islamaumaroc

أفغانستان الحديثة (تر.ع.ل.السرايري)

  دعوة الحق

62 العدد

ظهرت أفغانستان كذولة مستقلة على يد أحمد شاه سنة 1747، وهو ينتمي إلى قبيلة «صادوزاي» إحدى بطون القبيلة الدورانية الكبرى، حيث شمل حكمها بلوهستان وكاشمير والبنجاب، وكانت عاصمتها كاندهار، ثم تحولت العاصمة بعد ذلك إلى كابول في عهد حكام صادوزلي حين أخذت رقعتها تتقلص خصوصا في الهند كنتيجة للتوسع الاستعماري البريطاني، فشمل هذه الأقاليم الهندية سنة 1809 عقب توقيع اتفاقية بين بريطانيا وأفغانستان، وذلك لتفادي احتمال أي هجوم يقع من روسيا أو إيران ضد الهند.
تقوم المصالح البريطانية بأفغانستان على أساس الاعتبارات الاستراتيجية، ذلك أن الموقع الطبيعي لأفغانستان ينحصر في سلسلة هندوكوش، وهي تمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي مخترقة طول البلاد، وسلسلة هندوكوش مورد عظيم لمياه النهرين أندوز وأوكسوس «عموداريا». كما أن الحدود الطبيعية لهند تقع في الشمال الغربي، ولبريطانيا مصلحة حيوية تهدف إلى منع أي قوة عدوانية تحاول السيطرة على هذا يتوسع بالهند عن طريق روسيا وبرطانيا لا يغمض لها جفن عن هندوكوش، فكانت حائرة بين أمرين، فإما أن تحتل هندوكوش وتلحق أفغانستان بالهند، وإما أن تسيطر على هذه المنطقة بكيفية غير مباشرة، كأن تكون بها دولة تابعة لنفوذها. ولمدة سبعين سنة خلت (1809-1879) ظلت السياسة البريطانية تتردد بين الاختيارين، ففي الجبهة المجاورة للحدود الإيرانية كانت بريطانيا بأفغانستان تقف موقف المهاجم، في حين بقيت روسيا تحاول أن تتخذ من الإيرانيين رأسا للرمح. ومثل هذه السياسة التي نهجتها بريطانيا دفعتها إلى شن حربين ضد الأفغانيين الأولى في 1839-1842 والثانية 1878-1879 ويرجع سبب هاتين الحربين إلى التقارب الروسي مع الحكام الأفغانيين الذين لم يرغبوا في التبعية البريطانية. ففي خلال الحرب الأولى احتل البريطانيون كابول، وأسروا الأمير الأكبر محمد مؤسس أسرة براكراي وهي «فرع آخر من القبيلة الدورانية»، ثم أرجعوه إلى الحكم، وضمنوا حيادة في النزاعات التي تقع بين روسيا وبريطانيا.
وفي الحرب الثانية احتلت القوات البريطانية جزءا كبيرا من البلاد، فأبعدت الأمير سير على ذا الميول الروسية. وفي سنة 1879 عقدت معاهدة جاندماك مع خلفه يعقوب حيث تنازل فيها لبريطانيا عن موقع كبير ببلاده، وقبل إشراف بريطانيا على العلاقات الخارجية مقابل إعانة سنوية تقدمها بريطانيا إلى أفغانستان تقدر بـ 60.000 جنيه إسترليني.
ثم قام نزاع مسلح ضد بريطانيا عقب كل هذه التغييرات التي توصلت بها بريطانيا ثم أثرها تنازل يعقوب عن الحكم. ففي 20 يونيو 1880 تم الوصول إلى حل مع خلفه وهو عبد  الرحمن (1880-1901) فخولت له بريطانيا الإشراف على شؤون البلاد الداخلية، وسحبت فرقها، ولكنه أصرت على أن تملك زمام العلاقات الخارجية، وتعهدت بالدفاع عن البلاد من أي اعتداء خارجي، وتأكدت هذه الالتزامات أيضا في 21 مارس 1905 مع الأمير حبيب الله  (1901-1919) فأصبحت المساعدة المادية البريطانية تبلغ في عهده 160.000 جنيه إسترليني.
ظلت بريطانيا منذ (1880-1920) تتبع سياسة الإشراف غير المباشر على كل شؤون أفغانستان، فتخلصت من الفرق البريطانية، وأضحت تتمتع باستقلالها الداخلي التام، وكان يحرم على أفغانستان أثناء استلامها للمساعدة المادية من (حكومة الهند البريطانية) أن تتعامل مع أية قوة أخرى باستثناء بريطانيا.
النزاع على الحدود
بعد أن تعهدت بريطانيا بالدفاع عن أفغانستان ضد أي اعتداء خارجي يقع عليها، ينبغي أن نعرف أين تقع أهمية الحدود الأفغانية في هذه الفترة، ذلك أن التوسع الروسي بلغ حدته خصوصا من 1870-1880 في آسيا الوسطى؛ فقد ألحقت روسيا إقليم ميرف في سنة 1884 بترابها. وأضحت روسيا منذ ذلك الحين تشكل خطرا على أفغانستان، وهي لكي تحتل واحة ينجده، كان لابد أن تخترق الحدود الأفغانية، وكان رد الفعل البريطاني قويا أمام التحركات الروسية لدرجة أصبح التلويح بالحرب متبادلا بين الطرفين، وفي سنة 1885 توصل الطرفان إلى حل لمشكلة الحدود الشمالية، وذلك بإبرام اتفاقية بينهما، وأضيف إليها تحديد آخر سنة 1895 خصوصا في منطقة بأمير بالطرف الشرقي لأفغانستان، ثم حلت بعد ذلك مشكلة الحدود الإيرانية الأفغانية ما بين أفغانستان وبريطانيا بواسطة اتفاقية تدعى اتفاقية ديوراند.
