islamaumaroc

م.زنيبر [تعقيب]

  دعوة الحق

العددان 60 و61

اطلعت على مقال الأخ الأستاذ محمد زنيبر تحت عنوان «ثمن الأخطاء» المنشور في العدد السادس من مجلة «دعوة الحق» ولاهتمامي بهذا النوع من المقالات اخدت في قراءته غير إني فوجئت باستشهاد الكاتب على بعض أفكاره بمقالتي «قبل فوات الأوان»، واسترسلت في القراءة ظنا إنني ساجد بيني وبين الكتاب اختلافا في الرأي وعلاقة بين أفكاره ومقالتي مما يبرر له هذا الاستشهاد، غير إني عند ما انتهيت من تحليله لمقالتي واستنتاجاته منها وافترضاته، ثم أجوبته عن تلك الافتراضات إلى آخر المقال، وجدت أن ذلك الاستشهاد في غير محله، وغير ذي موضوع وإنما أقحم إقحاما، لكن،ـ رغم ذلك، فقد رأيت انه لابد من الإدلاء برأيي حتى لا يفسر السكوت بالرضي.
لقد صرح الكاتب بان أجدادنا وجدوا أنفسهم مجردين من السلاح الفكري، وان الانهيار بلغ إلى حد لا يتصور، وان عواقب التخلف ظهر أثرها بصورة أفظع في ميدان الفكر، وأمام الفراغ العقلي الذي كان يعانيه المغرب منذ أزمان بعيدة استطاعت الثقافة الأجنبية الدخيلة أن تجد لنفسها مكانا واسعا رحبا، وسرعان ما اجتذبت إليها المثقفين والشباب»، ويمضي قائلا :«فإذا نتج بعد ذلك ان هذا الجيل أصبح ذا ثقافة وتكوين أجنبيين قليل المعرفة بثقافته القومية، فالمسؤولية تعود على الأجيال السابقة التي لم تعتن بهذا الأمر ولم تبذل أي مجهود في خلق المدرسة الوطنية المسايرة لمقتضات العصر» ويرى ان الاستعمار «عمل فيما بعد على خنق ثقافتنا القومية ونشر ثقافته المجلوبة ولكن هذا تصرف طبيعي ومنتظر من كل دولة أجنبية حاكمة وليس من الحكمة أن ننتظر من الأجانب المحافظة على ثقافتنا القومية»، ثم يقول : «فالثورة الفكرية التي رفضنا ان نقوم بها نحن في الوقت المناسب أصبحت مفروضة علينا فيما بعد ولكن من الخارج وحسب مناهج وطرق لم يكن لنا فيها اختيار. وهذا سبب كثير من المشاكل التي نعانيها اليوم في تطورنا الثقافي».
ومعنى كلام الكاتب ان الاستعمار وجد فراغا فكريا في المغرب فاحتله، ونتيجة ذلك، أصبح جلينا هذا محتل الفكر، وذا تكوين وثقافة أجنبيين، وان مدرستنا الوطنية كانت معدومة في التوجيه او على الأقل ضئيلة التأثير، وان الثورة الفكرية فرضت علينا فرضا ولكن حسب مناهج وطرق أجنبيين. وليس من المعقول ان يحافظ الأجانب على ثقافتنا القومية وليس من الحكمة ان ننتظر منهم ذلك وأننا نتيجة لهذه الأوضاع الجديدة نعاني مشاكل خطيرة في تطورنا الثقافي.
وهذه الأفكار التي ساقها الكاتب هي نفسها التي سقتها سواء في مقالتي السابقة او في مقالتي أخرى التي نشرت في دعوة الحق والتي تعتبر مرتبطة بها اشد الارتباط. فانا أرى أننا نعيش في فراغ فكري، وان الاستعمار استغل هذا الفراغ ليملاه حسب مناهج وطرق لا اختيار لنا فيها وان مدرستنا الوطنية لم تقم بواجبها لأنها لم توجد كما ينبغي.
