islamaumaroc

نظرة تاريخية وجغرافية على بوغاز جبل طارق

  دعوة الحق

العددان 60 و61

لبوغاز جبل طارق أهميته الموقعية الكبرى بالنسبة للمواصلات العالمية وخاصة بالقياس إلى وطننا. وقد شاء الأستاذ عبد اللطيف الخطيب أن يقدم هذا البحث إلى قرائنا مشتملا على كافة المعلومات الجغرافية بالإضافة إلى دراسة تاريخية جامعة ننشرها في هذا العدد شاكرين للأستاذ باسم المجلة وقرائها هذه العناية وهذا الاهتمام.

نقول في تحديد موقع بوغاز جبل طارق أن خط العرض السادس والثلاثين يمر بمياهه محاديا لما يسميه الإسبانيون بـ "الرأس المغربي" غرب مدينة طريف. وهو أقرب أراضي الأندلس إلى شواطئنا. وهو يقع بين خطي الطول الخامس والسادس المارين غرب "غرينتش". ويمكن أن نقول أن الدقيقة الثلاثين تتقاطع مع خط العرض المذكور شرق مدينة طريف في مكان يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الجزيرة الخضراء تجاه "القص الصغير" بالضبط.
ونحن إذا نظرنا إلى البوغاز فيما بين خط الطول المار بـ "الطرف الأغر"، غرب طريف وخط الطول المار بـ "رأس أوربا" بجنوب جبل طارق وجدنا أن طوله يبلغ خمسة وخمسين ميلا على السواحل الإسبانية، أما على شواطئنا فيبلغ طوله اثنين وأربعين ميلا فيما بين خط الطول المار برأس "أشقار" بطنجة وخط الطول المار برأس الميناء في سبتة.
أما اتساعه متفاوت بحسب الانعراج الذي يلاحظ بصورة خاصة على شواطئه بشبه الجزيرة، وأن كانت سواحلنا تمتد امتدادا مستقيما يلاحظ عليها نتوء كلما امتدت إلى الشمال. فالمسافة بين "رأس اشقار" و"الطرف الأغر"، أربعة وعشرون ميلا وخمس الميل، وهي تعادل أربعة وأربعين كيلومترا. أما فيما بين "رأس أوربا" و"رأس الميناء" جهة الشرق فهي لا تعدو اثنى عشر ميلا ونصف الميل. أ] ما يعادل ثلاثة وعشرين كيلومترا بالضبط. وتبلغ المسافة بين "جزيرة الحمام" التي توجد في ممر خط العرض السادس والثلاثين جنوب "الرأس المغربي" عند طريف و "كدية العزيزي" شرق القصر الصغير ثمانية أميال وخمس الميل، أي خمسة عشر كيلومترا. أما أقصر مسافة بين الشواطئ المغربية والإسبانية فهي التي توجد بين "كدية االعزيزي" و "رأس لا تتشوني" جنوب مدينة طريف.
وتتفاوت الأعماق في البوغاز كما تتفاوت المسافات بين ضفتيه. فعمقه عند "الطرف الأغر" ثلاثمائة متر. أما إذا سرنا نحو الشرق فهو يقارب سبعمائة متر قرب طريق ليعمل إلى ألف وخمسة وثمانين مترا عند مدخل حول الجزيرة الخضراء بجوار رأس "كارتيرو". وإلى ألف وثلاثمائة متر عند مصبه بالشرق. ويتكاثر هذا العمق كلما توغلنا في البحر الأبيض المتوسط.
ويقدر بستة وعشرين ألفا من الأمتار المكعبة حجم الماء الذي يرسله المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر البوغار في كل ثانية نفاديا لجفافه من جراء التبخر. ويمر الماء في هذه الاتجاه بسرعة عشرة كيلومترات في الساعة. ويمر بالبوغار أيضا تياران بحريان تفوق سرعتهما سرعة التيارات الموجودة بالمحيط والبحر. فأما التيار الأول والكبير فهو تيار سطحي يدخل إلى البوغار قادما من المحيط ليصب في البحر المتوسط، وأما التيار الآخر فعميق بسبب وزن الأملاح الموجودة في الماء بهذا البحر الذي يصب في المحيط ثلاثة آلاف من الأمتار المكعبة في الثانية.
