islamaumaroc

أبو الحسن الشاذلي -1-

  دعوة الحق

العددان 60 و61

أبو الحسن الشاذلي عالم من أعلام الصوفية وقطب من أقطابه، ولد في المغرب الأقصى وعاش معظم سني حياته في تونس ومصر وأنشأ مدرسة صوفية كبيرة، لازال أتباعها وتلاميذها ينتشرون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ويكونون فرقا صوفية كثيرة تشعبت كلها عن الفرقة الأصلية التي أنشأها ونسبت إليه وهي الفرقة الشاذلية.
ولد أبو الحسن الشاذلي في أواخر القرن السادس الهجري في سنة 593 هـ في قرية غمارة بالقرب من مدينة سبتة بالمغرب الأقصى.
وهو تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الجبار بن يوسف.
وينتمي إلى قبيلة عمران قبائل المغرب وهي التي ينتمي إليها ولي الله سيدي عبد الرحيم القناني.
نشأ أبو الحسن في قريته غمارة وفيها تلقى علومه الأولى وحفظ القرآن، ثم أٍراد أن يستزيد من العلم فرحل إلى تونس. لقد كانت مدن المغرب الأقصى الكبيرة مثل سبتة أو مراكش أو, فاس أقرب إليه من تونس، ولكنه أعرض عنها جميعا وأبعد في الرحلة فذهب إلى تونس، ولتفسير هذا لابد من إلقاء نظرة على الحالتين السياسية والعلمية في المغرب الأقصى وفي العالم الإسلامي بوجه عام على ذلك الوقت.
كان المذهب الشيعي قد انتصر في القرن الرابع الهجري، وبانتصاره قامت دولتان شيعيتان كبيرتان أصبحت لهما السيادة في طرفي العالم الإسلامي الشرقي والغربي، فالدولة الفاطمية في المغرب وتضم إليها بلاد المغرب جميعا ومصر واليمن والحجاز والشام والدولة البويهية في الشرق ولها السيادة في العراق قلب الدولة العباسية نفسها.
وفي القرن الخامس والسادس حدث فعل قوي، وبدأ المذهب السني يسود من جديد بعد أن، ضعفت الدولتان الفاطمية والبويهية، وقامت دول سنية كثيرة كان هدفها القضاء على الدول والمذاهب الشعيية في كل مكان فكانت دول السلاجقة والأتابكة في الشرق ودولتا الأيوبيين والمماليك في مصر والشام ودولة الموحدين في المغرب والأندلس. وكان بعض حكام هذه الدول السنية مغالين في محافظتهم على المذهب السني ويرون في كل الحركات والاراء الفلسفية جنوحا نحو العودة إلى المذهب الشعبي، فهو مذهب كان بدرس الفلسفة وعلوم الأوائل ويتأثر بها إلى حد بعيد.
وهذا العصر بعينه هو العصر الذي شهد انقسام العالم الإسلامي إلى دول كثيرة شغل بغضها عن البعض الآخر، وهو الذي شهد ضعف هذا العالم الإسلامي وجرأة أوربا المسيحية على اقتحام ربوعه في الشام على أيدي الصليبيين، وفي الأندلس على أيدي الراغبين في إعادتها إلى حيرة المسيحية والقضاء على الدويلات الإسلامية القائمة بها.
في هذا الجو الغريب قويت الحياة الروحية ونشط التصوف وكثر المتصوفة، فقد أحس المجتمع الإسلامي بعجزه عن نفسه من المغيرين الوافدين من الخارج، فراح المسلمون يبحثون عن قوة عليا يلجأون إليها في محنتهم ويحسون في كنفها بالاطمئنان النفسي، فلجأوا إلى التدين وأغرقوا فيه وفي العبادة والزهد، يلتمسون في هذا كله سكينة الروح وينسون في رحاب الله ما يكتنفهم من عوامل الفزع و القلق و الاضطراب و من هنا نشطت الحركات الصوفية في القرنين السادس والسابع، وأنقسم المتصوفة في هذين القرنين إلى قسمين: قسم حيا حياة روحية خالصة وقسم خلط التصوف بالفلسفة والروح بالفكر. وقد شهد المغرب عند نشأة الشاذلي به هذين النوعين من المتصوفة.
ففي مدينة فاس بالمغرب الأقصى كان يقيم في أواخر القرن السادس الصوفي الكبير الشيخ أبو تعزي بن بلنور، وكان الناس يفيدون إليه من جميع أنحاء المغرب والأندلس، يأخذون عنه ويستمعون إليه ويلتمسون منه البركات، وفي مقدمة من وفد عليه القطب الفوث أبو مدين التلمساني فعاش معه سنين يقتبس من طريقته بالإقبال كان على الصوم والزهد والصلاة والتقشف والعبادة. حتى إذا قبس قبسة من روح أستاذه حل إلى المشرق ليقتبس قباسات أخريات من شيوخ التصوف هناك، وعن سيدي عبد القادر الجيلالي قطب العراق بوجه خاص.
وعاد أبو مدين إلى المغرب فأقام في بجابة وفاقت شهرته شهرة أستاذه أبى يغزى ولقبوه القوم هناك بالغوث وتتلمذ عليه العشرات من كبار العلماء وفي مقدمتهم الفيلسوف المتصوف الكبير محي الدين بن عربي والشيخ أبو عبدالله محمد بن حرازم أحد  شيوخ الشاذلي.
وكانت الدولة القائمة بالحكم في المغرب وقت ذلك هي دولة الموحدين، ومن ملوكها من كان راغبا للحياة الفكرية مشجعا للعلماء والمفكرين، ومنهم من كان متزمتا مضطهدا لرجال الفكر والمشتغلين بالفلسفة.
