islamaumaroc

بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف: من مهام رسول الإسلام

  دعوة الحق

العددان 60 و61

رسالة الإسلام شفاء لما في الصدور، و بعت للقيم الإنسانية بعد ان اعترها خمول وذبول.. وتتميم لمكارم الأخلاق، بإعطاء المثال النموذجي الكامل، والقدوة الحسنة المثلى لبني الإنسان، حتى يكون المثال الحي للأخلاق والعمل الصالح، ماثلا للعيان، بعد أن كانت العقول لا تتخيل ذلك الكمال إلا في الأذهان..لهذا كان له من الأثر في البشر حياة ونور ورحمة وسرور، إذ أشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب هداية لأولي الألباب، وذلك من رحمة اللهم ورفقة بالإنسانية أن يكشف الظلام بالنور، ويجلو صدا القلوب الغافلة بالذكر المسطور، لقوله تعالى: " وإنه لذكر لك ولقومك" وكما قال: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" ولا غرابة في أحرار المومن على أسمى المناقب، وبلوغه أكمل المراتب إذا اتصل بربه بالسند الروحي بواسطة أعلى الأنبياء كميا، وأبقاهم خلودا وذكرا، وأعظمهم أثرا في تطهير نفوس بني الإنسان، ذلك أن الإنسان إنما ارتقى عن فضيلة الحيوان بروحه وعقلهن فصار بتهذيب طباعه، وترقية مداركه منسوبا للعلم والفضل، كما صار بتغذية غرائزه السفلى وبانهماكه في شهواته الحيوانية منسوبا للسفه والجهل... ومن المعلوم أن أفراد الإنسان متفاوتون في العقول، مختلفون في النزاعات والميول، والحياة الاجتماعية متأثرة ومسيرة بتفاعل هذه الميول والنزعات والعقول.. كل فرد يؤثر في تلك الحياة حسب طيب عنصره، وصفاء معدته وجوهره، أو جبن نفسه، ونشوز أصله، وسوء مخيرهم إذ أن الناس كما قال الرسول العربي:( معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)..وعبر عليه السلام عن اثر هذه الخيرية في حياة الناس بقوله: (خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ).
وبناء على هذا التقدير كانت حياة المجتمعات كما يحدثنا التاريخ راقية مهذبة إذا كانت الدعائم التي بنيت عليها قوية سليمة كالعدل والرحمة والتعاون عليهما، وكانت منحطة خشنة قاسية إذا غلب عليها الظلم والقسوة والتحزب لهما.
إلا أن رحمة الله سبحانه كانت في فترات كثيرة من التاريخ البشري الفظيع تتبع فترات جولات الجحود والظلم بصولات الإيمان والعدل، فتحمى ظلمات من الشر بأنوار الحق والخير، تشع في الوجود فتبقى فيه معالم للإيمان، ومعاقل للبر والإحسان، على أيدي طائفة اصطفاهم الله من خيرة خلقه، وأرسلهم لإنقاذ الإنسانية من الويلات والشرور، التي غمرتها وملأتها فتنا ومحنا، وأحقادا وأطماعا وإحنا، ومن هذه الفترات وهي خاتمتها الفترة التي أرسل الله فيها خاتم أنبيائه ورسله إلى الإنسانية، سيدنا محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي عليه السلام...
ويجمل بنا أن نلقي نظرة عابرة على أحوال العالم وقت البعثة المحمدية، فقد كان العالم وقت مولد هذا الرسول المنقذ العظيم يعيش في ظلم وظلمات، فأديان الهند طال عليها العهد وتغيرت معالمها وطقوسها في المعبد واليد، وقسمت الناس الذين هم أبناء آدم إلى مراتب وطبقات متفاوتة متباينة، ينكر الدين الحق تعدادها، وتسفه العدالة وسائر الأديان الأخرى والعقول أوضاعها، وأمة الفرس وما والاها عششت فيها المجوسية وعبادة النار، واستغل الأكاسرة وعملاؤهم السيطرة للعبث بحقوق الضعفاء من رعاياهم وغيرهم، فمذهب ماني والمانوية، ومذهب مزدك الفارسي القائل بشيوع النساء والأموال بيت الناس كافة، كل من المذهبين لعب دورا في تحطيم دعائم حياة الفرس الإجتماعية حتى أشرفت على البوار...
واليهود حرفوا تعاليم الثوراة التي فيها هدى ونور، حيث انغمسوا في حماة مادية والشهوات، وتعدوا في السبت، واتبعوا الحرفيات والربوبات فأكلوا الربا وقد نهوا عنه، وصاروا يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، حتى تقمصوا روح القردة، والخنازير وعبدوا الطاغوت..
