islamaumaroc

المجتمع الإسلامي وأهدافه

  دعوة الحق

62 العدد

المجتمع :
ليس أي مجتمع إنساني هو اجتماع عدد من الناس، كيفما كان عددهم، في رفعة واحدة. وإنما يكون المجتمع الإنساني حيث يكون هناك هدف للذين وجدوا في بقعة واحدة من بقاع الأرض. ولذا ليس للبدائيين مجتمع، وهم فحسب مجموعة من الناس. ويظلون مجموعة لا تربطهم رابطة ما سوى أن يسعى كل واحد منهم لأن يعيش، أي ليأكل، ويشرب، ويسلك سلوكا جنسيا، حتى إذا اجتمعوا على هدف أصبحوا مجتمعا من المجتمعات الإنسانية.
وهدف أي مجتمع إنساني يسمو فوق رغبات الأفراد كأفراد، ولكنه يتصل بصالحهم جميعا من حيث أنهم يكونون لبنات المجتمع.
قد تكون «السيادة» مثلا هدفا لمجتمع، وقد يكون «التحرر» من الخضوع لسيادة الغير هدفا لمجتمع آخر. ربما أن الإنسان في اشتباكه مع فرد آخر قد يناضله من أجل أن يسود عليه، وقد يناضله من أجل أن يتلخص من سيادته، فكذاك المجتمعات الإنسانية في قديمها وحديثها تتكون أو تعي ذاتها كمجتمعات أما من أجل السيادة والغلبة، أو من أجل التخلص من سيادة الغير وسطوته. إذ أن الأهداف التي يسعى إليها الفرد في الحياة الخاصة الضيقة مع غيره هي ذات الأهداف التي يسعى إليها المجتمع في حياته العامة كمجتمع. والفرد تكمن فيه قوى عديدة، أو غرائز كثيرة، ولكنها ترجع في النهاية إلى المحافظة على كيان وجوده وذلك أما ببقائه ذا قوة مرهوب الجانب، أو ذا نضال وكفاح ضد من يستذله أو يستضعفه.

المجتمع الإسلامي :
والمجتمع الإسلامي إنما وجد لهدف هو : أن يتحرر كمجتمع وأن يسود أو بعبارة أخرى ليتخلص من ضعف ويكون ذا قوة وشوكة. والمجتمع الإسلامي ليس مجتمعا ذا رقعة معينة، ولا ذا جنس إنساني واحد. هو مجتمع البشرية كلها. ومن ثم قام ووجد ليحرر البشرية من رق الخرافة والكهانة، ومن الاعتقاد في «الصدفة» و«الحظ»، والاعتقاد في الأصنام والأوثان، ومن الشرك في العبادة والإيمان، وقام ووجد من جانب آخر ليبقى متحررا من ذلك كله، وليبقى ذا سيادة وقوة : ذا سيادة على الظلم والاستعباد، ذا سيادة على ارتكاب الفواحش والموبقات، ذا سيادة بأداء الواجب، وذا قوة في النفس والضمير، وبفعل الخير وصنع ما يربح ويسعد النفس البشرية كلها.
والمجتمع الإسلامي إذن هو مجتمع تحرري : مجتمع خلقي.
الإيمان بوحدانبة الله :
ولكي تتحر الإنسانية من صور الضعف والاستدلال في جانب الاعتقاد والتوجيه أوجب الإسلام أن تكون عبادة الإنسان في المجتمع الإسلامي الذي سيكون المجتمع الإنساني التحرري- لله وله وحده من غير أن يكون له شريك فيها. والله الذي يجب أن يعبد وحده هو الكمال المطلق في الوجود : «الله لا إله إلا هو له السماء الحسنى». والأسماء الحسنى التي لله سبحانه وتعالى هي صفات الكمال التي يستحق من أجلها أن يكون ربا ومعبودا : «ذلكم الله ربكم، لا غله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير». فهو واحد مطلق في أنه خالق كل شيء، وهو واحد مطلق في أنه لا يحد بالبصر. هو فوق كل الكائنات المحسنة جميعها.
والإيمان بالله وحده هنا هو النقطة الفاصلة في حياة الإنسانية : بين ضعف في الاعتقاد والتصور يجب أن يمضي إلى غير رجعة، وقوة مترقبة في الانطلاق نحو المثل العليا. وهو القيم الكاملة. والسعي نحو الاقتراب منها يجب أن يتحقق. إذ الإيمان الله وحده، أب بالكمال المطلق في الوجود يتخلص الإنسان من أن يسخر نفسه في ارتباطه في العبادة بالكائن المحس، بتخلص من الرق لمن هو دونه في الخلق أو لمن هو مثله. وكرامة الإنسان تقتضي أن يكون في عبادته متوجها إلى م هو فوقه. وليس هناك فوق الموجودان جميعها إلا الله الذي «ليس كمثله شيء».