فمن أمثلة النوع الأول الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وكان رجلا واسع الفكر محبا للعلم صديقا للعلماء، وللفلاسفة منهم بوجه خاص، فقرب إليه عددا كبيرا منه، وفي بلاطه عاش الفيلسوف المغربي ابن طفيل وهو احد ممن حاولوا المزج بين الفلسفة والتصوف،وهو مؤلف قصة  حي بن يقظان التي حاول فيها أن يثبت أن العقل والشرع يؤديان إلى نتائج واحدة.
وابن طفيل هو الذي قدم للخليفة يعقوب صديقه الفيلسوف ابن رشد فرحب به وقربه إليه وولاه قضاء اشبيلية.
ولكن المجتمع الإسلامي في المغرب وقتذاك لم يرض عن سياسة الخليفة الموحدي يعقوب، فقد كان رد الفعل السني ذا أثر قوي عليه/ لهذا كان المجتمع سنيا متزمتا ينكر المشتغلين بها وقد استجاب الخليفة أبو يوسف يعقوب بن الخليفة السابق لرغبات المجتمع، فاضطهد العلماء والفلاسفة ورجال الفكر، وأصابتهم في عهده محن شديدة. فاتهم ابن رشد في عهده بالزندقة وحوكم في سنة 591.
واضطهد الصوفي الكبير أبو مدين وأرسل الخليفة يستدعيه من بجاية لمحاكمته، فأتى به مكيلا بالحديد، حتى إذا وصل تلمسان مرض ومات سنة 594.
هذا الجو الذي كان يشيع فيه ضيق الفكر، ويسود فيه الكبت الاضطهاد والمحاكمة دفع الكثيرين من رجال الفكر والفلسفة والتصرف إلى الرجل عن المغرب الأقصى،وفي مقدمتهم محي الذين بن عربي، فقد رحل عن الأندلس والمغرب في سنة 598 بعد أن شهد محنه أستاذه ابن  رشد  وأستاذه في التصوف ابى مدين.
لم يكن غريبا أ، يشيح الشاذلي بوجهه عن مدن المغرب الأقصى الكبيرة ويرحل إلى تونس ليستكمل علومه بها. فإنه يبدو أن الجو في تونس كان أصلح منه في المغرب الأقصى وحرية الفكر والدراسة مكفولة هناك إلى حد ما، وفيها على ذلك الوقت كان يقيم عدد كبير من أعلام المتصوفة من أمثال الشيخ محمد صالح بن بنصار والشيخ أبى محمد المهدوي والشيخ أبى سعيد الباجي وهم من تلاميذ الغوث، وقد عاصر الشاذلي اثناء تلقيه العلم في تونس هؤلاء العلماء الإعلام ولا شك أنه ا تصل بهم وتتلمذ عليهم وأخذ عنهم. وكان الجو في تونس كلها يضوع منه شذى تعاليم ابى مدين وروحانيته، وقد تأثر الشاذلي بهذا الجو تأثرا شديدا وعشق التصوف وحياة المتصوفة منذ ذلك الحين وبدأ فتلقى الطريقة على ابى عبد الله بن حرازم أحد تلامذة ابى مدين ولبس على يديه خرقة التصوف.
ورحل أبو الحسن الشاذلي من قريته غمارة إلى تونس حوالي سنة 602 وهو بعد حدث صغير السن في نحو العاشرة من عمره، وبدأ هناك فتلقى على علمائها الفقه على مذهب مالك، وعلوم اللغة من أدب ونحو وصرف وعلوم الدين من تفسير وحديث وكلام وتوحيد. ولازم حلقات الدرس حتى نبغ في هذه العلوم جميعها، ثم شاقه التصوف واتصل بشيوخه ولبس الحرقة أول ما لبس على يد أبى عبد الله محمد بن حرازم – كما اسلفنا-
والكتب التي ترجمت لابن الحسن الشاذلي تروي قصة طريفة حدثت له عند دخوله مدينة تونس، والقصة تبدو غريبة بعيدة عن المنطق ولكنها تدخل في نطاق ما يسميه القوم بالكرامات، وأغلب الظن أن مؤرخي أبى الحسن واتباعه يرونها للبرهنة على أنه كان منذ شبابه الأول ذا نفس طاهرة نقية صافية، وأنه كان ذا استعداد طيب للولاية منذ هذه السن المبكرة.
روى هذه القصة صاحب كتاب المفاخر العلية في المآثر الشاذلية. قال رواية عن الشيخ جمال الدين القرآني أن الشيخ أبى الحسن الشاذلي قال:
" دخلت مدينة تونس وأنا شاب صغير، فوجدت فيها مجاعة شديدة، ووجدت الناس يموتون جوعا في الأسواق، فقلت في نفسي: لو كان عندي ما اشتري به خبزا لهؤلاء الجياع لفعلت، فالقى في سري : خذ ما في جيبك، فحركت جيبي فإذا فيه نفوذ، فأتيت إلى خباز بباب المنارة، فقلت له : عد خبزك، فعده، فناولته للناس فتناهبوه، ثم أخرجت الدراهم فناولتها الخباز، للناس فتناهبوه، ثم أخرجت الدراهم فناولتها الخباز، فقال لي : هذه مفارقة وأنتم معاشر المغاربة تستعملون الكيمياء، فأعطيته برنسي وكرزيتي من على رأسي  رهنا في ثمن الخبز، وتوجهت إلى جهة الباب فإذا رجل واقف عنده فقال لي : يا علي أين الدراهم ؟ فأعطيتها له فهزها في يده وردها إلي، وقال ادفعها للخباز فإنها طيبة، فرجعت إلى الخباز فأعطيتها له فقال: نعم هذه طيبة وأعطاني برنسي وكرزيتي، ثم طلبت الرجل فلم أجده، فبقيت متحيرا في نفسي إلى أن دخلت الجامع يوم الجمعة، فجلست عند المقصورة عند الركن الشرقي فركعت تحية المسجد وسلمت وإذا بالرجل عن يميني فسلمت عليه فتبسم وقال: يا علي أنت تقول لو كان عندك ما تطعم به هؤلاء الجياع لفعلت ؟ اتتكرم على الله في خلقه ولو شاء لأطعمهم وهو أعلم بمصالحهم ؟ فقلت يا سيدي من أنت ؟ قال أنا أحمد الخضر كنت ببلاد الصين فقيل لي أدرك بتونس فأتيت مبادرا إليك، فلما صليت الجمعة نظرت إليه فلم أجده".
