islamaumaroc

تأملات في التشريع الإسلامي

  دعوة الحق

59 العدد

أبو بكر زنيبر من العلماء الذين يقترن اسمهم بتاريخ حافل في الوطنية والكفاح، ومن الفقهاء الذين عاشوا مشاكل عصرهم بوعي وإدراك كبيرين، وقد عرف فيه معاصروه مثال النزاهة والاستقامة وهو يتولى القضاء في عدة مدن، وعرف فيه الذين حضروا مجالس علمه وتتلمذوا عليه صورة العالم الواسع الاطلاع الملم بمرامي الشريعة والملائم بين مقاصدها ومقتضيات العصر، ولم يستطع الاستعمار أن يصده عن غايته أو ينال من إيمانه رغم عزله أحيانا وتعرضه لمحنة السجن والعذاب سنة 1944 كان المرحوم يراسل عددا من المجلات في الشرق ويجيب على أسئلتها فيما يخص ميدان الشريعة الإسلامية، وقد كتب عددا من الكتب ما تزال مخطوطة منها : جهود الإسلام في ترقية الأنام، الحجاب من الوجهة الشرعية، تفسير القرآن الكريم، المهر في الإسلام وقد ترجم هذا الأخير ونشر في اللغة الفرنسية، والمقالة التي ندرجها اليوم مقتبسة من مخطوطه في تفسير القرآن. استأثرت رحمة الله بالفقيد سنة 1956.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز (وإن من أمة إلا خلا فيها ندير)، بمقتضى هذه الآية الكريمة يكون تقدم في كل أمم الشرق والغرب والشمال والجنوب مثل الصين وجزر اليابان وأستراليا والهند وفارس وإفريقيا وأوربا وأمريكا مرسلون لا محالة، ويقول في آية أخرى بعد ذكر الرسل عليهم السلام: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليط.
وقد استقرأنا من ورد ذكرهم في القرآن من النبيئين والمرسلين وأممهم، فلم نجد دائرتهم تخرج عمن كان منهم في جزيرة العرب كهود وصالح عليهما السلام، وما حولها من العراق والشام وفلسطين ومصر كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهارون وعيسى عليهم وعلى غيرهم من ربهم السلام.
وذكر آدم عليه السلام في القرآن ليس من جهة كونه نبيا وسط أمة يبلغها أوامر الله ونواهيه، ويبشرها وينذرها ويوجهها إلى ما فيه سعادتها، وإنما ذلك من جهة كونه جدا للبشر أكرمه الله بخلافته عنه في الأرض وبإسجاد ملائكته فحسده إبليس على ذلك وتوثقت العداوة بينهما وبين ذريتهما إلى انقراض الدنيا وكذلك إشارة القرآن إلى قصة قابيل وهابيل إنما هي قصة شخصية وقعت لأخوين لا دخل لأمر النبوة فيها.
وعليه فما الحكمة في قصر قصص القرآن على بعض أولئك الرسل مع أممهم؟ الذي ظهر لنا من ذلك أن أحاديث هؤلاء الرسل عليهم السلام مع أممهم التي ذكرت في القرآن كان العرب وبنوا إسرائيل الذي كان القرآن يجادلهم بالخصوص معروفة لديهم ولو على سبيل الأجمال، بل أحاديث أنبياء بني إسرائيل مع أممهم كانت معروفة لبني إسرائيل على سبيل التفصيل، فوجب أن يحتج على كلا الفريقين بما يعلمان ويسلمان، إذ الحجة لا تقوم على الخصم إلا بما يعلمه ويسلمه ويقره، أو بما شأنه أن يعلمه ويقره وأن لم يقربه بالفعل استكبارا وعنادا وترفعا عن الحق لاسيما وعقلية هؤلاء الأمم المذكورة في القرآن قريبة من عقلية العرب وبني إسرائيل المحتج عليهم بأمواتهم وبما وقعوا فيه من جراء مخالفتهم لأنبيائهم، وذلك من حيث الدم والجوار والمناخ والأحوال الاجتماعية المتوارثة فيما بينهم جيلا بعد جيل، فذكرهم والاحتجاج بهم في القرآن بالخصوص مظنة التأثير على عقلية العرب وبني إسرائيل وتفكيرهم، وليس كذلك أمم الصين واليابان وأندونيسيا والهند وإفريقيا وأوربا وأمريكا وما سواها من الأمم البعيدة، فأحوال هذه الأمم مع رسلهم والأخبار بما في القرآن على جهة الاحتجاج على العرب وبني إسرائيل بعيد التأثير على كل من العرب وبني إسرائيل حيث كانوا لا يعلمون منها شيئا لا جملة ولا تفصيلا، وكذلك عقلية هذه الأمم بعيدة عن عقلية العرب وبني إسرائيل حيث لا يجمعهم بهم دم ولا نسب ولا جوار ولا غير ذلك مما يقربهم لبعضهم ويجعلهم يتأثرون بما يتأثر به البعض منهم.
