islamaumaroc

مقدمات النهضة في لبنان ونتائجها الاجتماعية

  دعوة الحق

59 العدد

أتيح للبنان في غضون التمدن الحديث أن يدرك تقدما، في الشؤون المالية والاجتماعية والثقافية، لم يدركه قطر عربي آخر. فما هي الأسباب؟
هذه دراسة لا يستوعبها مقال في مجلة، ولذلك فإني سأقتصر على الناحية الثقافية منها، وألتزم مع الاقتصار الاختصار.
على أن تقدم لبنان في هذه الناحية لا يعود إلى سبب واحد، بل هو نتيجة لعوامل كثيرة ها كم أهميتها :

ما كان للعوامل الدينية من أثر في نهضة لبنان
كان ساحل الشام مجازا لحجاج بيت المقدس، فكان هذا المجاز وسيلة لاختلاط سكانه بأهل التمدن الحديث وذلك في قدومهم وعودتهم ولاقتباسهم أفكار هذا التمدن بالإضافة إلى تلقف أخلاقه وتقاليده.
وكان الأوربيون، ولاسيما الفرنسيون، لا يفتأون يذكرون إخوانا لهم في الدين بلبنان امتزجوا بهم إبان الحروب الصليبية، وظلوا بعد ذلك يوالونهم، ويراسلون عواهلهم، فبدلوهم الود بالود، وبعث هؤلاء العواهل الوفود إليهم لتفقد أحوالهم.
ولما انتهت المرحلة الأولى من الصراع بين الدول الأوروبية وبين السلطة العثمانية وذلك بانتصار السلطان سليمان القانوبي (1520 ـ 1566) تسابقت هذه الدول إلى عقد المعاهدات معه لتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية، وتقربت إليه فرنسا ونالت منه حق الاعتراف لها بحماية البطريك الماروني، وسائر نصارى الشرق العثماني.
وكان الموارنة بلبنان قد اعترفوا في القرن الخامس عشر بسلطة البابا، فأفضى هذا الاعتراف إلى عنايته بهم عناية الراعي برعيته. فإذا بالآباء اليسوعيين يبادرون إلى إنشاء مدرسة في روما، أواخر القرن السادس عشر، تعني بتعليم اللغتين العربية والعبرانية وإذا بالبابا غريغوريوس الثالث يأمر، بعد ذلك، بإنشاء المدرسة المارونية (1584) ويسلم إدارتها لليسوعيين فكانت هذه المدرسة نواة نهضة لبنان الثقافية الحديثة: فعدوا أولئك الذين انتشروا في باريس وفلورنسة وفينا وبادوا وغيرها من خريجيها، وأشهرهم الحقلاني والسمعاني وعريضة، وعدا الذين شغلوا وظائف في أوروبا كالقس مخائيل الغزيري الترجمان في بلاط كيرولوس الثالث ملك إسبانيا، فعدا هؤلاء وهؤلاء فإن فريقا منهم عادوا إلى لبنان وتولوا فيه أرفع المناصب الكهنوتية، وكان منهم المطارنة، وكان منهم البطاركة.
وكان هذا الفريق المثقف قد تنشق في أجواء أروبا روح النهضة الحديثة فبثها في أوساط ملته بالإضافة إلى نشره العلم والمعرفة.
وكانت باكورة أعماله مدرسة حوفه عام 1632، ثم مدرسة عين ورقة (1789) وسواهما. على أن النهضة المارونية بلبنان كانت حافزة سائر الطوائف لليقظة ولا سيما الكاثوليك أتباع روما، فأنشأ غريغوريوس الأول راعي الأرض الكاثوليك مدرسة بزمار (1788)، كما وضع مخائيل جروه بطريرك السريان الكاثوليك الأسس لمدرسة الشرفة، وفتح أغابيوس مطر بطريك الكاثوليك مدرسة عين تريز (1811).