وفي تونس قضى أبو الحسن سنوات الصبى والشباب الأول تتلمذ فيها على كبار علماءها وشيوخها ومتصوفيها، فبدأ بأبي عبد الله بن حرازم الذي لبس خرقة التصوف على يديه لأول مرة، ثم سمع بالشيخ أبى سعيد الباجي أحد تلامذة أبى مدين وممن أخذوا الطريق عته فسعى إليه وانتفع بعلمه. يصف الشاذلي مقابلته الأولى لأبى سعيد يقول:
" لما دخلت تونس في ابتداء أمري قصدت بها جملة من المشايخ، وكان عندي شيء أحب أن أطلع عليه ويبين لي منه خبر، فما فيهم من شرح حالي، حتى دخلت على الشيخ أبى سعيد الباجي – رحمه الله- فأخبرني بحلي قبل أن أبديه إليه، تكلم عن سري، فعلمت أنه ولي الله، فلازمته وانتفعت به كثيرا وسمعت منه".
في هذا الجو الذي كانت تتجاوب في جنباته آراء الفلاسفة من أمثال ا بن رشد وابن طفيل وابن عربي وتنتشر في نواحيه وروحانيات المتصوفة من أمثال القطب الغوث ابى مدين وأبى عبد الله بن حرازم وأبى سعيد الباجي. في هذا الجو الذي كانت تصطرع فيه قوى العلم والفكر الحر مع قوى الرجعية والتزمت السني. في هذا الجو نشأ أبو الحسن الشاذلي نشأته الأولى، وتلقي علومه الأولى، ولكنه لم يكد يبلغ سن الشباب حتى أحس أن غلته لم تشف وأن ظمأه للعلم والمعرفة لم يشبع، فاعتزم الرحلة إلى الشرق، لأداء فريضة الحج وزيارة الأرض الطيبة المقدسة والقبر الطاهر أولا ثم لإتمام علومه واستكمال دراسته على أيدي شيوخ الشرق ثانيا.
ولسنا نعرف متى رحل الشاذلي رحلته المشرقية الأولى على وجه التحديد، ولكننا نحسبه بدأها حوالي سنة 615 هـ وهو في نحو الثانية والعشرين من عمره.
فإننا سنسمح بعد قليل أنه شيخه أبا الفتح الو اسطي في العراق في سنة 618 هـ.
بدأ الشاذلي رحلته فدخل مدينة الإسكندرية ومر بأرض مصر ثم دخل الحجاز فأدى الفريضة زار فلسطين والشام والعراق وكان في كل بلد يزوره يقصد من بها من العلماء والفقهاء يأخذ عنهم ويستمع إليهم، وكان أكثر اتصاله بالعباد والزاهد والمتصوفة، وكان أكثر تأثره في رحلته هذه بالشيخ أبى الفتح الواسطى وهو من أكبر تلاميذ سيدي أحمد الرفاعي وكانت له منزلة عظيمة عند الرفاعية مما دعاهم إلى إرساله إلى مصر ليعمل على نشر طريقتهم فيها، ووصل أبو الفتح إلى الإسكندرية في سنة 630 وأقام بها مدة يعظ الناس ويدعوهم إلى طريقته، وكان يلقي دروسه في مسجد العطارين، وقد قامت بينه وبين علماء الإسكندرية وفقهائها مساجلات وخصومات علمية كثيرة، وتوفي بالإسكندرية في سنة 632 ولازال ضريحه موجودا بالقرب من ضريح أبى الدرداء.
وقد حزن الرفاعية في العراق حزنا بالغا لوفاة الشيخ ابى الفتح الو اسطي، واختاروا قطبا آخر كان يقيم بينهم في ذلك الوقت وأرسلوه إلى مصر ليتزعم طائفة الرفاعية بها، وسيكون لهذا القطب شأن كبير فيما بعد وسينشئ له طريقة جديدة، ذلك هو القطب الكبير سيدي احمد البدوي، فقد أرسله الرفعية في سنة 635 من العراق إلى مصر ليشرف على شؤون الاتساع بها.
على هذا الشيخ العالم الكبير ابى الفتح الواسطي أخذ الشاذلي أثناء مقامه في العراق، واعترف لم يبق هناك من العلماء من هو خير منه قال: " دخلت العراق ولقيت جملة من المشايخ فلم اٍ أحسن من الشيخ ابى الفتح الوسطى".
وقد كان الشاذلي أثناء تقلبه في بلدان الشرق لا يسعى الطلب العلم وحده ولكنه كان يبحث عن المنشودة سيبحث عن القطب، وللقوم آراء وأقوال كثيرة في القطب. فأول من قال به وتحدث عنه من المتصوفة ذو النون المصري، ويبدو من أقوال المتصوفة أن الأقطاب في كل وقت كثيرون وأن الرئاسة دائما على هؤلاء الأقطاب واحد مفرد هو ما يلقبونه بالقطب الغوث. يبدو هذا واضحا في حديث الشاذلي نفسه لأحد تلاميذه وهو شمس الذين بن كتيلة.
روى ابن كتيلة أنه كان جالسا يوما بين يدي أستاذه الشاذلي فخطر له أن يسأله عن القطب فقال له :
"يا سيدي ما معنى القطب ؟"
"الأقطاب كثيرة فإن كل مقدم كل قوم هو قطبهم أما القطب الغوث الفرد الجامع فهو واحد".
