islamaumaroc

بمناسبة المائة التاسعة لذكرى ابن حزم: عصره وإنتاجه

  دعوة الحق

العددان 60 و61

قبل أن تحاول أن نحيط ببعض مظاهر ابن حزم ذلك الكاتب العظيم الذي أنجبته مدينة قرطبة من بين مفكريها نود أن نلقي نظرة ولو سريعة على عصر ابن حزم وما كانت عليه الأحوال في ذلك الزمن إما له من تداخل بين الوسط والإنتاج الفكري ولتأثير البيئة على أصحابها، مع العلم بأن هذا لا يكفي لتفسير ظهور كتاب وشعراء فطاحل من الآونة إلى الأخرى إذ أنه يبقى مجال للمواهب الخاصة وللعبقرية الشخصية.
على كل حال فما كانت عليه الأندلس مجملا من الناحية السياسية والفكرية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري آخر القرن العاشر المسيحي الذي أنجب ابن حزم الذي يعد بمثابة علم من أعلام الدين، والشعر والأدب والسياسة والتاريخ والفلسفة فقد توفي الخليفة العظيم عبد الرحمن الناصر سنة 350 هـ بعد عهد مزدهر دام خمسين سنة قضى على الاضطرابات وهيأ للناس رخاء وأمنا ما عدا على رفع شأن العلم والعرفان. وقد ساهم الخليفة مباشرة في إحياء هذه الحركة العلمية بتقريبه له الكتاب والشعراء وفتح خزائنه لهم. كما اعتمد في حكمه على الصقالية الذين كان يثق بهم أكثر من العرب والبربر، حتى كان كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه. وقد يصف أحمد أمين قرطبة في هذه الفترة في كتابه ظهر الإسلام ج 3 فيقول:
« ومن أجل هدوء البلاد وطأ نيتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، حتى كانت قرطبة تفوق كثير من مدن أوربا. ازدهرت التجارة والزراعة، حتى بلغ دخل الدولة السنوي من طريق السرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر 20 مليون دينار، ويقول الأستاذ بروفنسال : أنها بلغت فيما بعد 40 مليونا وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل على حضارته، كالأوصاف البديعة التي وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن هذا، وسماها باسم جارية حظية عنده. قالوا أنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل في خمس وعشرين سنة. وبنى فيها قصرا للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة، وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية.
وهذا ما حذا بابن حزم أن يكتب رسالة في فضل علماء الأندلس. عاب فيها على أهل بلده تقصيرهم في ذكر علمائهم وآثارهم، فقد بين في رسالته هذه أن الأندلس لا يقلون على الشرقيين في سائر العلوم اللهم إلا ما كان من علم الكلام والحساب والهندسة وهذا ما يؤكده الشقندي في رسالة له في فضل الأندلس: « إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم من الفضلاء والأدباء والشعراء ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبت أخبارهم ودرسوا ودرست آثارهم» وكان من ملوكهم العلماء : المنصور بن أبي عامر، وبنو عباد، وبنو صادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو هود. ومن وزرائهم الأدباء الذين بالغوا شوطا عظيما في النظم والنثر.
وقد اشتهر منهم في الفقه عبد الملك بن حبيب، وأبو الوليد الباجي، وأبو بكر بن العربي، وأبو الوليد ابن رشد وفي الحفظ ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى وتية العلم التي اعتبرها فوق كل رتبة. وقد يطول بنا الكلام لو أردنا ذكر مشاهيرهم ولنكتف بالإشارة إلى اللغوي الكبير ابن سيده صاحب كتاب الحكم، والنحوي أبي علي الشلوبني والفيلسوف ابن باجة، والنجم المقتدر ابن هود والطبيب ابن طفيل والأديب ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد. أما مدينة قرطبة نفسها لقد كانت عاصمة ملك ومركز أدب وعلم، وصفها الثعالبي بهذا التعبير «وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم، ومركز العلم، ومنار التقي، ومحل التعظيم والتقدير». وقد كان للفقهاء سطوة كبيرة حيث كان الخلفاء لا يقدمون على كبيرة أو صغيرة إلا بعد استشارتهم، وكان جلهم من أهل السنة والجماعة من أتباع مالك. كما ورد ذلك عند عدة مؤلفين من بينهم الجغرافي المقدسي الذي اهتم كثيرا بالفرق الإسلامية والأديان في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » قال « وأهل الأندلس على مذهب مالك وقراءة نافع وهو يقولون: «لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه. وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه.. »
فعلى هذه الحال من ازدهار فكري وأدبي ونو من التعصب المذهبي كانت الأندلس على عهد دولة الأمويين.