عبد الإنسان في القديم الحيوان، وعند الصنم من الأحجار، وعبد الإنسان. «ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون».
عبد الإنسان من دون الله ما أحصيناه وما لم نحصه، وربط مصيره في الحياة بتلك الكائنات الأرضية التي لا تسمع الدعاء وأن سمعته فلا تجيبه لعجز عن الفهم أو عن التصرف.
 جاءت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الإيمان بالله وحده، وفد كانت هي دعوة الرسل السابقين قبل تحريفها من الدعاة إليها : «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه : إنه لا إله إلا أنا فاعبدون» -جاءت بهذه الدعوة لتعيد إلى الإنسان قيمته، لتصحح له وضعه في الحياة والوجود : «وهو الذي خلق لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة». ووضعه في الحياة هو الوضع الذي هيء لصاحبه ما في الأرض جميعا وسخر له ما في السموات وما في الأرض من جبال وأنهار ومن بر وبحر وجو، وأحيط بما في ذلك كله من نعم وقف عليها أو هو في سبيل الوقوف عليها مما لم تنكشف له بعد «ظاهرة وباطنة».
وكان وضعه في الحياة والوجود هذا الوضع لأنه المخلوق الذي أعد بطبيعته للانتفاع بالوجود «الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» فبجانب الحياة «ونفخ فيه من روحه»، وهي الطاقة على الحركة والسعي التي زودت بها طبيعة الإنسان كأي كائن حي- كان السمع والبصر وهما أقوى وسائل الحس في الإدراك للمشاهد، وكان الفؤاد وهو شعار القلب مركز الإيمان والاعتقاد، وشعار العقل مصدر الإدراك والتصور لما غاب عن الحس والشاهد. وبالسمع والبصر والفؤاد تميز الإنسان، ومن أجل تميزه كان له هذا الوضع الخاص في حياة الوجود كله الذي أرادت رسالة الإسلام –عن طريق الدعوة إلى الإيمان بالله وحده- أن تعيد إليه الوعي والشعور به.
فالدعوة إلى الإيمان بالله وحده إذن تنطوي على تعريف الإنسان بمنزلته ووضعه وقيمته في الحياة. ومن الكرامة للإنسان، كمخلوق متميز على ما عداه من المخلوقات، أن يعرف وضعه الصحيح وقيمته الذاتية. ومن المهانة له، والسخرية منه، والاستخفاف به أن يبقى في دائرة ما انحدر إليه في الاعتقاد من عبادة غير الله من هو دونه أو مثله في الخلق.
وهي إذن دعوة إلى التحرير والتحرر : دعوة إلى «العزة والكرامة» دعوة إلى الانطلاق في الوجود، والكشف عن خفية قبل واضحه لأنه سخر له من خالق الكون كله، وهو الله، ما في السموات من أجواء عوالم، وما في الأرض باطنها وظاهرها.
والمجتمع المؤمن بالله وحده هو المجتمع الإنساني المتحرر، هو المجتمع الذي فصل في وعي ويقظة بين الإنسان ككائن مخلوق متميز وبين كائنات أخرى بعدها مسخرة له. والمجتمع الإسلامي هو مجتمع المؤمن بالله وحده.
وإذن هدف المجتمع الإسلامي –لأنه المجتمع الذي آمن بالله وحده- هو التحرر مما يحط بكرامة الإنسان، ومما يقيده عن الانطلاق والسعي في الحياة، ومما يعوقه عن أن يكون صاحب سيادة في ارض الله وسمائه.
والمجتمع الإسلامي بإيمانه الله هو مجتمع إنساني ويظل مجتمعا إنسانيا. ليس مجتمعا «دينيا» بمعنى أن القوامة فيه لطبقة تعلو عن الناس الباقين وتقل درجة عن الإله، وهي الطبقة التي يدعي لها أن المر قد وكل إليها من الإله، وإنها بناء على ذلك تتصرف بمشيئته وحكمها لذلك حكم له صفة القداسة وطابع الإلزام من غير مراجعة. كما كان الشأن في القرون الوسطى أيام حكومة الكنيسة الرومانية في القطاع الأوربي.
لا! الإيمان بالله لا يمنح المجتمع الإسلامي مثل هذه السلطة؛ بل على النقيض كما ذكرنا يدفع أفراده إلى التحرر مما يعوق عن العمل والتفكير والسعي والتقويم، ووجود سلطة لها طابع العصمة فيما ترى وتحكم، وطابع النيابة عن الله فيما تتصرف وتوجه، من شأنه أن يعوق عن العمل والتفكير والسعي، لأنه سيصبح عمل الإنسان وتفكيره وسعيه مرتبطا بما ترى هذه السلطة، وهي سلطة مهما قيل فيها يمارسها فريق من الناس قد تكون لهم حزبية وهوى وغرض، وعندئذ يصبح الإنسان وغرضه وحزبيته –دون الصالح العام- قانونا لا يراجع وأمرا لا تناقش قداسته، وما الشرك بالله إلا صورة من صور هذه السلطة، ومكان الشرط في التعاليم الإسلامية يحدده مثل هذه الآية الكريمة : «إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا».