إن مدار التشريع غالبا لدا الأمم والدول هو الأحوال الاجتماعية والعوائد المألوفة للناس وقت التشريع، فلهذه الأحوال قوة التأثير على التشريع جملة وتفصيلا إذ لولا مراعاتها لعارضت الأمم فيه، واستحال الأمر إلى فساد، وانحلت الرابطة بين الأمم وحكوماتها، ووقعت الفوضى والمضاربة بين فريقي الأمة والحكومة، حيث أن الناس مجبولون على اعتناق عوائدهم ومألوفاتهم، ولو أدى الأمر إلى ما أدى، ومن أقوال الحكماء الجارية مجرى المثل: (العادة طبع خامس)
وأغلب ما كان يكون بين الملوك المستبدين وأممهم من قيامهم عليه ومحاربتهم أة عزلهم بالكلية، هو عدم مراعاة أحوالهم في التشريع الذي يشرعونه، إذ كانوا أكثر ما يكونون مغرقين في ملذاتهم لا هم لهم إلا استحصال هذه اللذات، ولا ينظرون في مصالح أممهم ولا عوائدهم وما لحفظها عليهم إلا تبعا، فتقع الكارثة، إلى أن تمكنت الأمم المتمدنة في هذه العصور الأخيرة من حصر دائرة نفوذ ملوكهم بجعلهم بمعزل عن دائرة التشريع بالكلية، وجعل هذا التشريع بين طائفتين من نواب الأمة الأولى تسمى (مجلس النواب) وهي التي تتولى التشريع مباشرة، والثانية تسمى (مجلس الشيوخ) وهذه الطائفة شأنها أن تتصفح ما شرعته الطائفة التي قبلها فتنبه على ما فيه من مضار ومنافع وخطأ وصواب.
وقد راعى الإسلام في تشريعه الأحوال الاجتماعية إذ ذاك كل المراعاة، فنرى القرآن أولا لم يكثر من درس مسائل التشريع وإنما، ذكر منها ما دعت إليه الضرورة وقت التنزيل، وغالب ما ذكر في نظرنا منها ما كان متعلقا بالأحوال الاجتماعية كبعض مسائل النكاح والطلاق وما يتبعهما، وكذلك بعض مسائل الإرث، والنظر في أموال اليتامى وحفظها لهم، وترك غالبية مسائل التشريع إلى اجتهاده (صلعم) أو اجتهاد أولي الأمر من بعده وهم العلماء الذين فيهم الكفاية والقدرة على ذلك كما يفيد ذلك قوله تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) إذ النوازل الكلية والجزئية لا حصر لها حتى يمكن أن تحصى في القرآن الكريم، وحتى يمكنه أن ينص عليها ويبينها تفصيلا.
ونراه ثانيا بحسب ما ظهر لنا أنه قسم المسائل التي حكم فيه إلى ثلاثة أقسام : الأول ما كان شائعا في الأمة جميعها ولا تمكن معارضته لما فيه من الضرر ونسخه بالكلية، وذلك كتعدد الزوجات وكتعدد الطلاق، وكامتلاك الرقيق، وكجعل الولي على الأنثى في النكاح، وكجعل نصيب الذكر في الإرث ضعف نصيب الأنثى.