فبعد وفاة الناصر سنة 350 تولى ابنه الحكم فصار على سيرة أبيه.
وقد كان كذلك ولوعا بالعلم والأدب ويجمل بنا أن نذكر في هذا الصدد، مبلغ عنايته بالعلم عن ابن حزم نفسه حيث قال: إن عدة الفهارس في خزانة الحكم العلمية، التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة وليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط ».
وقد توفى سنة 366 بعد حكم طال ست عشرة سنة. وبوفاته ضعفت الدولة الأموية وبدأت تظهر علامات الفتور والاضمحلال على العهد الذهبي للأندلس بقيام الفتن والاضطرابات ومن ثمة لم تقم للأمويين قائمة إذ استثب الأمر للوزراء والحجاب فنشأت بذلك دولة بني عامر في عهد هشام ابن الحكم الذي كان يبلغ عشرة أعوام فقط، فبانقراض الخلافة الأموية استقل كل وال بولايته، وبدأ عهد ملوك الطوائف في الأندلس فظهر ابن جهور في قرطبة وابن عباد في إشبيلية والفتن قائمة حتى ملك الأندلس يوسف بن تاشفين من المرابطين.
هذه نظرة خاطئة عن الدولة الأموية وانقراضها الذي يصادف العهد المضطرب الذي شهده وعاشه ابن حزم. فكيف تكون نشأته وتربيته وانفعالاته في مثل هذه البيئة؟

أصله، ونشأته، وشبابه:
اسمه الكامل: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، وقد أجمع مترجموه على أنه ازداد يوم آخر رمضان سنة 384 هـ الموافق 7 نوفمبر 994 بقرطبة. وكان ينتمي إلى عائلة أصلها من قلعة « منشت ليشم » في إقليم الزاوية على حسب « إرشاد الأريب » ولم يعتنق الإسلام إلا جده الأعلى يزيد الذي كان مسيحيا وذا أصل فارسي. وتولى والده الوزارة للحاجب المنصور بن أبي عامر ثم لابنه المظفر وأسرته كما قال الفتح بن خاقان : « بنو حزم فتية علم وأدب وتنبيه ومجد وحسب » وقد طعن بعض الناس في انتساب ابن حزم إلى فارس كما ورد ذلك عند ياقوت. وقد تغير حال الأب والابن بتغير السلطان وأبعاد العامريين خصوصا بعد أن تولى الحكم هشام الثاني في ذي الحجة عام 400 الموافق ليوليوز سنة 1010. فتوفي أبوه بذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة بعد أن عاش هذه الانقلابات السياسية والاضطرابات والفتن الناتجة عنها التي غيرت حاله وأساءت إليه بعد عز شامخ ورفاهية كبيرة. فغادر أبو محمد علي بن حزم قرطبة في محرم 404 وكانت هذه قد أثرت فيها الفتن. ومن حسن حظنا أن ابن حزم أعطانا صورا غافية عن طفولته وشبابه في كتابه « طوق الحمامة في الألف والألفة » الذي يمكن أن يعد من عدة وجوه كترجمة ذاتية للكاتب أو « اعترافات » له مكتوبة في قالب شاعري يسحر من يطلع ويغمره كما يمكننا أن نرى فيه، كما سيأتي ذلك من بعد لما نتكلم عن ابن حزم كأديب وشاعر، دقة تصويره وتعبيره لما يروج في النفوس من الخواطر والهواجس وانفعالات الأشخاص خصوصا النساء منهم الشيء الذي يحظه يذكرنا في أولئك الكتاب الفرنسيين الذين ظهروا في القرن السابع عشر كراسين على الخصوص، ولا غرابة في ذلك إذ المنبع واحد، وهو الثقافة اليونانية. والذي يهمنا هنا هو أننا نجد معلومات ضافية عن نشأته وشبابه ودراسته ومراهقته وحبه في تأليفه هذا الذي قد يكون من الراجح أنه انتهى من كتابته سنة 418 وعمره يناهز حينئذ أربعا وثلاثين سنة. فقد أخبرنا ابن حزم أنه نشأ نشأة المترفين كما يؤكد ذلك صاعد حين يصفه بأنه كان: « يلبس الحرير ولا يرضى بالمكانة إلا بالسرير ». وقد وصف ابن حزم قصور آبائه التي كان ينتقل بينها وهو منعم غير مكلف بعمل حتى توفي والده.
