islamaumaroc

مبادئ وحقائق في حياة الجماعة الحيادية الدولية

  دعوة الحق

العددان 60 و61

الحياد الإيجابي وأوضاعه الدولية الحاضرة-الفكرة الحيادية الجديدة وأحوال نشوئها وتطورها-الظروف النفسانية والفكرية التي تحيط بوجود الجماعة الحيادية من جهة،  ومجموعة الكتل والأحلاف من جهة أخرى بين التناقضات (الحيادية ) والتناقضات الموجودة داخل الأحلاف والمعسكرات-نتائج كل ذلك-مضمون الالتزام التكتلي ومفهوم الإلترام الحيادي –الفروق العامة بين الحالتين.

هل يجب أن نعتبر المحايدين في العالم ككتلة دولية ثالثة؟ وإذا كانت هذه الكتلة قائمة بالفعل فما هي منزلتها بالنسبة للكتل الدولية الأخرى المتنافسة هنا وهناك؟ وماهو فعلها من المسؤولية في هذا المضمار؟
أسئلة يبدو الجواب عليها من أول وهلة سهلا وميسورا،  وعلى الأخص فيما يتعلق بالسؤال الأول يستنبأ بمقتضاه عن أحوال المحايدين بالعالم،  وهل يشكلون بمجموعهم حقيقة كتلة عالمية جديدة، يمكن أن تكون ثالث كتلة عالمية جديدة لها صفاتها ومميزاتها الخاصة، كما أن لها –من جهة أخرى –عوامل اختلافها بل واصطدامها مع الكتلتين الأخريين،  والكتيلات التابعة لهما هنا وهناك في مختلف أنحاء المعمور.
والواقع أن الظواهر الدولية  في دنيانا المعاصرة، توجد في كثير من الأحيان على درجة عالية من التشعب والتعقيد، ومن هذه الظواهر ما يتعلق بمفهوم الحياد وعدم الانحياز عند مختلف الدول التي تعتنق هذا المبدأ وتدين له، ثم علاقة هذه الدول فيما بينها من جهة،  ومع غيرها من دول العالم من جهة أخرى، ثم جانب الحقائق الدولية التي ينبثق عنها كل ذلك، فمفهوم الحياد عند كثير من الدول حديثة العهد بالاستقلال، يختلف في بعض الجوانب عن المفهوم الذي تتبناه في هذا الموضوع دول أخرى عربية وغير عربية  سواء في آسيا وإفريقيا أو غير هاتين القارتين،  وينعكس هذا النوع من الاختلاف في المفهوم الحيادي على تصرفات الدول الحيادية المختلف،  ومناهجها في النظر والتقدير،  ووجهات سلوكها في دنيا الساسة والعلاقات الدولية وغير ذلك، ولهذا فإنك  ترى دولا يضيق مفهوم الحياد عندها، وتتقلص أبعاده حتى لتجده يرادف في نظرياتها  معنى العزلة والدوران حول الذات، مع استخفاف شديد بشؤون العالم، وعدم مبالاة  بمجرياته ونتائج تطوراته،  وتجد –من جانب آخر – مجموعة من الدول الأخرى،  يتسع في عقيدتها أو بحسب مصالحها مبدأ الحياد، وإذا به يتمطط تمططا فضفاضا وبعيد المنى،  وتتسع آفاقه وصلاحياته،  حتى لا يكاد يصبح نوعا من أنواع التبعية البسيطة تقل مظاهرها وتكثر بحسب الظروف والحالات، وإنك لواجد كذلك –من جهة ثالثة –جماعة من الأقطار المتشبعة بمبدأ الحياد يبدو أنها تدرك مفهومه إدراكا أكثر موضوعية،  وأصبح متعلقا ولهذا فإنها تحرص على الإمساك به بقدر ما يعصمها ذلك من الوقوع في إطار التبعية والاستلحاق المباشر أو غير المباشر، بيد أن استمساكها يه هكذا من الناحية السلبية، لا يحول بينها وبين العمل على عقلنته وتأكيد واقعيته، واعتماده بذلك في ازدياد التفتح على العالم، والتعاون مع شعوب الأرض، والإسهام –بنصيب ما- في استدراكه من فرص السلام والتفاهم والتقدم.