فإن هذه الأمور وإن كان فيها الضرر المشاهد على فريق للفريق الآخر، إذ كيف يسيغ عند الأنثى ويرضيه إن تذل وتهان لزوجها بإشراكه إياها في عصمته لزوجة أو أكثر إلى أربعة، وما يتبع ذلك من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت، وغير ذلك من حقوق الزوجية كالإرث بعد الموت، ثم كيف يسيغ عقلها ويرضى أن تكون دائما معرضة لإذلاله بالطلاق، وكيف يسيغ عقل البشر أن يملك أحد أفراده فردا أو أفرادا آخرين من جنسه وهو مثله في قوة العقل والإدراك والقدرة على الاكتساب والتمتع بسائر ملاذ الحياة وغير ذلك، وكذلك كيف يسيغ عقل الأنثى أن تحجر ويملك عليها أمرها وحريتها عند العقد لولي نكاحها كأبيها وغيره من الأولياء، وكيف يسيغ عقلها أيضا أن يكون نصيبها من الإرث على النصف من نصيب الذكر.
غير أن الإسلام راعى هذه الأضرار كل المراعاة وأدخل في بعضها إصلاحات عديدة حيث لم تكن الأمة قابلة إذ ذاك لمحوها وإزالتها من الوجود لكونها كانت شائعة متفشية فيها راضيا كل فريق بما امتاز عليه به الفريق الآخر.
ألم يكن الرجل قبل الإسلام يجمع بين ما شاء من الأزواج في عصمته ولو بلغن مائة فأكثر؟ ألم يكن الزوج إذ ذاك يطلق زوجه ما شاء من الطلقات ولو مائة ويردها إلى عصمته كلما أراد؟ ألم يكن الرق متعارف معمولا به لدا كافة الأمم والدول؟ ألم يكن الرجل يتحكم في بنته بالقتل فما دونه من الأضرار من غير أن يجد معارضا له في ذلك؟ فكيف تفلت من يده وقت النكاح وتكون لها الحرية المطلقة في ذلك في غير الأب من أولياء النكاح، ألم تكن الأنثى محرومة إذ ذاك من الإرث بالمرة إلا في أحوال استثنائية، بل ألم تكن الأنثى في المجتمع العربي وغير العربي شيئا غير مذكور لا يؤبه به ولا يلتفت إليه، وإنما نلاحظ على أنها متاع من أمتعة الذكر.
فلما رأى الإسلام هذه الأشياء وتمكنها من الأمة كل التمكن، وأن معارضتها ونسخها بالكلية ربما أدخل على الأمة وعلى الإسلام أضرارا جمة، عمد إلى إصلاحها فقصر الرجل الذي كان له التمتع بمن شاء من الأزواج على أربع زوجات فقط ريثما يضعف هذا التعدد مع طول الزمان من تلقاء نفسه، ومن مقتضيات الكلف المدنية وغير المدنية الملقاة على عاتق الذكور سواء من تلقاء كلف الزوجات أو تلقاء كلف الحالات الاجتماعية عموما، ومن تلقاء كلف ضرائب الدولة، وهذا الضعف في تعدد الزوجات هو المشاهد في وقتنا سواء في الحواضر أو البوادي، فإنك لا تجد الواحد في الألف من أهل المدن له زوجتان ولا تجد الواحد في الألف من أهل البوادي له أكثر من زوجتين، وتجد غالب التعدد للزوجات في البوادي إنما يأتي من قبيل كثرة كلف البادية بمثل المسقى والمحتطب وكلف الماشية وغير ذلك من الكلف.
ثم قصر طلاقه الذي كان لا حد له على ثلاث تطليقات إذ أن الطلاق من ضروريات الاجتماع إذ كما يتسبب الاجتماع في ربط الذكر بالأنثى بواسطة النكاح لذلك يتسبب في افاراقهما بواسطة الطلاق لأمور تقتضي ذلك.
وحيث قصر الإسلام الطلاق على ثلاث مرات صار الزوج كلما صدر منه طلاق لزوجه أحس بضيق خناقه فيها وتوقع رفع يده عليها بالمرة، وإفلاتها منه إذ أوقع عليها الطلقة الثالثة، فعزت بذلك لدا زوجها ولدا المجتمع في الجملة وبذلك قل الطلاق في الأمة كثيرا، حتى أنك لو أحصيت الطلقات التي تقع شهريا في المدن التي يبلغ عدد سكانها المليون فأزيد لوجدته شيئا تافها بالنسبة لعدد أولئك السكان ونرى لزيادة تقليل الطلاق ما أمكن، أن تضع حكومات الإسلام عقوبات مختلفة الأقدار على من طلق زوجه لغير سبب معقول ثابت ببينة أو بإقرار الزوجة أو يقرأن الأحوال، كمن يحلف لا أفعل كذا فيفعله حيث أهام زوجه وعرضها للطلاق بأمر خارجي، فالطلقة الأولى عقوبة مالية خفيفة في الجملة بالنسبة للمطلق إن لم يكن له معها أولاد، فإن كان له معها أولاد فيزاد فيها بالنسبة لعددهم، حيث عرضهم لمحنة الفرقة الواقعة بين الأبوين والعداوة المترتبة بينهما من أجل ذلك زيادة على فرقة هؤلاء الأولاد عن أبيهم أو عن أمهم، ثم الطلقة الثانية تكون عقوبة أثقل من الأولى، ثم تكون عقوبة الطلقة الثالثة أشد من الثانية.