ولما كان البوغاز ممرا بين ضفتين تعلوهما جبال متفاوتة في الارتفاع فإن رياح الشرق ورياح الغرب غالبة عليه، وحتى إذا كانت هناك رياح أخرى فهي تتحول إلى أحد هذين الاتجاهين بحكم تلك التضاريس. إلا أن رياح الشرق على الجزيرة الخضراء وخاصة في شهور مارس  ويوليوز وأغسطس وشتنبر ودجنبر، وتهب رياح الغرب مع رياح الشرق فيما عدا هذه الشهور. غير أنه تمر رياح الشرق بهذه المنطقة خلال الشهور كلها. ويمكن القول بصورة عامة أن رياح الشرق غالبة عند مصب البوغاز في البحر الأبيض المتوسط بينها تغلب رياح الغرب على مصبه في المحيط.
ولما كانت الواقعة على البوغاز هي سبتة وطنجة فقد رأينا من المفيد في هذا المجال أن نورد المعدل السنوي للحرارة والأمطار المتهاطلة عليهما. فأما معدل الحرارة فيهما فهو واحد، إذ يبلغ ست عشرة درجة مئوية وثمانية أعشار. ويبلغ معدل الأمطار في سبتة خمسمائة وواحد وتسعين مليمترا وثمانية وستين مليمترا وثلاثة أعشار، وعلينا أن نقول في إبراز أهمية هذه المعلومات واستقرارها أنها نتيجة التسجيل المتواصل لثلاث عشرة سنة فيما يرجع إلى سبتة، ولثلاثين عاما كاملة فيما يتعلق بطنجة وهذه المدة الأخيرة هي التي تم الاتفاق على اعتمادها في المؤتمر المنعقد بمدينة فارسوفيا سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وألف بحضور الخبراء الدوليين في الأحوال الجوية. وقد كانت سبعة  وأربعين هي آخر السنوات المدرجة في الآماد المعتمدة لاستخراج المعدلين السنويين المذكورين. ومن المعلوم أن الميلمتر من الماء يعادل لترا واحدا لكل متر مربع.
وتتبين أهمية التيار السطحي بالبوغاز كما تقدم ذكره إذا علمنا أن ذلك التيار ضروري لبقاء البحر الأبيض المتوسط فقد قدر العلماء أن التبخر الملحوظ بالبحر من شأنه أن يؤدي به إلى الجفاف التام في مدة لا تزيد على أربعمائة وعشرين عاما لولا ذلك التيار الذي يأتيه من المحيط بثلاثة وعشرين من الأمتار المكعبة في الثانية، ولولا هذا الحجم العظيم من الماء لأصبح البحر الأبيض المتوسط عبارة عن هضبة من الملح يبلغ ارتفاعها سبعين مترا.
ولقد قلنا سواحلنا على البوغاز تعتمد اثنين وأربعين ميلا فيما بين رأس "أشقار" بطنجة ورأس الميناء بسبتة وهو ما يعادل بالضبط ستة وسبعين كيلومترا وثمانمائة من الأمتار، ولما كانت شواطئنا تمتد على مسافة ألفين وثلاثمائة وعشرة من الكيلومترات فيما بين السعيدية بالبحر الأبيض والحدود الجنوبية العمالة طرفاية مع الساقية الحمراء من أراضينا المحررة على المحيط نسبة سواحلنا على البوغاز بالقياس إلى هذا الامتداد لا تزيد على ثلاثة وثلث في المائة (*).

نظرة تاريخية
ومن المحقق أن سكان حوض البحر الأبيض المتوسط قد مارسوا الملاحظة من أقدم العصور فجابوا السواحل قبل أن يغلوا في عرض البحر وخاصة في القسم الشرقي منه، وذلك لكثرة الجزر فيه واعتدال مناخه. ولم تكد تحل الألف الثالثة حتى أصبحت شعوب هذه الجهات تتوفر على قوارب متينة تحتمل العواصف والأنواء. وقد قام سكان شواطئ بحر أيجة بتحسين صناعة القوارب المصرية، إلا أن الفضل الأكبر في تقدم الملاحة يرجع إلى صور كما هو معلوم.
