islamaumaroc

تحية على الذكرى لإبراهيم طوقان شاعر الوطن المغصوب

  دعوة الحق

العددان 60 و61

كنت اطرب لأبي الطيب المتنبي حين أجده متغزلا، لكنه كان يخرج من الغزل منفضا أثوبه : غاسلا يديه، واحسبه كان غارقا يومئذ في الهوى والشباب والأمل المنشود، وقد ضاعت جميعها من يديه، إذ كان مطلبه في الحياة فوق هم الفؤاد اللهو والحب. لقد كان متيما بالمثل العليا في اليأس والحرب، وكان كأنه يسمع أصواتها تدعوه إلى لقائها، فوطد نفسه منذ صباه على الاستجابة لندائها، ولكن نداءاتها البعيدة الشريدة أضاعته في خضم الحياة كما ضاع «عوليس» حين استجاب في مضيعة البحار لنداءات «السيرين» عرائس البحر المسدلات شعور الذهب ذوات الأنصاف الدنيا بجلود الحيتان.
وكذلك رحت في الدهر الحديث أرى صديقي شاعر فلسطين الذي كان أول الثائرين لحرية بلاده وخلوصها من قبل أن يجلو سكانها عنها، ومن قبل أن تعصف بها عواصف الكوارث.
كان إبراهيم طوقان يرحمه الله، باديا في روح شاعر شد نظره إلى مدارات النجوم، وكم كنت أحبه لو عاش إلى هذه الفترة أن يتمنى الحصول على فقدان الوزن في عصر الفضاء، ليخف طيارا مغذا في الأجواء التي لا تنتهي، تاركا هذه بشقاواتها، منطلقا نحو السماء، وطالما كان يقول من وراء الغيب : 
يلذ لي يا عين أن تهدئي                وتشتري الصفو بطيب الكرى
لي رقدة طويلة في غد                 لله ما أعمقها في الثرى
الم تري طير الصبا في يديا            خشي مع الغفلة ان ينفرا
طال جناحاه وقد يهتدي                 إلى أعالي دوحه مبكرا
أرى ثلاثين ستعدو بيه                  مغيرة أفراسها باقتراب
وبعد عشر يلتوي عوديه               وينضب الزيت ويخبو الشهاب
أن لحياة إبراهيم طوقان شطري واحد في الغزل، والآخر في الحماسة. لقد كان غزلا مدلها مولعا بالجمال يتبعه، كصاحبه القديم ابن أبي ربيعة في العصر الأموي، فهو منذ وجد عملا تدريسيا في الجامعة الامريكية في بيروت علق بفتاة كانت تجيء هنالك مكتبة الجامعة فتغزل بها، وذهب شعره على الأفواه، فتناقله الفتيان والفتيات: كان يقول فيها:
 
وغريرة في المكتبة                     بجمالها متنقبه
يا ليت حظ كتابها                        لضلوعي المتعذ به
حضنته تقرا ما حوى                   وحنت عليه وما انتبه
سمحت لانملها الجميل                  بريقها كي تقلبه
واستبد به الهوى الطواف فكان مثل نحل يطوف على الأزاهير، فتعلق بغانية كانت ترعاه في مرضه،وطالما ضعفت أعصاب الرضى تحت أشعة العيون المواسية المطلة من وجوه متوردة لبست صاحبتها الأردية البيض فكن كالملائكة، يبعثن البرء في القلوب قبل دواء الأطباء، فتحت هاتيك الهدب السواحر راح صاحبي إبراهيم طوقان يقول:
بيض الحمائم حسبنه                    إهني اردد سجعهنه
في-كل روض فوق ذا                  نية القطوف لهن انه
الحانيات على المريض                 غدون أشباها لهنه
ما الكهرباء وطبها                       بأجل من نظراتهنه
مهلا فعندي فارق                        بين الحمام وينهنه
فلربنا انقطع الحما                      ئم في الدجى عن شدوهنه-
أما جميل المحسنا                       ت ففي النهار وفي الدجنة -
لقد رايته ببيروت في أواخر عهده بالحياة حوالي سنة-1940- فسألته حاله، فشكا إلى القرحة التي خرجت في معدته، وإنها طالما انتكاث عليه، ولم اعلم أن ذلك اللقاء سيكون الأخير بيننا.
لقد جعلتني بعد غروبه أحاول أن اطلع محياه من عيوبه، فكتبت عنه كتابا كنت أول من ألف في أدبه وشعره بعد موته، وكم كانت أخته الشاعرة الملهمة (فدوى) تنتظر انجازي لذلك الكتاب وقد دفعت إلى بمخطوط ديوانه قبل أن ينشر، وقد نشره أخوها الأستاذ «احمد» بعد صدور كتابي حين بررت لها بالوعد، فتوقعت على صفحاته كاللهيفة العطشي، تبل ظمأ أحزانها على أخيها بمواده الخضلة الخالدة.
كان طوفان شاعر فلسطين المبكر الذي ملا دنيا العرب لوعة على انطفاء شعلة جسمه، سيبقى روحه لماحة ساطعة في سماء الأدب العربي الحديث.
لكان جلاجل حماسته في شعره تطن في سمع الدهر وهو يتداول أذنه الأبدية أنملة كما يقول أبو الطيب:
وترك فـي الدنيـا دويـا كأنمـا
              تداول سمع المـرء أنملـه العشـر
من هذا الشعر المدوي في الحماسة العربية المعاصرة وقد دعا فيه إبراهيم طوقان إلى حماية فلسطين وانبعاث الثورة قوله : يا جناة على البلاد بدعوى الخير والبر لا نعمتم رقادا في غد ينشا الصغار فيبغون تلادا وما تركتم تلادا بعتموه إلى العدو فمن أين يلاقون ملجأ ومهاد انتم اليوم تزرعون فسادا وغدا سوف يثير استعبادا
كذلك يا شاعري، إنني من ضفاف بردي أرسل إليك هذه التحية فانشرها كأزاهير، أجدد بها ذكراك وارد عهدك في الشعر إلى الحب والحماسة، إلى المتنبي الذي جئت مثله بالروح السامية والأمل الكبير، وطرقت مبكرا، وقبل الأوان من غروب العمر، ذلك الرياح الأعظم الذي طرقه ودخل منه قبلك بنحو من ألف عام، وهو باب الخلود.
طوقان، يا شاعري، سلام عليك، انك دخلت التاريخ.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here