كان حل مشكلة الحدود عملا إيجابيا، كما كان سبا للاحتكاك بين الدول المعنية، سيما وأن موقع الحدود كان رديئا وغير عملي. ذلك أن أغلب الطرف الشمالي للحدود يتجه اتجاها لا يحمي نهر إكسوس، أو يتخلل المعبر المسطح، وهو لهذه الحالة لا يمكن اعتباره حدا استراتيجيا، بل أكثر من هذا؛ أنه قسم منطقة تسكنها قبائل من جنس واحد إلى قسمين : القبائل التركمانية والأوزبيك، ومن ناحية أخرى قبائل التاجيك، وكانت قبضة أفغانستان على هذه القبائل في وضع دقيق. أما ما يقال عن الحدود الجنوبية إنها تشكل حدودا ذات موقع استراتيجي، فهي تتموج بين قمم الجبال، ولكنها لسوء الحظ تقسم المنطقة المتجانسة السكان فتترك بالناحية الهندية ملايين قليلة من القبائل الأفغانية الخالصة، وهذه الخاصية الجبلية تجعل الرقابة علت هذه القبائل من الصعوبة بمكان.
كانت روسيا تبدي استياءها لإشراف بريطانيا على العلاقات الخارجية لأفغانستان، ولكنها قبلت ذلك في الاتفاقية الإنجليزية الروسية التي عقدت في 1907 حيث أعلنت بان أفغانستان خارجة عن نفوذها. وظلت أفغانستان محايدة أثناء الحرب العالمية الأولى وحاول الأمير حبيب الله عبثا أن يتغاضى عن إشراف بريطانيا الخارجي، فيتصل ببعثة ألمانية تحت رئاسة نييديرمايروفون هانتيج، إلا أنه لم يجرؤ على عقد اتفاقية مع ألمانيا نظرا لأن بريطانيا كانت له في الهند بالمرصاد.
التحرر من الوصاية البريطانية
في 20 فبراير 1919 اغتيل حبيب الله، ثم عين أخوه نصر الله خان زعيم الحزب المحافظ والمعادي لبريطانيا، وكان مؤيدا في ذلك من طرف رجال الدين والقبائل. عارض هذه التولية ابن حبيب الله الشاب أمان الله الذي كان حاكما على كابول، وبمساعدة الجيش تمكن من خلع نصر الله في 27 فبراي، ثم أصدر الحكم بالإعدام على نصر الله لأنه تعمد قتل أبيه تسببت هذه الحركة في غضب الطوائف الدينية، فطائفة تعارض في صمت، وأخرى تعمل يإيعاز من بريطانيا. ثم أعلن أمان الله الجهاد في مايو على بريطانيا وذلك بأن تكتسح جنوده الهند. وكانت هذه هي الحرب الثالثة كما سميت قد أزعجت بريطانيا، سيما وقد قامت قلاقل بالبنجاب، ومع ذلك تمكن الإنجليز من مجابهة أمان الله، فوجهوا فرقهم إلى الحدود الشمالية الغربية معززة بسلاح الطيران، ومنها إلى كابول وجلال باد، وانتهت بإرغام الأفغان على التراجع إلى أراضيهم، ثم طلب أمان الله الاستسلام فأعطي له. لم تكن لإنجليز رغبة في احتلال بلاد الأفغانيين من جديد، وإنما فضلوا –نظرا لارتباطهم بالهند- أن تبقى أفغانستان حاجزا فاصلا ما بين الهند وروسيا. وكلفت هذه الحرب حكومة الهند 16.000.000 جنيها إسترلينيا. لهذه الأسباب اغتبط الإنجليز بعقد معاهدة مع الأمير الأفغاني في 8 أغسطس 1919 سميت بمعاهدة راولبندي، فهي بالرغم من انتصار على الأفغان، تنازلت عن موقعها الممتاز في أفغانستان، ثم اعترفت باستقلاله التام في الداخل والخارج. واعتبر ذلك أمان الله أنصارا على بريطانيا. وفي سنة 1919 توجهت بعثة أفغانية إلى موسكو، تلتها بعثة روسية إلى كابول. وحيث أن الوطنية الهندية المناوئة لبريطانيا كانت تجد عطفا لدى الأفغانيين، فقد أمكن لبعض الزعماء الهنود مثل مهاندرايرتاب، وبركة الله الذين كانت لهم جمعية تحظى بعطف السوفيات في طشقند، هؤلاء الزعماء جعلوا من أفغانستان قاعدة لتحدي الاستعمار البريطاني، خصوصا بعد أن رفض أمان الله طلب البريطانيين في طردهم من بلاده، ثم استدعى أمان الله القائد التركي جمال باشا لينظم الجيش الأفغاني؛ وكان قدوم جمال إلى كابول مما شجع بريطانيا على عدائها لتركيا، وذلك حتى لا تخفف من بنود معاهدة سيفرس التي عقدت مع تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
وفي 28 فبراير 1921 عقدت كل من أفغانستان وروسيا معاهدة الصداقة، ونصت على تبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وفتح القنصليات بكل من حيرات، وميمينا ومزار الشريف وكاندهار وجانزى، ثم منحة سنوية تقدمها روسيا تقدر بمليون روبل ذهبي، وتقديم الذخيرة إلى أفغانستان، وتأسيس الخط التلغرافي ما بين كوش، وهيرات، وكاندهار، وكابول. كانت هذه المعاهدة بمثابة صدمة لبريطانيا، خصوصا بعد أن أكدت على استقلال أفغانستان، فأضحت البعثات الأفغانية ترسل إلى العواصم الأوربية لطلب الاعتراف بها، ثم جلب الفتيين الأجانب وتأسيس علاقات تجارية. وفي أثناء زيارة البعثة الأفغانية إلى لندن أصرت على أن تفاوض وزارة الشؤون الخارجية البريطانية بدلا من مكتب الهند. ولقي المبعوثون الأفغانيون معاملة فظة خصوصا من كاتب الدولة في الشؤون الخارجية البريطانية اللورد كيرزون. لم يلبث أمان الله أن أعاد النظر في علاقته مع روسيا البلشفية؛ حيث أذعنت بعض الدول في آسيا الوسطى لزحفها، إذ ذاك بدأ يميل إلى بريطانيا، فاستقبل بعثة بريطانية في 22 نوفمبر 1921 وعقد معها معاهدة جديدة أكدت فيها بريطانيا للمرة الثانية على استقلال أفغانستان التام، واعترفت بالحدود القائمة، وتم بينهما التبادل الدبلوماسي والقنصلي، ثم منحت أفغانستان تسهيلات جمركية بالهند، وتم التعاون بين البلدين لتحقيق السلم في المناطق القبلية القريبة من الحدود. وألحت بريطانيا على أمان الله، فوافق على عدم السماح للسوفيات بإنشاء قنصليات في كل من جانزي وكاندهار الواقعتين على الحدود الهندية، وتقرر توقيع المعاهدة باسم الحكومة البريطانية لا باسم حكومة الهند مع موافقة بريطانيا على أن تتوجه إليه باسم صاحب الجلالة.

