islamaumaroc

مسرحية مزيفة.. وناظم حكمت الشاعر الإنساني

  دعوة الحق

العددان 60 و61

فضيحة مصطنعة
في الشهر المنصرم عمد أحد صحفيي مجلة (الكواكب) القاهرية إلى كتابة مسرحية بعنوان «الهواء الأسود»، ثم نسبها إلى أديب سويسري وقدمها على أنها من أدب اللامعقول، وقرأتها لجنة مسرح الجيب المهتمة بنشر الإنتاج المسرحي الجديد، فقرظتها وأشادت بها.. وكتب أكثر من ناقد يحللها باعتبارها نموذجا من نماذج مسرح اللامعقول كما يتمثل عند: بيكيت، ويونسكو، وتوفيق الحكيم..
ولكن الصحفي، مدبر اللعبة، سرعان ما أعلن أن المسرحية المنشورة ليست للأديب السويسري، وإنما هي من إنتاجه، كتبها فيما لا يزيد عن نصف ساعة متوخيا من ذلك إثبات تمكن عقدة النقص من النقاد العرب الذين مايزالون يصفقون لكل وارد من الغرب، ويحتقرون الإنتاج المحلي..
واغتنم عباس محمود العقاد الفرصة ليسخر من النقاد الشباب فكتب يقول:
«هؤلاء النقاد المحترمون أول من ينبغي أن يساق إلى «محكمة التزييف» لحماية الفكر الإنساني في هذه الأمة من وبال دعواه. وأهون ما يستحقون عليه الجزاء الرادع أنهم استخفوا بدعوى القيادة الفكرية التي لا تكلفهم كثيرا ولا قليلا من العلم بأصول شيء من الأشياء في عالم الثقافة».

وانبرى الدكتور مندور يرد:
«... تناولت كثير من الصحف والمجلات هذه الحادثة السخيفة وراحت تشهر بالنقاد وتتشفى فيهم، بل واختلط هذا الاحتيال السخيف عند أديب كبير كالأستاذ العقاد باتجاه اللامعقول في ذاته، فكتب في مقالة اضافية يسفه النقاد ومذهب اللامعقول معا ويؤكد أن أصحاب اللامعقول والنقاد المعجبين به لا يستحقون في رأيه إلا ما يسميه بالنقد اليدوي، أي من وسائل الحاجة بين أدباء ونقاد وكتاب يحترمون أنفسهم مثل الأستاذ العقاد».
وقد ذكرتني هذه الحادثة بأخرى تقرب منها دبرها صحفي ناشئ سنة 1957، إذ جمع مقتطفات من الكتابات الأولى لروائيين لامعين أمثال توفيق الحكيم ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله، ومحمود تيمور.. ثم عرضها عليهم ليبدوا فيها رأيهم على أساس أنها من إنتاجه؛ وكانت آراؤهم كلها تصف تلك المقتطفات بأنها فجة مفتقرة إلى النضج.. ومن تم استنتج الصحفي بأن الاسم المشهور يغطي في كثير من الأحيان على ضعف صاحبه، لأنه يصبح بمثابة «الماركة المسجلة»، بكفيه انه أثبت تفوقه في المرة الأولى ولكن لعبة «الهواء الأسود» أخطر من الأولى لأنها تطرح أكثر من سؤال... وأهم سؤال في نظري هو: هل يحق لرئيس تحرير مجلة أن يوافق على نشر إنتاج مزيف دون التأكد من كاتبه أو وجود نصوصه باللغة المترجم عنها؟
إن هدف رئيس تحرير مجلة الكواكب ـ خصوصا وهي مجلة معروف بابتذالها وحرصها على الإثارة ـ ينحصر في تحقيق ربح مادي، لأن من شأن «الفضائح أن تضاعف البيع... إلا أن عدم التمييز بين فضائح «النجوم» والأدباء يعد استهتارا بقداسة الثقافة ومهمة الصافة...
أما السؤال المتعلق بمسؤولية النقاد وضرورة معرفتهم للآثار التي يقيمونها، فأعتقد أن من التعسف مطالبتهم أن يشترط في الناقد سعة الاطلاع، والثقافة الواسعة.. ولكن الأهم من ذلك توفره على ملكة الملاحظة والمقارنة، وتمثل ما يقرأ، ليستطيع أن يعكس انطباعاته وآرائه في صورة متزنة واعية.. وليس من الضروري أن يقرأ مسرحية صدرت بالألمانية أو الإنجليزية ليكتب عنها عند ترجمتها إلى العربية، فهو يستطيع بحسه وخبرته أن يدرك اتجاه الكاتب وآفاق تفكيره، ويستطيع أن يموضعها بالنسبة لباقي الاتجاهات والظروف الصادرة فيها..
من أجل ذلك فإن فضيحة «الهواء الأسود» لا تعدو كونها زوبعة في فنجان، وجهدا ضائعا لإثارة فضيحة مصطنعة..
ولا يفهم من كلامي أن النقد العربي بخير، وأنه لا يعاني من الخلط والدخلاء.. بل إنني أتمنى مخلصا أن يحتل النقد مكانته المستحقة، وأن يجتمع النقاد العرب في مؤتمر خاص ليتدارسوا المشاكل المطروحة، وليوضحوا المقاييس المبهمة، مثلما يفعله النقاد في معظم الأقطار الأوروبية(1).

