islamaumaroc

أفلوطين ومدرسة الإسكندرية -1-

  دعوة الحق

العددان 60 و61

اعتاد المؤرخون في دراستهم لأفلوطين أن يقفوا عند أمرين اثنين: أولهما أصول فلسفته ومذهبه، والثاني مصادر هذه الفلسفة في الفلسفة اليونانية القديمة، وفي محاورات أفلاطون بوجه خاص. وتكاد تنحصر دراسة هذه المصادر عندهم في بيان مواضع من محاورات أفلاطون أشار إليها أفلوطين، وارتبطت في تفكيره بتفكير المعلم القديم، ارتباطا رقيقا خفيفا أو ارتباطا وثيقا. ولم يتساءل المؤرخون بعد ذلك، عما إذا لم يكن لطول الفترة بين الرجلين أثر ما في طبيعة الاتصال بينهما: أحدهما عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، والآخر في القرن الميلادي الثالث، بينهما حضارات تتغير، وعلوم تتجدد، وأخرى تتكشف، وأجواء روحية دينية تتنوع، وتختلف، بين أثينا في عهد الاسكندر وأثينا الرواقية؛ بينهما وبين الإسكندرية البطلمية، فالرومانية، فاسكندرية تتفتح إلى الروح الدينية النابعة من آسيا، ثم بين هذه الإسكندريات كلها وروما التي توفى فيها أفلوطين، وكانت الوثنية فيها على وشك الاحتضار، والمسيحية على وشك الانتصار.
تغافل غريب أغرب ما فيه، أنه لم يمنع المؤرخين من ربط أفلوطين بالاسكندرية، ومن اعتباره فيلسوف المدينة، وزعيم مدرستها، بالرغم من أن الرجل قد ترك المدينة، وهو في مقتبل العمر، لم ينشئ فيها مدرسة، ولم ينشر كتابا. تركها إلى روما، حيث استقر حتى وفاته في سن الخامسة والستين، بعد إنشاء مدرسة، وإعطاء تعاليم، كان من ثمراتها كتاب «التساعات» الذي جمعه فورفيريوس، مترجم حياته.
تغافل غريب. وتغافل مزدوج. فالمؤرخون بعدما أهملوا دراسة الزمن والأحداث بين أفلوطين المصري والاسكندراني وبين أفلوطين الروماني، بين تفكير أفلوطين أثناء إقامته في البلاد التي ولد فيها ونشأ وتعلم الفلسفة، وتفكيره عندما استقر في المدينة التي أسس فيها مدرسته، وأعطى تعاليمه، وكتب أو أملى أو ألهم «تساعاته» الشهيرة.
وهذا التغافل في دراسة مصادر الفكر الأفلوطيني وتاريخ هذا الفكر، هو الذي دعاني إلى البحث في معنى مدرسة الإسكندرية، ومبلغ دين أفلوطين إليها، ومعنى خروجه منها.
ولد أفلوطين في عام 205م، بمدينة ليكوبوليس الواقعة بالقرب من مدينة اخميم الحالية بصعيد مصر. وإننا لا نعرف إلا القليل عن حياته بمصر قبل إقامته بمدينة الإسكندرية. حادث وحيد يقصه علينا فورفيريوس، مترجم حياته: أنه حتى سن الثامنة، أي حتى الوقت الذي بدأ يذهب فيه إلى المدرسة، كان يكشف عن صدر مرضعته ويرضع من ثديها. وعندما له أن هذا فعل طفل سيء الخلف، خجل خجلا شديدا، ورجع عن الفعل رجوعا نهائيا. والفطام المفاجئ والمتأخر حتى هذا السن قد يؤدي إلى نوع من العصاب، لا يصعب إيجاد القرائن عليه في حياة أفلوطين أو في «تساعاته»: منها عدم إشارته على الإطلاق إلى أهله وذويه، ومنها تركه المفاجئ لمدينة الإسكندرية، وقيامه برحلة إلى آسيا الصغرى قد كان من الممكن أن يموت أثناءها، ومنها إلحاحه المستمر في ضرورة الهروب من العالم، ومنها أخيرا إهماله البالغ لعلاج جسمه، ورفضه اتباع إرشادات الطبيب له في ذلك، حتى أصبحت رائحته كريهة وتفشت على وجهه وذراعيه علامات مرض جلدي خبيث، منع أصدقاءه من معانقته عند زيارتهم له، ثم منعهم من زيارته في نهاية حياته.