ومن الجدير بالملاحظة أن إبراز هذه الفروق،  والاستنتاجات التي يمكن أن تثيرها لا يقصد منها بتاتا المقارنة بين اتجاه حيادي وآخر،  أو المفاضلة بين مجموعة وأخرى من الدول المتأثرة بمبدأ الحياد في شكل من أشكاله،  فالمجال -في هذا الباب- ليس مجال مقايسة أو مفاضلة،  وإنما كل ما يهم في الأمر، هو مجرد ملاحظة الظواهر العديدة، التي تترامى في أفق الحياد الجديد، وما يمكن أن يؤثر به ذلك على وضعية الفكرة الحيادية الدولية بصورة عامة، والكتلة الكبيرة التي تنتسب إلى هذه الفكرة،  أو تتأثر بها من قريب أو بعيد، وغني عن البيان أن النتيجة البسيطة التي يمكن أن تنبثق عن مثل هذه الملاحظات هي أنه ليس من اليسير دائما تكوين مفهوم قار ومحدد الأبعاد لفكرة الحياد وعدم الانحياز،  ثم إدراج كل الأحوال الحيادية في العالم ضمن هذا المفهوم،  وذلك بكل ما يقتضيه من حدود وشروط،  وما يخضع له من مقاييس وترتيبات،  فالأوضاع الحيادية الدولية ليست سواء من حيث العقائد  التي تقوم عليها أومن حيث النتائج السياسية والدولية المرتبطة بها، إن هناك- بحق – الكثير من الدول التي تنتمي إلى فكرة الحياد، غير أن الأوضاع الحيادية عند هذه الدول لا تتشابه دائما فيما بينها –كما قدمنا- ولا تنتهي إلى نفس النتائج السياسية والدبلوماسية التي تقوم عليها النظرية الحيادية المجردة،  وواضح أننا لا نقصد بهذا ما يوجد من اختلاف عميق بين حالات الحياد المضمون دوليا كحياد النمسا وسويسرا  مثلا وبين حالات الحياد الإيجابي الذي ما فتئت الأقطار الإفريقية والأسيوية تأخذ به منذ نهاية الحرب، حقا إن هناك قدرا كبيرا بين من الاختلاف بين  الحياد المفروض أو المضمون وبين صور الحياد الإيجابي المستقل القائم الآن في قارتي آسيا وإفريقيا وغيرهما، لكن المقارنة بين هاتين الحالتين من الحياد لا تهمنا في هذا المجال بقدر ما  يهمنا النظر في موضوع الحياد الإيجابي نفسه، وما يتمثل في أفقه الدولي الحالي من اختلافات في الأوضاع والاتجاهات تذهب أحبانا – كما قدمنا- إلى حد كبير، لكن هل يجوز التغاضي عن مثل هذه الاختلافات في الأوضاع والاتجاهات التغاضي عن مثل هذه الاختلافات في التقييم والاستنتاج والاتجاه، عند مختلف الدول المحايدة، واعتبار هذه الدول المحايدة، واعتبار هذه الدول –بالرغم عن ذلك- ككتلة قائمة لها نصيب كاف من التماسك والتلاحم والانسجام، إن الروابط العقائدية والاتجاهية التي تصل بين المحايدين في العالم لا يمكن الاستهانة بمتانتها وحيويتها في حدود اعتبارات معينة، إلا أن هده الروابط  لا تصل إلى حد أن تجعل من مجموع الدول المحايدة  أو شبه المحايدة  سواء في إفريقيا أو آسيا أو أوروبا أو أمريكا اللاتينية كتلة متراصة ملتحمة كما هو الشأن بالنسبة للكتل الأخرى الموجودة في العالم، بل إن هناك حالات يلاحظ فيها وجود عدد من الدول ذات الاتجاه الحيادي أوشبه الحيادي، يتكتل  البعض منها في منظمات دولية خاصة، بينما يتكتل الآخرون في منظمات أخرى قد تكون مناقضة  للأولى في كثير من القضايا ووجهات التقدير والنظر،  وتلعب الاعتبارات الفلسفية والعوامل الاجتماعية والفكرية دورا هاما في تكييف اتجاهات حيادية متباينة من هذا القبيل،  على أن الدول الأخرى غير المحايدة –وإن كانت تتجمع- من جانب وآخر – في معسكرين متواجهين متناقضين، يسود كل منهما نوع من التناسق والالتحام بين عناصره،  فإنها مع ذلك تعاني هي الأخرى من مظاهر الاختلاف الداخلي والتناقض  الذاتي ما يبدو أحيانا على درجة من الأهمية البالغة، فالخلاف بين التعديليين والذوكماتيين داخل الكتلة الشيوعية قد تجاوز خلال السنة الماضية، وأوائل السنة كل الحدود المحتملة، أما التناقضات بين وجهات النظر الداعية إلى رابطة أوربية أكثر استقلالا وذاتية، وبين وجهة النظر  الأخرى المتشبتة بمبدأ التكافل والتلاحم الأطلسي،  هده التناقضات في وجهة النظر من أكبر المشاكل وأضخم العقبات التي تواجه سياسة الدفاع الدولية والتضامن الغربي،  وهناك مظاهر أخرى كثيرة من هذا النوع تؤثر تأثيرا متفاوتا في الأهمية على سير  التطور الذاتي  داخل المعسكرين العالميين المتنافسين وتحدد أحيانا وجهة هذا التطور وامتداده سواء بصورة مؤقتة أوذات صفة جذرية،  لكن، هل في إمكان المراقب أن يوازن موازنة شاملة بين مجموعة هذه التناقضات التي تسود عالم الدول المتكتلة والمتحالفة والتناقضات المماثلة لها،   التي تسود الجماعة  المحايدة في العالم؟ الذي يبدو من أول وهلة أن مقارنة من هذا النوع من شأنها أن تستدعي في بعض الاعتبارات المقارنة أيضا بين الأوضاع العامة التي تشكل وجود المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي من جهة، والأوضاع العامة التي يقوم عليها وجود الجماعة الحيادية العالمية من جهة ثانية، وعلى أساس هذه المقارنة  في الأوضاع العامة يمكننا أن  نخلص في النهاية إلى المقارنة بين التناقضات الداخلية التي تسود هذا الجانب أوالآخر والنتائج الإجمالية التي تنشأ عن وجود هذه التناقضات وتطورها.