العلاقات السوفياتية الأفغانية
كان ميل أمان الله إلى روسيا أكثر من ميله إلى بريطانيا، ففي 22 يونيو 1921 عقد معاهدة الصداقة مع تركيا وإيران. أما بالنسبة إلى تركيا فقد فتح الباب على مصراعيه للضباط الأتراك والمعلمين والخبراء. ويعاد إلى الذهان بان تركيا في هذا الوقت كانت تتعاون مع السوفيات، ولم تكن علاقتها حسنة مع بريطانيا، وهذا ما جعل أمان الله يستأنف علاقته مع السوفيات، فسمح لهم بتأسيس فرع الشركة التجارية التابعة للحكومة (فينيشتورج) ثم منحهم امتياز لإنشاء فرع لمصرف «بنك» الدولة السوفياتي، وقبول خدمات الخبراء في عدى مشاريع : كتأسيس القوة الجوية الأفغانية، وإرسال الملاحين الأفغان للتدريب للحياد وعدم الاعتداء، وأعقبته في سنة 1927 اتفاقية جوية تربط بين كابول وطشقند، ثم افتتحت بعد ذلك مفاوضات لاتفاقيات التجارية.
الواقع أن أمان الله لم يقدم جسمه وروحه كلية إلى الروس، ففي بعض المناسبات كانت سياستهما تنحرف بعض الشيء، فقد أراد أن يجعل من نفسه المدافع عن الإسلام، وخصوصا عندما وقعت كل من بخارى وكيفا في قبضة السوفيات. لقد خشي أمير بخارى أن يلقى حتفه على يد البولشفيك، فالتجأ إلى أفغانستان، وأحسن وفادته أمان الله، بل ذهب أبعد من ذلك فقام بنشاط لصالح الثورة بالسماشية التي زعزعت النفوذ الروسي في آسيا الوسطى سنة 1922 وأراد أن يخلق تحالفا في وسط آسيا تحت زعامته. وللوصل إلى هذه النتيجة؛ ركز قواته على امتداد الحدود الشمالية، وأسس اتصالات بينه وبين زعيم الطوراني إينيفير باشا، وما كان من السوفيات إلا أن طالبوه بإعلان الحياد، وسحب الفرق الأفغانية من مناطق الحدود، واستجاب أمان الله لذلك، وتوفي أخيرا العاهل الأفغاني..
ووضعت وفاة أمان الله حدا لتلك التصميمات في موضوع وسط آسيا، وبقيت ثورة الباسماشي مستمرة إلى سنة 1931.
وفي سنة 1925 قام خلاف كبير بين الحكومة السوفياتية وأفغانستان حول منطقة تقع على نهر الأوكسوس، ولم تكن هذه منطقة تقع على نهر الأوكسوس، ولم تكن هذه القضية ذات أهمية؛ فتنازلت الحكومة السوفياتية لأفغانستان ساحبة فواتها من هذه المنطقة. اعتبرت حكومة أمان الله ذلك انتصارا لها، والواقع أن اتحاد السوفياتي حقق بدبلوماسيته التي تبعها مع أمان الله تركيزا لنفوذه بأفغانستان؛ وخاصة ضد التوازن البريطاني عن طريق استعمال كثير من المساعدات وأنواع التعاون التي ظهرت بين البلدين، ومن جهة ثانية استغل الواقع الذي كانت عليه الحدود في الشمال سيما وأن أقلية لا تتكلم التركية كانت تحت النفوذ السوفياتي على شكل حماية، ومن ناحية أخرى، لقيت دعايتهم بعض الصعوبات إلى درجة بعيدة في العشرينات الأولى من هذا القرن لدى التجار الأفغان والهنود الذين يقدمون على أسواق بخارى وطشقند، فتعرضوا إلى مضايقات البولشفيك، وتنوقلت أخبار تلك المعاملة ولهذا لم يحقق السوفيات ما ارتجوه من دعابتهم. بل فلبوا في الأخير أن يقدموا تعويضات عما فقده التجار الأفغان.
وجدت الدعاية للمبادئ الشيوعية بعض الصداء لدى قبائل التركمان وكذا التاجيك والأوزبيك في الحدود الأفغانية، إلا أن الروس من جهة أخرى ستطاعوا بإنشائهم للسكك الحديدية ومدهم للأسلاك الكهربائية أن يجدوا تأثيرا خاصا لدى الأفغان. ولقد قوى التبادل التجاري بين البلدين امتداد السكك الحديدية إلى كورش ترميذ في الحدود الأفغانية، وخدم في نفس الوقت الأغراض الاستراتيجية السوفياتية.
كان هدف الدعاية السوفياتية يقوم على تشجيع نمو الحكومات الذاتية أو الحركات الانفصالية الممكن استخدامها ضد الحكومة الأفغانية عند الاحتجاج، وفي نفس الوقت كان الروس يهدفون من توسعهم الاقتصادي في أفغانستان وخصوصا الأقاليم الشمالية أن يجعلوها معتمدة على روسيا باعتبارها مركزا تجاريا، وهذه الحالة شبيهة بشمال إيران حيث نلاحظ في نفس الحالتين أن سلاسل الجبال تفصل عاصمة البلاد عن مناطقها الشمالية فتصبحان سلاحا في يد الروس.