وامتازت تربية ابن حزم بالعناية الخاصة التي أولاها له أبوه حيث جعل له المربيات اللواتي اعتنين بنشأته وتهذيبه. ومن جملة ما يحكى عن طفولته قوله : « ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري » لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في الشباب وحين تبقل وجهي، وهن علمتني القرءان ورويتني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط. ولم يكن وكدي وأعمال ذهني منذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدا، ألا تعرف أسبابهن وللبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن » وبدل أن تصرفه هذه العيشة الراضية والتربية الأرستقراطية عن الجد والمثابرة في طلب العلم فإنها ضاعفت إحساساته وشعوره وتمت فيه مدارك الملاحظة واستقراء الأمور وتميزها. ويخبرنا ياقوت أن ابن حزم: « أقام في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه ست وعشرين سنة » كما وزر للمرتضى صاحب بلنسية وحارب في جيشه بغرناطة وقد أسر سنة 403. ثم لما تولى الخلافة صديقه عبد الرحمن المستظهر في رمضان سنة 114 أسند له الوزارة التي أقام فيها بضعة أشهر حتى مقتل عبد الرحمن في نفس السنة وعاد ابن حرم إلى الوزارة من جديد أيام هشام المعتمد فيما بين سنة 418-422 وتنتهي هنا حياته الوزارية التي سيتركها نهائيا ليصرف كل جهوده فيلا الألم والتصنيف والجدل وبت دعوته في الذهب الظاهري والدفاع عن آرائه.
وقد تسبب لابن حزم من أجل تشييعه للأمويين نكات حيث انقرضت دولتهم وقامت دولة العلويين الطالبيين وابن جهور خصوصا، وامتاز ابن حزم بصراحة متناهية ورباطة جاش جعلناه لا يتراجع في الحق ولا يقبل مهاوده فيه، ولا يتخذ بل المصانعة أو الرياء أو ما تسميه بالسياسية والمداراة. وقال يضاف تلك النكبات التي خلت بقرطبة واعتقاله وتغريبه: " ثم ثغلبا بعد قيام أمير المومنين هشام المريد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والتعريب والإغرام الفادح والاستبشار وار زمت الفتنى والفئة والقت باعها، وعمت الناس وخصتنا إلى أن توفي أب ى الوزير رحمه الله ونحن في هذه الأحوال، بعد العصر يوم السبت ليلتين بقيتا من دي القعدة عام 402 هـ واتصلت بنا تلك الحال بعده... ثم ضرب الدهر ضرباته، واجلينا عن متازلنا وتغلب علينا جند البربر فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة 404 هـ..." وما هو يصف خراب دوره مستعملا نسرا بديعا ممتعا: "وقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة وقد استخبرته عنها:  أنه رأى دورنا ببلاط مفيت في الجانب الغربي منها، وقد أمحت رسومها وطمت أعلامها، وخليت معاهدها، وغيرها اليلى، وصارت صحاري مجذية بعد العسران، وفيافي موحية، بعد الأنس، وخراب متقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن..." ثم يزيد قائلا في خاتمة كتابه " طرق الحمامة" ما كان عليه من اضطراب وترحال ونتكر الأحباب: "كانت تعلم أن ذهنية متقلب وبالي مهتم بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان ونكبات السلطان، وتغير الإخوان وفساد الأحوال، وتبدل الأيام وذهاب الوقر والخروج عن الطارف والتألف، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب الجاد والمال، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس من الرجوع إلى موضوع الأهل، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار..." فلم يذق ابن حزم الاستقرار إلا في أول عهد شبابه ثم لم ينعم بعد بطمأنينة الاستقرار لا في أي مكان من أجل إغراق حساده به ووشايتهم له لعدة لسانه وإقراطه في الصراحة. فهذا ما جعله يطوف بين المرية وشاطبه وبتنية واشبيلية وجزيرة ميورقة وبرحل إلى القيروان فيرجع لوطنه الأندلس.