وقد عرف صاحب كتاب المفاخر القطب الغوث بأنه رجل عظيم وسيد كريم، يحتاج إليه ألناس عند الاضطرار في تبيين ما خفي من العلوم المهمة والإسرار، ويطلب منه الدعاء لأ نه مستجاب الدعاء، لو أقسم على الله لأبره، ولا يكون القطب قطبا حتى تجمع فيع جميع صفات الأقطاب الذين هو رئيسهم.
عن هذا القطب كان يبحث الشاذلي أثناء تجواله في الشرق، فلما اطمأنت نفسه إلى شيخه أبى الفتح الواسطي فاتحه بدخيلة نفسه وحدثه عن أمنيته، ولكن الشيخ أبا الفتح أخبره أن القطب في وطنه الأصلي، في المغرب فإن كان يبحث عنه حقيقة فليعد إلى المغرب.
واستمع أبو الحسن إلى نصيحة شيخه وعاد إلى المغرب، إلى أن إلتقى بشيخه وأستاذه الأكبر الذي أخذ عنه الطريق ولبس على يديه خرقة التصوف، والذي ظل ينتسب إليه، وهو الشيخ عبد السلام بن مشيش.
يستطرد الشاذلي في وصفه لمقابلته الأولى مع الشيخ أبى الفتح الوسطى فيقول:
" وكنت أطلب القطب فقال لي: أتطلب يا علي القطب بالعراق وهو ببلاد المغرب ؟ أرجع إلى المغرب فإ نك تجد القطب هناك، فرجعت إلى المغرب واجتمعت بأستاذي عبد السلام بن مشيش".
وبعد رحلة طويلة قابل الشاذلي أستاذه القطب سيدي عبد السلام بن مشيش، وكانت مقابلته الأولى له في رأس جبل حيث يقيم مرابطا ومتفرعا للعبادة.
وقد روي الشاذلي خبر هذه المقابلة فقال :
"لما قدمت عليه وهو ساكن برباطه برأس جبل، اغتسلت وخرجت من علمي وطلعت إليه فقيرا، وإذا به هابط على، فلما رآني قال: مرحبا بعلي بن عبد الله بن عبد الجبار، وذكر نسبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال يا علي : طلعت إلينا فقيرا من علمك وعملك ؟ أخذت منا علمي الدنيا والآخرة، فأخذني الدهش، وأقمت عنده أياما إلى أن فتح الله على بصيرتي، وأيت له خوارق عادات وكرامات".
استقرت نفس الشاذلي إذن، فقد قابل القطب الغوث، وأدلى إليه بآية القطبية منذ اللحظة الأولى فقد ناداه بإسمه ونسبه مكتملا، ووعده بأن يلقته علمي الدنيا والآخرة، لهذا لزم الشاذلي أستاذه ملازمة تامة منذ هذه اللحظة يأخذ عنه ويتلمذ عليه، فماذا أخذ الشاذلي عن أبى مشيش؟
أخذ عنه حب الله والفناء في هذا الحب، فهو القائل: أدمن على الشرب والمحبة وكأسهما مع السكر والصحو، كلما فقعت أو تيقظت شربت، حتى يكون شكرك به وحتى تغيب بجماله عن المحبة وعن الشرب والشراب والكأس، بما يبدو لك من نور جماله وقدس كماله وجلاله.
وأخذ الشاذلي عن أستاذه ابن مشيش الإيمان والإيمان القوى الكلي بالله حتى يجد الله في كل شيء فهو القائل :
" أنظر ببصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، وبقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحد، وعن الأماكن، وعن الصحبة والقرب والمسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وأمح الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان".
وأخذ ابن مشيش تلميذه الشاذلي بان يعرض عن الخلق وأن يلجأ إلى الله وحده، وروى الشاذلي أنه كان في إحدى ساحاته فأتى غارا يبيت فيه فسمع رجلا يتحدث، فعجب من وجود إنسان في هذا المكان المنعزل المهجور ولكنه لم يشأ أن يقلق هذا المكان المنعزل المهجور ولكنه لم يشأ أن يقلق هذا المتحدث في الليل، فأبت عند مدخل الغار قلما كان السحر تيقظ أبو الحسن فسمع الرجل يدعو ربه بقوله:
" اللهم أن أقواما سألوك إقبال الخلق عليهم وتخبرهم لهم، اللهم أني أسألك أعراضهم عني واعوجاجهم على حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك".
"ثم خرج الرجل من الغار فإذا هو أستاذي -ابن مشيش-، فقلت له: يا سيدي أني سمعتك البارحة تقول كذا وكذا، فقال لي : يا علي، إنما خير لك أن  تقول : كن لي بدلا من أن تقول لي سخر لي قلوب خلقك، فإذا كان لك، كان لك كل شيء".
بهذا المبادئ الروحانية العليا التي تنادي العبد بأن يقبل على حب الله وأن يفتى في هذا الحب تخرج أبو الحسن الشاذلي على أستاذه ابن مشيش فقد قال ابو الحسن:
"سألت أستاذي – رحمة الله- عن ورد المحققين، فقال: عليك بإسقاط الهوى وصحبة المولى وآية المحبة إلا يشتغل محب بغير محبوبه".
وأقبل الشاذلي – وهو في صحبة أستاذه – على العبادة فظهر نفسه من حب الدنيا ومن الإقبال على الخلق، وأقبل على حب الله وفنى في حبه، فلما صفت نفسه وأصبح أهلا للولاية ووراثة القطبانية امرة أستاذه أن يرحل عن فاس إلى تونس، وتنبأ بما سيحدث له في مستقبل أيامه، فقال له:
"أرحل إلى إفريقية وأسكن بها بلدا تسمى شاذلة، فإن الله يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس، ويؤتى عليك من قبل السلطة، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد الشرق وترث القطبانية".