العلاقات الأفغانية البريطانية
لم يكن أمان الله قلقا على موقفه، ثم إنه لم يعتبر ذلك نذيرا كافيا لاتخاذ الإجراءات المضادة أو التحالف مع بريطانيا، فهو بالعكس اتجه اهتمامه إلى الحدود القلقة في الجنوب، والتي تسكنها قبائل الباتان. ونشير دائما إلى أن هذه المنطقة القبلية كانت مقسمة تقسيما اصطناعيا يجتازها خط دبورانت، حيث يقع بموجبه الفصل بين الحدود الهندية الأفغانية. وهناك إشارة مميزة أخرى لمنطقة قبائل الباتان أنها لا تخضع لحكومة الهند، بل يقع الإشراف عليها من بعض المراكز العسكرية البريطانية المتفرقة، وبواسطة الموظفين السياسيين، فكانت مهمة دقيقة بالفعل، ومع ذلك فإن الحكام بكابول كانوا يعارضون أي مظهر للإشراف البريطاني على هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الحكام كانوا يتمسكون باستمرار نفوذهم وسلطتهم على قبائل الباتان، ولهذه السياسة دواعي دفاعية وهجومية، ذلك أن الحكام الأفغانيين اتخذوا من هذه القبائل سلاحا موجها ضد بريطانيا إن كان ذلك ضروريا، ومن جهة ثانية فإن اختراق رجال هذه القبائل للحدود الأفغانية كان مصدر إزعاج إلى الحكومة الأفغانية نفسها، وأمام هذه الحالة اعتبر الحكام الأفغانيون من الحيوية بمكان أن يدعموا صداقتهم مع زعماء هذه القبائل.
وبما أن أمان الله عرف بعدائه لبريطانيا فقد كان يجرب دائما استخدام القبائل المذكورة الأمر الذي نتج عنه أن طاقة بريطانيا العسكرية كانت كلها مركزة في هذه المنطقة المضطربة.
إصلاحات واضطرابات
في الوقت الذي حاول أمان الله إيجاد توازن بين النفوذين البريطاني والروسي؛ فقد كان يكد في إعداد بلاده للتحضير، وطمح أن يقتدي بمصطفى كمال زعيم تركيا. ففي 9 ابريل 1923 أعلن القانون الأساسي. وأتبعه بإصلاحات تهدف إلى جعل البلاد عصرية في جميع المرافق، ثم اتجه بعد ذلك إلى الفنيين والمستشارين من جميع الجنسيات للاستعانة بهم، فاقتدى بالشاه رضا بإيران، فجلب الألمان باعتبارهم يمثلون «القوة الثالثة» ولعبوا دورا بارزا سواء قبل الحرب أو بعدها، من ذلك جلب الأساتذة والمدرسين العسكريين والفنيين وموظفي البنوك والأطباء والعلماء.
وخلال سنة 1924 افتتحت مدرسة ألمانية للمدرسين بكابول. وتم إنشاء معامل الورق والنسيج. ثم تولى العقيدة «الكولونيل» الألماني كريستين آمرية الكلية العسكرية الأفغانية، وبصعود هتلر إلى الحكم أصبح التوغل الألماني شديدا ليس في أفغانستان فحسب؛ بل عم منطقة الشرق الأوسط، وفي سنة 1935 وصلت بعثة علمية لدراسة هندوكوش، وفي سنة 1936 أسست الشركة الألمانية «لوفتانزا» خطا ما بين كابول وبرلين.
فقد قام المولى لامي بثورة سنة 1924 في منطقة الكوست ضد القانون المدني حيث اعتبره مخالفا للدين، وبقي يتحدى السلطات لمدة عشرة أشهر، وكلف الحكومة جهودا وأموالا لإعادة الأمن إلى مصابه.
وفي سنة 1927 قام أمان الله برحلة طويلة إلى أوروبا زار إثرها كلا من إيطاليا وألمانيا، وفرنسا، وانجلترا، ووجد استقبالا يناسب مقامه، كما عقد عدى اتفاقيات كلها في صالح الاقتصاد الأفغاني، وأثناء الرجوع عرج على موسكو، وقدم له الروس أربع عشرة طائرة وكمية هائلة من الذخائر، ثم ختم زيارته هذه فسافر إلى تركيا ومنها إلى إيران، وأثناء رجوعه إلى بلاده أصدر سلسلة من الإصلاحات في التعليم شملت المرأة واتسعت الهوة بينه وبين رجال الدين.

المشاكل الداخلية
في 14 نوفمبر 1928 قامت ثورة قبيلية بإيعاز من رجال الدين المتزمتين، وبمرور شهرين على قيامها، أصبحت خطيرة ضد الحكومة حيث قامت قبيلة التاجيك بزعامة باشا سقوة، وفي 17 يناير 1929 أصبحت تهدد العاصمة، واضطر أمان الله أن يتنازل عن الحكم لأخيه عناية الله، ثم فر على كاندهار، عبثا حاول أن ينظم المقاومة من هناك ففشل، ثم اخترق الحدود الهندية قاصدا منفاه بأوروبا، وخلال هذه الأيام السوداء؛ كان سفير الاتحاد السوفياتي وتركيا يلحان على أمان الله في استمرار المقاومة ضد القبائل الثائرة لتحقيق إصلاحاته، بل ذهبت روسيا أبعد من ذلك، حيث كان سفير أفغانستان بموسكو غلام نبي ينظم إرسال قوة عسكرية بالاتحاد السوفياتي معظمها من الروس لإنقاذ أمان الله، ولكنها وصلت متأخرة، الواقع أن الشعب كان يعادي أمان الله في أقاليم الشمال؛ فبعد أسابيع قليلة كان قوات غلام نبي تقفل راجعة إلى الاتحاد السوفياتي، وبقي التوازن في أفغانستان لمدة شهور في تقلقل سيما وأن نظام الحكم أصبح في خطر بأفغانستان وأوشك التدخل الأجنبي على الظهور. ثم أخذ باشا سقوة يوطد نفوذه القائم على الرعب؛ وأثره انسحب كثير من الأجانب المقيمين بأفغانستان، وألغيت كل الإصلاحات التي قام بها أمان الله، ولقي ذلك قبولا حسنا من رجال الدين. لكن الحالة لم تستقر بالبلاد مع ذلك؛ فقد قامت ثورة مضادة بزعامة محمد نادر خان، وهو ينتمي إلى قبيلة براكزاي إحدى فروع القبيلة الدورانية، فقد كان يشغل منصب سفير أفغانستان بباريس، ثم رجع مع ثلاثة من أشقائه في مارس 1929 وأعاد تنظيم القوات في الجنوب، ولم ينحصر نشاط الإخوان في الجنوب بل امتدت إلى كل البلاد، وكانت القوات تتكون من قبائل وزيري وماسود بالهند، فزحف نادر بهذه القوات مع إخوانه على كابول في 16 أكتوبر 1929 ثم أعلن ملكا على أفغانستان.