طلبه وعمله ومصنفاته:
لقد تقدم لنا أنه تعلم مبادئ العلوم القرآن على يد نساء من قصر أبيه لكن لم يستوعب الأمور بل حتى في السادسة والعشرين من عمره وهو بجهل أبسط الأمور الفقهية كما يشهد بذلك "إرشاد الأريب" أنني يلفت إلى هذا الشأن وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات" وقد يخبرنا الوزير الإمام أبو محمد العربي عن الظروف المباشرة التي دفعت ابن حزم ليتفقه في علوم الدين وهي جهله بأبسط ألمور الفقهية. أما الفتن والمحن فقد أرغمته كذلك أن يترك الوزارة ويتعاطى الدرس والبحث والتأليف، والمقري وابن بشكوال في الصلة، يحددان تاريخ أول ساعة بقولهما: "وأول سماعه عن ابن الجسور قبل الأربعمائة".

شيوخه:
سمع ابن حزم كذلك على عدة شيوخ تخص بالذكر منهم : أبا عمر أحمد بن الحسين ويحي ب ن مسعود ابن وجه الجنة ويوسف  ابن عبد الله القاضي، وأبا بكر حمام بن  أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن سات. وقرأ الفقه على بن عبد الله بن دخوف. وقد أخذ بالقول بالظهر على ما يظهر عن مسعود بن سليمان بن مقلت أبو الخيار. قال الضبى: "مسعود  فقيه عالم زاهد يميل إلى الاختبار والقول بالظاهر، ذكره أبو محمد بن حزم وكان أحد شيوخه" وقد تتلمذ لشيوخ كثيرين وذكر هو نفسه في " طوق الحمامة" أنه طلب الحديث على سائر شيوخ المحدثين بقرطبة.
تلاميذه :
وقرأ عليه بدوره طلاب منهم أبو عبد الله الحميدي وإبنه الفضل أبو رفع، والإمام الوزير أبو محمد بن العربي.
وقد روي عنه الكثير وصاحبه ابن العربي سبعة أعوام وقرأ عليه أكثر تصانيفه، كما يشهد بذلك: "صحبت الإمام أبا محمد علي بن حزم سبعة أغوام، وسمعت منه جميع مصنفاته" حاقا المجلد الأخير من كتاب "للفصل". ومما يروي عن عزيمته لطلب العلم وحسن نيته مجادلته مع الباجي الذي قال له: "أنا أعظم منك همسة في طلب العلم لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بشكاة الذهب، وطلبته وأنا أسهر بقتديل بائت في السوق فاجابه ابن حزم بهذا الجواب المسكت الذي يظهر ذهاء مؤلفنا وذكائه ك وغايتي القصوى من طلب العلم من أجل العلم، هذا الكلام عليك لا لك، لأنك طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل عالي، و أنا طلبته في حين ما تعلمته وما ذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والأخيرة". فكانت غايته هي نشر العلم والعرفان وأنشد في ذلك:
منادي من الدنيا علوم أيتها
                  وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن، التي
                 تأسى رجال ذكرها في المعاصر
وقد بلغ مناه بانصرافه الكامل للعلم المنقول والمعقول الشائع في عمره، فأبو مروان بن حيان يقول فيه:«كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدال ونسب وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعليم القديم من المنطق والفلسفة" والذهبي يشهد بدوره أن: "ابن حزم رجل من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة" قطعه الحاد وصراحته التي لا تعرف حدودا، ومعارضته لخالفيه أشد الاعتراض تلك هي ميزته وظاهرة من مزاجه جعلته يناظر ويجادل بأبلغ العبارات وأشدها ولا يقبل مهاودة ممن لا يشاطره رأيه كما يتجلى ذلك في كتبه الذهبية والفقهية التي يروي فيها جدالة ككتابيه "الملل والأهواء والنحل" و "المحلى".