وإذن الإيمان بالله وحده الذي يدعو إليه الإسلام، ويصر عليه، بتعارض مع قيام سلطة دينية إلهية على هذا النحو. ومن هنا من يتحدث عن دين وحده ودولة وحدها في الإسلام أو في المجتمع الإسلامي يتحدث عن شيء غريب عن طبيعة الإسلام. وهو بحديثه هذا يحكي تقليدا للكنيسة الرومانية الكاثوليكية في القرون الوسطى عندما كانت تسوس المجتمع المسيحي الأوربي باسم الإله، ومنحت رجالها العصمة في القول والفعل. وفرضت الطاعة المقدسة على من عداهم في هذا المجتمع لهؤلاء النواب عن الإله والمشاركين له في العصمة وهم رجال الكنيسة.
الإسلام يعرف فحسب مجتمعا إنسانيا يؤمن بالله وحده، وبالرسالة التي نزلت على صاحب الدعوة الإسلامية محمد بن عب الله عليه الصلاة والسلام.

(2) الخلقية الدينية أو الضمير الديني
وإذا كانت الوحدة في الإيمان بالله هي هدف المجتمع الإسلامي وفي لقوت نفسه هي العامل الأساسي في تكوينه –فإن الوقت نفسه هي العامل الأساسي في تكوينه- فإن الخلقية الدينية أو الضمير الديني عامل في بقاء هذا المجتمع، وعامل في تماسكه وتعاونه.
والخلقية الدينية هي استطاعة نفسية تتكون عند المؤمن بالله يصدر عنها تصرفات لها طابع الانسجام مع تعاليم الرسالة التي جاء بها صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام. وهي إذن كما تقوم على وحدة الإيمان بالله تقوم أيضا على الإيمان برسالة الرسول وما جاء فيها. وهناك عامل آخر في تكوينها يضاف إلى هذين العاملين وهو الإيمان بالجزاء يبعث الحيوية واليقظة باستمرار في أن تؤدي الخلقية الدينية وظيفتها من العمل طبق ما آمن به الإنسان. وفروع الإيمان الثلاثة : الإيمان بالله، والإيمان بالرسول وبما أنزل عليه من وحي وهو مضمون رسالته، والإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من جزاء –تذكرها فاتحة سورة البقرة في قول الله تعالى : «ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب. ويقيمون الصلاة. ومما رزقناهم ينفقون. والآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هو المفلحون» فوصف الذين يؤمنون بهذه الأنواع الثلاثة بأنهم هم المتقون، وبأنهم على هدى من ربهم، وبأنهم هم المفلحون الناجحون. فالإيمان بالغيب في مقدمته الإيمان بالله، لأنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، هو اللطيف الخبير. والإيمان بما انزل هو الإيمان بالوحي والرسالة الإلهية، والمعرفة اليقينية بالآخرة هي الإيمان بها في ثورة مؤكدة. وفي سورة النساء يعبر القرآن الكريم عن هذه الفروع الثلاثة من الإيمان تعبيرا آخر فيطلب الإيمان بها ثم يصف من يكفر بها بأنه قد ضل ضلالا بعيدا : «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا».
وهذه الخلقية الدينية التي تقوم على عناصر الإيمان الثلاثة هي التي تدفع الإنسان إلى حسن السلوك، وإلى الاستقامة، وإلى التعاون والتآخي بين الأفراد. ودفعها إلى ذلك دفع ذاتي لا يحتاج إلى محرك خارجي ولا إلى رقابة خارجية. إذ السلطان عليه هو الاعتقاد الذي يحمله المؤمن بين جنبيه. والفرق بين المؤمن الذي يحمل في نفسه القوة الدافعة إلى العمل المستقيم والتعاون مع الغير، وبين القانون الذي يضعه المجتمع ويفرضه بقوة الحراسة وهي القوة التنفيذية –الفرق هو أن سلطان القانون وما يصحبه من قوة تنفيذية خارج عن الإنسان ومفروض عليه. والإنسان في المجتمع المدني الحديث، وهو المجتمع صاحب القانون الوضعي وصاحب السلطة التنفيذية، يعمل بدفع هذه القوة الخارجة عنه. ولو تهاون هذا المجتمع في تطبيق القانون يوما ما، أو خفت رقابة السلطة التنفيذية، فإن الفرد بدوره يتهاون في أداء الواجب، وهو ما يحتم عليه القانون أداءه وتفرضه عليه السلطة التنفيذية.