ولما تحسنت وسائل النقل شرع سكان هذه المنطقة يفكرون جديا في فتح القسم الغربي من البحر. إلا أن أخبار الإرساليات الأولى قد أندترت، رغم ذلك فقد ساد التسليم بالأسبقية للفينيقيين في القيام بالأسفار البعيدة نحو الغرب، حيث انشأوا قواعد تجارية لهم في شمال إفريقيا وإسبانيا خلال الألف الأولى. وقد أسست صور سنة ثمانمائة قبل الميلاد مدينة قرطاحة التي تنافست مع مرسيلية وروها على السيطرة بغرب البحر الأبيض المتوسط خلال قرون عديدة.
وظل القدماء مدة مديدة يعتبرون المضيق نهاية العالم ويتخوفون منه باعتبار أن ما وراء إنما هو بحر الظلمات كما كانوا يعتقدون أن البوغاز لم يوجد إلا لينبه البحارة إلى عدم اجتيازه والتوغل في دلك البحر المخيف. وقد تأكد أن عبور البوغاز لأول مرة فد تم خلال الألف الأولى، ففي 1100 قبل الميلاد قام الفنيقيون بتأمين "قالص" في جنوب إسبانيا وبعد ذلك مدينة "ليكسوس" التي تبعد بسمافة ثلاثة كيلومترات عن موقع مدينة العرائش نحو الشمال. وقد نشطت الملاحة بهذه الجهات وبلغت شاؤها بالاتصال الوثيق بقرطاجة. ثم أن البوغاز قد ربط البحر الأبيض المتوسط بشمال القارة الأوربية وخاصة بانجلترا والبلاد الاسكندنافية وأصبح مركزا رئيسيا للملاحة وحرصت قرطاجة التي سيطرت على غرب البحر فيما بين القرنين الثامن والثالث على الاحتفاظ يسلطنها عليه لتبريزها في مجال التجارة، واتخذت لتحقيق غايتها هذه مختلف الوسائل المتراوحة بين إشاعة الخوف والرهبة من بحر الظلمات كما كان الأمر فيما قبل، وبين كل السفن الأجنبية التي تقترب من المضيق.
ويمكن لنا أن تؤكد أن الحروف البونيقية قد قامت لأسباب كان الحرص على تملك البوغاز في طليعتها. وقد أصبح البوغاز رومانيا بعد انتهاء هذه الحروب التي استمرت من سنة 264 إلى 146 قيل الميلاد وظل تحت هذه السيطرة إلى أن حديث غزو "البرابرة" للإمبراطورية كلها خلال القرن الميلادي الخامس. وانتهت فترة النشاط التجاري للبوغاز الذي لم يعد إلى مكانته المبرزة إلا عند فتح العرب للأندلس، وقد رأينا من الضروري أن نورد هذه المقدمة حول الفترة السابقة للفتح الإسلامي تيسيرا لإدراك أهمية البوغاز في مختلف عصور التاريخ.
لقد عبر المغاربة البوغاز في صيف سنة عشرة وسبعمائة لأول مرة عند ما قام طريف بن مالك في أربعمائة رجل بالنزول في أقرب مكان من القارة الأوربية إلى إفريقيا، وهو المكان الذي أسست فيه مدينة طريف. وهو يبعد عن "كدية العزيزي" بغرب مدينة سبتة وشرق "القصر الصغير" بمسافة تقل عن أربعة عشر كيلومترا كما تقدم في نظرتنا الجغرافية. وقد عاد القائد المغربي الذي لم يجد مقاومة ملحة تذكر ببعض أصاري والغنائم إلى طنجة التي غادرها في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو للسنة المذكورة.
وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر أبريل لسنة إحدى عشرة وسبعمائة غادر أسطول يقوده محمد بن ثابتة مرسي سبتة – وكان يتألف من اثنى عشر ألفا من المقاتلين المغاربة وخمسمائة من فرسان – فنزل العرب بالجبل الذي نسب منذ ذلك الحين إلى طارق بن زياد حاكم طنجة وخليفة موسى بن نصير الذي نسب إليه الجبل القائم غرب مدينة سبتة. وقد دارت المعركة الفاصلة في شهر يوليو من هذه السنة نفسها عند نهر "برباطي" فتم للعرب فتح معظم البلاد في ظرف لا يتعدى حولين كاملين وظلت في قبضتهم إلى أن انهارت الخلافة عند انتهاء الثلث الأول من القرن الحادي عشر إلى ثلاث وعشرين مملكة من ممالك الطوائف، واستغل النصارى هذا الضعف واستولوا على شمال البلاد وشرعوا فيما سموه بحملة الاسترجاع التي اعتبرت بمثابة الجناح الأيمن للحروب الصليبية عند الفاتيكان. ولم يكد ينتهي القرن الثالث عشر حتى كان الوجود الإسلامي بالأندلس قد أصبح مقصود على مملكة غرناطة التي كانت سيطرتها تمتد إلى جنوب شبه الجزيرة والتي ظلت قرنين كاملين تقاوم الزحف النصراني المتدفق قبل أن تنهار مقاومتها يوم يناير من السنة الثانية والتسعين من القرن الخامس عشر، أي قبل اكتشاف أمريكا بتسعة أشهر وعشرة أيام. وقد ظل البوغاز تحت الحكم الإسلامي ثمانية قرون ضعفت خلالها مكانتها التجارية قبل أن تنعدم بحدوث القطيعة بين الموانئ الإسلامية والنصرانية. ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا جبل طارق قلعة حصينة لتعزيز وجودهم العسكري بشبه الجزيرة، لا لحماية البوغاز وضمان حرية الملاحة عند ما ضعفت شوكتهم. وقد تعرضت هذه القلعة التي استولى عليها النصارى  سنة 1462 م لحضارات متعددة طويلة، وذلك منذ انصرام العقد الأول من القرن الرابع عشر، فقد استولى الإسبانيون سنة 1309 على جبل طارق في عهد ملك قشتالة "فرناندو الرابع"، ثم استعاده المسلمون سنة 1333 بعد حصار استمر أربعة أشهر. وفي هذه السنة نفسها حاول "الفونسو الحادي عشر" استرداده من جديد، إلا أنه اضطر بعد حصار دام شهرين ونصف إلى إمضاء الصلح مع ملك غرناطة وملك المغرب معا. وأعاد ملك قشتالة المذكور الكرة مرة أخرى بمعونة ملك "أراغون" وملك البرتغال فانتصر على المسلمين انتصارا كبيرا بالقرب من مدينة طريف سنة 1340. إلا أنه لم تمض أربعة أعوام حتى فقد الفونسو  الحادي عشر مدينة الجزيرة الخضراء رغم معونة عدد كبير من الفرسان البريطانيين له وحاصر جبل طارق بعد ذلك بخمس سنوات فرفع الحصار دام سنة كاملة لما توفي الملك بوباء الطاعون وعمره لا يبلغ أربعين سنة.
وتثبت عيون التاريخ الإسباني أن سكان جبل طارق قد ضاقوا سنة 1410 ذرعا بالحالة التي كانوا فيها فاستغلوا الخلافات التي كانت قائمة هناك بين الحكام العرب والبربر فطردوهم من المدينة التي جعلوها فيما بعد تحت حماية سلطان المغرب الذي أرسل للدفاع عنها ألفا من الفرسان والفين من الرماة. إلا أن يوسف ملك غرناطة تمكن من استرداد هذه القلعة في السنة التالية.
وبعد أربع وعشرين سنة حاول "أتريكي دي غوثمان" أخذها بالإغارة عليها من البحر فمات غرقا. وقد جاء ولده "خوان" والي مدينة طريف فأنهى هذا القتال باحتلال القلعة نهائيا يوم 20 أغسطس للسنة الثانية والستين من القرن الخامس عشر. واتخذ الإسبانيون استيلاءهم على جبل طارق رمزا لنهاية حملة الاسترجاع ولو أن مملكة غرناطة قد ظلت قائمة بعد هذا التاريخ بمدة ثلاثين سنة، وذلك نظرا لأنهم تمكنوا من استرداد الموقع الذي نزل به طارق وانطلقت منه حملة الفتح الإسلامي المظفرة التي أدخلت شبه الجزيرة خلال مدة لا تتعدى الحولين في عهودها الذهبية كما تقدم.
واستأثرت أسرة الفاتح بالسيطرة على القلعة مدة طويلة   إذ لم يتم الحاقها بتاج إسبانيا إلا في أواخر السنة الأولى من القرن السادس عشر عندما عينت الملكة "إيسابيل" حاكما لها تقلد أمرها باسم زوجها الملك "فرناندو" وأوصت خلفاءها بالتمسك بجبل طارق الذي هو "أجمل حصون شبه الجزيرة".
