islamaumaroc

السياسة الدولية بين سنتي 1901-1907(تر. عبد الحق بنيس)-2-

  دعوة الحق

59 العدد

إلا أن هذه الهيمنة التي صارت لأوروبا في الحياة العامة للعالم قد أصابها الآن ما أصابها من تهديد ناتج عن التطور الطارئ في التوسع الاستعماري لكل من الولايات المتحدة والدولة الناشئة : اليابان.
ففي أمريكا الوسطى تطور توسع الولايات المتحدة في هذه الفترة على نسق سريع. إذ كانت حكومة واشنطن تشجع على حساب كولومبيا انفصال سكان الباناما، وما لبثت أن أبرمت مع هذه في 18 نونبر 1903، معاهدة أصبحت الولايات المتحدة بموجبها تتمتع بامتياز شق قناة تصل بين المحيطين (1) ، في شريط بري عبر المضيق. ((ولتغطية)) الأماكن المجاورة للقناة استولت بواسطة ديبلوماسية الدولار على جزء من جزيرة هايتي وجمهورية الدومنيك حيث بسطت عليهما شبه حماية، وفي سنة 1906 قامت بتدخل عسكري في كوبا وكان من نتائجه أن جعل هذه الجزيرة داخلة في ((الجهاز السياسي)) للولايات المتحدة. إذن فالطريق الواصلة بين المحيطين وما جاورها أصبح في قبضة الاتحاد الأمريكي. إلا أن السياسة الأمريكية لم تقف عند هذا الحد : إذ في هذا الوقت صرح الرئيس تيودور روزفيلت أن للولايات المتحدة دون سواها الحق في ممارسة ((سلطة الشرطة الدولية)) على الدول الأمريكية.
وأخيرا فبواسطة المؤتمرات التي كانت تعقدها الدول الأمريكية فيما بينها لدراسة القضايا الاقتصادية والمالية كانت ترتسم في الأفق معالم سياسة كانت ترمي إلى تعويد جميع حكومات القارة على دراسة شؤونها المشتركة تحت رعاية حكومة واشنطن.
وأمام هذا التطور الحاصل في التوسع الاستعماري الأمريكي لم تستطع بريطانيا العظمى التي تخلت منذ سنة 1901 على مواقفها في أمريكا الوسطى، ولا فرنسا التي لم يعد لها منذ زمن طويل أي عمل سياسي فعال في القارة الأمريكية، لم تستطع هذه ولا تلك أن تحرك أدنى ساكن.
أما ألمانيا، فلأنها أرادت أن تظهر قوتها في سائر أنحاء العالم، حاولت أن تقوم برد فعل : ماذا فعلت؟ استغلت فرصة وقوع حادث بين حكومة فينزويلا وبين أصحاب الدين الأوروبيين ثم قررت بالاتفاق مع بريطانيا العظمى ملتزمة جانب الحذر قامت باخرة حربية ألمانية وأطلقت النار سنة 1903 على حصن منيع. وقد تبين للرئيس تيودور روزفيلت أن ألمانيا تنوي احتلال الضفة الجنوبية لبحر الأنتيل، فما كان منه إلا أن أعطى الأمر للقوات البحرية بأن تكون على أهبة الاستعداد، لحماية فينزويلا من نزول ألماني محتمل الوقوع. ولم تثبت ألمانيا في موقفها إذ أنها قبلت بتحكيم في الموضوع. وقد أبى روزفيلت في حديث له مع السفير الألماني إلا أن بيرز أهمية هذا الحادث فقال : « إن من الممكن جدا أن تتواجه السفن الحربية الألمانية مع أسطول الأميرال ديوي Dewey ويكون هو خصمها، ومن الممكن كذلك أن يصوب رجال ديوي مدافعهم نحو السفن الحربية الألمانية )). إذن فقد أحبطت الولايات المتحدة مشاريع ألمانيا وقبلها برطانيا العظمى، وأظهرت بكل ما أوتيت من قوة إرادتها في معارضة كل عمل جماعي قد تقوم به دول أوروبية في المنطقة التي تغطي الأماكن المجاورة للقناة الواصلة بين المحيطين.
وفي آسيا الشرقية أي في منشوريا وكوريا نجد أن روسيا اصطدمت بمقاومة اليابان. فأثناء حرب البوكسير (2) استطاعت روسيا سنة 1900 أن تحصل على ضمانات وأن توطد دعائم هيمنتها بحيث استمرت في إنشاء السكك الحديدية وأقامت قاعدة بحرية في بور أرثر. ثم أن جيوشها التي ساهمت بها في الحملة العسكرية الدولية احتلت ((موقنا)) المقاطعات الثلاث المنشورية. وحاولت حكومة القيصر عبثا أن تحصل من الحكومة الصينية على اتفاق يسبغ على الاحتلال صفة الدوام.