وتبرز في هذا المجال مجموعة عامة من الحقائق والمعطيات لا بد للمراقب أن يتدبر جوانبها المختلقة،  ويستخلص منها ما يمكن استخلاصه،  وذلك من أجل التمييز فيما بين الظواهر المتداخلة وتصنيفها تصنيفا يمكن أن يكون له مدلول أكثر وضوحا وتحديدا،  وأولى الحقائق التي تبتدرنا في هذا المضمار، تتصل بالأحوال التي تم فيها نشوء الكتل والجماعات الدولية المختلفة،  وطبيعة العوامل التي أثرت في هذا النشوء، وساعدت على تطويره وتكييفه، ويرى الملاحظ في هذا المجال أن الظروف التي أحاطت بقيام الكتل والأحلاف الدولية الحاضرة تتباين في كثير من الحيثيات والظروف التي أسهمت في تطور فكرة الحياد، ، ونمو بواعثها الأساسية وتبلورها ضمن الأشكال والأطر التي تظهر فيها الآن، فمثلا الكتلة الشيوعية  التي تضم الآن ما يناهز ثلث سكان المعمور،  وتمتد مواقعها على مساحات شاسعة هائلة في أوربا  والقارة الأسيوية، هذه الكتلة لم تتلاحم أجزاؤها  وتتآلف عناصرها من الناحية القيادية  على الأقل إلا تحت تأثير الشعور الحاد،  بضرورة التكتل والتراص من أجل مقاومة النفوذ الرأسمالي في العالم، ومناوأة التيارات السياسية والمذهبية  التي تؤثر فيه أو تتأثر به على مختلف الأبعاد والمستويات،  أما الكتلة الغربية الأطلسية التي تضم أهم الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا في العالم، والتي ترتبط بها بعض الكتيلات الثانوية الأخرى كحلف شرقي آسيا (عقد في 8 شتنبر 1954) والحلف المركزي للشرق الأوسط (25 يبراير 1955) وحلف ريودي جانيرو وبأمريكا اللاتينية (شتنبر 1947) وغير ذلك،  هذه الكتلة الغربية أو الأطلسية  قد نشأت –هي الأخرى- في ظروف سياسية دولية خاصة، ترتبط شديد الارتباط بقضية الامتداد الشيوعي العالمي،  والتحديات التي أصبح يوجهها للأنظمة العربية (القائمة على قاعدة الديمقراطية البرلمانية التقليدية،  وما يرتبط بكل ذلك من أوضاع وأجهزة ومنشآت ومصالح في مختلف أنحاء العالم،  وقد كان لانفصام النظام الرباعي ببرلين،  وسقوط تشيكوسلوفاكيا تحت النظام الشيوعي سنة 1984 بالإضافة إلى إحداث منطقة البلقان وخاصة التهديد الموجه لتركيا حول موضوع المضايق  والحرب المشنة على اليونان من قبل الأنصار الشيوعيين، هذا إلى التطورات التي أدت إلى إحياء الكومينفورم (المنظمة الشيوعية الدولية )، كان لكل ذلك أثر بعيد المدى في خلق الظروف النفسانية والفكرية التي كان من شأنها أن تدعو إلى التكتل بين الأقطار الرأسمالية الغربية وتجميع الإرادات القوية لتطوير الموقف  سريعا في هذا المضمار، وواضح أن المؤثرات التي خلقتها تلك الظروف لا تزال – في الغالب- على حدتها وفاعليتها ولم يطرأ عليها عموما أي تعديل يساعد المتحالفين والمتكتلين على إمكانية الاستغناء عن الأخلاق التي يتجمعون حول أوليتها وتلك هي إحدى العقد الأساسية في استمرار تحجر الوضع الدولي منذ سنة 1947 بل وازدياد هذا التحجر وأزماته إلى حد بعيد، على الرغم مما يبدو من تقلبات داخلية مذهلة سواء في نطاق المعسكر الشيوعي  والرأسمالي وذلك نتيجة لما يعانيه المعسكر الأول من خلافات مذهبية وسياسية بين الدوكماتيين والتعديليين وبسبب ما يعانيه المعسكر الآخر من تصدعات مثيرة بين فرنسا والمملكة المتحدة من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، على الرغم من كل هذه التقلبات ذات الأهمية الواسعة فإنه ليس من المنتظر –مع ذلك- إمكانية حدوث انقلاب في الأحلاف الدولية الحاضرة، وبالتالي احتمال وقوع كتلات دولية جديدة على حساب الأوضاع الراهنة في المعسكرين المتنافسين، كل ذلك لسبب أساسي  هوأن الأحوال النفسية التي ساعدت على قيام الأحلاف الحاضرة لم يعتروها –بالرغم من المظاهر-أي تغيير حقيقي،  ومازالت تحتفظ بكامل تأثيرها على مختلف  الدول المتحالفة سواء داخل هذا المعسكر أوالآخر، لقد كانت مشاعر الشك والقلق والحذر من صميم العوامل التي مهدت لنشوء هذه الأحلاف،  وتطور  