ولعل الكاتب يتفق معي ان تلك المناهج الاستعمارية لا يقصد بها-أساسا- خير البلاد بقطع النظر عن مكاسبنا منها ونوع تلك المكاسب. ولعل الكاتب متفق معي أيضا في انه لابد من علاج لتلك المشاكل التي نتخبط بها والتغلب على العقبات الموضوعة في طريقنا موجهة الأحداث التي تطغى علينا. وهنا نصل إلى النقطة التي تراءت للكاتب ان يجعلها محل استشهاده فيما أظن، وهي نقطة العلاج، ولست ادري أيتفق معي في هذه النقطة حسب ما بينته في المقالة السابقة وما سأؤكده فقط هنا ام لا ؟ على أي فالعلاج في نظري يقتضي تكوين قيادة فكرية منبثقة من صميم الأمة مكونة تكوينا قوميا متينا حسب مناهجنا واختيارنا وطرقنا لأننا ان تركنا القيادة في يد من كان ذا ثقافة وتكوين أجنبيين قليل المعرفة بثقافته القومية فإننا نكون قد حاولنا إسباغ صفة الأطباء على نوع من المرضى المراد علاجهم، وهذا النوع من القيادة، هو الذي وصفته بأنه لا يشعر بكرامة أمته وليس عنده ما يحمله على الحنين لأمجاد ماضيه، لان الثقافة والتكوين الأجنبيين وقلة المعرفة بالثقافة القومية من اهم الخصائص للقيادة المزيفة، لان الثقافة كما قال الكاتب نفسه قوة معنوية بها تعيش الشعوب وتعتز، واليها ترجع لتستنير وسط الخطوب المدلهمة، وما أظن –ولعل الكاتب معي هنا- ان الأجنبي الحاكم يريد خلق هذا النوع من الثقافة في الأمة المغلوب على أمرها. ولهذا قلت يجب على القيادة الحقيقية المنفذة ان تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي او توجيه استعماري، وبذلك (فقط) تستطيع القيادة ان تقف على حقيقة آمال هذه الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية...
فدعوتي اذن تتخلص في وجوب تكوين القيادة الفكرية السليمة المنبثقة من الأمة لتواجه المشاكل بإرادة غير مزيفة وفكرة غير دخيلة. فهل في هذا ما يثير الكاتب ويجعله يسارع إلى الاستشهاد بمقالتي على تلك الأفكار التي ساقها هناك ؟
على كل حال، سأبسط فكرتي بعض البسط، لعل الأخ الكاتب يقع على حقيقة الخلاف ان كان هناك خلاف او على عكسه. أن القيادة التي ندعو اليها هي التي قال عنها الكاتب «يجب ان تهتدي إلى التفكير القويم وتقدير الواقع بحصانة وبعد نظر لأنها، لو فعلت ذلك لفهمت ان إنقاذ المغرب هو في الاستفادة من حضارة ارويا وعلمها وتجاربها لا في الجمود والتعصب...» او الاستهتار والتلاعب بالقيم، ولكن، كيف ينبغي ان نستفيد من اروبا؟ وما هي وجوه الاستفادة ؟ وماذا ينبغي ان نأخذ؟ وماذا ينبغي ان ندع ؟ تلك قضايا مهمة وخطيرة ينبغي على القيادة ان تحدد موقفها منها بكل موضوعية. فالحضارة الأوروبية فيها جانبها الخير، وجانبها الشرير، وأخوف ما يخاف على امة ضعيفة يحاول قادتها النهوض بها، ان تضل الطريق فتاتيها الرزايا من وجوه الفوائد، ولذلك، كان لابد من خلف تلك الثقافة التي سبق تعريفها حسب رأيكم لتخلق فينا الحاسة المميزة بين ما ينفعنا وما يضرنا. ومن المعلوم ان «لكل حضارة أفكارها القاتلة»(1)  لكي تقتلها هي نفسها كما تقتل غيرها وان الأمة المصابة بالوهن لا تملك القدرة على الامتصاص الحيوي من اية حضارة وانما تفرض عليها نزعتها إلى السهولة إلى الامتصاص الجانب القاتل كما نلاحظ على كثير ممن يحاولون تحضير أنفسهم «بالمقلوب» بالإقبال على «أشياء» الحضارة الغربية في بلاده ونشاط دون التنبه إلى ان الحضارة تنبع قبل كل شيء من النفس تعبيرا عن عقيدة متغلغلة حية، لهذا، ينبغي الا نفتح ابوابنا-ان كانت لنا ابواب- على مصراعيها للغث بغزو بلادنا وان يجب ان  نكون حذرين يقظين محاولين بوعي قيادتنا-التي ينبغي ان تكون منا والينا- ان نفرق بين ما يضر امتنا وما ينفعها. فالنقل عن الغير يجب ان يخضع لشروط صارمة عملية مثل نقل الدم من جسم لآخر بل واشد صرامة، لان الخطأ في نقل الدم قد يقتل فردا واحدا، اما الخطا في النواحي الاجتماعية والحضارية فانه يقتل امة بأكملها. لهذا يجب ان نبني فكرتنا الخاصة بنا والتي هي إنسانية في صميمها، عاملين على إعادتها للنفوس وإشاعتها في المجتمع ومساعدتها بتهييء الجو والتربية الصالحين، حتى لا تمتص الا ما يساعدها على النمو والازدهار؛ فاليابان مثلا لم تقف امام الحضارة الغربية موقف الجمود ولكن في نفس الوقت لم تقف موقف الميوعة والتفسخ. ولم تكن تلميذة بليدة لاوربا، بل كانت واعية مفكرة ناقدة، عالمة، مدركة لما تأخذ، مدركة لما تدع. فلم تذهب إلى اوربا واسقة منها الكماليات والعادات المخربة والانحرافات، بل كانت أوعى من ذلك. يقول ويل ديورانت :«لقد درس اليابانيون مدنيتنا دراسة فاحصة لكي يتشربوا معاييرها، ثم يفوقوها.»