ترك أبو الحسن مدينة فاس واتجه تنفيذا لأمر أستاذه نحو تونس وعند دخوله إليها تقابل مع رجل خطاب فقير هو أبو الحسن علي الابرقي من أهل شاذلة وهي قرية قريبة من مدينة تونس، فصحبه معه وخرج الرجلان وأتجها نحو شاذلة، وفي الطريق رأى الابرقي شواهد كثيرة من زهد الشاذلي وصلاحه، فأقبل عليه وقبل يديه وسأله الدعاء، وتقول الرواية أن بركات الشاذلي حلت برفيقه فأقبلت عليه الدنيا ووسع عليه في الرزق بعد ذلك.
ونزول أبو الحسن بطرق من أطراف شاذلة وقابل فيها أول من قابل الشيخ الصالح أبا محمد عبد الله بن سلامة الحبيبي. وقد فرح الحبيبي بلقاء ابى الحسن سلامة الحبيبي.
" كنت أحضر بتونس مجلس سيدنا الشيخ العارف أبى خفص الجاسوس، فأخذت بيده يوما أطلب منه أن يقبلني تلميذا له وقلت له ارتقب أستاذك حتى يصل من المغرب وهو شريف حسني من كبار الأولياء وهو أستاذك وإليه تنتسب، فكنت أرتقب كل من يأتي من الفقراء المغاربة وأصحبه، إلى أن من الله علي بلقاء الشيخ أبى الحسن فاتخذته شيخي وصحبته".

وفي شاذلة تأسى الشاذلي بأستاذه ابن مشيش، فلم يسكن في القرية وإنما لجأ إلى غار في جبل زغوات المطل على شاذلة، واتخذ هذا الغار رباطا له يقيم ويتعبد فيه، وكانت حياة الشاذلي في هذا الغار كلها تقشف وزهد وإغراق في العبادة، وكان يشاركه هذه الحياة في معظم الأوقات تلميذه الجديد الحبيبي.
وقد روى الحبيبي أنه أقام مرة مع أبى الحسن في جبل زغوات أربعين يوما كان يفطر فيها على العشب وورق الدفلى حتى تقرحت أشداقه، فقال له أبو الحسن يا عبد الله كأنك اشتهيت الطعام، فقال له يا سيدي، نظرك إلي يفنيني، فقال أبو الحسن: غدا إن شاء الله نهبط إلى شاذلة وستلقانا في الطريق كرامة".
وأقام أبو الحسن في شاذلة وطالت إقامته وذاعت شهرته وعرف الناس له فضله وصلاحه وتقواه وآمنوا بولايته، وبدأ الجزء الأول من نبوءة أستاذه ابن مشيش يتحقق، فعرف منذ الحين بالشاذلي وغلبت عليه هذه الشهرة، وقصده الناس من الأماكن والبلدان المجاورة، وبدأ يخرج عن رباطه بعض الوقت فيقيم بإحدى الدور في مدينة تونس يدرس ويعظ وينشر دعوته وطريقته بين تلاميذه ومحبيه ومريديه.
ولم تكن تونس غريبة على أبى الحسن فقد دخلها من قبل طفلا وأقام بها شابا يافعا، وفيها تلقى دروسه الأولى، وفيها كانت له مناظرات سابقة مع علمائها وفقهائها، وقد وفد عليها هذه المرة رجلا مكتمل الرجولة عالما وافر العلم، صوفيا صاحب حالات وكرامات: لهذا لم يكن غريبا أن يقبل عليه الناس من كل حدب وصوب يغترفون من علمه، ويتأدبون بآدابه، ويستمعون إلى دروسه ومواعظه وتعاليمه، ويلتمسون منه الدعاء والبركة، فاتسعت حلقات دروسه وكثر اتباعه ومريدوه، فكان إذا جلس للدرس والوعظ تحلقوا حوله بالعشرات، وإذا سار انتقل ساروا في ركابه بالمئات.
قال المناوي في الكوكب الدربة:
كان الشيخ أبو الحسن إذا ركب تمشى أكادير الفقراء وأكابر الدنيا حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكاسات بين يديه.
هذا الإقبال أثار حقد العلماء وحسد الفقهاء في تونس، وجر على الشاذلي شرا كثيرا، فتعرض لمحنة كبيرة فقد كان قاضي الجماعة وعالمها في مدينة تونس على ذلك الوقت هو أبو القاسم ابن البراء، وقد ضاق ابن البراء بأبى الحسن عندما رأى الناس ينفضون من حوله ويتحلقون حول الشاذلي في كل مكان يحل به، وآلمته هذه المواكب الحافلة تتقدمها الإعلام والكوسات والطبول كلما انتقل الشاذلي من مكان إلى مكان، فبدأ يكيد لابن الحسن وسعى به لدى سلطان تونس ابى زكرياء الحفصي، واتهمه لديه بأنه يتآمر على سلطانه، فهو حسنى علوي ولعله يسعى لإقامة ملك لنفسه كما أقام الفاطميون ملكهم من قبل في تونس نفسها.
ولم يقنع ابن البراء بهذه التهمة الخطيرة فأتهم أبا الحسن بتهمة أخرى لا تقل عنها خطورة أتهمه بالزندقة والإلحاد والخروج على الدين، ليغري به علماء تونس وفقهائها كما أغري به السلطان.
قال صاحب ذروة الأسرار:
"دخل قاضي الجماعة ابن البراء على السلطان ابى زكرياء فقال أن هاهنا رجلا من أهل شاذلة سراق الحمير يدعى الشرف، وقد اجتمع عليه خلق كثير ويدعى أنه الفاطمي ويشوش عليك في بلادك".