التنظيمات المادية والاجرائية التي ترتبط بها في الأساس، ومن الحلي أن هذه المشاعر بكل ما تنطوي عليه أحيانا من عناصر سلبية هدامة، لا تزال تؤثر تأثيرها القوي الفعال في تطور الأجهزة التحالفية القائمة،  وأيضا في الوجهة  التي توجه نحوها هذه الأجهزة وتستخدم على أساسها  بصورة عامة، ولهذا كله فقد كان من المفهوم دائما أن تستمر هذه الأحلاف مرتبطة بالعوامل النفسانية التي تبرر وجودها من أساسه، وبالنتيجة لذلك فإنه  لا يزال من الصعب جدا عزلها عن تأثير هذه العوامل والحيلولة بينها وبين النتائج التي يؤدي إليها كل ذلك كالتسابق –مثلا-نحوالتسلح والتنافس على مناطق النفوذ والسعي إلى ذلك سعيا ناريا يكاد يشمل حتى مجالات اكتشاف الفضاء أيضا، وكل هذا من أجل ضمان التفوق على الخصم، أي ضمان التفوق على عوامل الحذر والخوف والريب  الذي يحدثه كل جانب باستمرار،  ويؤثر به على نفسية الجانب الآخر، والأهم من هذا كله أن الأمر – في هذا الباب- قد أصبح شديد الاتصال بالشعارات التي يرددها هؤلاء أو أولئك وحتى بالمبادئ والقيم التي يدين بها المتكتلون سواء في هذا المعسكر أوالآخر،  إن الشعارات التي أصبحت تردد بمناسبة وغير مناسبة  داخل الكتل الدولية المتنافية هي شعارات القوة، القوة الرادعة، القوة التي توصف أحيانا قوة مطبقة،  أي لها الفاعلية التدميرية من جهة،  والمناعة ضد الوسائل المضادة من جهة أخرى ما بحول دون إبطال عملها الرادع على أي شكل من الأشكال،  وما التلويح بالقوة هكذا إلا مظهر من مظاهر الحرص الشديد على مداراة القلق والخوف ومحاولة درء ذلك على طريق تخويف الخصم وإلقاء الذعر في نفسيته،  وتلك حالة دور وتسلسل يمكن على أساسها تعليل الكثير من المواقف المزمنة في العالم الدولي الحاضر وإدراك المشكلات السياسية الأكثر تعقيدا في مجال هذا العالم وآفاقه،  أما إذا وجهنا النظر إلى طبيعة موقف الأقطار المحايدة من مثل هذه التطورات وردود الفعل التي كان من اللازم أن تمارسها إزاء كل ذلك فإننا سنلاحظ أن الحقائق في هذا المجال تختلف في كثير من جوانبها مما رأيناه بالنسبة إلى المتحالفين والمتكتلين، لقد تأرجحت الفكرة الحيادية عند شعوب هذه الأقطار تأرجحا واسعا جدا قبل أن تصل إلى درجة من الارتكاز والاستقرار مثل ماهي عليه الآن، ولقد كان مؤتمر "باندونغ" (أبريل 1955) مرحلة مهمة من مراحل التطور الأساسي الذي اجتازته الحيادية الإيجابية  المعاصرة كما هي اليوم، ولم يكن  المؤتمر ذاك مجرد مظهر من مظاهر هذا التطور  بل كان فوق ذلك عاملا  من عوامله التي لها أهميتها في هذا المضمار،  على أن السنوات القليلة التي أعقبت تجمع باندونغ كانت ذات أثر حاسم في تطور الأوضاع الحيادية بالعالم وارتكاز التجمع الحيادي الدولي على أسس  أكثر إيجابية وحيوية،  وإن كان هذا التجمع لم يتخذ شكل حلف أو كتلة على النحو التقليدي الذي تعرف به الكتل المتنافسة البوم،  ولقد كان لتحرر أغلبية المناطق في إفريقيا خلال هذه الفترة فضلا عن ازدياد التزاحم بين المعسكرين  العالميين على اكتساب الشعوب النامية،  وتطور الاتجاه عند هذه الشعوب إلى الإقبال على موارد التنمية والتطور عن طريق التعاون المتكافئ  مع كلا المعسكرين،  كل ذلك من شأنه أن يزود الفكرة الحيادية الإيجابية بعناصر جديدة ويحمل  كثيرا من الدول المحايدة وإن كان البعض منها لا يزال منعزلا على توفير  المزيد من التقارب فيما بينها والبحث عن  سبل التلاؤم في مواقفها من بعض القضايا السياسية على الأقل التي تشغل العالم الدولي الحاضر،  وليس هناك من شك في أن المشكلات الأساسية التي تعاني منها أقطار الحياد هي على درجة من الثما تل والتشابه، وتتركز في مجموعها في محور أساسي :الجمود الاقتصادي والاجتماعي الذي يتخذ في الغالب مظاهر مأساة مروعة ويسود الرأي عند عموم هذه الأقطار أن الحرب ليس من شأنها إلا أن تعرقل الحظوظ الممكنة لمعالجة مشاكل إنسانية معقدة من هذا القبيل وعلى العكس