ولا نعرف بالضبط في أي وقت أتى إلى الإسكندرية. ومن المحتمل جدا أنه عاش فيها مدة ما قبل التقائه بمعلمه أموبوس، عندما بلغ الثامنة والعشرين، وتخصصه على هذه المعلم، تخصصا نهائيا في الفلسفة الأفلاطونية. والأغلب أنه اختلف قبل ذلك على مدارس الإسكندرية، كانت تعلم فيها الفلسفة، ممتزجة بالبلاغة والخطابة، وانه لم يرض عن تلك الدراسة. ففاتح في ذلك صديقا له نصحه بتعلم الفلسفة على امونيوس. وعندما التقى أفلوطين بهذا الأخير، اعترف لصديقه بأنه قد وجد الرجل الذي كان يبحث عنه.
ولا نعرف شيئا عن حياته بالإسكندرية سوى اتصالا دام عشر سنوات كاملة بينه وبين معلمه، وعدا بعض اتصالات أخرى بأصدقاء جاءوا فيما بعد لزيارته بروما، عندما استقر فيها.
ولما بلغ التاسعة والثلاثين، فاجأ أصدقاءه بعزمه على ترك الإسكندرية، واقتفاء آثار الإمبراطور جوريديان الذي كان قد بدأ يهاجم في ذلك الوقت جيوش فارس في آسيا الصغرى، بغية استرجاع هذا الجزء من الدولة الرومانية، ثم القضاء على دولة فارس في فارس والهند.
علل فورفيريوس هذا القرار المفاجئ برغبة الفيلسوف تعلم فلسفات فارس والهند. وإننا لا نجد هذا التعليل مقنعا، لأن أفلوطين لم يقم بآسيا أكثر من أشهر ثلاثة، ولم يجاوز في إقامته هذه حدود آسيا الصغرى: ترك بلاد الشرق كلها بعد فشل جورديات في مهمته وقتله بمكيدة رومانية، واتجه مباشرة إلى روما، ليستقر فيها، وهذا علامة على أن الدافع لرحلته إلى الشرق قد زال بوفاة جورديان. أما قرار إقامته بروما، فلا يمكن تفسيره بغض النظر عن قراره الأول ترك الإسكندرية واقتفاء آثار جورديان، فالقراران مرتبطان فيما بينهما، والدافع إليها واحد، وسنأتي إليه عند عرض نشأة فلسفته.
وصل إذن إلى روما واستقر فيها وأنشأ مدرسته واستمر في تعليمه حتى نهاية حياته تقريبا، عندما اشتدت عليه أمراض معوية لازمته منذ مدة، فأقعدته إلى الفراش دون أن تعوق تفكيره حتى النهاية.
هذه هي الأحداث الرئيسية لحياة أفلوطين، يمكن تقسيمها إلى مراحل ثلاث، لكل منها علاقة بفلسفته، سواء أكان ذلك بمحتواها أو بجوها الروحي: مصرية صعيدية، هي مرحلة نشأة الرجل، كان لها بدون شك أثر عميق في عقليته وشخصيته، وإن كانت معلوماتنا عنها قليلة جدا، اكتفينا منها بإشارة سابقة سنأتي إلى معناها في نهاية كلامنا.
ثم مرحلة إسكندرية بدأت بعلاقاته بأمونيوس، وانتهت بتركه المدينة إلى الشرق الآسيوي ثم إلى روما. هذه المرحلة كانت حاسمة في تكوين ثقافته، ونشأة نظرياته الفلسفية، وخاصة في العالم المعقول.
ثم مرحلة رومانية ارتبطت بتأسيس المدرسة وتأليف «التساعات»، وبالصورة النهائية التي اتخذتها فلسفته، لاسيما نظريته في الإله.
ولاشك في أن انطلاق فلسفته بدأ في المرحلة الإسكندرانية، وكان متصلا أشد الاتصال بتعليم أمونيوس الأفلاطوني بالإسكندرية.