كان إدعاء ابن البراء ماهرا ماكرا، وكانت التهمة خطيرة، ففي تونس عبد الله المهدي من قبل الخلافة الفاطمية، والشيعة يؤمنون بفكرة المهدي المنتظر، ومنذ زالت الخلافة الفاطمية وهم يتطلعون إلى إعادتها، وأبو الحسن الشاذلي ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، والناس يؤمنون بقطبانيته، وابن البراء لا يرى في كلمة القطب إلا أنها ستار يخفي وراءه معنى الإمام الفاطمي أو المهدي، ولكن الحقيقة أن أبا الحسن لم يكن يعنيه بالسياسة ولم يكن يفكر في الملك: بل أنه لم يكن يساير غلاة الشيعة في معتقداتهم، فالشيعة لا يؤمنون إلا بعلي، وينكرون خلافة أبى بكر وعمر وعثمان، أما أبو الحسن فقد كان يعترف بهؤلاء الصحابة الإجلاء وأنه يغترف من فضلهم، فقد كان يجيب من يسأله عن شيخه بقوله:
"أما فيم مضى فعبد السلام بن مشيش، وأما الآن فأنا ا ستقي من عشرة أبحر: خمسة آدمية، وخمسة سماوية، فالخمسة الآدمية: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والنبي صلة الله عليه وسلم".
على كل فإن السلطان أبا زكريا لم يأخذ بأقوال ابن البراء، بل كان حكيما عادلا فأمر بأن يعقد مجلس بحضرة أبو الحسن والعلماء والفقهاء، وأن يناقش أبو الحسن في كل هذه الدعاوي وغيرها، ويعطى الفرصة للدفاع عن نفسه.
وعقد المجلس وحضره السلطان، وجلس وراء حجاب.
قال صاحب دورة إلا سرار:
"اجتمع ابن البراء وجماعته من الفقهاء في القضية، وجلس السلطان خلف حجاب، وحضر الشيخ رضي الله عنه. وسألوه عن نسبه مرارا والشيخ يجيبهم عليه والسلطان يسمع، وتحدثوا معه في العلوم كلها فأقاض عليهم بعلوم أسكتهم بها، فما استطاعوا أن يجاوبوه عنها من العلوم الموهوبة، والشيخ يتكلم معهم بالعلوم المكتسبة ويشاركهم فيها ".
وأقحم ابن البراء وصحبه، وعلت كلمة الشاذلي، واقتنع السلطان ببراءته، بل وآمن بولايته، فالتفت إلى ابن البراء ومن معه وقال لهم:
"هذا رجل من أكابر الأولياء وما لكم به طاقة".
وأحس ابن البراء بحرج الموقف، فقد كان أهل تونس جميعا واقفين بالباب منتظرين نتيجة المحاكمة، فأراد أن يعود إلى تحريض السلطان على أبى الحسن وأن يخيفه من ثورة الناس ان هو أطلق سراحه، فقال له :
"والله لئن خرج في هذه الساعة ليدخلن عليك أهل تونس ويخرجوك من بين أظهرهم، فانهم مجتمعون على بابك".
ولكن السلطان لم يعر هذا القول التفاتا وأمر الفقهاء أن ينصرفوا، واستبقى الشيخ أبا الحسن، ولبث معه وقتا يحدثه ويلاطفه، إلى أن حضر أخوه السلطان أبو عبد الله اللحياني – وكان من المعتقدين في الشيخ – فأمره أن يصحب الشيخ إلى داره معززا مكرما.
خرج أبو الحسن من هذه المحنة منتصرا، ولكنه بدا يحس أن المقام لم يطب له في تونس، فإنه توقع أن، القاضي ابن البراء لا يمكن أن يخضع للهزيمة التي مني بها وأنه لابد مدبر مكيدة، وأن الفتنة توشك أن تنشب بين أتباعه وبين الفقهاء من أصحاب البراء، وهو رجل صوفي ينشد الصفاء والهدوء والحياة الصافية، لهذا ازمع على مغادرة تونس، وأخذ يدبر أمر للرحلة، وسمع السلطان بالخبر، فتألم وقال لمن حملوا إليه الخبر:
"أي شيء يسمع به عن أقليمنا ؟ أنه أتاه ولي من أولياء الله فضاق عليه حتى خرج فارا بنفسه".
ثم أرسل إلى الشيخ ابى الحسن من يحاول أن يتنيه عزمه، ولكن الشيح اعتذر اعتذارا لطيفا وقال للرسول:
" أنا ما خرجت إلا بنية الحج، وإذا قضى الله حاجتي أعود إن شاء الله تعالى "
وعلى أساس هذا الوعد بالعودة إلى تونس بعد أداء فريضة الحج سمح السلطان للشيخ أبى الحسن بالسفر.
وقبل أن يغادر الشاذلي توني أرسل إلى ا بن البراء رسالة قصيرة بها جملة واحدة يسخر فيها منه ومن أطماعه وحقده، قال فيها:
" أتراني أوسع لك مدينة تونس" ؟
ولكن أبن البراء كان فلبه لا يزال عامرا بالحقد على السيخ أبى الحسن منذ منى بالهزيمة في مجلس السلطان فدبر للشيخ مكيدة أخرى، لقد أعد رسالة إلى سلطان مصر وقع عليها معه عدد من الشهود وحدثه فيها حديث الشيخ، واتهمه فيها بأنه شريف علوي وأنه يسعى إلى إعادة ملك الفاطميين، وقال في ختام الرسالة:
إن هذا الواصل إليك شوش علينا بلادنا وكذلك يفعل ببلادكم.
وأمر حامل الرسالة أن يسرع بها ليصل إلى مصر قبل وصول الشيخ إليها.
وكان سلطان مصر في ذلك الوقت هو الملك الكامل محمد الأيوبي، والأيوبيون سنيو المذهب وهم الذين قضوا على المذهب الشيعي والدولة الفاطمية في مصر، وكان أخشى ما يخشونه الحركات الشيعية التي تعمل لإعادة الملك للفاطميين، لهذا وجدت هذه الرسالة عند السلطان أدنا صاغية، ولم يكد الشيخ يصل إلى الإسكندرية حتى قبضت عليه السلطان المصرية، وأرسل محروسا إلى القاهرة، وعند وصوله إليها صعد به إلى القلعة حيث عقد السلطان مجلسا من القضاة والعلماء والفقهاء، ووجه السلطان التهمة إلى الشيخ أبى الحسن وقال به :
"هذا عقد مشهود فيك، وجهه ابن البراء من تونس، وعلامته فيه"
ثم أطلعه على العقد.