لقد سبب ارتقاؤه على العرش ضجة كبير في الصحف السوفياتية باتهامه بأنه من عملاء بريطانيا، وردت بريطانيا على ذلك بأن لا يد لها في انقلاب نادر.
نادر شاه
ظهرت شخصية نادر في الحرب الثالثة الأفغانية ضد بريطانيا كقائد للجيش الأفغاني، وبالرغم من أنه هيأ جيشه بالحدود التي تشرف عليها بريطانيا بالهند، فلم يكن ذا ميول بريطانية بل بالعكس، فقد كان مؤيدا لسياسة هجوم القبائل الأفغانية على الحدود الشمالية الغربية الهندية، ولكنه تراجع عن هذه المغامرة، فأصبح ينشد حسن الجوار، وربط علاقات طيبة بينه وبين بريطانيا بالهند، لاعتقاده بأن أمن القبائل أمر تستلزمه الضرورة في الحدود بالنسبة للحكومة الأفغانية.
كانت أعباء الحكم في عهده ثقيلة، خصوصا بعد الحكم الفوضوي الذي أرهق البلاد في عهد الثوار، ثم إن البلاد كانت موزعة سياسيا، فأعاد تنظيمها بعد مدة أربع سنوات. وفي 1932 أعلن دستورا جديدا للبلاد مع إنشاء مجلسين. وكان دستور نادر شاه شبيها بدستور أمان الله من بعض الوجوه، ثم أعلنت القوانين الجديدة التي كانت بمثابة تغيير للنظام الأوتوقراطي السياسي، وأزعج ذلك جماعة المحافظين.
كان يشغل بال نادر مسألتان : أولاهما الآثار التي نجمت عن ثورة باشا سقوة، وقد ٍرأينا كيف تغلب عليها. وثانيهما رجوع غلام نبي إلى روسيا حيث بدأ يعمل في الدس ضد الملك نارد. وكما هو معلوم فإن الحكم في البلاد كانت تتقاسمه قوتان، الأولى : وهي شخصية الملك. والثانية : رؤساء القبائل وهؤلاء يستشارون في المجلس الكبير«لؤى جيركا».
شغل إخوان الملك نادر مناصب وزارية هامة، فقد تولى رئاسة الوزراء محمد هاشم خان من 1924-1946 ثم عين شاه والي خان وزيرا في باريس، وعهد إليه أن يراقب أمان الله بمنفاه في جميع حركاته وسكناته، كما أسندت إلى أخيه محمود شاه خان القيادة العليا للجيش الأفغاني،  أما وزارتا الشؤون الخارجية والتعليم فقد أسندت إلى أتباع الملك.
قامت سياسة نارد خان على إيجاد التوازن بين الدولتين روسيا وبريطانيا؛ وتحقيقا لذلك، فقد استعان بكثير من الخبراء الجانب في جميع المسائل الفنية. وفي سنة 1930 قامت حوادث على الحدود هددت العلاقات الأفغانية السوفياتية خصوصا بعد أن مرت على حكم نادر نصف سنة. فلم تكن الأقاليم الشمالية قد خضعت بعد لحكمه، ذلك أن الزعيم باسماشي في فرغانة، واحد شركاء إينفير، وهو إبراهيم بك، أصبحت في يده مقاليد الهيمنة السياسية على هذه الولاية، فأراد أن يجعل من التركستان الأفغانية قاعدة لشن هجومات ضد السلطات السوفياتية، ولم يجد الروس بدا من تسيير قوات عسكرية اخترقت منطقة الأوكسوس بمسافة أربعين ميلا داخل التراب الأفغاني، وتسبب ذلك عن رد فعل قوي لدى الأفغان، فتحركت قوات أفغانية متجهة إلى منطقة الأوكسوس، وبعد معركة صغيرة دفعت إبراهيم بك إلى اختراق الحدود الأفغانية، ولتجنب سوء العلاقات في المستقبل مع روسيا، إلتجأ نادر إلى التخلص من اللاجئين المقيمين في التركسان الأغانية ولاسيما جماعة البخاريين.
ولم يستمر حكم نادر طويلا، فقد اغتيل في نوفمبر 1933 من طرف أحد أعدائه، فتولى بعده ابنه محمد زاهر شاه، قم تابع سياسة أبيه بتوجيه أعمامه، فكانت سياسة واقعية حذرة. وفي سنة 1937 انضمت أفغانستان إلى ميثاق سعداباد الذي ضم كلا من العراق وتركيا وإيران، ثم تعرضت العلاقات الأفغانية الإنجليزية إلى بعض التوتر المؤقت نتيجة لثورة شامي بير، فكان مواليا لأمان الله، وأخيرا اخترق الحدود الأفغانية من الهند، وانهزم في معركة مع قوات الحكومة الأفغانية.

أفغانستان والحرب العالمية الثانية
لزمت أفغانستان الحياد خلال الحرب العالمية الثانية، ففي سنة 1944 عزم البريطانيون والروس على احتلال إيران، فطلبوا من أفغانستان أن تتخلص من مواطني دول المحور المقيمين بأراضيها، واجتمع مجلس رؤساء القبائل «لؤى جيركا» للتباحث في الأمر، وأخيرا وافق المجلس على رغبة الحكومة القاضي بالتنازل عن طلب الحلفاء.