من الصعب التكلم عن أمونيوس هذا وعن التعليم الذي ناله أفلوطين على يده. والأغلب أنه كان مصريا مثل أفلوطين، وأن دروسه كانت في محاورات أفلاطون وطريقة مطالعتها وفهمها، ولعله كان أول من علم طريقة دراسة النص الفلسفي، أي بمقارنته بنصوص الفيلسوف الأخرى. والأمر المؤكد في علاقة أفلوطين به هو هذا القسم الذي أخذه هو وزملاؤه على أنفسهم، ألا يذيعوا شيئا من تعاليم معلمهم.
في هذا القسم إشارة إلى نوع تلك التعاليم ودلالة أولى على اتصال أفلوطين بمدرسة الإسكندرية: فيه ما يدل على أن تعليم الأفلاطونية بالإسكندرية كان يحمل أسرارا لا تكشف إلا للخاصة.. فالمدرسة الأفلاطونية كانت بأثينا مفتوحة للجميع، وتعاليمها معروفة علنية، أما التعليم السري، فهو خاص بالإسكندرية، وخاص بذلك العهد من الإسكندرية. لم يكن تعليما بالمعنى المفهوم، بل كان إرشادا وتلقينا Initiation. لذلك وجب اعتبار امونيوس مرشدا، ملقنا لتلاميذه، وهؤلاء مريدين له.
أما وان كنا لا نعرف شيئا عن طبيعة الإرشاد الذي تلقاه أفلوطين من معلمه، فإننا نعرف قيام تعليم اسكندراني آخر، كان هو أيضا إرشادا وتلقينا، وكان معاصرا لتعليم امونيوس، وهو التعليم الذي نجد في المجموعة الهرمسية Corpus hermelicum تعبيرا واضحا عنه. وهذا التعليم، إذ كان أوضح أثر لما يمكن تسميته في عصر افلوطين «مدرسة الإسكندرية»، هو المدخل لدراستنا للعلاقة بين افلوطين ومدرسة الإسكندرية.
حتى الوقت الذي شرع فيه أفلوطين تعلم الفلسفة الأفلاطونية على أمونيوس السقاء لم يكن هناك وجود فعلي لمدرسة الإسكندرية، أي لمدرسة فلسفية تشابه بوجه من الوجوه مدارس أثينا الفلسفية التي كان لكل منها معلم واحد، وتعاليم واحدة. لهذا السبب، يجب أن تطلق العبارة «مدرسة الإسكندرية» على نزعة فلسفية ظهرت بوادرها بمدينة الإسكندرية منذ أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، نزعة اتجهت إلى تجديد فلسفة أفلاطون بوجه عام، وإحياء نظرياته في معرفة الإله، وتوجيه تلك النظريات توجيها دينيا بوجه خاص.
نشأت هذه النزعة، وتطورت، وتجسمت،  إذا صح القول، تحت تأثير عوامل أغلبها غير فلسفي، بعضها ديني، وبعضها الآخر والأهم سياسي.

وكان الإسكندر الفاتح من أهم العوامل المؤثرة: فقد أدت فتوحاته إلى انتشار الثقافة اليونانية بين الشمال والجنوب، وبين الغرب والشرق، وإلى بداية امتزاج هذه الثقافة بالثقافات الشرقية. ـ ثم أدت أعماله السياسية وتصرفاته الدينية المرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك الأعمال إلى تحول الفلسفة بعد أفلاطون وأرسطو إلى الرواقية. وكانت الرواقية متهيئة بطبيعة نشأتها هذه إلى شيوع ورواج خارج بلاد اليونان، ومتهيئة أيضا لأن تحمل الفلسفات اليونانية السابقة، وتدمجها في فلسفة واحدة. ـ وكان الإسكندر أخيرا مؤسس مدينة الإسكندرية التي تم بناؤها على يد البطالة، فهيأ بذلك إلى تأسيس متحف الإسكندرية ومكتباتها، أي إلى تأسيس معاهد العلم والفن التي حملت لواء الثقافة العلمية قرنين من الزمن على الأقل. وكانت فتوحات الإسكندر وتنقلاته السريعة ومشروعاته في فتح جديد واكتشاف وطواف، علامات على قلق شديد في نفسه، لم يتوقف عنده إلا بموته، ولم يتوقف انتشاره في العالم المتمدن إلا على نحو مؤقت وتحت تأثير الحروب، وتحت تأثير التنظيم العلمي والسياسي الذي تم بوجه خاص بمدينة الإسكندرية، أثناء العصر البطلمي، وفي تلك المدينة وفي حوض البحر المتوسط بوجه عام أثناء الحكم الروماني. وما إن خمدت روح التنظيم والإنشاء هذه إلا وعاد القلق إلى النفوس، وعاصر ذلك القلق بداية انتشار الدعوات الدينية الشرقية، قديمة أكانت أم جديدة. وبهذا الانتشار وبفضل المرح الذي مهد إليه الإسكندر بين الفلسفات، وبين الحضارات، وبينها وبين الأديان، بين الروح الفلسفية والروح الدينية، تكونت عقلية جديدة أو نزعة جديدة، هي التي نسميها «مدرسة الإسكندرية». فالإسكندر إذن في أساس نشأة هذه العقلية وهذه النزعة، وبالتالي في أساس نشأة مدرسة الإسكندرية ذاتها.