وبعد أن أخفقت روسيا في مسعاها، أبرمت مع الصين، أبريل 1902، ما يسميه الكونت ويت wittr بمعاهدة الجلاء التدريجي. ويرجع هذا التراجع بالأخص إلى نشاط رجل أعمال اسمه بيزوبرازوف Bezobrazof كان هذا يملك في الأرض الكورية امتياز استغلال الغاية في رقعة شاسعة الأطراف تقع على الضفة اليسرى من نهر يالو Yalon ولما كلفه العاهل الروسي نفسه بمهمة القيام بدراسات في الشرق الأقصى، قام بربط صلات مع قائد القوات  الروسية في بور أرثر، الأميرال اليكساييف Alexeïef، ثم عمل بعد أشهر من الصراع المكشوف على إحباط سياسة ويت.Witte
وقد خشيت اليابان من أن تصبح هيمنتها في كوريا مهددة من جراء هذا التوسع الروسي، وفكرت بكل جد في إمكانية التوسع بمنشوريا الجنوبية حيث الأراضي القابلة للزراعة، الصالحة لإيواء مهاجريها، وحيث المواد الغذائية الكفيلة بتغطية العجز الحاصل في إنتاجها الأهلي، وحيث الحديد والفحم اللازمان لصناعتها، ولكي ترغم روسيا على تقسيم منشوريا على الجلاء من « رأس الجسر » الكوري، لم تتردد في القيام بالحرب. وكانت ورقتها الرابحة هي ذلك التفوق الذي سيمتاز به الجيش الياباني في مسرح العمليات إذ سيكون قريبا جدا في قواعده، في حين أن الجيوش الروسية، إذا أرادت أن تنقل قواتها وعتادها، سوف لا تجد سوى الخط الحديدي العابر لسيبيريا، وطول هذه الخط 7000 كم، إلا أنه مفصول ببحيرة بايكال Baïkal  بيد أن هذا التفوق البري سوف لا يكون ذا فائدة إلا إذا كان معززا بالسيطرة البحرية على مضيق كوريا. فهل هذه السيطرة متوفرة؟ وبالأحرى هل سيكون في استطاعة الأسطول الياباني أن يحافظ عليها إذا ما دخل الحلف الفرنسي الروسي في حيز التطبيق؟ (3) وتلافيا لهذا الاحتمال طلبت الحكومة اليابانية أن تتحالف مع بريطانيا العظمى وهذا ما حصلت عليه في يناير 1902 : إن الحكومة الإنكليزية لم تعط وعدها بتقديم العون المسلح في حالة محاربة روسيا وحدها بل تعهدت أمام الملأ بالتدخل إذا أتت ((دولة أخرى )) وتعني بذلك فرنسا، وساندت روسيا.
وبعد ثمانية أشهر من المفاوضات العقيمة مع روسيا بدأت اليابان في 8 فبراير 1904 أعمالها العدائية بضربة مفاجئة ـ هجمت على الأسطول الروسي في ميناء بور أرئر كان من شأنها أن أمنت لها السيطرة على البحر لعدة أشهر.
وبالنسبة للعمليات العسكرية في البر المنشوري حصل الجيش الياباني على نتائج إيجابية في الحين، لأن هذا الجيش كان متفوقا من الناحية العددية طيلة الأشهر الستة الأولى من القتال. ولم تتعادل قوات الطرفين إلا في أكتوبر 1904. ومع ذلك فقد نجح اليابانيون بعد حطموا هجوما روسيا مضادا في أبعاد الخصم من المواقع التي كان يحتلها وكانت معركة موكدن Moukden هي الحاسمة (دامت من 23 فبراير إلى 11 مارس 1905).
 وعبثا حاولت القيادة الروسية رأب ما تصدع : أما البارجة التي أتت من أوروبا بعد أن قطعت مسافة طويلة ومملة، وكلفت بقطع خطوط المواصلات الحربية للجيش الياباني فإنها سحقت من قبل الأسطول الياباني في 27 مايو 1905 داخل مضيق كوريا بمكان يدعى توشيما.
لا شك أن منشوريا ظلت بعيدة من الغزو الكلي وأن الجيش الروسي ظل يمدد مقاومته، إلا أن حكومة القيصر كانت مشتبكة في هذه الآونة مع الحركة الثورية التي نشبت في روسيا، مما جعل الحكومة تنشد السلام في الشرق الأقصى.
وكان عرض الوساطة الذي تقدم به رئيس الولايات المتحدة وقد أوجس خيفة من الانتصارات اليابانية وأراد أن يضع حدا لها، كان هذا العرض في صالح روسيا. وقد أذعنت الحكومة اليابانية وقبلت الدخول في المفاوضات لأنها كانت على بصيرة من الصعوبات الاقتصادية والمالية التي قد تترتب عن الاستمرار في القتال، وأكنفت بجني ثمار جزئية. وهكذا خولت معاهدة بورتسموث Portsmouth (29 غشت 1905) لليابان ميناء بور آرثر مع السكة الحديدية الواقعة في الجنوب المنشوري. يضاف إلى ذلك الجزء الجنوبي من جزيرة ساخلين Sakhalin، ثم سمحت لها هذه المعاهدة ببسط حمايتها على كوريا. وهكذا تحمل التوسع الروسي ((ضربة توقف)) حاسمة.