وذلك بناء أولا على الأصل في الطلاق المنع عليهما، وقد قال السيد عبد الرحمان العيساوي في تأليفه الذي سماه (لماذا أنا مسلم) ما نصه : وقد نص ابن عابدين في حاشيته وهي من أهم مراجع الفتيا والقضاء الشرعي على أن الأصل في الطلاق أنه حرام، وإن الإباحة إنما طرأت على حكم تحريمه للحاجة إلى الخلاص، فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من التحريم، ثم قال وهذا الحكم مأخوذ من قوله تعالى (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).
وثانيا على القول بجواز العقوبة بالمال إذ المسألة فيها خلاف كبير، أنظره في شراح العمل الفاسي لدا قوله:
ولم تجز عقوبة بالمال * أو فيه عن قول من الأقوال
كما أصلح حالة الرق من عدة وجوه فجعله واجب الحل والقضاء عليه بالمرة، وإن يخرج الرق حرا طليقا في ذاته وسائر أحواله، وذلك في بعض الأحوال، ومن جملة هذه الأحوال أن يتملك الإنسان أقرب القرابة إليه كأبويه وإن علوا وأولاده وإن سلفوا. وإخوته المباشرين لإخوته، ومن جملتها أيضا تشويه الرجل خلقة مملوكه قصدا، ومنها ما أوجبه الشرع من النظر في الأسرى بالمصلحة العامة، أما بالمن عليهم بالعتق، أو الفدية، أو الجزية، أو القتل، أو الاسترقاق، ولا يخفى أن الثلاثة الأقسام الأولى كلها من قبيل العتق وإطلاق الحرية التامة للرقيق، ومنها عتق رقبة مؤمنة عل كل من قتل غيره خطأ، ومنها نذو العتق والتزامه، والعتق بالسراية، كما إذا أعتق بعض مملوكه، أو أعتق حضنه من مملوك مشترك له مع الغير كما ذلك مقرر فيها وكفارتا اليمين، والظهار، وفي بعض الأحوال، وكفارة المفطر عمدا في رمضان في بعض الأحوال، وكإيلاده لأمته.
وفوق كل هذا دعا الناس ورغبهم في العتق مطلقا بمثل قوله (ص) كما في الصحيحين : (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه حتى فرجه بفرجه) وبالخصوص في مثل الكتابة والتدبير وفداء الأسرى من أسرهم ولو من مال الزكاة أو مطلق مال بيت المال أو أموال الأفراد.
قرر الإسلام كل هذا في حق المماليك بعد ما اعترف برقبتهم لمالكيهم ريثما يقل الملك بين الناس أو ينقطع بالكلية كما هو المشاهد اليوم في زماننا.
أما أولا فلان الأمم الإسلامية لن تبق لها قدرة على الحروب اليوم لضعفها وعجزها وتفرق شملها، ولا يخفى أن أصل الرق إنما هو آت من الحروب واستيلاء المحاربين على رقبات محاربيهم وتوزيعهم فيما بينهم.
وأما ثانيا فإن الدول العظام في الوقت الحاضر قررت أن أسرى الحروب لا يملكون، ويوزعون بين المحاربين كما كان الشأن في القديم، وإنما يبقون بيد الدول المحاربة إلى أن يتفق في شأنهم.
ودول الإسلام اليوم لا قدرة لها على خرق هذا الاتفاق لضعفها كما قدمنا.