وأحب أن أتابع في اختصار وبمدينة الإسكندرية ذاتها، مظاهر ثلاثة لتطور النزعة العقلية المذكورة، كانت بمثابة مراحل تكوين «مدرسة الإسكندرية» حتى مجيء أفلوطين.
بدأت المرحلة الأولى في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، عندما قرر بطليوس ترجمة أسفار العهد القديم للكتاب المقدس من العبرية إلى اليونانية. فأحضر خصيصا من فلسطين إلى مدينة الإسكندرية سبعين حبرا من أحبار اليهود، قاموا بإنشاء النص السبعيني للكتاب، عاونهم في ذلك بعض رجال الإسكندرية من اليهود المثقفين ثقافة يونانية، وكان ضلع هؤلاء المعاونين كبيرا جدا في إثبات النص في مرحلته النهائية: فهم لم يسهموا في ترجمة «الكتاب» فحسب بل قاموا بتأليف أسفار جديدة باللغة اليونانية، أهمها ما نسب من أسفار «الحكمة» لسليمان النبي. وتضمنت هذه الأسفار معاني جديدة على الكتب العبرية القديمة، معاني مأخوذة من الفلسفة اليونانية، من أفلاطون والرواقيين، ومرتبطة بمسألة العقل الإلهي وعلاقته بالعالم.
وفي هذا دليل على انتشار الفلسفة اليونانية بمدينة الإسكندرية وعلى تعليم هذه الفلسفة بتلك المدينة. فالمساهمون في إنشاء النص السبعيني لم يتعلموا هذه المعاني بمطالعتها في الكتب، بل تعلموها في المدارس الخاصة التي كانت مجاورة لمجامع اليهود وكنائسهم؛ هذا لأن الفلسفة كان نصيبها في المتحف ضعيفا جدا، وكانت تدرس فيه مختلطة بالبلاغة والخطابة، فكانت منظمة في مدارس خاصة أنشئت خارج المتحف، وذلك لمختف جاليات الماينة، ومن بينها الجالية اليهودية. تدرس لمن يريد من أفرادها الفلسفة مع التوراة والشريعة الإسرائيلية.
ويتضح أمر هذه المدارس الفلسفية الخاصة اتضاحا أكبر عندما نبلغ المرحلتين الثانية والثالثة لتطور مدرسة الإسكندرية.
تبدأ المرحلة الثانية في مستهل العصر الميلادي، وتتمثل بنوع خاص في تأليف فيلون اليهودي السكندري الذي توفي حوالي عام 40م. وتأليف فيلون هذا شاهد في نظري على تطور النزعة العقلية التي أشرنا إليها وعلى بداية تكوين مدرسة الإسكندرية، وذلك لأسباب رئيسية ثلاثة: الأول أن تأليفه يشهد على علم غزير لتاريخ الفلسفة اليونانية، علم لابد كان منتشرا في ذلك الوقت بمدينة الإسكندرية، والغالب أن فيلون حصل عليه في نهاية ثقافته المدرسية بدليل اعترافه بأن الفلسفة كانت الغاية التي من أجلها حرص على تلقي العلوم من صغره. والسبب الثاني أن تأليف فيلون هذا يدل على استخدام الفلسفة اليونانية في شرح العهد القديم للكتاب المقدس وأحداثه، وذلك لغاية فهم الكتاب فهما عميقا يهيئ صاحبه ـ باعتراف فيلون ـ إلى المرحلة الأخيرة من المعرفة، وهي مرحلة التصوف أي تأمل الإله والاتحاد به. والسبب الثالث أن في تأليف فيلون شهادة على اتصاله بجماعات من اليهود تألفت فيلون شهادة على اتصاله بجماعات من اليهود تألفت بجوار الإسكندرية وعلى ضفة بحيرة مربوط، مماثلة لتلك الجماعات التي تألفت في فلسطين بجوار البحر الميت. انتظمت هذه الجماعات على هيئة صوامع خصصت لأفراد أرادوا التفرغ للتأمل في الإله. ويشعرنا فيلون بأنه لولا انشغاله بأمور الطائفة الإسرائيلية بمدينة الإسكندرية لكان انضم إلى تلك الجماعات. وفي رأينا أن جماعات «المتأملين» هذه لم تكن قاصرة على اليهود، بل كانت شائعة بمدينة الإسكندرية على هيئة مدارس خاصة هي مدارس الإرشاد والتلقين التي أشرنا إليها في كلامنا عن أمونيوس معلم أفلوطين.