وقبل ان يفكر اليابانيون في الأخذ من اوربا فكروا جديا في العقيدة التي ستجمع الشعب في وحدة متراصة، وكان اول عمل قامت به اليابان هو انها قضت على نظام الإقطاع، وكانت توبة الحاكم رجعي كيكي تهييئا لحضارة اليابان. يقول كيكي في اعترافه الرائع: «ان نعظم أعمال الإدارة الحكومية معيبة، واني لاعترف خجلا بان الأمور في وضعها الراهن يرجع نقصها إلى ما اتصف به انا من نقص وعجز وها هو ذا اتصالنا بالأجانب يزداد يوما بعد يوم فما لم تتناول إدارة البلاد سلطة مركزية موحدة، انهار بناء الدولة انهيارا من أساسه»
وهكذا بدا العهد الميجي سنة 1868 واسترد الشعب الديانة الشنتوية القديمة وقام قادة البلاد بدعاية قوية في الشعب حتى اقنعوه بان الإمبراطور العائد إلى عرشه الاهي النسب والحكمة، ولذلك يجب طاعته، وطاعة القوانين التي يصدرها. يقول ديورانت هنا :«فلما ان توفرت هذه القوة الجديدة لأنصار التغريب نمت على أيديهم معجزة في تحول البلاد تحولا سريعا» وقد قام الزعيمان العظيمان اتو وافويي بزيارة لاوربا درسا خلالها انظمتها وصناعتها.
فاذن الاعتماد على العقيدة شرط أساسي للحضارة واذا كان اليابانيون أعادوا للشعب ثقته في الإمبراطور على أساس انه الاهي النسب فاننا ينبغي ان نعيد لأنفسنا ثقفتنا بالله على انه رب العاليمين. وبدون هذه العقيدة فاننا سنظل نعبث، لان العقيدة سر الانطلاقة الكبرى. ولقد راينا الرئيس ايزنهاور يرى ان خطر فراغ النفوس من العقيدة والاخلاق افتك بالأمة من القنابل الذرية.
فقول الكاتب بأنني ادعو إلى غلق الأبواب، نتيجة «غريبة» واستنتاج» عجيب لم اقل لا بمقدماتها ولا بشيء يفضي اليها، وانما الذي اؤكده دائما هو انه يجب ان نتنبه من التأثيرات الاستعمارية، وان يكون فهمنا للأمور مستقلا عن هذه التأثيرات مهما كان نوعها، وان تكون لنا شخصية متميزة، فالاستعمار زيف لنا تاريخنا وعقائدنا وحاول ان يقطع حاضرنا عن ماضينا وان يخلق من امة واحدة امما مختلفة، وان يعرقل سيرنا وشجعنا على ما يسمى بالثقافة الرخيصة كما شجعنا على تقاليد بالية وساعدنا على الجمود ووقف دائما في وجه تطورنا، ولم يقصر في الفتك بنا في ميدان الفكر، ولهذا اعتبر كلامكم من الاستنتاج الاول إلى آخر المقال بين قوسين، لا بحق الاجابة عنه لانه ليس في الحقيقة مساير لمنطق مقالتي وانما هو مساير من الكاتب لنفسه ولكن رغم ذلك احب ان أنبه الاخ إلى أنني لو كنت ادعو إلى غلق بابنا لما كنت منطقيا مع نفسي لانني اتنابع دراستي العليا في جامعة اروبية وبلغة اوربية.