وفي غضون ذلك تألفت الرهبنات الوطنية لدى الموارنة والروم الملكيين فساهمت في فتح المدارس وفي ترجمة بعض الكتب الدينية اللاتينية إلى العربية، وطبعتها على مطابع إيطاليا التي كانت قد أصدرت منذ أوائل القرن السادس عشر بعض النشرات الدينية العربية والكتب العلمية وأشهرها جغرافية الإدريسي والصالحي وقانون ابن سيناء. ولما لجأ الأمير فخر الدين المعني الثاني إلى توسكانا بإيطاليا، في غرة القرن السابع عشر، شاهد هذه المطبوعات العربية هناك تباع بأثمان معتدلة. على أن اللبنانيين كانوا، قبل ذلك، قد حاولوا الاستغناء عن مطابع أوروبا بإنشاء مثلها في وطنهم لإصدار النشرات الدينية والكتب. وكانت أحرفها باللغة الكرشونية أي كتابة العربية بالأحرف السربانية، ثم كانت أولى المطابع بالأحرف العربية بلبنان تلك التي صنعها الشماس عبد الله زاخر الحلبي في دير مار يوحنا الطبشه بقرية الخنشارة وذلك في أواسط القرن الثامن عشر.
فهذه المدارس والمطبوعات، وكذلك الإرساليات الأجنبية الدينية، التي سنتكلم عنها، كانت نواة النهضة الحديثة. وهي وإن كانت ذات لون ديني إلا أنها لم تلبث أن تطورت مع الزمن، واصطبغت بالصبغة العلمانية.
وهنا مجال للتنويه بما كان لأمراء لبنان الإقطاعيين من أثر في تنشيط النهضة الحديثة. فهم كانوا يحرصون على محاكاة الملوك في تقريب المثقفين ومكافأتهم.
فكانت رعايتهم لهؤلاء في عداد الحوافز للإقبال على العلم والأدب، وحسبنا الإشارة إلى ما كان بين حاشية الأميرين يوسف الشهابي وبشير الشهابي الكبير من أدباء وشعراء. هذا فضلا عن الموظفين المثقفين كسعد الخوري وجرجس باز وفارس جدعون وجدعون الباحوط وغير هؤلاء من أدباء سوريا.
ما كان للسياسة من أثر في النهضة اللبنانية.
شبت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر فهزت أروبا، ثم انتقلت شظاياها إلى الشرق الأدنى مع نابليون بونابرت حينما احتل القطر المصري وحاول أن يحتل بلاد الشام. وكان نابليون يريد أن يتخذ من البلاد العربية مطية له لإدراك الهند بالاتفاق مع أمرائها، ولكن انجلترا كانت له بالمرصاد فردته على أعقابه، غير أنه لم يتسحب من مصر إلا بعد أن ألقى فيها بذور النهضة، تلك البذور التي نمت وربيت في جيل لاحق.
على أن فرنسا لم تتخل، في أعقاب هذا الاندحار عن أهدافها التوسعية البعيدة المدى، ولم تتخل أيضا عن فكرة الثأر من لندن، فاختارت بيروت وجبل لبنان مركزا استراتيجيا لتحقيق هذه الأماني، وراحت تتقرب من محمد علي عزيز مصر، والأمير بشير الشهابي الكبير أمير لبنان، وتعمل لتوثيق الصلات بينها وبينهما. وكانت خطوتها الثانية إغراء الخديوي بالحملة على بلاد الشام (1831) للانطلاق منها إلى عاصمة آل عثمان. غير أن فرنسا فشلت مرة ثانية حينما ردت تركيا إبراهيم يشينا إلى مصر (1840) وذلك بمؤازرة انجلترا وحلفائها.