نعم الإسلام لم يفعل شيئا آخر فيما قرره من ولاية النكاح لما في ذلك من المصلحة الراجحة إذ لو أعطى للأنثى الحرية التامة في اختيار الزوج لربما اختارت زوجا غير كفء لها، فكان ذلك ضررا على مجتمعها، وكذلك لم يقرر شيئا آخر في الإرث غير ما قرره أولا من جعل نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى لما على الزوج من كلف العائلة وغيرها دون الأنثى وبالله التوفيق أما القسم الثاني وهو ما كان شائعا في الأمة وهو ضار بالأخلاق والمجتمع، ولكنه غير شائع شيوع القسم الأول، وذلك كالخمر والميسر والربا، فإن هذه الأمور لم تكن شائعة بين الأمة كلها إذ الأمة التي كان يصل بها الفقر إلى أن تمكث الليالي الطوال ولا تجد ما تقتات به سوى الكلا وما أشبهه لا تطول يدها كل الطول أن تتخذ الخمر ديدنا، إذ الخمر إنما هو من دواعي الرفاهية والغنى، وقل مثل ذلك في الميسر والربا، ولذلك قضى عليه الإسلام بالكلية، وذلك بمثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) وبمثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين.. الخ).
أما القسم الثالث وهو ما كان شائعا في الأمة شيوعا مطلقا كالقسم الأول أو أكثر ولكنه غير ضار بالأخلاق ولا بالمجتمع كالبيع والكراء والتمتع بامرأة واحدة والطلاق الذي دعت إليه ضرورة الاجتماع بين الزوجين فقد أباحه الشارع إباحة مطلقة من غير مراعاة زمان ولا مكان ولا أحوال اجتماعية خاصة، ودللت بمثل قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) بناء على أحد التفسيرين في الآية، وبمثل قوله تعالى (ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فهاتان الآيتان يدخل فيهما عقود الكراء وما شابهها من عقود المعاملات، وبمثل قوله تعالى في الزوجية (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الواردة في مثل هذا الموضوع.
أما ما كان من مراعاة الاجتماع في التشريع لدا عصر الصحابة والتابعين واتباعهم فيظهر ذلك في استنباط الأحكام لديهم من الكتاب والسنة، وقد ظهر أثر ذلك فيما بين الحجاز وبين العراق، أما أهل الحجاز فحيث كان عيشهم بسيطا وأحوالهم الاجتماعية بسيطة تبعا لعيشهم، ولم تعقد أحوالهم مدنية راسخة ولا قوانين دولية، ولا اعتاد أهله ما اعترى الأمم المتمدنة من الانغماس في أنواع الملذات وكثرة الشهوات، والتطلع بسبب ذلك إلى الإفلات من مسؤوليات تشريع ما بضروب من وجوه الحيل. كان استنباط الأحكام من الكتاب والسنة لدا أولئك المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم وتطبيقها على أهل الحجاز من السهولة بمكان، وقل مثل ذلك في باقي جزيرة العرب ومصر والشام وأفريقيا والأندلس فإن أحكامها كلها كانت تبعا في التطبيق لأحكام الحجاز والمدنية المنورة.
أما العراق وما أدراك ما العراق، فإن المدنية الفارسية كانت راسخة فيه كل الرسوخ، وكذلك القوانين الفارسية ومن أجل ذلك كان يصعب فيه تطبيق الأحكام الشرعية على ظواهر نصوصها، فاحتاج المشرعون فيه إلى وجوه من التأويل وغيره لتطبيق بعض نصوص الأحكام الشرعية هناك فخالفوا أهل الحجاز في تشريعهم وكثر بينهم النزاع والخلاف حتى قال ربيعة وهو من أشياخ مالك لما استقدمه أبو العباس السفاح العباسي إلى العراق لاتخاذه مستشارا له هناك ورجع إلى المدينة حيث لم يرضه المقام هناك، قال ربيعة: رأيت قوما حلالنا حرامهم وحرامنا حلالهم، وقال أيضا كان النبي الذي بعث إلينا غير الذي بعث إليهم، وقال وكيع : والله لكان النبي الذي بعث بالحجاز ليس بالنبي الذي بعث لأهل العراق، وقال ابن شهاب الزهدي وهو من أشياخ ومجتهدي أهل المدينة يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود العراق ذراعا وقد طلب أبو جعفر المنصور من مالك وضع كتاب تجمع الناس عليه ويلزمهم بما فيه وأوصاه أن يجتنب فيه شواذ ابن عباس وشذوذ ابن عمر ورخص ابن مسعود وكان ابن مسعود استوطن من الصحابة العراق وتعاطى الاجتهاد وتطبيق الكتاب والسنة على الأحوال التي هناك.