ولما انتهت حملة الاسترجاع الإسبانية انقطعت الصلات بين ضفتي البوغاز فاقترن عصر الاحتلال الأسباني بفترة الانحطاط والتدهور التي عظمت بانصراف الإسبانيين عن الاهتمام بالبحر الأبيض المتوسط وإقبالهم على العناية بأعمال الاستكشاف، وأن كان الملك "فليبي الثاني" على الخصوص قد واصل مقابلة المسلمين وخاصة الأتراك باعتباره الحامي الأكبر للديانة النصرانية والمدافع عن أقطارها.
وشرع الإنجليز يهتمون بالبحر الأبيض المتوسط لما ظهرت فائدة التجارة مع أقطار الشرق فبسطوا صلاتهم التجارية والعسكرية على مختلف مواقعه ابتداء من أواخر القرن السادس عشر. وقد حاول ملك إسبانيا العظيم السالف الذكر أن يقاوم الوجود الإنجليزي بهذا البحر فحرم الموانئ الإسبانية على السفن البريطانية واستمرت هذه المنافسة إلى أن انتهت بهزيمة الأسطول الأسباني النكراء – وهو الأسطول الذي لا يغلب – سنة 1558 عندما حاول التصدي للأسطول البريطاني وإغراقه للحيلولة بينه وبين ولوج البحر المتوسط.لقد كان جبل طارق قد أصبح للمرأة الأولى مرفأ كبيرا على عهد العرب، إلا أن الاحتلال الإسباني له كان بمثابة فترة احتضار استمرت قرنين ونصف ولم تنته إلا باستيلاء الانجليز عليه  يوم رابع  أبريل سنة 1704 إبان " حرب الخلافة" بإسبانيا.
ولم تكن " حرب الخلافة" هذه من الحروب الأهلية المريرة التي يؤخر بها تاريخ إسبانيا كما قد يتبادر إلى أدهان بعض القراء، وإنما كانت حربا مثارها التنافس في التوسع بين الدول العظمى. وقد استأثرت أمريكا باهتمام هذه الدول خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عند ما أخذ التدهور يسري في الدولة الإسبانية قبل أن يتفشى فيها.
وقد كانت هذه الدول هي فرنسا وهولندة وبريطانيا العظمى. فلما رأت هذه الدولة الأخيرة أن تاج أسبانيا وما يخضع له من الأقطار العديدة في العالم الجديد سيؤول إلى حفيد "لويس الرابع عشر" لم تتردد في الدخول في الحرب لتفادي هذا الخطر وذلك بمقتضى الميثاق المبرم في لاهاي في السنة الأولى من القرن الثامن عشر. وقد حالفت هولندة وملوك "هايسبورغ" في هذه الحرب التي احتلت خلالها جبل طارق لتحول دون اتصال الأسطولين الفرنسيين بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وذلك بعد أن فشلت محاولاتها السابقة لاحتلال "قالص" وبرشلونة. وقد حاول الفرنسيون والإسبانيون خلال عدة سنوات استرجاع هذه القلعة التي حاصروها عدة مرات، إلا أنهم فشلوا في كل هذه المحاولات التي تلتها انتصارات انجليزية متعددة في البحر الأبيض بصورة خاصة، فقد تمكن البريطانيون في سنة 1705 من خلال برشلونة، ثم تولوا في السنة التالية على مدينتي "قرطجنة" و "ألقنت"، وعلى ميناء "ماهون" بجزيرة "مينورقة" وعاصمة مقاطعة جزر "الباليار" بعد سنتين.
وقد أردنا أن نتعرض لهذا الحرب ببعض التفصيل لأنها كانت مرحلة فاصلة بالنسبة للوجود الدولي لإسبانيا. وكان إبرام معاهدة "أوطريك" Utrecht نهاية هذه الحرب إذ تنازل "الملك الكاثوليكي فبليبي الخامس لبريطانيا العظمى باسمه وباسم خلفائه عن مدينة جبل طارق وقلعته ومينائه ومنشئاته العسكرية من غير مقاسم لها"، وذلك بمقتضى المادة العاشرة من هذه المعاهدة. أما المادة الحادية عشرة فقد تنازل بموجبها عن سيادته على جزيرة "مينورقة" المذكورة.