وهذا الصراع بين فرنسا وإنجلترا بالشرق الأدنى كانت له نتائج أخرى. ذلك بأن العالم الغربي لم يلبث أن رأى هذا الشرق مشرع الأبواب أمامه بعد أن كان موصدا. وما كان ذلك يعود إلى احتلال نابليون مصر بالقوة، وخروجه منها بالقوة، وإنما يرجع إلى ترحيب الشرق الأدنى نفسه بصداقة الغرب، في أعقاب ما كانت تركيا تخفض جناح الذل للندن وحلفائها الذين حرروها من الغزو المصري، وتصغي لنصائحهم. وحيال هذه البادرة الجديدة التي عرضت وقربت بين الشرق والغرب تحفز هذا الأخير للعمل. وكان الغرب لا يزال يتحسس كثيرا بالمشاعر الملية فإذا به يجعل مدار عمله إيفاد البعثات الدينية للتبشير. وقد وصل أول مرسل أمريكي إلى لبنان في 10 شباط 1821 واسمه لاوي بارتس. ثم لما رأى الأمريكان أن الظروف أصبحت سانحة في أعقاب إخراج انجلترا الجيش المصري من بلاد الشام، وفي إبان النفوذ الذي أصبحت تتمتع به لندن في الآستانة خفوا لإرسال البعثات إلى بيروت وجبل لبنان، وقد اختاروا أول الأمر الأوساط الدرزية للتبشير، وفتحوا مدرسة لهم في عبيه سنة 1846، فكانت طليعة المدارس الكثيرة التي فتحوها بعدئذ في كل مكان بالشام وسائر الأمصار العثمانية.
وقد نشرت إحدى صحف الآستانة في عام 1894 خبرا مفاده : « أن عدد مدارس الأمريكان في السلطنة بلغ وقتئذ 812 واحدة تضم 43037 تلميذا عشرون ألفا منهم من الإناث. »
    والأرجح عندي أن الإنجليز هم الذين أثاروا الأمريكان في عزلتهم باسم الدين، و لإيفاد هذه البعثات إلى الشرق الأدنى في غضون الحرب الباردة التي كانت تنشب بينهم وبين الأمرسيين حول هذه البلاد، وذلك بغية أن تكون تلك البعثات ظهيرة لهم ضد اللاتين.
وكانت تركيا توصف وقتئذ بالرجل المريض حسب تعريف نقولا قيصر روسيا، وكان المستعمرون يترقبون موتها واقتسام إرثها. وكانت فرنسا ترى أن بلاد الشام، وفي مقدمتها لبنان، حق طبيعي لها في هذا الإرث، فشق عليه نشاط الإرساليات الأمريكية التي لا تختلف في نظرها عن البعثات الإنجليزية فوثبت إلى العمل، واستعانت برجال الدين، رغم أنها لم تكن تواليهم، وعززتهم بالمال فإذا بالآباء العازاريين يفتحون مدرسة لهم في قرية عينطورا بلبنان (1843) وإذا باليسوعيين يفتحون مدرسة أخرى في قرية غزير (1844). وهكذا دواليك حتى امتلأ لبنان بمدارس الرهبان والرهبنات من الأجانب.
وكانت الدول الباقية التي تراقب هذا الصراع بين لندن وباريس، وتمني مثلهما أنفسها بأن تنال نصيبا من الإرث تعلم بأن فتح القلوب من شأنه أن يسهل فتح المعاقل، وأن ليس أفضل لفتح القلوب من أمثال هذه المدارس، فإذا بالروس والألمان والإيطاليين فضلا عن الإنجليز، يبادرون إلى إيفاد مرسليهم للشرق الأدنى في منتصف القرن التاسع عشر، وإذا بهؤلاء ينشئون المدارس في كل مكان ولا سيما بالقدس وبيروت وجبل لبنان. وسرعان ما اشتدت المنافسة بين البعثات الدينية، ولكن أشدها هو ما كان بين الأميركان والأفرنسيين فلما نقل المرسلون الأميركيون مطبعتهم من مالطة إلى بيروت سنة 1846 سارع اليسوعيون إلى إنشاء مطبعتهم الكاثوليكية، ولما نقل الأميركان مدرستهم من عبيه إلى بيروت ورفعوها إلى كلية (الانجيلية 1896) خف اليسوعيون إلى نقل مدرستهم من غزير إلى بيروت وجعلوها كلية. ولما فتح الأميركان في هذه المدينة مدرسة للبنات سنة 1841 بادر الأفرنسيون إلى إنشاؤ اثنتين : مدرسة راهبات القديس يوسف، فمدرسة أخوية ابنة الإحسان (1843). وظلت حدة هذا التنافس تتزايد حتى امتلأت البلاد بالمدارس، وارتفع شأن الكليتين إلى أن أصبحتا جامعتين، أو مدينتين عالميتين حافلتين بكل وسائل التربية والتعليم.