أنه أول نصر يحققه الصفر على البيض منذ التوسع الأوروبي. وهو الانتصار الذي يساعد اليابان على التمركز في القارة الأسيوية، وهو الذي غير معطيات السياسة الدولية في الشرق الأقصى، وهو الذي شجع قيام الحركة الوطنية سنة 1905 بالهند ضد السيطرة الإنكليزية وفي الهند الصينية سنة 1908 ضد الاستعمار الفرنسي. وأخيرا فإن الفوضى أصبحت تسود الجيش الروسي إذ أضحى مدة من الزمان غير قادر على أن يلعب دورا بارزا في نزاع أوروبي.
تلكم كانت النتائج المباشرة، أما النتائج البعيدة فهي التي عبر عنها بول كامبون Paul Cambon بقوله : « لم يكن اليابانيون يشكون مطلقا في أنهم سيحصلون على رقعة في الأرض الكورية، إنما كانوا يتأرجحون بين السير وراء روسيا وأمريكا، وبعد خمسين سنة سيصبحون موضع رهان في الصراع العظيم الذي سيدور بين الروسيين والأمريكيين في الشرق الأقصى. إلا أن كل ذلك إنما هو من أجل المستقبل )).
والمهم أن عدة خلافات كان لبعضها شأن عظيم، لم تؤد في نهاية المطاف إلى نشوب نزاع مسلح بين الدول الأوروبية، أليس في هذا دليل على أن الحكومات والشعوب المعنية بالأمر كانت تتردد في السعي وراء شرور ((استعمال القوة))؟
ثانيا : الاتفاقات الجديدة بين الدول الأوروبية.
في الوقت الذي تطورت فيه هذه الخلافات أي في الفترة المتراوحة من 1901 إلى 1907، في هذا الوقت تميزت التعهدات الديبلوماسية والعسكرية التي أرمتها الدول الأوروبية فيما بينها بطابع جديد. فإيطاليا عندما أمضت مع فرنسا اتفاقا سياسيا سريا في العاشر من يوليوز 1902، كانت قد تعهدت بأن تلتزم جانب الحياد في حالة حدوث حرب فرنسية ألمانية، بل وحتى إذا اتخذت فرنسا (( على إثر استفزاز مباشر)) مبادرة إعلان الحرب، إلا أن الحكومة الإيطالية هي التي ستظل محتفظة بتأويل ((حالة الاستفزاز المباشر)). ثم أن الاتفاقات الإنكليزية الفرنسية التي أبرمت في الأساس، من أجل ((تبادل مصر بالمغرب الأقصى )) (8 أبريل 1904) قد ذللت جميع الخلافات الاستعمارية بين البلدين، فقد نصت على أن بريطانيا العظمى ستقدم سندها إلى فرنسا في القضية المغربية ولكن بواسطة العمل الديبلوماسي لا غير. وأخير فإن روسيا في غشت 1907 وفي نفس الوقت الذي عقدت فيه مع بريطانيا العظمى الاتفاق الخاص بفارس، قامت وسوت الخلافات المتعلقة بأفغانستان والتيبت. بينما تضعضع الحلف الثلاثي (4) تقوي جانب الحلف الفرنسي ـ الروسي الذي تعرض لاهتزازة بسبب الأزمة الثورية الروسية التي حدثت سنة 1905 وكذا من جراء الهزيمة في منشزريا، قلت : تقوي جانب الحلف الفرنسي ـ الروسي ((بالاتفاق الودي)) الفرنسي ـ الإنكليزي، ثم بالتقارب الإنكليزي ـ الروسي.
تلكم هي الخطوط العريضة لهذه اللوحة المعروفة. والأهم هو دراسة الدوافع التي حملت الحكومات على اتخاذ القرارات.


1) المحيط الأطلسي والمحيط الهادي (المترجم)
(2) اسم شهير لجمعية سرية صينية تأسست سنة 1899 تحت شعار ((معاداة كل من هو أجنبي)) ولما استفحل أمرها أخذت الحكومة المركزية الصينية تتعاون معها لصد كل محاولة احتلال أجنبي. ولئن أصبح الأجانب في سنة 1900 سادة الموقف بواسطة إرسال حملة عسكرية دولية إلا أن ظهور جمعيات من هذا القبيل كان له أثره في عدول الدول العظمى عن فتح الصين. (المترجم)
(3) أي هل تستطيع البوارج اليابانية أن تقف في وجه البواخر الحربية الفرنسية أن وفت فرنسا بتعهداتها إزاء روسيا؟ (المترجم)
(4) يضم ألمانيا والنمسا ـ هونغاريا وإيطاليا. (المترجم)

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here