وكانت محاكمة ثانية، وتحدث الشيخ فبهر الجميع بحديثه، وأخذ بألبابهم، وخاصة الملك الكامل فقد كان رجلا عالما مثقفا واسع الفكر فعرف للشيخ ابى الحسن مكانته، وأدرك أن التهمة مغرضة، ولم يجد في الشيخ شرا يخافه، وخاصة أنه لم يكن معتزما المقام في مصر، بل كان متجها في طريقة إلى الحج، فقربه إليه وأكرمه، يقول الشيخ أبو الحسن :
"وأقمنا عنده – أي عند الملك الكامل – في القلعة أياما، واهتزت لنا الديار المصرية إلى أن طلعنا للحج".
وبعد أداء فريضة الحج أسرع الشيح أب الحسن بالعودة إلى تونس.
ترى هل نسي الشيخ ما فعله به ابن البراء وكيف سعى به لدى سلطان تونس ثم يمارس القضاء في تونس.
أن الشيخ أبا الحسن لم ينس هذا كله، ولكنه عاد وفاء بالوعد الذي وعده للسلطان أن يذهب للحج ثم يعود وعاد لغرض آخر أهم من هذا كله، عاد ليلتقي بتلميذه وصفيه وخليفته ابى العباس المرسي، فإنه يروي عن أبى الحسن أنه قال:
"ما ردني إلى تونس إلا هذا الشاب"
يقصد أبا العباس المرسي.
وكان أبو العباس قد خرج من مدينة سبتة هو وأبوه وأمه وأخوه في سنة 640 يقصدون الحج، وحملتهم سفينة عبر البحر الأبيض، ولكن السفينة غرقت بالقرب من بونة، وقدر لابي العباس وأخيه أن ينجوا من الغرق، فاتجها إلى تونس وأقاما بها إلى أن عاد إليها أبو الحسن الشاذلي، فتعرف إليه أبو العباس، ولازمه منذ ذلك الحين، ولم يقم الشيخ في تونس طويلا هذه المرة، بل سرعان ما صحب تلميذه ومريديه ورحل نهائيا إلى مدينة الإسكندرية في سنة 642 هـ. ولمقابلة التلميذ بالشيخ قصة يعنيها منها أن تعرف أن الحسن كان يترقب هذه المقابلة وأنه كان قد ألقي إليه خبر أبي العباس واتصاله به منذ أمد طويل، فقد قال لأبي العباس في ختام مقابلته الأولى له:
"رفعت إلى منذ عشر سنين".
وبعد أن تحققت النبؤة لم يعد هناك ما يربط الشيخ بتونس، لهذا لم يمكث بها هذه المرة غير سنتين وعمل في خلالهما على تصفية أموره، فباع داره بها ثم أعد العدة للرحيل إلى الشرق، وكان في هذا تحقيق للجزء الأخير من نبوءة أستاذه ابن مشيش التي كان قد ختمها بقوله " وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق وترث القطبانية".
وفي سنة 542 أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال إلى مصر، فقد روي عن الشيخ أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا علي انتقل إلى الديار المصرية فإنك تربى فيها أربعين صديقا".
وكان الشاذلي قد مر بالديار المصرية مرارا أثناء روحاته السابقة إلى الحج وغدواته منه، وقد أعجب ولاشك أثناء زياراته هذه بمدينة الإسكندرية، ولهذا أثر أن يحط رحاله بها، وكان في صحبته عند رحيله عدد كبير من تلاميذه ومريديه الذين أثروا صحبته على البقاء في أوطانهم، وكان في مقدمتهم تلميذه الأثير أبو العباس المرسي، وخادمه الأمين أبو العزائم ماضي بن سلطان، والحاج محمد القرطبي، وأبو عبد الله البجائي، وأبو الحسن البجائي، والخراز، وغيرهم كثيرون. وكان الركب وهو في طريقة إلى الإسكندرية بتزايد عدد كلما مر بمدينة من المدن، فيضم إليه الأتباع والمريدون يوثرون الرحلة مع الشيخ على البقاء في أوطانهم، يلتمسون في صحبته البركة، وكانوا أثناء السير يستبقون على القرب من دابته، ويقضون الوقت في السمر والحديث اللطيف، وهين الشيخ ترقبهم من السمر والحديث اللطيف، وعين الشيخ ترقبهم من بعيد وأذنه تستمع إلى حديثهم فيشاركهم مرة ويعلن إعجابه بما يسمع مرة أخرى.
روى صاحب المفاخر الملية أن رجلين كانا يمشيان قريبا من دابة الشيخ يستظلان برجله، فقال أحدهما للآخر يعاتبه: " يافلان، رأيت فلانا يسئ معك العشرة وأنت له محسن ؟ فقال صاحبه فلانا هذا من بلدي؟ وأنا أتمثل في معاملتي له بقول مجنون ليلي :
رأى المجنون في البيداء كلبا   فجر له من الاحان ذيلا
فلاموه على ما كان منه   وقالوا كم أنلت الكلب نيلا
فقال دعوا الملامة أن عيني   رأته مرة في حي ليلي
وسمع الشيخ – رضي الله عنه – حديث الرجلين فأعجبه، وأخرج رأسه من المحارة وقال للرجال: " أعد يا بني ما قلت".
فأعاد الرجل مقالته، فاهتزت نفس الشيخ طربا وأخذ يتماثل في مكانه وهو يردد البيت الأخير:
دعوا الملامة أن عيني    رأته مرة في حي ليلا
" خذها يا بني والبسها فأنت أولى بها مني، كان ذا ذوق أدبي رفيع يطرب للقول الجميل وللمعنى السامي، كما تدل على الأسلوب الذي كان يصطنعه لتأديب مريديه وأتباعه فهو يترك فرصة – وأن كانت عارضة ألا انتهزت للمكافأة غلى الخلق الكريم ليتسابق الكل في التحلي به والإقتداء بصاحب المكافأة.