لقد تضررت أفغانستان اقتصاديا بسبب هذه الحرب، فقد اعتمدت على روسيا خصوصا في تجارتها الصناعية المستوردة من هذه الأخيرة، فانقطعت عنها، مما جعل أفغانستان تستورد من الهند، وتميل إلى السياسة البريطانية. ففي سنة 1944 عرضت بريطانيا على أفغانستان عقد اتفاقية لغرض تدريب ضباط الجيش الأفغاني بالهند، وقدم بالفعل مائتا ضابط أفغاني للتدريب في المراكز البريطانية، ثم افتتحت مفاوضات أخرى لغرض تسليم الفائض من الأسلحة البريطانية إلى أفغانستان بعد انتهاء الحرب، وهذا ما جعل رغبة أفغانستان تزداد في استخدام الخبراء الإنجليز في مثل هذه الميادين العسكرية، ثم شرع بعد ذلك في إنشاء معامل النسيج، وازداد نشاط القنصل البريطاني في كابول، هذا بالإضافة إلى وفود رجال التعليم البريطانيين التي أخذت تفد على أفغانستان، فتأسست المدرسة الثانوية الرابعة في العاصمة إضافة إلى المدارس الثانوية الثلاث لكل من ألمانيا وفرنسا وأمريكا. ثم ساهم الروس أيضا بدورهم في الميدان الثقافي فنظموا رحلات كثير من رجال الثقافة الأفغانيين إلى طشقند. وفي هذه الأثناء تنازل رئيس الوزراء هاشم خان وتولى بعده أخوه الشاب محمود خان سنة 1946.
وأول عمل قام به هو إطلاق سراح المعتقلين السياسين، وتم تدشين أول جامعة في كابول سنة 1946 ثم تلتها سلسلة من المدارس الثانوية للبنين والبنات بالرغم من سخط رجال الدين. عملت الحكومة على مجابهة هذه المعارضة بان فتحت كليات للدراسات الدينية، وكانت هذه إلتفاتة ذكية من الحكومة.
الحاجيات الاقتصادية
ظل الاقتصاد الأفغاني يشكو ضعفا رغما عن التوازن الذي تحقق لدى الحكومة من دولار أيام الحرب. فقد بقي ثلثا الشعب الأفغاني يعيش على حياة الرعي، ومن الواضح أن أفغانستان كانت تريد أن تحقق تقدما ماديا، فهي محتاجة إلى مضاعفة صادراتها خصوصا في الفواكه والجلود (جلود الخرفان) وتحملت بضاعة الجلود خسارة كبيرة بسبب مزاحمة روسيا لها، يضاف إلى ذلك من ناحية أخرى مناقشة جنوب غربي إفريقيا.
وأثناء هذه الظروف التجأت أفغانستان إلى الولايات المتحدة، وخصوصا مع شركة موريسون كنودسون بولاية اداهو لتحقيق بعض المشاريع الفنية مثل إنشاء الطرق، ومد القناطر والسدود ثم تصميمات كهربائية وقنوات للري، كان الطريق الممتد من كابول إلى كاندهار من إحدى إنجازاتها، كما أن أهم مشروعات الشركة يقع على نهر هيلماند بإقامة سد عليه، الأمر الذي نتج عنه نزاع بين إيران وأفغانستان، ذلك لأن إيران ترى في إنشاء هذا السد سببا في نقصان مياه بحيرات سيتان التي تستفيد منها. وهناك مشروع آخر للتنقيب عن البترول فقد تقدمت الشركة «انلاند» بمفاوضة الحكومة لهذا الغرض، إلا أن النتائج كانت هزيلى. ثم قامت محادثات اخرى بين الشركة الأمريكية للطيران «الخطوط الجوية العالمية» فأنشأت فرعا لها يربط كابول ببعس دول العالم. وفي سنة 1948 رفع التبادل الدبلوماسي من درجة مفوضية إلى سفارة علما بأن التبادل تم بينهما سنة 1943 وفي سنة 1948 قام وزير الاقتصاد الأفغاني عبد المجيد خان بزيارة الولايات المتحدة لطلب المساعدة الفنية. فتم له النجاح. ثم تقدم بنك الاستيراد والتصدير سنة 1949 بالولايات المتحدة بقرض إلى أفغانستان مقداره21.000.000 دولار لغرض التجهيز، تلاه طلب آخر من الحكومة الأفغانية إلى البنك الدولي بأن يقدم لها مساعدة مالية.
بالرغم من أن أفغانستان لم تعلن الحرب على دول المحور فقد قبلت بهيئة الأمم المتحدة سنة 1946 ولعبت هذه المنظمة دورا هاما في تجهيز أفغانستان، ففي سنة 1950 وصلت بعثة من الخبراء الاقتصاديين لدراسة حاجيات أفغانستان برسم برنامج المساعدة الفنية.
امتاز العلاقات الأفغانية السوفياتية بانها ظلت قبل الحرب وبعدها تتسم بالمسألة، فلقد حلت كثير من القضايا المعلقة بين البلدين كمشاكل الحدود، والأراضي الواقعة على نهر الأوكسوس، والحقوق في مياه واحات كوش، فسويت كلها بواسطة لجنة أفغانية سوفياتية. ثم أعيد العمل بالاتفاقية التجارية سنة 1948 بين البلدين، فأخذت روسيا تصدر السكر والقطن والبضائع بأنواعها ثم البترول. كما لم تكن هناك وكالات تجارية منبثة داخل البلدين، وإنما كان تسليم البضائع يع في نقط معينة على الحدود تجنبا لكل نفوذ سياسي.
كانت أفغانستان تتخوف من التقدم الفني والزراعي الذي أحرزت عليه دول آسيا الوسطى، فبدأت تولي ذلك اهتمامها الكبير، زد على ذلك أن أفغانستان كانت تعتبر تركستان الأفغانية النقطة التي يمكن ان يمتد منها نفوذ الاتحاد السوفياتس، فبدأت الحكومة الأفغانية بالفعل تنقل بعض البد الأفغانيين من الجنوب، وذلك لزراعة الأرض بالشمال، وأفغانستان كبقية البلاد الإسلامية، لم تكن تشكو فرقا كبيرا في الثروة فالبلد بصفة عامة كان فقيرا، ومع ذلك فإن روسيا لم تبادر بإرسال وكلائها إلى أفغانستان ليتخذوا منها منفذا إلى الهند والباكستان كما كان نشاطها من قبل. والدعاية الشيوعية في أفغانستان لم يكن لها مظهر بارز، ولكنه سيكون من غير الحكمة أن نتغاضى عن مفعولها لدى قبائل الأوزبيك والتاجيك والتركمان الذين يعيشون على الحدود موزعين بين أفغانستان والاتحاد السوفياتي. فالملاحظ أن هؤلاء المواطنين أصبحوا يعيشون في نظام اقتصادي اشتراكي بالشمال. في حين ظل الجنوب متأثرا بالشروط الأولية للمجتمع الشرقي البطء الحركة.