وقد غادر الإسبانيون جبل طارق وأقاموا من حوله بعد أن قطعوا كل اتصال به كمقدمة لمحاصرته التي تجددت عدة مرات. ولما فشلت وسائل القوة عمد الإسبانيون إلى الوسائل الدبلوماسية باستغلال الظروف الدولة وخاصة ما كان يرجع منها إلى منافستهم لفرنسا. وقد كان الأسطول البريطاني هو صاحب الفضل الأول في إهانة القلعة المحاصرة على مد الهجمات الإسبانية الفرنسية ؟؟ واستمر وضع جبل طارق على ما كان عليه إلى أن أبرمت معاهدة "فرماي" التي أنهت حرب الاستقلال الأمريكية وتم الاعتراف فيها لبريطانيا العظمى بملكيتها لجبل طارق الذي احتلته كما سبق ذكره في السنة الرابعة من القرن الثامن عشر، أي بعد انصرام عشرين عاما على جلائهم هم طنجة، حرصا منهم على ستة ثلاث وثمانين وسبعمائة وألف بين بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الإسبانيا. وأثبت الإسبانينون تنازلهم من جديد عن جبل طارق في هذه المعاهدة بعد أن ألتزمت بريطانيا العظمى بأن تعيد إليهم جزيرة "مينورقة" و إقليم "فلوريدا" الذي باعته اسبانيا للولايات المتحدة الأمريكية في السنة التاسعة عشرة من القرن التاسع عشر.
ولقد كان جبل طارق أول عهده بالاحتلال البريطاني قلعة محصنة أصبحت فيما بعد ميناء هاما ذا شأن، عظيم في المواصلات البحرية مع مرافئ البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي والشرق الأقصى جميعا. وقد كان دور هام للغاية خلال الحربين العالميتين الأخيرتين. وكان عدد سكان القلعة في العقود الأولى التي أعقبت الاحتلال لا يعدو ألفا وثمانمائة سنة، وارتفع مجموعهم بفضل بعض صناعات التحويل التي أنشئت بها رغم افتقارها إلى الماء فأصبح اليوم يقارب ستة وعشرين ألفا. يضاف إليهم المجموع "الطافي" من العمال – وهو يناهز عشرة آلاف- الذين يأتون نهارا للعمل ويعودون إلى مدينتي "لينيا" والجزيرة الخضراء في المساء. وإذا كانت مدينة جبل طارق تقع عند الساحل الغربي من الجبل فإنه توجد بالساحل الشرقي بلدة صغيرة "كاطلن فيلج" (القرية الكاتالاتية) التي يقارب عدد سكانها الألف ويقصدها سكان الساحل الغربي للفسحة.
وإذا كان الحاكم هو الرئيس العسكري للقلعة فهناك "مجلس بلدي" يعني بالشؤون المدينة منذ ستة اثنين وعشرين وتسعمائة وألف كما هي مهام الوقاية من الحريق والصحة العامة وتعهد الطرق وتوزيع الماء والغاز والكهرباء وتنظيم السير وضمان المصلحة الهاتفية. وقد كان هذا المجلس يتألف من تسعة أعضاء أربعة منهم منتجون. ويشترط في المرشحين أن يجيدوا التحدث باللغة الانجليزية وقراءتها وكتابتها، بالإضافة إلى شروط أخرى كعدم الجمع بين العضوية في المجلس ومزاولة وظيفة من الوظائف.
وقد أعيد تنظيم هدا المجلس بعد انتهاء الحرب العالمية الأخيرة فأصبح عدد أعضائه ثلاثة عشر عضوا سبعة منهم منتجون، وأربعة معينون يمثلون المنظمات والمصالح المدنية كمديرية التربية ومديرية الصحة العمومية بينما الاثنان الباقيان ينوبان عن الإدارة العسكرية. ومدة عملهم ثلاث سنوات.
والملاحظة الهامة في الحياة العامة بجبل طارق هي أن مستوى الحياة فيه أرقى بكثير من مستوى الحياة في إسبانيا وخاصة في الأقاليم القريبة. وه\ه الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية الهامة تصرف السكان عن الاهتمام بإسبانيا واحتمالات عودة الجبل إليها.
ه\ه نظرية عاجلة تاريخ الجبل والبوغاز اللذين لهما صلة وثيقة بتاريخ بلادنا، وخاصة بعد الفتح. وأرجو أن تكون هذه الصفحات قد تضمنت معلومات مفيدة لمعظم القراء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here