يقحم المسيحية الكاثوليكية في هذا الميدان حتى لا تبقى الكاثوليكية شبحا مخيفا يتقيه عامة الناس وتخشاه العلماء بوجه أخص. لقد قبل هذا الأستاذ الكاثوليكي والطبيب المسيحي مبدأ استعمال الوسائل الوقائية من الولادة مخالفا في ذلك جميع أصدقائه وزملائه الذين يحترمون الدين المسيحي الذي لا يسمح باستعمال مثل هذه الوسائل.
وإذا كنا أشرنا إلى أن أكاديمية العلوم قد اعترفت بمعارضة المنظمات الاجتماعية والهيئات السياسية والطوائف الدينية للمقترحات الخاصة بتحديد النسل فإن تخوف الأكاديمية الأمريكية كان في محله، إذ سرعان ما تعرض التقرير للنقد الذريع والمحاربة القوية وإن كان صدور كتاب الطبيب الكاثوليكي جون روك قد حول نسبيا المعركة التي كان من الممكن أن تنشب بين أصحاب التقرير وقادة الهيئات الدينية والاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت المعركة قائمة بين الكنيسة الكاثوليكية واحد أتباعها.
فقد احتج الكردينال (كوتينج) أسقف بوسطون ضد مقترحات الأستاذ (جون روك) أحد أتباع هذه الكنيسة، وقد شاءت الأقدار إلا أن يكون من بين أتباع هذه الكنيسة السيد (جون كيندي) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية... لأن وجود رئيس الولايات المتحدة جعل المعركة القائمة تكتسي صبغة سياسية قد تؤدي إلى رفع القضية إلى الشعب الأمريكي ليقول فيها كلمته النهائية.
وقد أصبحت الإدارة الأمريكية الحالية في حالة من الارتباك والحيرة لا مثيل لها، لأنها تعترف أن مسألة مراقبة الولادة تهم مختلف الحكومات ومن بينها حكومة الولايات المتحدة، ذلك أن المبالغ التي يتطلبها مشروع الأكاديمية الوطنية للقيام بحملتها العالمية لا يمكن أن تصدر إلا من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن إعداد مثل هذه المبالغ يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي على ميزانية خاصة بذلك قد تدخل في إطار مساعدة الولايات المتحدة للأقطار الأجنبية أو المنظمات الدولية، كما أن عرض مشروع هذه الميزانية يحتوي ضمنيا على موافقة إدارة الرئيس كيندي على مبدأ استعمال الوسائل الوقائية كما أن موافقة الرئيس كيندي تعني وقوفه ضد الكنيسة، الشيء الذي لا يرغب فيه كيندي ولا يفكر فيه، لأن وقوفه ضد الكنيسة سيؤدي إلى غضب المصوتين الكاثوليكيين عليه وسيؤدي حتما إلى سقوطه في الانتخابات المقبلة.
وخلافا لما قام به كيندي فقد ارتأى منافسه نيكسون أن يعرض قضية تحديد النسل على أنظار الشعب الأمريكي ليقول فيها كلمته، متحديا بذلك الرئيس كيندي ورجال الكنيسة الكاثوليكية.
وهكذا سيتم التصويت لأول مرة في إحدى الدول العظمى على مسألة أساسية تهم البشرية جمعاء.
وليس الذي يعنينا نحن من هذه القضية قيام معركة بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، كما أنه ليس يعنينا تحول القضية من الميدان الاجتماعي إلى الميدان السياسي, ولكن الذي يعنينا هو الجانب الاجتماعي لأنه يهم الإنسانية بأسرها.
لقد أصبح مشكل تكاثر سكان العالم حديث كل ناد وموضوع كلام كل مجمع ومحط أنظار كل هيئة اجتماعية دولية أو وطنية, فمن الواجب أن نهتم نحن بدورنا بهذه القضية وأن نعيرها ما تستحقه من الاهتمام، وسيكون من خطل الرأي أن نعتقد أن تكاثر السكان لا يهمنا نحن في البلاد الإفريقية عموما وشمال إفريقيا خصوصا والمغرب بوجه أخص، لأننا ما زلنا نتوفر على أراضي شاسعة وبقاع واسعة لا يعمرها أحد أو يسكنها قليل من الناس، وإنما يهم أوروبا لأنها لا تتسع لعدد السكان المتزايدين يوما عن يوم والذين أصبحت الأرض تضيق بهم.