مصنفاته:
ورجل كابن حزم الذي امتاز بفكر عميق ومعرفة واسعة صرف كل همه للعلم ونشره، لا غرابة أن يصنف الكتب الكثيرة المتعددة المواضع وأكثرها في الفلسفة والمنطق والكلام والشريعة والحديث والأدب. ومن المؤسف جدا أننا لم تتوصل إلا بالقليل من تلك الكتب التي كانت على ما يزعمه مترجمو ابن حزم نحو الأربعمائة. وفقدانها راجع إلى أمرين: صراحة ابن حزم وجدالة العنيف، وعدم تسامح الحكام والعنصرية المذهبية الملكية السائدة حينئذ في الأندلس والتي أدت بابن عباد تحت ضغط الحساد والفقهاء إلى إحراق كتب ابن حزم باشبيلية. وقد تعرض ابن حزم لذلك بقوله:
قال تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
                 نضمنه القرطاس بل هو في صدري
يبر معي حيث استقات ركائبي
                  وينزل إذ أنزل ويدهن في قري
دهعوني من إحراق رق وكاعد
                 وقولوا يعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة
                 فكم دون ما تبعون لله من ستر
وستقصر على ذكر البعض من كتبه التي وصلت إلينا حتى لا يقع ملل من جراء أسمائها كلها فنذكر على الخصوص:
- إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد
- الأحكام في أصول الأحكام
- الأخلاق والسير
- أخلاق والسير
- أخلاق  النفس
- أسماء الله الحسنى
- الأصول والفروع
- إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقص ما بايديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل
- الأمانة والسياسة .
- البيان عن حقيقة الإيمان
- التقرير لحدود المنطق
- جمهرة الأنساب
- شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله
- الصادع في الرد على من قال بالتقيد.
- طوق الحمامة
- افصل في الملل والأهواء والنحل
- رسالة في المفاضلة بين الصحابة
- كشف الالتباس لما بين الظاهرية وأصحاب القياس
- المحلي في شرح المحلي
- مداواة النفوس وتهذيب االأخلاق والزهد في الرذائل
- الناسخ والمنسوخ
- نقط العروس
- نكت الإسلام
ومن خلال مصنفاته التي وصلت إلينا بتبين أن ابن حزم جمع بين العلم والأدب والشعر والأصول والفقه والتاريخ والفلسفة والكلام والجدال لذلك رأينا لزاما أن نشير ولو بإيجاز إلى هذين الظهرين الذين قلبا عليه فهو شاعر أديب ذو لوعة صادقة وعاطفة ناطقة وشعور رقيق، وفي نفس الوقت أمام كبير ومجادل فقيه يدافع عن آرائه بكل ما أوتي من صراحة وقوة.
ابن حزم شاعر أديب:
وقد كان لمؤلفاته هذه تأثير عميق على جانبه الآخر الفقهي والفلسفي عند سواد الناس.
فاسم ابن حزم مقرون عند العوام وسواد الناس بكتابه "طوق الحمامة" وذلك لما فيه من عاطفة صادقة ودقة الوصف وسحر البلاغة.
ولا غرابة في هذا فإن الظاهرة الغير الجدية والكتابة الحقيقة هي التي تطغي على الكتاب الكبار. فالجاحظ مثلا معروف بنكته عند العوام أكثر مما هو معروف يتآلفه الجدية. أضف إلى هذا أننا نجد في هذا الكتاب مرآة واضحة عن نفسية ابن حزم ومجتمعه فنشاطره أفراحه وأحزانه وحبه رغم مر القرون. والذي يزيده تقديرا هو أنه لم يكتسب قط بثغره فإنه كان يقول الثغر لارضاء نفسه مترجما عن آلامه وأحزانه ومسراته وحبه فيضفي فيه شعوره وعواطفه الصادقة وقد ترك لنا أكثر من لقب بيت في موضوع الحب كما ترك نترا بديعا في هذا الموضوع ومن جمله ذلك هذه الاعترافات التي تعبر عن عواطف صادقة ومشاعر رقيقة:
"ولقد جريت اللذات على تصوفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها. فما الدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم ولا الأوبة بعد طول الغيبة ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروح على المال... من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع وحلول الهجرة..