أما الكنيسة فمنذ القرن الثالث من ميلاد المسيح عليه السلام فقد كان رعاتها – كما يقول " جرجيس سال" الإنجليزي – مشتغلين بالمطامع الشخصية يتخذون العويض من مسائل الدين ذريعة للمشاجرات والمحاكمات، وقد انقسموا فيها إلى فرق لا تعد، ونفوا عن صدورهم ما ندب  إليه الإنجيل من الموادعة والمحبة والمواساة، وعدلوا إلى المساواة والضغائن، وسائر أنواع المفاسد( ثم قال هذا المسيحي المتوفى سنة 1736 ميلادية : " ومعظم ما ننكر  الآن على بعض الفرق النصرانية من باطل العقائد والفساد، إنما نشا وتأصل في تلك الأعصر، فعاد بالنفع على الإسلام، وأعان انتشاره، ونخص من تلك العقائد بالذكر عبادة القديسين والصور، فإنها كانت قد بلغت وقتئذ مبلغا يفوق كل ما تراه اليوم عند فرق النصارى...) ثم ذكر ارتباك الكنيسة الشرقية بعد انفضاض المجمع التيفاوي كما ذكر حال الكنيسة الغربية ونزاع " داما سوس" و " اوسيكيتوس" على أسقفية روما، وخص بالذكر من أثر هذا النزاع بلوغ عدد القتلى في كنيسة " سيكيسيوس" 137 في يوم واحد .. ثم ذكر حال النصرانية في بلاد العرب، وانتشاره بدعة المريميين بها الذين يقولون بالوهية مريم، تبعا لبعض أساقفة المجمع ( التيفاوي) هـ ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (ومما ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد وفي مبعثه هو دعوى الشريك لله والولد، والقرآن مملوء من تنزيه الله عن هذين، وتنزيهه عن المثل والولد بجمع كل التنزيه، ثم ساق آيات القرآن الكثيرة مستدلا على قوله هذا.زيادة على ما كان معروفا بين العرب من عبادة الأصنام وفقدان الأمن وشيوع الخمر، وكثرة الفواحش والقمار وفاحش الربا، وواد بعض القبائل لبناتهم، وكثرة الحروب لأتفه الأسباب، ومؤاخذة القبائل بجنايات الأشخاص المعينين إلى غير ذلك من الأمراض الاجتماعية: فعم الظلام، واشتدت حاجة الإنسانية في مجموعها إلى نور يضيء بعض جوانبها، ليعم النور سائر الأرجاء بعد إشراقه وانتشاره ... هنالك أرسل الله بشير الإنسانية بالفوز والنجاح، والسعادة والفلاح، سيدنا محمد بن عبد الله بكتاب عزيز قال في حقه: " يا أيها الناس قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"، وقال تعالى في حق رسوله: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" وقال الله في حق الأمة التي اهتدت بهدي الإسلام " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله" فعمت هداية القرآن وظهر دين الإسلام أعظم بركة على الأمم المفتوحة، حيث فتحت منها القلوب، وزكتها بأخلاق الإسلام المتوارثة، وشريعته الطاهرة من النقائص والظلم والعيوب، فكان محمد رسول الله أعظم طبيب عرفه الوجود لأمراض الإنسانية، كما يشهد بذلك المنصفون من العلماء إلا أن أعداء هذا الدين من المشركين والملحدين يفتنون بعض العوام وأشباههم بشبهتين لا تروجان إلا على مغفل بليد... أولاهما قولهم أن محمدا استغل فساد أوضاع الكنيسة، واختلال أحوال الأمم المجاورة له من الفرس والروم، وكذلك انتشار عقائد باطلة عند النصارى والعرب، استغل كل هذا لنشر الإسلام وتمكين دعوته، وكل عاقل يعرف أنه لا يقال الطبيب أنه استغل خطورة المرض ليظهر براعته بإنقاذ المريض من الهلاك، وكذلك يقال هنا: فالطبيب مشكور والدواء الذي فيه الشفاء هو من عند الله كما قال الله، " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين".
والشبهة الثانية أن أعداء الإسلام يقولون أن محمدا أخذ كثيرا من أحكام الثوراة ووصايا الإنجيل وأدرجها في دينه مع أن هذه الدعوى دليل وحجة على صحة الإسلام، لا على بطلانه لان الأديان السماوية منزلة من عند الله تخرج من مشكاة واحدة فلابد أن تكون متفقة في جميع أصولها وعقائدها، ولا يضر أنها تختلف في بعض مناهجها، وقد قال الله في كتابه: " مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه" وقال تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصحا به نوحا والذي أو حينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين، ولا تتفرقوا فيه" وهذا كله في أصول العقائد.
أما في الفروع فقد قال الله تعالى في اختلاف بعض أحكام الأديان الفرعية : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" ... وبهذا يتبين لكل منصف أن شرائع الله يؤيد بعضها بعضا، وأن الرسل كذلك يؤيد بعضهم بعضا، ونحن معشر المسلمين نومن بقوله الله تعالى: " آمن الرسول بما أنزل الله من ربه والمومنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله".
وختاما نقول أننا بهذا الإيمان العام الشامل آمنا بكل ما في الوجود من خير، وهذا المبدأ هو الذي بوأ الأمة الإسلامية والدين الإسلامي مكانة الخلود في الوجود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والصلاة والسلام على رسولنا العظيم، وجميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here