وقد وصل الشيخ أبو الحسن وركبه وصحبه إلى عمود السواري ودخلوا الإسكندرية من باب صدرة المقابل لهذا الباب/ واتخذ الشيخ له دارا يقيم فيها بالقرب من كوم الديماس – كوم الدكة الحالي-
والشيخ أبو الحسن وركبه وصحبه إلى عمود السواري ودخلوا الاسكندرية من باب سدرة المقابل لهذا الباب،  واتخد الشيخ له دارا يقيم بالقرب من كوم الديماس – كوم الدكة الحالي-
وبدأ الشيخ يلقي دروسه ويعقد الحلقات يعظ الناس ويدعو إلى طريقته ومبادئه، وجدبت إليه هذه الدروس والمواعظ الجلة من علماء المدينة وفقهائها وفضائلها فلازموه ملازمة تامة، وسيكون هؤلاء التلاميذ فيما بعد قادة الحياة الفكرية والروحية في المدينة، نذكر منهم تلميذه الأثير أبا العباس المرسي، والشيخ مكية الدين الأسمر، والشيخ عبد الحكيم بن ابى الحوافر والشيخ أبا القاسم القباري، والشيخ أمين الدين جبريل،  والشيخ أبى المنبر والشيخ شرف الدين البوني وكثرين غيرهم.
وكان الشيخ يعقد حلقات درسه في مسجد العطارين، وهو أقرب المساجد إلى دارة، وروى صاحب الفاخر العلية أن الشيخ كان يعقد كل ليلة في داره مجلسا يأتي الناس إليه من البلد يسمعون كلامه.
وقد أخذ الشيخ أبو الحسن الشاذلي تلاميذه ومريديه بالمبادئ المثلى في التصوف فهو لم يكن يفهم التصوف كما كان يفهمه بعض معاصريه وبعض المتدروشين حتى اليوم على أنه بطالة تامة بحجة الزهد والتفرغ للعبادة، بل كان يفهمه على أنه صفاء تام في النفس وتقوى خالصة لله وحب لله تعالى وتعلق به وارتفاع بالروح وبالعمل وبالقول عن الدنايا.
وهذا كله لا يمكن أن يقعد الإنسان عن السعي والعمل وطلب الرزق، وكان يكره من المتصوفة التظاهر بالفقر فهو نوع من الادعاء، ولكي يضرب لأتباعه المثل والقدرة كان يحيا هو حياة نظيفة منعمة فكان يلبس فاخر الثياب، ويركب فاره الدواب، يتخذ الخيل الجياد، وكان يكره أن يلبس الصوفية الملابس المرقعة التي اصطلح الفقراء وأهل الطريق على لبسها، لأنه كان يرى أن هذا اللباس ينادي على صاحبه: أنا الفقير فأعطوني شيئا، وينادي على سره بالإفشاء ومن لبس الزي واتخذ المرفقة في دابه فقد ادعى. ومن أقواله:
" ليس هذا الطريق بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخالة، وإنما هو بالصبر على الأوامر واليقين في الهداية، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".ودخل على الشيخ أبى الحسن مرة فقير عليه ملابس شعر، فلما فرغ الشيخ من كلامه، دنا منه ذلك الفقير وأمسك ملابسه وقال:
"يا سيدي ما عبد الله بهذا اللباس الذي عليه ؟" فامسك الشيخ بملابس الفقير فوجد فيها خشونة فقال له:
" ولا عبد الله بهذا اللباس الذي عليك، لباس يقول للناس أنا غني عنكم فلا تعطوني، ولباسك يقول أنا فقير إليكم فعطوني".
وكان أبو الحسن يدعو أتباعه إلى العمل والسعي ويكره المزيد المتعطل الذي يركن إلى البطالة ويرتزق من سؤال الناس، فالإسلام دين عزة وكرامة وجد وعمل، وهذه الطرق الصوفية في رأيه لا يجب أن تخرج عن التعاليم الأساسية للإسلامية، وإن كان لها من هدف بعد هذا فإنما هو الدعوى إلى صفاء النفس وتقوى الله، بل أنه كان يغالي فيرى في العمل نوعا من العبادة بل هو خير عبادة، إنه التسبيح الدائم باسم الله، لهذا كان يقول لمريديه:
"عليكم بالسبب – أي العمل والسعي وراء الرزق- وليجعل أحدكم مكوكه سبحته أو تحريك أصابعه في الخياطة أو الضفر سبحته".
وقال ابن عطاء الله السكندري:
"كان الشيخ أبو الحسن يكره المريد المتعطل، ويكره أن يسأل تابعه الناس وقد كان جوادا بما يملك وكريما يكره البخل ويبحث عن طرق باب الأسباب والعمل"
وكان الشيخ يرى أن عبادة الله لا تستلزم أن تشق عن نفسك وتعديها وتكلفها من أمرها شططا فإنك إن حمدت الله وأنت متألم مما بك من فقر وطاقة أو مما تحس من تقشف وخشونة فإن حمدك يكون مشوبا بالمرارة والضيق، ولكنك لو حمدته راضيا مرضيا بما يحيط بك من نعم الله الوفيرة وروحك هادئة مطمئنة بما هو مبسوط لذيك من خيرات الله العميمة، فإن حمدك يكون صادر من القلب والنفس والروح والجسم جميعا، بل أن كل عضو من أعضاءك يشاركك في هذا الحمد، وما أجمل قول أبى الحسن في هذا المعنى:
" يا بني: يرد الماء، فإنك إذا شربت الماء الساخن فقلت الحمد لله تقولها بكزازة، وإذا شربت الماء الباردة فقلت الحمد لله استجاب كل عضو فيك بالحمد لله"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here