ثم جاء الإمام الأكبر أبو حنيفة بن النعمان واتباعه، وتبعوا طريقة العراق في الاجتهاد والتشريع رعيا لحالة الاجتماع هناك، ولزمهم في ذلك تأويل بعض النصوص الشرعية كحكمهم على من لاط بذكر بالزجر فقط وعدم تطبيق أحكام الزنى عليه، أو عدم اعتبارهم بعض أحاديث الآحاد إذا عارضت القياس الصحيح، عللوا ذلك بأن الشريعة الإسلامية إنما أتت لسعادة البشر ورحمتهم قطعا، وإن ما يقضي العقل بأنه سعادة بطريقة القياس الصحيح للبشر ورحمة له أولى بالاتباع مما يكون مثار الظن كأحاديث الآحاد التي يظن أنها صدرت من النبي عليه السلام ولا يقطع بصدورها منه، وقد تصدى البخاري إلى الرد عليهم تلويحا في كتاب الحيل من صحيحه كثيرا وفي غيره قليلا وذلك فيما أجازه من الأعمال المخالفة لمقتضى بعض الآيات والأحاديث.
فهذا ما ظهر لنا في أسباب الخلاف الواقع في الاجتهاد في الأحكام بين أهل الحجاز وأهل العراق وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه تفطن قلبنا بأزمان متطاولة إلى هذه الأسباب، فإنه لما طلب منه هارون الرشيد أن يؤلف كتابا في الأحكام يعلنه على الكعبة ويلزم الناس بما فيه وتعلل له بأن أصحاب رسول الله (ص) تفرقوا في البلاد وكل منهم بلغ عن النبي عليه السلام ما سمعه منه فعمل به أهل تلك البلاد، فلذلك لا يقبل منه أن يلزم كل الناس بما رآه هو والف.
وبسبب مرونة الشرع الإسلامي وإمكان تطبيقه على أهل كل بلد بحسب عوائدهم وأحوالهم الاجتماعية كما رأيته بين تشريع أهل الحجاز وأهل العراق، كما تراه في اختلاف العلماء في كل زمان ومكان وترجيحهم من الأقوال بسبب مقتضيات وقتهم وبلادهم ما كان ضعيفا قبل ذلك أو تضعيف ما كان راجحا لهذا السبب حتى ألف العلماء المتأخرون ما ترجح وجرى به العمل في بلادهم من الأقوال الضعيفة بسبب ما اقتضى ذلك الترجيح، ومن هذه المؤلفات العمل المطلق والعمل الفاسي وشروحه، بسبب هذا كله وبسبب مرونة الشرع الإسلامي وقابلية تطبيقه على الناس في كل زمان ومكان قرر المؤتمر الدولي للقوانين المنعقد بهولندا في صيف سنة 1927 إن الشريعة الإسلامية تحمل العناصر الكافية التي تجعلها صالحة للتطور مع حاجات الزمان والمدنية، وقال الدكتور المجري المسلم الأستاذ بجامعة برابسة في كلمة له نقلها عنه مؤلف كتاب (لماذا أنا مسلم) بعد ترجمتها باللغة العربية، ليس في تعاليم الإسلام شيء لا يمكن تحقيقه عمليا وهي مفخرة عظيمة تميز بها عمن سواه إلى غير ذلك من أقوال العلماء المسيحيين الشاهدة بالفضل للإسلام وإمكان تطوره على مقتضيات الزمان والمكان.