وإذن فالمجتمع الذي لا يعتمد على قوة دينية دافعة في أفراده –كالخلقية الدينية- يتوقف العمل الجماعي فيه على قوة السلطة التنفيذية، وعلى دقة مراقبتها لتنفيذ القانون الذي وضع لهذا المجتمع. والدولة الحديثة، تتحمل عبئا ثقيلا في سبيل الحصول على مثل هذه القوة التنفيذية وعلى مثل هذه الدقة في مراقبتها.
وفرد المجتمع الحديث يشعر دائما وأبدا بأنه مسوق ومدفوع بقوة القانون، ويشعر كذلك بأن حريته محدودة واختياره محدود، لأنه شبه مجبر على ما يفعل ويؤدي من عمل. بينما الفرد في المجتمع صاحب الخلقية الدينية –كالمجتمع الإسلامي في نظام تكوينه- لا يشعر بمثل هذا الضيق النفسي، بل يشعر بأنه هو الذي يدفع نفسه وأنه لذلك حر فيما يندفع إليه.
والحرية الفردية على هذا النحو في المجتمع صاحب الخلقية الدينية عامل في البناء، وعامل في إتقان العمل : أن الحرية في العمل والدفع الذاتي نحو الفعل تصحبها دائما رغبة وبجانب الرغبة متعة كذلك. ولذلك حاول بعض الأخلاقيين المثاليين في المجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر أن يضع خلقية ذاتية تقوم على فكرة : «أداء الواجب لذات الواجب». وشاعت هذه الخلقية المثالية في الشعب الألماني على الخصوص، وعرفت هذه الفكرة بفكرة «كانت» أو بالواجب الخلقي. ومع أنها خلقية دافعة نحو العمل من ذات الإنسان دون رقابة القانون الوضعي وما يصحبه من قوة تنفيذية –فإنها تفترق عن لخلقية الدينية التي يريدها الإسلام للمجتمع الإسلامي، والتي هي أساس لتماسك المجتمع الإسلامي وتعاون أفراده. لأنه مهما كان الأمر فلا يغيب عن أذهاننا أن أساس القوة الخلقية المثالية هو تصور عمل الواجب من الإنسان للإنسانية. وشتان بين قوة تعتمد على الاعتقاد بالله وأخرى تقوم على تصور الإنسان للإنسانية. فالاعتقاد بالله من شأنه أن يبقى، أو أن يطول أجله على الأقل، بينما تصورات الإنسان. ويسهل عندئذ أن يتغير تصور الإنسان من لون إلى لون آخر.
هذه الخلقية الدينية التي تقوم على العناصر الثلاثة للإيمان : الإيمان بوحدة الله، وبرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، وباليوم الآخر، هي إذن قوة مثمرة في أن يحسن الإنسان سلوكه وأن يحسن في تعامله مع غيره. وإذا أحسن الإنسان في سلوكه وفي تعامله مع غيره لم يكن التعاون بين الأفراد أمرا ممكنا فحسب وإنما نتيجة حتمية بينهم. بل سيؤدي إلى الشعور بالأخوة، وإيجاد الألفة القائمة على المحبة. وهنا يكون التساند والتماسك.

مضمون الرسالة الإلهية :
وبما أن الإيمان بوحدة الله الذي هو عنصر في تكوين الخلقية الدينية هو في واقع الأمر إيمان بالتحرر من الخرافة، والاعتقادات الباطلة، والذلة، والمهانة، وإيمان بالمستوى الرفيع في الإنسانية، وهو مستوى العزة والكرامة –فالإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام ليس في واقع الأمر إيمانا بشخصه كإنسان. وإنما هو إيمان به كصاحب رسالة وكحلقة في تبليغ وحي اله إلى الناس. وإذا كان مضمون هذه الرسالة تخطيطا لسلوك الفرد، ولحدود التعامل بين الفرد والفرد في المجتمع، فالإيمان بالرسول عندئذ وبرسالته هو اتباع لتنفيذ مضمون هذه الرسالة، أي لتنفيذ حدود الاستقامة في السلوك وخطوط المعاملة بين الأفراد.