من ذلك فإن سبل التعاون الدولي المتحرر من قيود التبعية والانحياز تبرز كأساس دائم وواسع الشمول لتحقيق نتائج هامة في هذا المحال،  وفي إمكان المرء أن يستنتج من ذلك متانة الروابط الموضوعية التي ما فتئت تصل بين وجود التخلف من جهة،  والاتجاه المشترك إلى الحياد من جهة أخرى، وهذا الترابط –وإن كان لا يشكل قاعدة صحيحة يسري مفعولها على جميع الحقائق والمستويات- إلا أنه-مع ذلك- يعتبر ظاهرة ملحوظة ومطردة تتمثل لنا في مختلف الحالات الحيادية الملحوظة سواء في إفريقيا أوفي آسيا أو غيرهما، فمناوأة التخلف ليست مهمة بسيطة حقا،  وهي إن كانت تستجوب شيئا فإنها تستجوب –قبل كل شيء- بحثا ملحا عن الموارد  والتجهيزات وسعيا حثيثا  وراء  أعمال التنسيق والإنجاز والتوسع وهذه أمور  لا تتوافر مجالاتها بصورة واسعة إلا في أجواء دولية سليمة وبعيدا جدا عن غمار الأحلاف والتكتلات المتشاحنة ولا ريب أن مثل هذه الحتمية المنطقية من شأنها أن تفرض على الذهن العادي ضرورة انتهاج سبيل الحياد الواعي المتفتح مثل ما تفعله كثير من الدول النامية،  وتسير بمقتضاه في موضوع علاقاتها العالمية والدولية.
نستخلص مما تقدم أن الظروف النفسانية والفكرية التي أحاطت ظاهرة الحياد الجديد وتطوره هي غير الظروف الأخرى التي صاحبت نشوء الأحلاف والكتل المتنافسة في عالم اليوم، إذ أن الخوف والشك والحذر كان فعلا في أساس الدوافع التي حدت إلى قيام هذه الكتل،  بينما كان الأمل والرجاء من بين العوامل المهمة في نمو الاتجاهات المختلفة نحو الحياد، وتبلورها في واقع الجماعة الحيادية الدولية التي تشكل اليوم تقريبا ما نتواضع على تسميته بالعالم الثالث،  وبين الخوف والحذر من جانب،  والأمل والرجاء من جانب آخر يتبين الفارق الكبير بين وجهتين إنسانيتين كبيرتين يؤثر كل منهما على سير التطور بالعالم ويساهمان في تكييف الوقائع والمجريات التي تتراى بين ربوعه،  والتناقض بين الوجهتين،  وجهة المحايدين ووجهة المتكتلين المتحالفين لا يدعو بطبيعة الحال إلى حتمية التصادم بينهما كما يمكن أن يقع بالنسبة للدول المتكتلة يعضها ضد بعض، إذ أن هذا التناقض الحاصل بين الحيادية والانتمائية لا يستمد وجوده – في الواقع- من شعور عدائي أو إحساس سلبي، وإنما هو راجع إلى جوهر الاختلاف بين فلسفة تقوم على مبدأ التوفيق والملائمة، وفلسفة أخرى تنهض على منطلق القوة والمغالبة سواء في حالة الدفاع أو الهجوم وفي مجال الاستعداد لذلك ماديا ونفسانيا وبطبيعة الحال فإن فلسفة التلاؤم والتوافق لا يمكن أن تسير في سبيل التداني مع الفلسفات الأخرى المناقضة لها، والمتناقضة هي أيضا مع بعضها البعض وذلك لا لكي تنتهي في الأخير إلى الاصطدام بهذه الفلسفات اصطداما تناحريا مميتا كما هو طبيعي أن يحصل في كثير من الحالات من هذا القبيل، وإنما لنحاول –عوضا عن ذلك-التأثير على مواطن السلبية الكامنة في الصراع الدولي القائم وتحديد عناصر الحدة والإرهاف في مختلف مظاهره ونتائجه، ولعلنا نكون أكثر إدراكا لمعقولية الفكر الحيادي في هذا الشأن ومنطقية الموقف الذي يتبناه حيال مسائل هامة من هذا النوع، إذا ما وضعنا في عين الاعتبار أن الحياد لم يقم في أساسه ومنذ بداية نشوئه وتطوره كوسيلة لمقارعة خصوم حقيقيين أو موهومين أو مناوأة كتل أو وجهات دولية معينة،  وعلى الرغم من أن أكثرية الأقطار المحايدة كانت واقعة في الغالب الأعم تحت وطأة النظام الاستعماري التقليدي وتعاني باستمرار من مشاكل التخلف الذي يرجع في بعض أسبابه إلى الوجهة التي كان يتخذها هذا النظام في موضوع الفكر والاقتصاد والاجتماع وغيره، على الرغم من كل ذلك فإنها قد استطاعت أن تتخلص من كثير من العقد والمركبات نحو الدول الكبرى،  وتتخذ سبيلها إلى آفاق التعاون الدولي الإيجابي البعيد عن مظان التحزب ضد هذه الدولة أو تلك أو على حساب هذا الحلف أو الآخر وقد كان طبيعيا جدا أن تحتضن هذه الشعوب المحايدة مثل هذا الاتجاه في التفكير والتخطيط والتصرف لأنه منبثق-في واقع الأمر-عن نظرياتها الخاصة عن موضوع التعايش العالمي ووسائل مناوأة الاستعمار القديم والجديد وطرق العمل على إ نجاح الثورة الإنسانية من أجل التطور والنماء والتحرر...