لذلك نبلغ الآن المرحلة الثالثة والأخيرة لتطور النزعة العقلية التي انتهت بنشأة «مدرسة الأسكندرية» وتتمثل هذه المرحلة في التعليم الفلسفي والديني الذي نجد صداه العميق فيما عرف بالمجموعة الهرمية.
أول ما يجب قوله عن المجموعة أنها لا ترجع إلى العصر المصري القديم، وأنها ليست من تأليف كهنة مصريين وأنهاـ خارج الأجزاء الخاصة بالتنجيم التي ترجع إلى العصر الفارسي في مصر، وخارج الأجزاء الخاصة بالكيمياء التي ألفها مصريون أثناء العصر البطلمي ـ خارج هذا، فالمجموعة كلها ترجع على النصف الأخير من القرن الميلادي الثاني؛ وان مؤلفيها كانوا إما يونان تمصروا أو مصريين تهلنوا، وهو الأرجح. وكانت هيلنيتهم أقوى من مصريتهم، فقد كان تأليفهم مرتبطا أشد الارتباط بماكان يكتب أو يعلم عن الفلسفة الأفلاطونية في ذلك الوقت، وكان يحاكي التأليف الفلسفي المعاصر في تعظيم الشرق وأنبيائه وأديانه،  وأديان فارس والهند بوجه خاص، وفي محاولة الجمع بين هذه الأديان وهؤلاء الأنبياء من ناحية، وبين فلاسفة اليونان ـ أفلاطون وفيثاغورس خاصة ـ من ناحية اخرى .
وكان أسلوب التأليف لتلك المجموعة من علامات العصر أيضا.كان أسلوب الأقوال ....... أي أسلوب التأليف القصير، قد لا يعدو أحيانا بعض جمل، وقد يضم أحيانا أخرى عدة صفحات: أسلوب حكم ومواعظ وإرشاد في الحالة الثانية، ودرس من نوع خاص: يبدأ بمناقشة قصيرة، بين معلم وتلميذ، وينتهي بدعاء الإلاه هرمس ـ طوت، اله الحكمة والتأليف عند قدماء المصريين.
وقد تبين بعض المؤرخين المعاصرين ـ ومن أخصهم بوسيت ....... وفستوجيبر ........ في هذا التأليف، وخاصة في المواضع التي يطول فيها علامات على ان التعليم لم يكن في أساسه بين معلم وفصل مدرسي، أو بين معلم ومدرسة،بل كان بين معلم وتلميذ واحد. وأن ذكر رفيق لهذا التلميذ فلأن التلميذ الأصلي كان غائبا لسبب من الاسباب.
ثم هناك خاصية أخرى لهذا التعليم، تظهر في المرحلة الأخيرة منه، هي اعتماد المعلم على الأساطير كما لو كانت مصدر تفكيره، أو على وحي إلاهي يبدو أنه تلقاه مباشرة أو سمعه من الذين تلقوه. هذه الأسطورة مختلفة كل الاختلاف عن الأساطير التي كان يلجأ إليها أفلاطون في محاوراته، سواء لشرح فكرة غامضة او للتمثيل عليها.
عن اسطورة المعلم الهرمسي كانت موضع قاطع.
لنحاول الآن أن نبين في اختصار فحوى التعليم الهرمسي في المسألة الرئيسية، أي في مسألة معرفة الإله، تعليما موجها كما ذكرنا في المبدأ إلى خلاص النفس.