أما إمكانيات الجيش الأفغاني فلا تستطيع أن تواجه أية قوة كبيرة باستثناء مجابهة أي نشاط في الدخل، ولم تكن منطقة هندوكوش تمثل عقبة كلودا أمام جيش منظم عصري إذا حاول اجتيازها، فالمسألة مسألة أيام فقط إذا ما أرادت القوات السوفياتية اجتياز الحدود الكشميرية والباكستانية.
كانت نهاية الحكم البريطاني للهند سنة 1947 مما عقد مشكلة «حراس منطقة هندوكوش» لقد عوضت بريطانيا بدولتين ضعيفتين : أفغانستان وباكستان، فالأولى مهتمة بأمنها الداخلي وأصبحت بكيفية آلية أكثر تعرضا للضغط الروسي، ثم أن العلاقات الأفغانية الباكستانية تعرضت لازمة عنيفة منذ ظهور الباكستان على المسرح الدولي، وذلك بسبب الإقليم الواقع في الشمال الغربي من الحدود، والذي توجد به ملايين من قبائل الباتان، فيجب إذن تحديد مستقبلها وكيفية خضوعها للحكومة الأفغانية، وقد رفض المسؤولون الباكستانيون ذلك. ونتيجة لذلك فقد ورثت الباكستان المنطقة الجنوبية من خط ديورانت، ومنذ ذلك الحين أخذت أفغانستان تعمل على إنشاء دولة مستقلة تفصل ما بين باكستان وأفغانستان تسمى «باكتونيستان» ثم تطورت العلاقات بينهما إلى أحداث خطيرة على الحدود بسبب التوتر الذي سيطر على هذه العلاقات خصوصا في الفترة ما بين 1947-1949.
وفي سنة 1950 توصل الطرفان إلى حل موقت بعد تدخل الحكومة البريطانية لدى الحكومتين المعنيتين، فبالرغم من تحرر باكستان، ظل الضباط البريطانيون يشتغلون في المنطقة الشمالية الغربية، وكان الوكيل الباكستاني السياسي في منطقة كيتا بريطانيا. ونظرا إلى أن باكستان عضوة في الكومنويلث، فقد وجدت التأييد منه. هذا بعد أن ظلت لبريطانيا مصالحها وأهدافها السياسية في منطقة هندوكوش، وبالرجوع إلى النزاع بين الشرق والغرب يجب أن توضح بان روسيا لم ترغب في التدخل في شؤون أفغانستان، بل اعتبرتها طريقا للهجوم على شبه القارة الهندية. ففي سنة 1950-1951 ظهرت روسيا وكأنها تريد ان تحتضن الهند شرقا من خلال الصين وبورما، وهذا ما يوضح لماذا كان هناك هدوء في الجبهة الأفغانية.

علاقات أفغانستان الخارجية سنة 1950
في بداية شتنبر 1953 تخلى محمود شاه خان عن منصبه كرئيس للوزارة بعد سبع سنوات، وخلفه الجنرال محمد داود خان الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع، فلم يحدث تغييرا هاما في هيكل الحكومة. وظهر هذا الوزير وكأنه يريد أن يدفع بفكره دولة باكتونيستان لتخرج إلى حيز الوجود. ففي 28 ديسمبر 1953 طالب بريطانيا أن توافق على إعادة النظر في معاهدة كابول سنة 1921 غذ فيها تأكد خط ديورانت كحد فاصل بين أفغانستان والهند. وعلى ذلك، فعندما اعترفت بريطانيا بسيادة باكستان الكاملة في 15 أغسطس 1947 أصبحت تمثل قوة ذات سيادة في جنوب أفغانستان، وبدأت الحكومة الأفغانية تواجه الدولة في كل القضايا التي تتعلق بالحدود، كما ظلت مشكلة باكتونيستان التي تتزعمها أفغانستان مصدرا عائقا لتحسين العلاقات بين الدولتين. ذلك أن وجهة نظر الحكومة الأفغانية تنحصر في أن قبائل الباتان لهم من الحق ما يسمح لهم بقيام دولة تشملهم بحيث تحتل المنطقة الواقعة ما بين جنوب حدود أفغانستان ونهر الهندوس. وإذا أخذنا هذه المنطقة بكاملها، فهي تضم جزءا كبيرا من باكستان، ويمكن أن تمتد إلى العاصمة «كراتشي» وكذا بلوخستان، والإقليم المحادي لحدود إيران، والمحيط الهندي، مثل هذا الطلب يحتاج إلى ما يسنده من حجج تاريخية وقانونية. لقد قال الأفغانيون ك أن أفغانستان لا تطمع في هذه المنطقة وإنما تنحصر رغبتها في قيام دولة مستقلة، ومن شأن هذا أن يرضى عنه الباتان. ورفضت الباكستان هذه الفكرة، والتي تقوم على افتئات حقوقها بالحدود. ومنذ مارس 1955 أصبحت الحكومة الباكستانية تهتم بمشكلة باكتونيستان خصوصا عندما ظهرت الفكرة بمظهر قوي، فقد أعلنت الحكومة الباكستانية أنها قررت إلغاء التقسيمات السياسية التقليدية، وأنها تحول كل غربي الباكستان إلى إقليم واحد. كان رد فعل محمد داود في خطاب انتقد فيه موقف الحكومة الباكستانية على هذا القرار المعادي لأفغانستان، ثم حذر الحكومة الباكستانية من قيام إحداث خطيرة قد تنجم عنه. وفي اليوم التالي قامت مظاهرات يقودها 15.000 متظاهر فهاجمت السفارة الباكستانية بكابول وتم نهيها مع تخريب أمتعتها كما أنزلوا العلم الباكستاني. ثم جرت هجومات مماثلة ضد القنصليات الباكستانية في جلال بادوو كاندهار، فلم تتدخل الشرطة الأفغانية لقمعها، وهكذا وجدت هذه الحوادث صداها الاستنكاري في باكستان حيث تطورت إلى هجوم ضد القنصليات الأفغانية في بيشاور. وفي فاتح أبريل طلبت الحكومة الباكستانية من أفغانستان أن تقدم اعتذارا رسميا، وتعويضا مشرفا. ثم استدعت ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين ليلتحقوا بالبلاد من أفغانستان، وأغلقت بعد ذلك الحدود، وتوقف كل تعامل تجاري بين البلدين. 