والنظريات الحيادية في هذا الباب، وإن كانت تتلاقى في كثير من المراحل مع النظريات الشيوعية، إلا أنها لا ترتكز بالضرورة على نقس المعطيات والقيم التي انتهت إليها الماركسية واللينينية وما في ضمنها من حركات واتجاهات دولية ومحلية، إن نظرة الحياديين إلى طبيعة الامبريالية ونتائجها ومضاعفاتها لا تقوم أساسا على أراء اقتصادية  وتاريخية معين،  بقدر ما تقوم –أكثر من ذلك- على ملاحظة الواقع الاستعماري في العالم،  ويوجبه الاحتكاك بهذا الواقع من عبر واستنتاجات،  وإن كان من الضروري أن تحمل هذه العبر والاستنتاجات على مزيد الحذر من الأوساط الامبريالية الدولية،  ومن مناهجها وتخطيطاتها التسلسلية الدقيقة سواء ا كانت على الطراز الكلاسيكي المألوف أو كانت تكتسي أردية مستحدثة فإنه ليس من اللازم –على أي حال- أن تلتفي اليقظة الحيادية في هذا الباب مع تكتلات المتكتلين وأنصار الأحلاف والمعسكرات،   ورواد الحرب الباردة،  وليس من اللازم كذلك أن يلتقي التفكير الحيادي في موضوع الحرية والمبادرة الشخصية والاقتصاد الحر مع نظريات الدول الأخرى التي تعتنق المبادئ الليبرالية في الاقتصاد والاجتماع ثم تتخذ من هذه المبادئ سبيلا للتكتل والتحالف من أجل خوض الغمرات الصراعية ضد الآخرين على أننا إذا نظرنا إلى هذه الغمرات من وجهة آراء الذين يخوضونها فإننا نجد أنها لا تثير الاستغراب على أي مستوى مبدئي، فمنطق الأحداث المتسلسلة منذ حقبة بعيدة  يفرض إمكانية الصراع الموجود بشكله الحاضر، بل ويحتم وقوعه طبقا لمقتضيات  التحول التاريخي وما يصحب هذا التحول من تفاعلات دولية تمتد على الصعيد العالمي الواسع، ولا شك أن التكتل ضمن مؤسسات دولية مشتركة في بعض الأحيان من أقصى الضرورات وأشدها إلحاحا  بالنسبة للمتصارعين داخل هذا التحول سواء كانوا ينتسبون إلى هذا المعسكر أو الآخر،  إذ أن مثل هذا التكتل –في نظر البعض-يساهم على الأقل في إقامة التوازن بين الطرفين المتشاحنين وساعدهما –كما يرغبان-على تركيز طاقتهما الصراعية مادية أو معنوية، لكن الأمر بالنسبة للمحايدين يختلف عن ذلك في كثير من الاعتبارات،  فالبواعث الصراعية عندهم لا تتجه نفس الوجهة التي يوحي بها داعي الصراع عند دول التكتل والأحلاف، إذ أنها ترتبط عند هؤلاء بموضوع  الخامات والأسواق والمجالات الحيوية والنفوذ العالمي بمختلف أنواعه المذهبية والاقتصادية والسياسية وغيرها، بينما هي ترتبط عند الأولين بموضوع التحرر من بقايا النظام الامبريالي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في ميادين الصناعة والتجارة وغيرها وتوفير فرص النمو والتقدم والسلام على كثير من الدول المحايدة ينصب في الدرجة الأولى على مواضيع التحرر السياسي في مختلف أنحاء العالم ويتركز كذلك في موضوعات التنمية الاقتصادية ومشاريع التطوير والتنسيق وإن كانت فطه المواضيع الأخيرة لم تتخذ على صعيد التعاون بين الحياديين صورة جدية حقيقية،  وهذه خطوط كبرى في مجال العمل الدولي المشترك الذي يجمع كثيرا من الدول المحايدة في العالم،  ويساعدها –بالأخص-على اتخاذ مواقف موحدة على صعيد هيئة الأمم المتحدة، على أننا إذا ما اعتبرنا تفاهم هذه الأقطار فيما بينها حول مواضيع معينة من نوع ما لاحظناه  من قبل مع ما يحدثه هذا التفاهم أحيانا من مؤثرات وندوات خاصة  وتناسقات ملحوظة في وجهات النظر، إذا اعتبرنا كل ذلك على أنه أساس تكتل  موجود بالفعل بين مجموعة  المحايدين في العالم، فإننا نكون حينئذ قد أطلقنا اللفظ إطلاقا فيه كثير من التجاوز وأردنا به  مدلولا عاما غير مقيد بقيود سياسية وقانونية خاصة، ذلك أن اتفاق الدول المحايدة  في عدد من وجهات النظر ومواطن العمل والسلوك لا يعني أنها ترتبط فيما بينها  بروابط قانونية  ملزمة من نوع  ما يربط الدول المتكتلة بعضها إلى بعض، بل إن الروابط التي تصل فيما بين المحايدين هي روابط مبدئية قبل كل شيء، بحيث لا تتجاوز حدود المبادئ العامة إلى التفاصيل ولا تتغلغل حتى تمس الأهداف الخاصة لأية دولة محايدة أو جانب  العلاقات العامة بيت هذه الدولة وبين بقية أنحاء العالم، ومن هنا نلحظ أن الفكرة الحيادية في خطوطها العامة، أو بالأقل من حيث الواقع الدولي الذي يتمثل فيه الآن..