ابتدأ الهرامسة في هذه المسألة باتباع الموقف الذي اتخذه أفلاطون في محاوراته: وهو أن الإله يعرف عن طريق: طريق التأمل في العالم ونظام، تأملا يؤدي إلى إثبات وجود عقل منظم للعالم؛ وطريق التقشف والزهد، وترويض عن البدن حتى تتم لها معرفة ذاتها، والإله الذي تنتمي إليه.
ولكن هناك مرحلة ثالثة، مرحلة اتصال واتحاد، أشار إليها أفلاطون في غموض، ولعله لم يستطع المضي فيها لنقص في ثقافته ورياضته الدينيتين، وضعف في إيمانه بالوحي الإلهي: هذه المرحلة لا تتم بمجرد الاعتماد على قوى العقل الطبيعية، ولا يقف الإنسان فيها عند معرفة الإله بل يبلغ فيها مرتبة الاتحاد.
وأساس هذه المرحلة أن الإله، كما قال أفلاطون في «الجمهورية» هو الخير، وأن الخير يعرف في تعارضه مع الأجسام. فالخير لا جسمي Asômatos أو هو اللا جسمي To asômaton. والخير خير لأن لا شيء يحده كما هو الحال في الأجسام. أنه اللاجسمي، واللامحدود.
وما اللاجسمي؟ وما اللامحدود؟ ليست معرفة الإله ـ كما توحي به صيغة السؤال ـ معرفة سلبية. ان السؤال السابق معناه: ما الخير الذي كان في جوهره لا جسميا لا محدودا؟ والإجابة هي عندئذ: الخير هو الفكر O nous لا الفكر من حيث هو صفة عارضة لكائن مثل الإنسان لا يتعادل كلية وهذه الصفة ذاتها. الخير هو الفكر من حيث هو وجود، إنه الوجود الفكري.
وإن صح ذلك، فحركة النفس نحو الإله للاتحاد به، هي محاولة الإنسان ليتحول إلى الوجود الإلهي، إلى وجود فكري خالص.
ويمتاز هذا الفكر الإلهي بأنه أسرع الأشياء وأقواها «ولو أمرت فكرك بالذهاب إلى الهند، لوصل إليها بسرعة تفوق أمرك ذاته. ولو أمرته بأن يطير إلى السماء، لطار إليها، ولما عاق طيرانه عائق».
هذا التحول للفكر الإنساني إلى الفكر الإلهي هو التصوف ذاته. وغاية التصوف أن تحل القوة الإلهية محل الفكر الإنساني ومحل الوجود الإنساني.
يشرح الهرامسة هذا التصوف في نص غريب:
«اعمل على أن تصبح أكبر فأكبر، حتى يكون مقدارك لا متناهيا، وذلك بقفزة تحررك من جميع الحدود المكانية والزمنية، واعتبر أن لا شيء متعذر عليك. اعتبر نفسك خالدا وقادرا على فهم كل شيء، كل فن وكل علم، وخاصة كل كائن حي. ارتفع فوق كل علو، وانزل تحت كل عمق. اجمع في نفسك تأثيرات جميع الكائنات: النار والماء، اليابس والرطب. تصور أنك في كل مكان: على الأرض وعلى البحر، وفي السماء؛ لم تولد بعد من بطن أمك، شاب، شيخ، ميت، عائش بعد الموت. ان احتضنت بالفكر جميع هذه الأشياء معا، من أزمنة وأمكنة، وجواهر وكيفيات، ومقادير، استطعت فهم الإله ومعرفته.
أينما سرت جاء الإله للقائك، ومثل أمامك حتى في المكان الذي لا تنتظره فيه، وحتى في اللحظة التي لا تتوقعه عندها، نائما كنت أم مستيقظا، مسافرا على البحر أم على البر، في الليل أم في النهار، متكلما أم صامتا، إذ لا يوجد شيء إلا كان هو».
ويلجأ الهرمسي إلى تقريب هذا الوجود الفكري من أشبه الأشياء به، من الضوء في مصدره وجوهره الأصيل. وهو مدين في ذلك إلى تشبيه أفلاطون للخير بالشمس. ولكن الهرمسي يجاوز التشبيه ويجاوز التقريب، فيعادل بين الفكر والنور، واقفا موقف الأديان المعاصرة: فالإنسان الذي يتحول إلى وجود فكري خالص، يصبح كائنا نورانيا خالصا.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here