وإذا رجعنا على مضمون هذه الرسالة وما رسمته من حدود وتخطيطات فسنجد أن ما صنعته في ذلك يهدف إلى التعادل والتوازن بين ثنائية الفرد وبين الفرد والفرد في المجتمع. إذ الفرد (وإن كان في مظهره وحدة واحدة) في واقع أمره يتكون من جانبين متقابلين أو متنازعين : يتكون من الحكمة التي توحي بالاعتدال، ومن الهوى الذي يوحي إليه بالتطرف والخروج عن حد الاعتدال، يتكون من عقل وجسم، وكل منهما له اتجاهاته وميوله، وهنا نجد رسالة الإسلام في هذه الدائرة، وهي دائرة الفرد، لم تنكر اتجاها من هذين الاتجاهين. وأن ما حددته في ذلك شأنه يكفل التوازن بينهما : «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين». فهذه الآية نرى منها أن الإسلام يقر طبيعة واقعية مثالية. فبينما لا يحول بينه وبين الاستمتاع بالدنيا، وهذا ما يتصل بالجانب المادي. إذ به يطلب من الإنسان أن يكون في استمتاعه بهذا الجانب، وفي تحصيله الدنيا، قاصدا وجه الله. ومعنى وجه الله في ذلك أن لا ينحرف بالدنيا إلى الفساد والاعوجاج، أي لا يتخذ مما يحصل عليه من جاه الدنيا وما لها وسيلة لإثارة العبث والفساد في المجتمع، وهذا معنى قول الله : «ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين».
أما في دائرة المجتمع، أي في دائرة علاقة الفرد بالفرد فإن الإسلام وضع نظاما للأسرة، وهي أقل وحدة من وحدات المجتمع، وضع نظاما للتزاوج وللزوجية، أي لإشراك فردين في حيادة واحدة لغاية واحدة، ونظامه في هذا لا يقضي على فردية الاثنين، ولا يطلب صهر أحدهما في الآخر، لأنه يعلم أن الخصائص الفردية، وهي ما لكل فرد على حدة، باقية لا يمكن أن تفنى ولا أن تفنى ولا أن تذوب في خصائص فرد آخر، وكل ما طلبه الإسلام في هذا الشأن هو أن يكون هناك انسجام وتعادل بين الطرفين، لا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يستهين أحدهما بالآخر، ولا يذل أحدهما الآخر، وإنما يسيران جنبا إلى جنب كما تسير الأجزاء المتناسقة في وحدة واحدة. ومن هنا جعل لكل من الطرفين في الزوجية حقوقا وواجبات. «ولهن مثل الذي علهين بالمعروف وللرجال عليهن درجة»، فالمماثلة في الواجبات والحقوق إذن قائمة بين الاثنين. أما هذه الدرجة التي تذكها الآية وتجعلها خصيصة أو ميزة في جانب الرجل فليست إلا تلك القوامة التي تشير إليها الآية الأخرى : «الرجال قوامون على النساء»، وهذه القوامة ليست عبارة عن سلطة وسيادة، وإنما هي قيادة وتوجيه، ولم يجعلها الإسلام في جانب الرجل الحياة الخارجية لا تستطيع المرأة بحكم طبيعتها أن تقوم بها كقاعدة وإن أمكنها القيام بها على سبيل الاستثناء. إذ طبيعة المرأة بحكم أنها تحمل وتلد هي في رعاية حملها، وفي جانب ولدها، وهي من أجل ذلك لا تتفرغ للحياة الخارجية كما يتفرغ لها الرجل بحكم طبيعته. لذلك كان السعي لحفظ حياة الأسرة وصيانتها أمرا يجب أن يتكفل به الرجل ويسأل عنه. وإذ كان وضعه على هذا النحو فمن غير ما شك يجب أن تكون له قيادة، وأن يكون له توجيه. والحدود الأخرى التي وضعها الإسلام في معاملة الرجل للمرأة تمنعه من أن يستغل هذه القوامة، أو يسئ إلى المرأة : «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». فطلب الإسلام الإحسان في الإبقاء على الزوجية، كما طلب هدا الإحسان نفسه فيما لو أراد الرجل أن يفارق امرأته. والمؤمن صاحب الخلقية الدينية –بحكم أنه مؤمن وصاحب خلقية دينية- لا يكون إلا محسنا، لا يستغل ولا يسئ استخدام ما وكل إليه من قيادة وتوجيه، وإذن قوامة الرجل هي محض توجيه وإخلاص فيه لصالحهما معا.
ولم يشأ الإسلام –لأنه يبقى على فردية الفرد ولا يدع أحد الاثنين ينصهر في الآخر- أن يجعل الزوج بحكم هذه القوامة مستغلا لزوجته فيما تعطي أو فيما تملك أو فيما تعتقد وترى. شيء واحد يجب أن تحرص عليه المرأة وهو أن لا تسئ عن طريق ما تملك أو تعتقد إلى زوجها، ألا تقصر في أداء ما عليها من واجبات كما أنها لا تتوانى في المطالبة بما لها من حقوق.
وإذا تجاوزنا دائرة الزوجية إلى أسرة القرابة فإننا نجد الإسلام يطلب كذلك أن يكون هناك توازن وتعادل بين أسرة الزوجية، يقول الله تعالى : «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى...». «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما». «ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا». فطلب الإحسان في معاملة ذى اللقربى، وأكد هنا هذا الطلب في معاملة الوالدين خاصة كما طلب الإحسان في معاملة أحد الزوجين للآخر، وهذا ضرب من الإحسان يمثل أرقى وأرفع مستوى إنساني في المعاملة ولاشك أن ما يتحمله الآباء في سبيل الأبناء بوحي بأنه ينبغي أن يكون موقف الأبناء منهم على ما يطلبه القرآن الكريم.