وقد قال في هذا الباب : "ولقد وطئت بساط الخلفاء، وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبة. ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء، وانبساط مديري الدول، فما رأيت أشد تيجحا ولا أعظم سرورا بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده..."
وحصرت مقام المعتدرين بين أيدي السلاطين، ومواقف المتهمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين، فما رأيت أدل من موقف محب عيمان بين يدي محبوب عصيان." وهذا يدل على رهافة نفس الشاعر الأديب الذي أحب وعرف الحب وتوصل إلى تعرف النفوس وما انطوت عليها. وقد انتقد شعره بأنه تغلب عليه من الآوية إلى الأخرى ألوان أساليب الفقهاء لكن هذا لا ينقص من قيمة كثيرا فقيه كذلك كما رأيتا أني لطيفة وتعبير عن عاطفة صادقة ومن ذلك قوله:
لئن أصحت مرتحلا بحمي
                     فقلبي عندكم أبدأ مقيم
ولكن للعيان لطيف معني
                     له سأل العاينة الكليم
ابن حزم فقيه مجادل :
وقد يتفادى هذا النقص – أن اعتبرنا هذا نقصا- تراته الفقهي الذي خلقه فإنه يجب أن يغيب عن ذهننا أن أبا محمد علي بن حزم كان قبل كل شيء أماما يدعوا إلى الظاهرية وفقيها جليلا يهتم بسائل الدين والشريعة، وقد يمكن أن تدخل هنا ربية في بعض الأدهان عن صدق هذا واتقنه، زمع هذا يعلم الله – وكفى به عليا – أني بريء الساحة، صليم الأديم، صحيح البشرة تقي الحجرة. وأني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مشزري  على فرح حرام قط، ولا يخاسبني ربي بكبيرة الزنى منذ عقت إلى يومي هذا. والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى، والمعتصم فيما بقي.، فلا تناقص في حياة ابن حزم فهو أديب متعفف، وأما كبير، قال أحمد أمين في ظهر الإس لام:"وكان عالم الأندلس الديني غير مدافع ابن حزم، فقد كان واسع الاطلاع قوي النفس في الجدال، متعدد نواحي النبوغ لسنا يهاجم من خالقه، حتى يدخله في قمقم. يظن من يقرأ له علما  أنه لا يحسن فير هذا العلم لمهارته فيه. فإذا هو كذلك يحسن كل علم تقريبا تابعة في الحديث وفي علم الكلام وفي التاريخ، وفي أصول الفقه، وفي الأدب" زمما امتاز به ابن حزم أنه لم ينبع في الفقه المذهب الشائع في الأندلس وهو مذهب الإمام مالك بن ابن. ولكنه اختار المذهب الشافعي وهذا هو أحد أسباب اضطهاده من لدن الولاة والفقهاء لكنه سرعان ما عدل عن مذهب الشافعي واجتهد لنفسه على "قواعد أهل الظاهر" وذلك يرجع لكراهيته للتقليد ولتأثير أستاذه الظاهري ابي الخيار فأخذ له الكتاب والسنة بالاجتماع واستنكر الرأي والقياس كما فعل من قبل من هذا المذهب داود بن علي الأصفهاني المتوفى سنة 270 هـ وقد أوضح وبسط مذهب الطاهرية في كتابه في أصول الفقه والأحكام في الأصول الأحكام " الذي يضع فيه أصول الفقه "الأحكام في أصول الأحكام" الذي يضع فيه أمن الظاهرية وهي : نفس القياس والتمسك بالعموم أعني بذلك القرآن والحديث والقول بالبراءة الأصلية وهي إباحة كل شيء ما لم ينعه نص صريح ويتأثر ابن تميمة بهذا لما يقول التوقيف في العبادات والعفو في المعاملات، ثم التمسك بظاهرة اللفظ بدل التأويل وقد حمل الفقهاء على هذا المذهب وانتقدوا عليه كونه يضعف الشريعة والعقيدة بتركه المشكلات التي لم تخطى لنبي (ص) ولا لاصحابة ويؤدي هذا كذلك إلى التشبيه والتجسيم فيما يخص صفات الله عز وجل ولكن ابن حزم قد استطاع أن يتجتب التشبيه باتخاذه موقفا وسطا بين أهل السنة والجماعة وأصحاب التأويل المعتزلة فيما يتعلق بالصفات.