هذه الفكرة هي ذات إطار فضفاض متمطط يمكن أن يتسع لكثير من الأشياء بما في ذلك مظهر التناقض الذي يبدوأحيانا بين مجموعة وأخرى من المجموعات الدولية التي ترتبط بمفهوم الحياد وذلك في بعض الأوضاع والقضايا المختلفة التي لا تمس جوهر الحياد من أساسه،  أما من حيث التناقض الذي ينشب بين الدول غبر المحايدة أي المرتبطة فيما بينها بروابط الأحلاف والتكتلات فإن تأثيره على علاقاتها يكون – ولا شك- أشد خطورة وأبعد مفعولا وذاك نتيجة حتمية لطبيعة الصلات التحالفية التي يوجد بينها وما تقتضيه هذه الصلات من ضرورة التناسق المطلق في مختلف وجهات النظر وأساليب العمل،  على اختلاف الدرجات والمستويات،  وكثير من الظواهر التي يلحظها المرء من خلال التطورات الداخلية سواء داخل هذا المعسكر أو ذاك من شانها أن تدل على كثير من الحقائق التي لها أهميتها في هذا المقام.
إن الفكرة الحيادية تعيش تجربة مرحلية هامة ومن أبرز الحقائق التي تكشف عنها هذه التجربة أن الحياد إذ يجب أن يكون أساسا لتعاون إيجابي فعال بين الدول التي تعيش خارج الأحلاف والتكتلات –فإنه –من جانب آخر- لا يصح أن يكون قاعدة انطلاق لتشكيل كتلة دولية جديدة منغلقة على نفسها وواقعة تحت تأثير الخوف والحذر من الكتل الأخرى المتنافسة في العالم،  حقا إن هناك حالات تقارب واسع المدى بين كثير من الدول التي تعتنق مبدأ الحياد على نحو آخر، وكثيرا ما يشتد هذا التقارب وتقوى عوامله فيتخذ بذلك شكل تجمع حقيقي تتكتل في نطاقه دول حيادية بعضها مع بعض وترتبط فيما بينها بمواثيق أو معاهدات ذات صبغة ترابطية ملزمة، بل إن البعض من هذه المواثيق والمعاهدات بين الدول المحايدة قد اتسع نطاقه كثيرا في بعض الأحيان وأصبح يشمل جوانب ذات أهمية واسعة بما فيها الجوانب العسكرية أيضا، لكن ذلك – وبالرغم من جميع المظاهر- لا يدل بالضرورة على وجود أية صلة بين التفكير الحيادي وبين مظاهر التكتل العالمي بمفهومه التقليدي الباعث على مناوأة الجهات الدولية الأخرى والاشتباك معها في المنازعات الدائمة والانغمار وإياها في متاهات الحرب الباردة على اختلاف ما لها من أوجه وصور، إن الفكرة الحيادية لا تقوم في قواعدها على مجرد اجتناب التأثر بالحرب بل إنها تنزع إلى الإسهام عمليا في تنظيم الشؤون العالمية الكبرى والتأثير على طريقة هذا التنظيم وتوجيهها توجيها يستهدف التخفيف من حدة المنازعات القائمة كلما كان ذلك ممكنا، وليس من تناقض حتمي بين هذا الاتجاه الذي تحتويه الفكرة الحيادية وبين وجود مواثيق عسكرية تصل بين دول حيادية معينة، إذ العبرة في هذا الباب لا تكمن في مجرد وجود مثل هذه المواثيق، وإنما في طبيعة الروح التي تؤثر فيها وتسيطر بها على سير الاتجاهات والأحوال،  ولعل من الواضح بالفعل أن الارتباطات العسكرية التي تقوم أو يجوز أن تقوم بين أقطار حيادية وأخرى لا يمكن أن تتأثر بروح التحيز ضد هذا الجانب أو ذاك أو عامل المناوأة لهذه الكتلة،  إن أحوالا ارتباطية وتعاونية من هذا القبيل لا بد أن تكون متأثرة بروح إيجابية صحيحة كالرغبة –مثلا- في زيادة توثيق الصلات العامة، وتنسيق عدد من المواقف المشتركة ودرء الأخطار الطارئة عند الاقتضاء،  ولكن في غير ما حرص على اصطناع المنازعات الدولية المختلفة،  ودونما رغبة في تعقيد المشاكل العالمية،  وتوسيع نطاق العداء والمناوأة الذي توحي به هذه المشاكل وتتأثر به إلى حد كبير.