أما الآباء في موقفهم من الأبناء فلم يوصهم الإسلام هنا على نحو ما أوصى الأبناء قبل الآباء لأن الإسلام يعتمد على العلاقة الطبيعية بين الجانبين وهي علاقة قوية من جانب الآباء نحو الأبناء، ولا تماثلها في القوة علاقة الأبناء بآبائهم. وكل ما أوصى به الإسلام هنا هو ألا يفتتن الآباء بالأبناء. يقول الله تعالى : «إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم. فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم».
وهكذا إن تركنا أسرة الزوجية وأسرة القرابة الخاصة إلى القرابة البعيدة نجد الإسلام ينصح بالتعاطف والتراحم، كما ينصح بأن يشرك الغني الفقير في ماله. يقول الله تعالى : «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين... الآية».
وحتى في من يتصل بالأسرة، سواء كانت أسرة الزواج أو أسرة القرابة، نجد الإسلام يطلب هذه الرعاية حتى لا يكون هناك حقد ولا يكون هناك بغضاء. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حق الخدم : «إخوانكم خولكم. أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تعذبوا عباد الله».
وإذا كانت نظرة الإسلام إلى الأسرة في صورها المختلفة هي هذه النظرة التي تقوم على طلب التعادل والتوازن بين أفرادها –فإن المجتمع الكبير، وهو المجتمع الإسلامي، مطالب أيضا من قبل الإسلام بأن يكون فيه التوازن والتعادل والتواد.
ولم يشأ الإسلام أن يكون هذا التعادل أو التوازن منبثقا من دفع خارجي –كم ذكرنا- وإنما أراد أن يكون مصدره هو ذات الفرد وذات المجتمع من داخله ومن نفسه. ومن هنا حث الإسلام كثيرا على «الإحسان». وليس الإحسان هو التفضل وإعطاء الفضل من مال أو غيره. وإنما الإحسان هو التصرف طبقا لمستوى إنساني مهذب. الإحسان مشتق من أحسن ضد أساء. أحسن في التصرف، أحسن في العطاء، أحسن في العمل، أحسن في العلاقة، أحسن في رعاية الروابط، أحسن في الإقناع، أحسن في الستر على الأعراض، أحسن في رعاية الحرمات وحفظها. كل ذلك إحسان يطلبه الإسلام. وهذا الإحسان لا يتم مطلقا إلا عن خلقية دينية، إلا عن ضمير خلقي، ولا يتم عن دفع القانون الوضعي الإنساني، ولا عن رقابة السلطة التنفيذية التي تصاحبه وتقترن به.
ثم إن الرسالة الإلهية التي جاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام والتي يعد الإيمان بها عنصرا من عناصر الخلقية الدينية أو الضمير الديني –لها مرونة خاصة تتمثل في مبدأ الاجتهاد، ذلك المبدأ الذي تشير إليه الآية الكريمة : «يأيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير لكم وأحسن تأويلا»، فالمراد بأولي الأمر هما هم أولوا الرأي وأصحاب الاجتهاد. ويقصد القرآن برد النزاع إلى الله ورسوله رده إلى كتاب الله وسنة رسوله وما يفهمه المسلمون منهما.
وهذا المبدأ يعطي الشريعة الإسلامية أو الرسالة الإسلامية فيما عدا أصول الاعتقاد حيوية وإمكانية الملاءمة بين إيمان المؤمنين بهذه الرسالة وظروف الحياة التي يعيشون فيها ومقتضياتها. وبهذا يمكن للمسلمين أن يعيشوا دائما في حياة متطورة وفي ظل الإيمان الإسلامي معا. وهذه ميزة يستطيع المجتمع الإسلامي عن طريقها أن يعيش في كل وقت دون أن يتعارض مع كبادئ الإسلام العامة أو يصطدم مع طبيعة الحياة التي يعيش فيها.
وبجانب هذا المبدأ الذي ترعاه رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام مبدأ آخر يتطلبه تماسك المجتمع نفسه، أي مجتمع. وهذا المبدأ هو إلغاء اعتبار العنصرية. فلا القبلية ولا اللون بحاجز عن أن يكون المسلم أخا للمسلم ومتعاونا معه «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فالقرآن الكريم يؤكد أن المسلمين مع اختلافهم في الجنس، أو في اللون، أمة واحدة، كما يؤكد أن الاختلاف في ذلك لا يدعو إلى الفرقة أو الانفصال، بل على العكس من ذلك هو سبب للتعارف والتآلف، وهذا ما يقصده الإسلام من تعاليمه.
