islamaumaroc

مع الأستاذ المختار السوسي في رحلاته "من خلال جزولة"

  دعوة الحق

59 العدد

كانت طبيعة البلاد المغربية في التاريخ هي العامل الثاني في تكوين الاتجاهات السياسية والثقافية والاجتماعية عبر القرون الغابرة في هذه البلاد...
فهذا التنوع في البيئة الجغرافية، من جبال متفاوتة في الارتفاع، متوازية في الاتجاه، من الغرب إلى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب، وهذه السهول والنجود والهضاب المتداخلة، والصحاري الشاسعة الأطراف، والأنهار المنحدرة من قمم الجبال وسفوحها في سائر الاتجاهات... هي في الحقيقة التفسير العلمي لأحداث التاريخ المغربي قبل أن يرتبط بتاريخ الإسلام وبعد ارتباطه...
لهذا كان تاريخ المغرب مفتقرا أشد الافتقار إلى جمع عدة معلومات عن الأقاليم المغربية في الشمال والجنوب وتنسيقها حسب أهميتها ليتأتى للمؤرخ أن يدرسها ثم يفسر الأحداث على ضوئها...
فكل إقليم في المغرب - لا فرق بين قمم الجبال، وسواحل البحار، ومجاهل الصحراء، والمدن الكبرى والصغرى - شاهد في التاريخ المغربي القريب والبعيد ميلاد عدة أحداث وقضايا سياسية ودينية واجتماعية .. علمنا منها شيئا وغابت عنا عدة أشياء، بسبب إهمال المؤرخين واستهانتهم بها، مع أنها في الغالب لا تخلو من فوائد، إن لم تفد المؤرخ السياسي أفادت المؤرخ الأدبي أو الاجتماعي..
ولا نحتاج إلى شرح هذه الحقيقة بأكثر من هذا، وإنما نريد أن نضيء بها الطريق للحديث عن كتاب جديد سار مؤلفه في هذا الاتجاه وآمن أصدق الإيمان بهذه الحقيقة فكتب هذا الكتاب القيم المفيد...
والكتاب يحمل عنوان « من خلال جزولة »، جمع فيه المؤلف مشاهداته في رحلاته الأربع التي قام بها لإقليم سوس: جباله وقراه ومدنه ومعالمه التاريخية ومدارسه العلمية.. وقد قسم كتابه إلى أربعة أجزاء: جعل كل واحد منها خاصا برحلة لناحية في ظرف خاص.
وقد سلك المؤلف في أسلوب الكتاب مسلكه المعهود في جمع المعلومات كما هي، وكيفما اتفق، فنجده في الجزء الأول يستعمل أسلوب اليوميات، طيلة رحلته الأولى. ففي كل يوم يدون ما قام به من زيارات وما شاهده وما سمعه وما لفت نظره في اقتضاب حينا وتطويل أحيانا. وفي الأجزاء الأخرى يستعمل أسلوب الحديث عن المدن والقرى والنواحي والشخصيات، فحدثنا عن أكادير وتارودانت وإليغ وإيجلي وتامدولت وغيرها.
وكأن المؤلف - حفظه الله - انتقم للإهمال الذي كان يسيطر على رجال العلم والأدب، فدون كل ما وجده من أسماء المخطوطات والمكاتب وأعلام القضاة والفقهاء والشعراء والقواد ورجال الحرب والسياسية؛ يربط ذلك كله بما طرأ على البلاد من أحداث تاريخية وسياسية.. في القديم والحديث.
والمؤلف مسجل ومحاضر وشاعر ومؤرخ، ينتقل بقرائه من شعر قديم إلى شعر حديث ومن شعر الفقهاء ونظم القضاة إلى شعر الأدباء ونكتهم وطرفهم... ومن الفوائد الفقهية إلى الشوارد اللغوية.. ومن المعالم التاريخية إلى نوادر المخطوطات في سائر الموضوعات وهذا الأسلوب يمثل طريقة خاصة، التزمها المؤلف واقتنع بصلاحيتها للموضوعات التي يعالجها، ولها (أعني الطريقة) من المبررات ما لا يقتنع به الذين يخوضون هذه الغمرات ويجمعون هذه السلسلة من المعلومات الموسوعية، وهم في الوقت نفسه يحرصون أشد الحرص على تدوينها كيفما أمكنهم التدوين... ولو لجأوا إلى غير هذه الطريقة لاحتاجوا إلى أحقاب من الدهر لا يجود بها الزمان... ولا يتسع لها عمر الإنسان..
وقد تفطن المؤلف لما سوف ترمى به هذه الطريقة من سهام للنقد فصارح قراءه بالحقيقة في شجاعة وتواضع نادرين، حيث قال في مقدمة الرحلة الثانية والثالثة والرابعة:
(... وقد حرصت على أن أودعها كل ما يلفت نظر المولعين بمعرفة الكتب. وبتراجم الرجال النابهين علماء كانوا أو رؤساء، مما أجد اسمه حديثا، ومما أقع عليه من الآثار الأدبية من نثر ونظم، ما دام مقبولا.. وإن لم يدرك الشأو العالي من البلاغة... وبوصف المجالس الأدبية التي أراها، فأسوق ما يروق من الفوائد والإنشاءات والإنشادات، ولا قصد عندي إلا أن أنشر حسب ما في طاقتي من تاريخ هذه الجهة، التي اصطلحت بأن أطلق عليها « جزولة »، ما أؤدي به لعشاق التاريخ المغربي العام والخاص ما يقر به الطرف ويبتهج بمعرفته الفؤاد.