بدأت العلاقات ترجع بين الدولتين خصوصا بعد أن عرضت كل من مصر والسعودية وساطتهما للحيلولة دون استمرار النزاع، فقبلتا ذلك، وأخيرا بذلت كل من العراق وتركيا مساعيهما الحميدة بعد أن وقعا على ميثاق حلف بغداد، وقبلت باكستان هذه الوساطة شريطة أبعاد كل ما يسمى بباكتونيستان، ثم بدأت العلاقات تتحسن بينهما تدريجيا. وأثناء الحفلة التي حضرها وزير الخارجية الأفغاني السردار نعيم خان بسفارة باكستان بكابول تفضل برفع العلم الباكستاني على بناية الشفارة، كما سمحت الحكومة الباكستانية مقابل ذلك بعودة النشاط التجاري عبر الحدود، وظهر أن هذا الانقطاع كان له آثار هامة على أفغانستان ولاسيما فيما يتعلق باستيراد الإسمنت والكازولين والأقمشة. ومن هنا ظهر إلى أي حد يمكن للباكستان أن تؤثر على أفغانستان اقتصاديا إذا ما التجأت إلى إقفال الحدود كوسيلة للضغط. ومع ذلك ظلت مشكلة باكتونيستان بدون حل، فأفغانستان لم تكن تفوتها فرصة إلا وأثارت هذه المشكلة. وفي 19 نوفمبر من نفس السنة استنكر رئيس وزراء الباكستان شودرى محمد علي نشاط الدعاية الأفغانية بأرض الباتان. وأثناء إعلان استنكاره كان مجلس «لؤى جيرجا» -وهو مجلس يضم رؤساء القبائل كما رأينا- يجتمع أعضاؤه لدراسة المشكل القائم بين أفغانستان وباكستان، فلقد تقدم رئيس مجلس الوزراء داود خان فأعلن بأن : «ميزان القوى بين باكستان وأفغانستان قد هدمته باكستان بتحالفها العسكري مع الولايات المتحدة» وكان أمام المجلس أمران :
أولهما : هل تستمر أفغانستان مطالبة بالمنطقة المتنازع وهي منطقة الباتان ؟.
ثانيهما : هل تتخذ أفغانستان خطوات لا عادة ميزان القوى بينها وبين باكستان ؟.
ففي 20 نوفمبر تقدم خمسمائة عضو في المجلس المذكور بثلاث قرارات.
أولهما : التأييد التام لسياسة داود في المطالبة بالمنطقة المتنازع عليها. ثانيهما : تخويل الحكومة السلطة في إعادة ميزان القوى بين البلدين. ثالثها : رفض الاعتراف بباكتونيستان كجزء من أراضي باكستان. ومن هذه القرارات يظهر بكل وضوح أن أفغانستان لن تعاود المطالبة بهذه المنطقة سيما وأن باكستان مرتبطة عسكريا بالولايات المتحدة، وكان أمام أفغانستان أن تتجه نحو روسيا طلبا للعون والتأييد.
وفي هذه الأثناء أخذت الأحداث تسير بسرعة، فبعد ارفضاض المجلس المذكور بشهر كامل، قام بزيارة أفغانستان كل من بولجانين وخروتشوف حيث كانا يقومان بزيارة بعض دول آسيا وأعرب الزعيمان عن تأييدهما المطلق لوجهة النظر الأفغانستانية في مشكلة باكتونيستان، ثم قدما مساعدة فنية واقتصادية إلى حكومة كابول مع دفعة من الأسلحة بمختلف أنواعها وانتهت هذه الزيارة بتقديم قرض قدره مائة مليون دولار تدفع على أقساط كما أعربت الدولتان عن تمسكهما بالتعايش السلمي، ثم أعيد النظر في المعاهدة المعقودة بين البلدين لسنة 1931 والمعروفة بمعاهدة الحياد وعدم الاعتداء وتقرر العمل بمقتضاها.
كان للاتفاقيات التي عقدها الاتحاد السوفياتي مع أفغانستان أصداء عظيمة لدبلوماسيته بآسيا، إذ قوى التقارب بين الدولتين وفي 1950 تقدمت روسيا لبناء خزانات البترول وإنشاء الطرق بأفغانستان، وفي صيف 1954 قبلت أفغانستان قرضا آخر من الاتحاد السوفياتي يقدر بـ 8.000.000 دولار لتحقيق مشاريع عدة منها مستشفى في جلال باد وخزانات البترول في كابول وكذا في حيرات، ومزار الشريف وكيليف، ثم مدت أنابيب البترول بين مزار الشريف وتيرميذ، وتقع هذه الأخيرة على حدود الاتحاد السوفياتي. وفي سنة 1955 بعث الاتحاد السوفياتي ثلاثمائة خبير وكذلك من تشيكوسلوفاكيا، ثم أعقب هذا النشاط الاقتصادي إرسال البعثات من الطلاب الأفغان الممنوحين إلى الاتحاد السوفياتي وفي سنة 1954 استلمت أفغانستان من تشيكوسلوفاكيا خمسة ملايين دولار كقرض لبناء معامل الزجاج والإسمنت والجلود.
وفي نفس الوقت استلمت أفغانستان من الولايات المتحدة الأمريكية قروضا استعمل معظمها في مشاريع عدة كالإدارة العامة والزراعة والغابات والري والسدود وقدرت بـ 40.000.000 دولار. لقد كان للزيارة التي قام بها الزعيمان السوفياتيان إلى أفغانستان والقروض التي استلمتها عقب هذه الزيارة آثار خطيرة على حلفاء أمريكا في هذا الجزء من العالم، فقد وقف داود خان موقفا محايدا من النزاع بين المعسكرين بل أصر على تطبيق سياسة الحيادة وعدم الاعتداء ضد روسا. كما رفض الدخول في حلف بغداد. ومن جهة ثانية حاولت أفغانستان أن تبقى علاقاتها مع الغرب يسودها الود حتى تضمن المساعدات الاقتصادية التي تسلمتها منه.
        

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here