وكان بالإمكان لو سرت على ذلك النحو من الافتراضات والأجوبة عنها أن أملأ مجلدات ولكن المهم هو ان ذلك كله لا علاقة له بالفكرة الموضوعية للمناقشة.
وان الكاتب يقول: «اننا لم نقم بعد بالثورة الفكرية وإنما فرضت علينا من غير اختيار وحسب مناهج وطرق اجنبييتين » وفي كلا الحالتين شر ولهذا ينبغي ان نتدارك الامر بثورة ثقافية اصيلة، أي نقوم ببناء حضارتنا على اساس من عقيدتنا. وما اروع الكلمة التي صدرت بها مقالتي التي فاه بها اقبال رحمه الله «اخرج النغمة التي في قرار فطرتك يا غافلا عن نفسك، أخلها من نغمات غيرك».
فالحضارة كما يقول مالك بن بني ليست سلعة تباع وتشتري كما ان الاستعمار ليس في نيته ان يحضرنا بل عنده لفظنا استعمر وحضر بمثابة مترادفتين وليست الحضارة في نية المستعمر ولو صحت هذه النية بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضير، فهو الذي يذهب إلى الحضارة، إلى مصادرها البعيدة، وقبل كل شيء إلى مصدرها الأقرب من أصالته.
فمن ثمن الأخطاء في رأيي ان نعتقد ان الحضارة هي ما انعمت به علينا المدرسة الاستعمارية في فترة غياب مدرستنا الوطنية. واذا كان يعاب على أجدادنا في عصور الانحطاط سوء نيتهم في الحضارة الغربية وغرورهم بما لديهم وجمودهم على تقاليدهم، فانه يعاب على بعض أبنائهم اليوم حسن نيتهم المطلق في الحضارة الغربية وغرورهم بها وجمودهم في فهمها لان الجمود هو الجمود، رغم اختلاف المظاهر والأزمان. فاذا كان هذا الجيل يؤدي ثمن أخطاء الماضي فانه في نفس الوقت يرتكب أخطاء يساهم بدوره في تأدية ثمنها كما يترك رصيدا ضخما من المتاعب لتؤدي الأجيال المقبلة ثمن ذلك، فلكي لا نعيد التجربة السابقة ينبغي ان نكون أكثر تحررا وأكثر استقلالا في الفكر.
ويقول الكاتب ان «في الإسلام مبادئ ثورية» فلماذا اذن لم نتخذ تلك المبادئ بداية لثورتنا، فان كانت تلك المبادئ لم تطبق ككل الا في فترة قصيرة فالعيب ليس عيب الإسلام، ولكن عيب المسلمين، الذين لم يستطيعوا المحافظة عليه، كقوة دافعة، وكقيم حضارية يعيشون في أجوائها ويشيعونها في الناس. ولكن ليس معنى ان تأخذ الإسلام مبدءا وعقيدة ان نغلق الأبواب علينا-كما أراد الكاتب ان يستنتج ذلك من مقالتي السابقة- وإنما ان تكون أكثر قدرة على الاستفادة الصحيحة النافعة.
وبعد؛ فان لنا كل الأمل في ان تناقش مثل هذه الأفكار وان يدلي كل واحد بما ليديه بكل شجاعة وموضوعية وحسن نية وان نهيئ الجو لذلك دون ان نتأسف لنشر بعض الأفكار التي لا تعجب البعض منا. فقد تكون على الأقل تحمل بعض الصواب في حين يحمل غيرها بعض الخطأ. ان هذا التأسف يعتبر وسيلة من وسائل ديكتاتورية الفكر والاستبداد بالرأي اللذان أديا بأوربا إلى محاكم التفتيش التي لم تعرف أبدا في تاريخ الإسلام.
فافساح الصدر للأفكار التي لا تعجبنا قد تؤدي بنا إلى الوصول إلى ما يعجبنا.
ولست في حاجة إلى القول بان كتابة الأخ محمد زنيبر تدور حول موضوعات قيمة يجب على الجميع ان يتضافر على معالجتها بقوة في العزيمة، واستقلال في الفكر، وعمق في الفهم، حتى لا نعود إلى عهد يجسم فيه انحطاطنا وتدهورنا، وحتى نصل إلى ما نصبو إليه دون ان يبقى لبنا شاردا!!

(1) في مهب المعركة لمالك بن نبي ص 172-185.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here