وكل من لم يكن له الولوع المؤسس على كل ما اعتني بذكره فالأولى له أن لا يشغل نفسه بمراجعة هذا الكتاب...)
هكذا في صراحة وشجاعة وتواضع يتحدث المؤلف عن رحلاته من خلال جزولة، مع أننا إذا تركنا هذا التواضع وقرأنا الكتاب نفسه نجد الواقع فوق ذلك وأبعد من ذلك...
فالباحث في تاريخ المغرب السياسي والأدبي والعلمي يستفيد من المعلومات التي في الكتاب فائدة عظيمة الأهمية؛ فهناك من المعلومات الجغرافية والتاريخية عن إقليم سوس مالا يمكن أن يؤخذ إلا من هذا الكتاب.
ولنضرب لذلك أمثلة توضح لنا قيمة الكتاب من هذه الناحية التي تهم كثيرا من الباحثين والمثقفين بنوع خاص.
فالمعلومات التاريخية والجغرافية التي يقدمها لنا المؤلف عن:
مدينة تامدولت تلك المدينة التاريخية التي أسسها في سوس عبد الله بن إدريس منذ عهد الأدارسة في المغرب.
ومدينة إيجلي مسقط رأس محمد بن تومرت المهدي، مؤسس دولة الموحدين في المغرب.
ومدينة الغ مركز دولة أبي حسون السملالي المعروف في كتب التاريخ المغربي بلقب (بودميعة)، والذي لعب أدوارا خطيرة في أواخر الدولة السعدية وأوائل الدولة العلوية، وامتد نفوذه من سوس إلى تفيلالت وغيرها.
كل ذلك يعد بحق شيئا عظيم الأهمية للباحثين في تاريخ المغرب الذين يريدون أن يطلعوا على تفسير حوادث التاريخ وبيان غوامضه.
هذا عن المدن، أما عن المدارس العلمية في سوس ورسالتها في نشر اللغة العربية والأدب العربي والعلوم الإسلامية فالكتاب ريان بأغرب الأخبار وأدق المعلومات التي جمعها المؤلف من أفواه الرجال، ومن نوادر المخطوطات وهو الناقد الخبير وابن سوس البار الذي أبى إلا أن يعرفنا بها ويعرف الأجيال المقبلة...
وإلى جانب هذا نجد المؤلف يتصدى لنشأة المهدي بن تومرت ويتحفنا بمعلومات مدققة عن هذا النابغة العبقري الذي هدم عرش المرابطين بين عشية وضحاها وأقام دولة الموحدين التي كانت ثمرة كفاحه وفلسفته وتربيته وتدبيره..
وهذه المعلومات هي أوفى وأعمق ما كتب عن نابغة سوس.. ولعلها تكون كلمة الفصل التي ترفع كثيرا من الغموض وتقضي على كل الأوهام والشكوك التي كان المؤرخون يرجمون فيها بالغيب من غير تحقيق ولا تمحيص.. المغاربة منهم والمشارقة.. والأوربيون...
فإذا تخطينا هذه المعلومات الجغرافية والفوائد التاريخية إلى الأسلوب اللغوي وجدنا المؤلف حريصا على أن يتخير الألفاظ والتعابير الفصيحة مع التنبيه على معانيها إن كانت في حاجة إلى تفسير أو تعليق.. والكتاب بعد هذه المظاهر الشكلية مكتوب بروح تفيض غيرة إسلامية ووطنية مغربية.. وقومية عربية تربط الحاضر بالماضي وتتطلع إلى آفاق المستقبل المشرق للغة الضاد في هذه البلاد..
وليس من الإنصاف للحقيقة في شيء أن نعرض عن دراسة مثل هذا الكتاب بدعوى أنه مكتوب بطريقة غير عصرية... فإن الثقافة في هذا العصر متنوعة ذات أشكال وأساليب وذات ألوان وأفانين.. بل إننا أحيانا في سبيل الوصول إلى الحقيقة نطالع عدة فصول في المراجع لنظفر بما نريده...
وليس من الإنصاف للحقيقة أيضا أن نزعم أن هذا هو الأسلوب المختار في كتابة التاريخ المغربي، بل يجب أن نكون واقعيين في الاستفادة من كل ما نجده مفيدا في تاريخ هذه البلاد التي طوى الزمان، وما زال يطوي، كثيرا من صحائفها المجيدة في الحضارة والتاريخ.
وإذا كان للباحث الغيور أن يتمنى شيئا وهو يقدم أثرا من آثار المؤلفين المغاربة... فليتمن أن يخرج الناس من صمتهم إلى الحديث.. ومن إضرابهم عن التأليف إلى الكتابة في الموضوعات التي لهم فيها باع كما فعل صاحب هذا الكتاب الذي رفع به رأس بلاده عاليا....
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here