إن النظرية الحيادية الجديدة تنزع في عمومها إلى الاندماج الكلي في قضايا العالم واهتماماته وهذا هو السبب في أن هذه النظرية لم تؤد بالفعل إلى تكوين حلف دولي ثالث يشمل مختلف الأقطار التي تتأثر بمبدأ الحياد ويتميز كما هو الأمر في الأحلاف العادية الموجودة بضيق جوانبه وشدة إلزاميته وتجمده في نطاق أهداف خاصة غبر قابلة في أكثر الحالات للتكيف والتلاؤم،  فليس هناك من حالة يوجد قيها قطر حيادي مقيدا بقيود تحالفية صارمة تضع عليه واجب الخضوع المطلق للجماعة التي ينتسب إليها وإلا اعتبر منحرفا متمردا يجب الاقتصاص منه والتبرؤ من سلوكه كما هو الأمر من هذا القبيل، بالنسبة للكتل الدولية الأخرى في العالم،  حقا إن أية دولة من الدول المحايدة لا بد أن تبقى وفية –في الأساس- للفكرة الحيادية من حيث المبدأ بما يقتضيه ذلك من عدم الالتزام بالحلاف وامتناع التحزب المطلق للجهات الدولية المتنازعة،  ورفض البوادر السلبية المؤدية بطبيعتها إلى تأريث نيران الحرب ومضاعفة بواعث الصراع في العالم، هذه مقتضيات موضوعية يقوم عليها الفكر الحيادي في شكله البسيط المجرد،  بيد أن الالتزام لهذه المقتضيات الحيادية لا يمكن أن يعد في نفس الوقت التزاما لمعسكر حيادي أو منظمة حيادية أو صديقة كبرى من الصديقات المحايدات، إنه التزام تلقائي تحدده إرادة كل دولة بصورة خاصة،  وليس لأية دولة أخرى أومجموعة من الدول أن تتحكم في تكوين هذا الالتزام أو تؤثر على ضمان استمراره وتحقيق فعاليته ومتطلباته،  وعلى ضوء ما يمكننا أن نعلل هذه المرونة الني يصطبغ بها التفكير الحيادي وتفسر –على أساس ذلك- موقف بعض من الدول التي استطاعت أن تجمع في نفس الوقت بين صفتين انتمائيتين لا يوجد بينهما قدر من التطابق والالتزام،  فالبعض مثلا من الدول المنتسبة إلى هيئة الكومونولث البريطاني تنتمي في ذات الوقت إلى الجماعة الحيادية الدولية،  ولم يقم هناك أي تعارض أساسي بين اتجاهها الحيادي المتين وبين وجودها داخل منظمة تتصل بعض الاتصال بالعالم الغربي الأطلسي،  وإن كانت لا ترتبط بسياسة على خط مستقيم، وهكذا الأمر بالنسبة لأمثلة أخرى من هذا القبيل،  وكل ذلك من شأنه أن يؤكد أن الحياد، وإن كان يضم دولا عديدة على صعيد مبدأ مشترك ويجمع بينهما في شبه تكتل تلقائي، إلا أن هذا التكتل لا ينطبق عليه تماما المفهوم الكلاسيكي الذي توحيه لأذهاننا روح الحذر والخوف من الأعداء والخصوم،  وتؤثر على وجهتها مجموعة من العقد النفسانية التي يسببها هؤلاء الخصوم –فرق كبير بين ذلك وبين الحالة الماثلة في وجهة البلدان المحايدة- على الرغم مما بفصلها من اختلافات ومظاهر غموض وغيره-هذه الحالة التي تقوم على التلطيف من حدة الفراغ العالمي الناشئ عن الأحلاف،  والإسهام بذلك في التقليل من وطأة المركبات المزمنة عند المتكتلين،  والتأثير بالتالي على حظوظ العالم نحوالسلام والاستقرار.
وباعتبار آخر فهناك فرق آخر بين هؤلاء الذين تشدهم أحيانا معاهدات تكتلية شديدة الوطأة والإلزام تضيق أحيانا حتى لا تترك لهم الكثير من فرص العمل الدولي وحرية الاختيار المبدئي،  وبين هؤلاء المحايدين الذين لا تتحكم في وجهتهم معاهدة حيادية خاصة،  ولا تقيد إرادتهم مقتضيات تكتلية ضيقة،  وإنما الذي يحدد علاقتهم مع بعضهم ومع العالم،  هو الرغبة الملحة في التفاهم والتعاون والحرص الشديد على تمديد رفعة التقارب الدولي،  وتكثير فرص السلام والتقدم على الصعيد الإنساني العالمي.
وعلى كل،  فإن على الجماعة الحيادية الدولية أن تحقق القدر الكافي من التناسق فيما لينها سواء في الأفكار أوالمواقف،  وذلك من أجل مواجهة التحديات العالمية التي تتوالى باستمرار،  ومجابهة الحقائق المذهلة التي ما برح التطور العالمي يحدثها بدون توازن أوانقطاع،  وهذا التناسق –الذي يختلف عن طبيعة التكتل داخل الأحلاف-ليس من شأنه إلا أن يساعد على تركيز فعالية الحياد الإيجابي في مجتمعنا العالمي الراهن،  ويضمن للعقيدة الحيادية مجالا أوسع للمساهمة من أجل السلام والتعايش والتقدم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here