بسبب مرونة الشرع الإسلامي وإمكان تطوره بتطور الزمان والمكان ينبغي لعلماء الإسلام بل يجب عليهم في هذا العصر وفي العصور المستقبلة أن يتهيؤا للاجتهاد ولا ستنباط الأحكام من الكتاب والسنة رأسا ومباشرة وتطبيقا على أحوالهم السياسية والاجتماعية وغيرها، فقد طال الزمان جدا بيننا وبين الأئمة المجتهدين الأربعة وأتباعهم واتباع أتباعهم، وتبدلت أحوالهم وأوضاعهم وأحوالنا وأوضاعنا، وحدثت في زماننا وسيحدث في الأزمان المستقبلة ما لم يكن يخطر ببال أولئك المجتهدين وأتباعهم حدوثه، حتى اضطر القابضون على زمام الدول الإسلامية في الوقت الحاضر ومنهم دولتنا أن يحدثوا أحكاما سموها (بالقوانين المدنية) لم يستقوها من الكتاب ولا من السنة ولا جعلوا الكتاب والسنة محك درسها واستنباطها وإنما قلدوا في وضعها الدول الغربية ونخشى إن طال الزمان أن تعم هذه القوانين سائر الأحوال بالأمم الإسلامية كلها وتبقى الشريعة الإسلامية معطلة لا قدر الله، فيصدق علينا قوله (ص) إن الله لا ينتزع العلم من صدور الرجال انتزاعا ولكن ينتزعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وقوله (ص) بدا هذا الدين غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء وإنه ليشتم من هذين الحديثين رائحة التوعد والتهديد لهذه الأمة وعلمائها في جمودهم وجلوسهم على مقاعد الكسل والتقليد لغيرهم وعدم اجتهادهم واستنباطهم من الأحكام ما يساير عصرهم ويصلح أحوالهم.
هذا ولنا شاهد عيان فيما ذكرناه من خشية تعطيل الشريعة الإسلامية وهي دولة تركيا التي صارت (لا  دينية) ولا تتقيد بالشريعة الإسلامية في سائر أحوالها وأحكامها هذه مدة من نحو ستين سنة.
وما صدر منها هذا الأمر الشنيع إلا نتيجة لما كانت اتخذته قبل ذلك من تقليد الأمم الأوربية.
ولذا ينبغي لعلماء الإسلام حفظهم الله الاجتهاد في إدراك أحكام الشريعة الإسلامية التي تقتضيها ضرورة الوقت أولا بدراسة الكتاب الكريم والسنة النبوية دراسة تفهم وتحليل لألفاظها وجملها وتراكيبها وما تقتضيه، لا مجرد دراسة تقليدية لمن تقدمهم من الأئمة فإن الكتاب والسنة كما هما لأولئك الأئمة الذين مضوا وكتبوا عنها، هي كذلك لعلماء الوقت وسواهم ثم بدراسة الخلاف الواقع بين الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة المجتهدين الأربعة الذين لا زالت مذاهبهم قبلتنا في الأحكام رضوان الله عن الجميع، ثم بالبحث عن سبب هذا الخلاف ومنسبه من الكتاب والسنة، وكيف طبق صاحب كل قول من هذه الأقوال على أحوال أمته وبلاده، ثم ينظر بعد ذلك في هذه الأقوال وما يناسب تطبيقه منها علينا، فإن لم يوجد منها ما يناسب تطبيقه علينا وذلك يفيد جدا اجتهادنا في استنباط حكمه من الكتاب والسنة مباشرة، ونحن معذورون في ذلك إذ ذاك غاية مقدورنا ونهاية ما استطاعتنا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
نعم لا يمكن تكوين هذا الفريق من الأئمة إلا بعد الحصول على الشهادة العالمية العليا التي تعطي اليوم في الجامعات الإسلامية لمن يسمون (العلماء)، كجوامع الأزهر والزيتونة والقرويين.
فمن هذه الشهادة الجامعية العالمية يبتدأ في تكوين أقسام طبقة المجتهدين ويجب على الدولة القيام بشؤونهم وواجباتهم قياما حسيا، بالإنفاق عليهم في الجامعة ثم بعد الخروج منها، إذ هذا القيام هو الذي يمكنهم من استعمال أفكارهم كي يكونوا قدوة للناس مسموعي الكلمة من كل كم الدولة والأمة وحينئذ يكونون مخاطبين بمثل قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وبمثل قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) وقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم لم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى، أما علماء الوقت المتخرجون من الجامعات الإسلامية في الوقت الحاضر فلا يمكن منهم الاجتهاد عادة لأنهم مقتصرون على درس فقه مذهبهم، قانعون بتقليد ما وجدوه فيه من الأقوال والخلاف لا يبحثون عن مصدر هذه الأقوال ومنشئيها ولا كيفية استنباطها من الكتاب والسنة أو تخريجه منهما وبالله التوفيق.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here