على أن بجانب هذا وذاك يوجد مبدأ آخر في الرسالة الإسلامية. هو مبدأ يتصل بتماسك المجتمع الإسلامي واستقلاله وعدم ذوبانه وانصهاره في أي مجتمع آخر. هذا المبدأ هو : القومية الإسلامية. وهي ما يمثله مثل هذه الآيات الكريمة : «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين». «وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا». وتطبيق هذا المبدأ يبدو في عقد الزواج على وجه خاص. فالإسلام يحرم زواج المسلمة من غير المسلم. إذ هذا التحريم سيحفظ المجتمع الإسلامي ويصونه من الذوبان في مجتمع آخر عن طريق زواج المسلمة بغير المسلم وتناسلها منه. وليس هذا أمرا عنصريا، ولا مبدأ للتفريق، وإنما هو أمر أراد به الإسلام أن يقي المجتمع الإسلامي من الانحدار، وأن يصون القيم الإسلامية من الانخفاض والانحطاط عن طريق خضوع المسلمة لغير المسلم في عقد الزواج.
وهنا يصح أن نقول أن المجتمع الإسلامي هو مجتمع إنساني بمعنى الكلمة، وإنه مع ذلك يحتفظ بشخصيته واستقلاله. والعالمية الصهيونية التي تزعمها كثير من المفكرين لا تلقى ترحيبا كبيرا في رأي الإسلام، إذ أخص أهداف هذه العالمية الصهيونية هو نزع خصائص كل مجتمع وإلغاؤها حتى تعبث الرأسمالية والعالمية الصهيونية فسادا في الإنسانية دون أن يكون هناك تذمر، ودون أن يكون هناك صوت يرتفع ضد هؤلاء أو يبين أن أصحاب السيادة في المال وأصحاب العالمية الصهيونية أجانب عن الوطن، أي وطن.
وهنا يكون الإيمان برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام –كما ذكرنا- باتباع هذه الخطوط العامة، باتباع هذه الحدود في معاملة الإنسان لنفسه وفي معاملته لغيره، والمجتمع ما هو إلا إنسان وغيره، فرد وفرد. ومن هنا تتضح قيمة الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبرسالته ويتضح أثرها في تكوين وتوجي الخلقية الدينية.
إن الإيمان بالجزاء الأخروي –كما ذكرنا- باعت الحيوية في هذه الخلقية. هو العامل في استمرار حركتها نحو أهدافها، لأن المعتقد بالله وبرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، -إذا أعتقد إلى جانب ذلك في الجزاء الأخروي- يذكر في كل لحظة أن الجزاء واقع لا محالة، وأنه من أجل ذلك لابد أن يعمل في كل لحظة، وفي كل تصرف، طبقا لما جاءت به الرسالة. ولذلك شدد الإسلام كثيرا في النكران على من جحد اليوم الآخر وما يقع فيه من جزاء : «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا». «وماذا عليهم لو أمنوا بالله واليوم الآخر»؟ «إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون».
حقيقة الإسلام لم يذكر هذه الخلقية الدينية بصريح العبارة ولم يطلبها بهذا التحديد وهذا النص، وإنما طلبها في صورة العمل الصالح، لأن العمل الصالح هو نتيجتها وثمرتها. يقلو الله سبحانه وتعالى : «ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما». «ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا». «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم».
وإذا تحققت هذه الخلقية الدينية، وتحققت آثارها طبقا للإيمان برسالة الإسلام –كما صورنا- فإن المجتمع الإسلامي عندئذ لا يواجه مشاكل يطلب حلها. لن هذه الخلقية نفسها إذا كانت قوية في الدفع إلى العمل الصالح فإنها تكون وقاية من وقوع المشاكل، إذ مشاكل أي مجتمع إنما تنشأ من النفرة، إنما تنشأ عن عدم الاستقامة في التصرف وعدم التعاون والتوازن، إنما تنشأ عندما تخفت روح التعاطف وتتغلب الأنانية فتفسد بين الناس، عندئذ يواجه المجتمع مشاكل : الفرد يواجه مشاكل مع نفيه ومع غيره، والأسرة تواجه مشاكل في علاقة أفرادها بعضهم ببعض، والأزواج والزوجات يواجهون مشاكل في علاقاتهم وهكذا وهلم جرا.
ولذلك لم تكن تعاليم الإسلام التي يجب الإيمان بها عبارة عن حل أو حلول لمشاكل. وإنما كانت أولا وقبل كل شيء وقاية من المشاكل. ومن هنا كان شعار المجتمع الإسلامي هو : الوقاية قبل العلاج.