أما كتابة في الفروع "المحلس" فإنه عرض للمذهب الظاهري كما يفهمه ابن حزم الذي يظهر فيه بمظهر المجتهد المطلق.
وتأليفه في أصول الدين المسمى ب " كتاب الملل والأهواء والنحل " فقد يقارن فيه الإسلام بباقي الديناننت التي يدحصها في "كتاب النحل" ثم يدرس الفرق الإسلامية في كتاب الملل تلك الفرق إلى أربع دون  أهل السنة والجماعة:
1- المرجئة التي يتعرض أثناء دراستها إلى مسألة الإيمان والكفر والوعيد.
2- المعتزلة فيبحث في نفس الوقت مسألة التوحيد التي له فيها موقف خاص.
3- الشيعة التي يدرس معها الإمامنة التي تهتم بها وتجعلها محورها التي تقوم عليه. وموقف ابن حزم من الإمام والخلافة واضح، فإنه كان يسيل إلى الأمويي وكان يعتبر معاوية كمجتهد مخطئ, وأوضح فكرته هده في كتابه " المفاصلة بين الصحابة"
4- الخوارج وما يشغلهم من مسائل كالإيمان هل يزيد أو ينقص وما موقف الإسلام من تارك الصلاة أو مرتكب الكبائر وتحديد الأمة هل يعتبر من دار الكفر أو الإيمان من لم يتبع الخوارج. ويعتبر ابن حزم أهل السنة أهل الحق إذ الفرق الأخرى هم أهل البدع لكن لا يمنعه هذا من الرد على الاشاعرة بالأخص وان انتسبوا إلى أهل السنة و الجماعة.
وعلى تقيد ما شاهدناه  في ابن حزم  الأدب الشاعر من رقة العواطف و نبل الشعور و رهافة النفس فانه يظهر في مصنفاته العلمية بمظهر المجادلة العنيف الذي لا يقبل مهاودة ولا مسامحة في الأفكار. فتأليفه مثلا " الملل والأهواء و النخل" مرآة لتلك الحلقات التي كان يناظر فيها بعض الفقهاء المسلمين كابي الوليد الباجي وحتى بعض أحبار اليهود و النصارى. فأسلوبه هنا عنيف جدا غير هادئ ويظهر من هذا انه كان مع الأسف ضيق النفس و حاد المزاج يناقش خصومه بعبارات ممزوجة بالسب والقذف لا تليق بمقامه وعلمه فانه لم يعمل بقوله تعالى" وجادلهم بالتي هي أحسن " وقوله " ادفع بالتي هي أحسن فادا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم."
فلقد كان بوده أن يدافع عن أفكاره بطرق تليق به ويقنع مخالفيه بدل أن ينفرهم منه ويؤلبهم عليه. فالصراحة لا تتنافى نضرنا مع اللياقة وفرض الرأي بالعنف والقوة وشدة اللهجة بل السب هو وسيلة الضعفاء الذين لا يستطيعون الإدلاء بالحجج القاطعة. وحاشا مع هذا أن يكون مع ابن حزم من أولئك الذين تنقصهم الحجة ولا يعرفون طرق الجدال لكن ذلك راجع إلى مزاجه وابتلائه بماسيه "داء الصراحة" و الطبيعة تغلب على التطبع. وقد لحق ابن حزم- كما اشرنا إلى ذلك – اضطهادات وتألب المخالفين و العناد عليه طوال حياته وبعد مماته من جراء قساوة لهجته و عنفه. فقد ساهم بنفسه طرف من نكباته و ليست صفة العبقري التي اتصف بها هذا الكاتب العظيم هي التي جعلته غير مفهوم من عمره. فالكمال لله وكفى المرء نبلا أن تعد مصائبه.