وقد ذكرت في أول هذا المقال أن الأمر يتعلق بضرورة إيجاد توازن بين كل توسع ديموغرافي وتطور اقتصادي، وسوف لا يتم هذا التوازن في العالم إذا ظلت البشرية في تزايد مستمر وظلت نسبة هذا التزايد هي اثنين في المائة، فمن المتوقع أن يصبح عدد سكان الصين الشعبية في آخر هذا القرن مليار نسمة، كما يتوقع أن يرتفع عدد سكان الهند إلى ما يقرب هذا العدد، كما ينتظر أن يتضاعف عدد سكان الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كما سيصبح عدد سكان اليابان 110 ملايين في سنة 1995، ونحن لا نقدم هذه الأرقام جزافا وإنما أخذناها من تقارير خاصة وضعها علماء ديمغرافيون بإحصاء السكان في مختلف الأقطار التي تعرضنا لها، ويجب أن لا يعزب عن أذهاننا أن جل الأقطار التي ذكرنا ستصبح في حاجة ماسة إلى صادراتها التي كانت تعتبر زائدا على القدر الذي تستهلكه أسواقها الداخلية أو ستخص بالباقي من صادراتها بعض الدول التي يمكن أن يتم بينها تبادل تجاري يضمن استفادة الجانبين، وسيؤدي هذا لا محالة إلى فقد الدول النامية لكثير من المساعدات الأجنبية وافتقارها إلى المواد الغذائية التي تعد حيوية بالنسبة إليها كالقمح والخضر والسكر وغير ذلك...
كل هذه العوامل تجعلنا أمام أمرين لا ثالث لهما: إما مواصلة الولادة بالنسبة التي أشرنا إليها، والتي ستجعلنا نلد كالأرانب كما قال الأستاذ الكبير توينبي في مؤتمر عقد مؤخرا لدراسة نتائج تزايد سكان الكرة الأرضية، والتي ستؤدي حتما إلى تعجيز كل مجهود يرمي إلى ازدهار الاقتصاد وتطور الفلاحة ونمو الإنتاج، وإما حصر الولادة، وهذا يدعو إلى استعمال وسائل غير طبيعية واللجوء إلى طريق غير مألوفة تنحصر كلها في عملية واحدة هي تحديد النسل.
وأود قبل أن أختم هذا المقال أن أشير إلى أني لا أريد أن أجعل من هذا المقال وسيلة للدعاية لتحديد النسل، فإن ذلك ليس قصدي من كتابة هذه السطور، بالإضافة إلى أني لا أحمل أية صفة رسمية تسمح لي باتخاذ موقف محدد من هذا الموضوع، ولكني أردت أن أطلع القراء على ظاهرة غريبة أخذت تشغل بال عدد من الشعوب وأدلي بالأرقام التي تعزز تخوفات المسؤولين في بعض الدول.
على أني سوف لا أعدو طور الواجب الوطني والديني، ولا أعد مارقا عن الدين، إذا أكدت أن الإسلام لا يقف موقف المعارض من اللجوء إلى هذه الوسائل الوقائية قبل أن يتكون الجنين وقبل أن تمر أربعون يوما على تكوين العلقة، كما ذكر ذلك اللخمي وغيره من العلماء المسلمين الذين اعتبروا الحديث الشريف الشهير عن جابر الذي رواه البخاري والذي جاء فيه: «كنا نعزل والقرآن ينزل ولم ينهنا الرسول عن ذلك»، ولا أحتاج أن أؤكد في الأخير أن الإسلام ينهى عن اللجوء لكل الوسائل التي قد تؤدي إلى عقم دائم ،لأن في ذلك القضاء المبرم على البشرية وهو داع لانقراض الجنس البشري برمته.
فعلى الذين يقرأون هذا المقال أن يتيقنوا أن القصد منه هو الإخبار ودراسة الوسائل المشروعة في الإسلام، فنحن برآء من كل ما قد يكون الإسلام منه براء، لأن الإسلام دين ارتضاه الله لعباده جميعا، والله أعلم بمصالح عباده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here