وإذ تحدثنا عن الخلقية الدينية أو الضمير الديني في المجتمع الإسلامي ووازنا بينهما وبين القانون الوضعي وسلطته التنفيذية في توجيه المجتمع ودفعه إلى الاستقامة في السلوك وحسن المعاملة –فإنا لا نريد أن نحط من القوة التنفيذية والرقابة العمة في المجتمع. لا نريد أن نحط من قيمة هذا، ذلك لأن المجتمع، مهما استقام أفراده، سيبقى فيه نزاعون إلى الشر والإفساد والعبث؛ بل إن من أفراده من يكون متحديا للقيم الأخلاقية الفاضلة، وللمثل العليا، وللاستقامة، ولصالح المجتمع العام ولو قلة. وربما تضعف هذه القوة الخلقية يوما ما فيكثر الفساد والعبث إذا لم يكن هناك سلطة تنفيذية ورقابة عامة على المجتمع. والإسلام من أجل هذا لا ينكر قيام مثل هذه السلطة ولا وجود مثل هذه الرقابة وإنما يطلبها وينشدها لأن طبيعة الإنسان هي طبيعة الإنسان : فيها البر والفاجر وفيها المستقيم وغير المستقيم وقد سار المجتمع الإسلامي منذ بداية تكوينه في المدينة على أن تكنن هناك رقابة : وأن تكون هناك سلطة تنفيذية. وقد كانت درة عمر رمزا لهذه السلطة التنفيذية وهذه الرقابة العامة.
وكل ما أردناه من حديثنا عن الخلقية الدينية وتأكيدا لقيامها وضرورتها إذن هو أن يحرص المجتمع الإسلامي أو أي مجتمع آخر على وجود هذه القوة فيه، وعلى بقائها ورعايتها لأنه من صالح المجتمع –كما ذكرنا- أن يقاد أفراده عن طريق الدفع الذاتي بدلا من أن يقاد جميع الأفراد عن طريق القانون وسلطته التنفيذية.

الاحتفاظ بشخصية المجتمع وصيانته من الاعتداء عليه :
هذان –الوحدة في الإيمان بالله والخلقية الدينية- عاملان في تكوين المجتمع الإسلامي وفي بقائه وتماسكه. وهناك عامل آخر للاحتفاظ بشخصيته المجتمع الإسلامي وصيانته من الاعتداء عليه من خارجه. هذا العامل هو الجهاد في سبيل الله. وأعتقد أن كلمة «الجهادية» مشتقة من هذا الجهاد في سبيل الله. كما أعتقد أن الاستعمار هو الذي يغض معناها للنفوس بسبب تلك الإساءات والحماقات التي كان يرتكبها في معاملة المجندين والعسكريين أيام الاستعمار.
مبدأ الجهاد قصد منه الإسلام أمرين : الأمر الأول أن يبقى المجتمع الإسلامي على إسلامه وعلى إيدولوجيته ونظامه. الأمر الثاني : هو صيانة النظام الإسلامي وصيانة إيدولوجيته من اعتداء العدو الخارجي عليه، وهذا العدو الخارجي هو ذلك الذي يكفر بهذه الإيدولوجية ويمعن في كفرانه بها ويسخر منها : «يأيها الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء». «وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا». «وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال أن نسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون». وهذا العدو إذ ينكر على المجتمع الإسلامي إيدولوجيته ونظامه ينكر في واقع الأمر وجوده وقيامه، ويعفى تفتيته وذوبانه في مجتمعات أخرى. والجهاد، وهو الدفاع عن هذه القيم وصيانتها من الاعتداء عليها، قد يكون أدبيا للرد إلى ما يوجه إلى هذه القيم من إنكار أو استهتار «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله». وليس المراد هنا القتال بالسيف وإنما الغرض هو مقاومة الاستهتار والاستخفاف بالقيم الإسلامية حتى لا تكون فتنة بين المسلمين بسبب هذا الإنكار والاستخفاف والاستهتار، وحتى لا يكون هناك خوف أو اضطراب أو بلبلة بسبب هذا الهجوم الإنكاري على القيم الإسلامية، قد يكون الجهاد –وهو ما عرف به- ماديا. وهو اللقاء بالسيف والمدفع وبآلة الحرب، ولكن الاعتداء المادي بشيء من نوعه. لو استعرضنا آيات القتال في القرآن لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى لم يطلب من المجتمع الإسلامي في وقت من الأوقات أن يبدأ القتال والعدوان، وإنما كل الذي طلبه هو رد الاعتداء : «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين». وكان الإسلام محسنا، وكان إنسانيا أيضا في طلبه رد الاعتداء بالمثل : «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم. واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين».
ففي الوقت الذي طلب فيه الإسلام رد اعتداء بالمثل علل طلبه بأن التزام ذلك هو من ضورب التقوى وذكر أن الله مع المتقين، أي الملتزمين حدود الله.


       

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here