وجانب من جوانب إنتاج هذا الكتاب العبقري تكفي لتكفر عنه بقية هفواته. ومما يشرفه أن يعتبر أول مؤرخ للأفكار الدينية في كتابه "الفصل" الذي يمتاز به عن من سبقه بطريقته العلمية في التبويب و الاستنباط وهي طريقة البحث العلمي المعمول بها في يومنا هذا وقد شرح ذلك الأستاذ الشهير Asin-Palacios  في مقدمة ترجمته "للفصل" واستعرض مناقشة ابن حزم لليهودية و كتبها خصوصا التوراة و البراهين العقلية التاريخية التي أوردها لينكر صحة هذه ويبين تحريفها.
وابرز أن  حزم يناقش كذلك العقائد الإنجيلية المسيحية بجميع الحجج و المناقضات التي أوردها فيها بعد أبحاث القرن التأمن عشر أمثال فولتر. وبدراسته للنصوص دراسة علمية نقدية تاريخية فهو معلم "رونان" ولم يكن تأثيره مقتصر على دراسات الأديان وعلم مقارناتها بل اغرب من هذا فلا يبعد أن يكون ابن حزم قد اثر في الديانة المسيحية كديانة بطرق غير مباشرة. فقد يلاحظ الأستاذ أمين بلاسيوس أن ابن حازم استعمل مدهبه الظاهري كذلك في تفسير الإنجيل كما فعل في الإسلام فكان يستنكر تأويل رجال الكنيسة ويخشى أن يكوموا خاطئين في تأويلاتهم هذه. فكانت النتيجة ذلك القول بالرجوع إلى النصوص. وترك التأويلات والعمل بالاجتهاد الشخصي. وهذا ما جاءت به مدرسة الإصلاح المسيحي البرتستانية
وشخصيته كانت تحمل مثل أفكار ابن حزم و أثرت حتى في الديانات الأخرى فمن باب أولى و أخرى أن تأثر في دينها كذلك تأثيرا بالغا وتبعت فيه تيارات جديدة. فحركة الإصلاح في الإسلام هي مدينة لامور كثيرة لابن حزم. منها استنكاره للتقليد وإدخاله الطرق العلمية العقلية في دراسة الاديان. فله فضل كبير على أباء حركة التجديد و الإصلاح في الإسلام التي تقول بالرجوع إلى النصوص وبالاجتهاد خصوصا منهم ابن تيمية العتبلي وعبد الوهاب ومن تلاهم من بعد كالافغاني و الشيخ عبده ورشيد رضا.
فقد كان ابن حزم يمثل أهل التوحيد الذين حاربوا التوسل بالأولياء ومذاهب الصوفية لما فيها من انزلاقات و خرافات ولذا يعتبر ابن حازم أبا للحركة السلفية.
فكاتب جمع بين الأدب و العلم بما فيه السماعي و العقلي وكان لإنتاجه هذا الصدى الكبير اثر في الأجيال التي تلته ولا زال تأثيره يسري و يعمل ولا أدل على ذلك من حركة التجديد و الإصلاح الإسلامية التي ظهرت في أول هذا القرن والطرق العلمية لدراسة النصوص الدينية دراسة نقدية. كان لا بد أن يتصف ويجد من يعترف له بأصالة فكره ومتعة اطلاعه ويجعله في المقام الذي يليق به رغم ما عرف به من عنف الجدال وضيق الصدر الذي ينفر منه الناس و يؤبلهم عليه.
فالمؤرخ الشهير و الفقيه الجليل الذهبي يشهد بان "ابن حزم رجل من العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة." و ابن تيمية كثيرا ما يعتمد عليه و يستشهد به ولم يتوقف صيت ابن حزم في القرون الخالية بل استمر مفعوله حتى قرننا هذا حيث أصبح موضع دراسات وأبحاث من طرف عظماء المؤرخين و الكتاب الشرقيين منهم والغربيين وقد يطول ذكر أسمائهم أن نحن أردنا أن نتعرض إليهم كلهم و هذا ما يمنح ابن حزم صبغة عالمية فيحتل المكانة اللائقة به بين عباقرة وعظماء الإنسانية.
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here