ناظم حكمت الشاعر الإنساني
عندما نعي ناظم حكمت الشاعر التركي يوم الأحد 2 يونيو، كتبت عنه معظم الصحف والمجلات على اختلاف نزعاتها، متغاضية عن كونه منتميا إلى الحزب الشيوعي، وراثية بموته الروح الشاعرية الرحبة التي عزفت ألحانا ستخلد في مسمع الدهر.. فما هو سر هذا التقدير؟
لعل مصدره ذلك الموقف الرائع العميق الذي اتخذه إزاء مشاكل وطنه وإزاء مشاكل العالم أجمع.. فرغم انتسابه إلى سلالة ناظم باشا، أحد دعائم الإمبراطورية العثمانية، ورغم الترف والبذخ المميزان لطبقته.. فإنه استطاع أن يتنصل من تلك العقبات «القبلية» ليلتحم مع السواد الأعظم من الشعب التركي الذي كان يبحث عن الخلاص من خلال ثورة كمال أتاتورك.. ثم بعد ذلك لتقويم الانحرافات الجديدة، ورواسب عهد «الرجل المريض».
ولكن ناظم الذي شهد في طفولته انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعاصر في بداية شبابه قيام الثورة ثم مرحلة الخيبة.. سرعان ما أسرت مشاعره أصداء الحدث العظيم. الذي وقع بروسيا قريبا من حدود وطنه.. وإذن فليعبر البحر الأسود ليعاين بنفسه ماذا يصنع في موسكو. وهناك توثقت صلته بشاعر الثورة السوفياتية مايكوفسكي، وبالمذهب «المستقبلي» Futuriste ومعتنقيه.. فلم يعد مفهومه للشعر منحصرا في تنميق القصائد والحكم.. بل أصبح يؤمن ـ مثل اتباع هذه المدرسة ـ بأن الشعر والحياة كلاهما في حاجة إلى أن يصنع من جديد، بروح مغايرة للأفكار العتيقة..
وهكذا انكب ناظم حكمت يدرس الماركسية، ويتعمق في هضم تيارات المسرح الجديد.. فامتلأ إيمانا وحماسا بالرسالة التي تنتظره وهي أحداث تغيير جذري في الأدب التركي..
وإذن فليعد إلى وطنه تركيا ليحمل مشعل التجديد والتغيير.. ليناصر المستضعفين، ويغني لهم أناشيد الأمل.. ولكن الرسالة التي عاد ليبشر بها تتعارض مع سياسة الحكومة، فألقي عليه القبض ليمضي سبع عشرة سنة في سجن «بروس» الرهيب.
إلا أن الشعر المجنح لم تكن جدران السجن السميكة لتحول بينه وبين الأفئدة المتعطشة لأغاني الحرية والثورة.. وسرعان ما ذاعت داخل تركيا وخارجها لتبوأه مكانة عالمية بفضل الطابع الإنساني الذي يشع من تجاربه وصوره.. تلك المكانة التي حذت بكتاب وأدباء العالم على تنظيم حملة عالمية تطالب بإطلاق سراحه.. وتكللت الحملة بالنجاح وخرج البلبل الغريد من قفصه ليعانق الجماهير التي أحبها من أعماقه.. ولكن الوضع حتم عليه أن يعيش في المنفى، فرجع إلى موسكو حيث حصل على حق المواطنة السوفياتية.. وحيث ظل إلى آخر حياته واعيا، متحررا، جسورا على الملاحظة والنقد، عزوفا عن العقائدية الجامدة...
وقد ترك في جميع المؤتمرات الافريقية الآسيوية التي شارك فيها أثرا طيبا، وقبسا خالدا من ثوريته..
وكانت كل أشعاره تنضح بحب الإنسان أينما وجد، وبالإيمان العميق في غد مشرق قوامه العدالة والمحبة.. وهل هناك أقوى من هذا الإيمان الذي يتجلى في الامنية التي تعبر عنها قصيدته:
«وصية» إذ يقول:
«يا أصدقائي إذا لم يقدر لي أن أحيا ذلك اليوم
«وإذا ما مت قبل أن يشرق يومنا الآخر
«فاحملوا رفاتي إلى «الأناضول»
وادفنوني بإحدى مقابر القرية»

(1) سينعقد من 25 إلى 27 يوليو بباريس مؤتمر الجمعية العالمية للدراسات الفرنسية، وسيكون الموضوع الأساسي لهذا المؤتمر هو «النقد وأشكاله» ومن بين الاعلام الذين سيشاركون في هذا المؤتمر جان ستاربونسكي، وجورج بلان، وجاتيان بيكون، وكثير من أساتذة السوربون...
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here