وكان لابد لهذه الإرساليات من نشرات ومجلات يستعين بها على التبشير فظهرت نشرة مجموع فوائد (1851) ومجلة أعمال الجمعية السورية (1853)، ومجلة مجموع العلوم (1868)، وأخبار انتشار الإنجيل (1863)، ومجلة النشرة الشهرية (1866)، فضلا عن مجلة الشرف وغيرها.
وهكذا أصبحت بيروت وجبل لبنان ميدان معركة ثقافية بين الدول حولتها في النتيجة إلى مركز إشعاع بالشرق الأدنى، خصوصا وأن المعركة أثارت نشاط الطوائف الوطنية المختلفة ودفعتها لفتح المدارس حفاظا على كيانها ومذاهبها، أو حفاظا على مبادئها السياسية..
مساهمة تركيا في نشر المعارف في بيروت وجبل لبنان:
كانت ولاية بيروت وإمارة جبل لبنان حافلتين في القرن التاسع عشر، بالعلماء والأدباء. اشتهر بين المسلمين أحمد البربير (توفي 1811) وأحمد عمر دبوس، وعمر اليافي (ت 1818) وإبراهيم الحر العاملي، والأمير حيدر أحمد الشهابي (ت 1834) والحاج حسين بيهم (ت1809) والأمير محمد أرسلان (ت1864)، وأحمد فارس الشدياق (ت1817) وغيرهم. واشتهر بين المسيحيين عدد من آل اليازجي وآل البستاني، وآل النقاش وعلى رأسهم الشيخ خليل اليازجي، والمعلم بطرس البستاني، ومارون النقاش. هذا فضلا عن رشيد الدحداح (ت1879) وكثيرين غيرهم. وأما بين النساء المسيحيات فعدا السيدات السبع التي كن باكورات المعلمات في المدارس وهن راحيل زوجة بطرس البستاني، وسلامة وجنة وخزما ولولو وكفا وسوسان، فبعد هؤلاء لمع اسم هند نوفل، ووردة اليازجي ومريم نحاس.
غير أن الثقافة كانت على وجه عام محصورة بطبقة خاصة من الناس. وأما عامة الشعب، ولا سيما عند المسلمين فكانت تغلب عليها الأمية حتى أن بعض تجار ذلك العصر كانوا يستعينون بكتاب يدورون عليهم بأقلامهم ومحابرهم لقراٍٍِءة الرسائل التي ترد إليهم والإجابة عليها. وأما السلطنة العثمانية التي كانت في صدر أيامها متصرفة للفتح، والتي أمست في أواخر عهدها منهمكة بالدفاع عن نفسها، ومشغولة بإخماد الثورات في بلادها فهي لم تعن بنشر المعارف إلا في عاصمتها، وكانت تعلق إنشاء المطابع على رخصة مسبقة منها ولكن الثورة الفرنسية وما خلفت من أحداث، وأهمها فتح باب المسألة الشرقية على مصراعيه فإنها كانت حافزا للسلطان سليم (1789 ـ 1808) على التفكير بالمصير فوطد العزم على إصلاح الجيش ونشر المعارف على غرار أروبا. ولقد كبر هذا العزم على طغمة المحافظين فأثاروا الانكسارية على السلطان وخلعوه وقتلوه بتهمة الفكر، وكان وراءهم بعض الدول المستعمرة التي أرادت دفن كل إصلاح في تركيا بدفن من يفكر فيه كيلا يؤخر الإصلاح إدراكها نصيبها من تركة الرجل المريض.
ولما استوى محمود الثاني على عرش السلطنة (1808 ـ 1839) ثار للسلطان سليم بالقضاٍء على الانكشارية، وتبنى برنامجه الإصلاحي. وعلاوة على إنشائه الجيش الحديث فقد أقام في العاصمة المدارس الابتدائية والمعهد الطبي، وأوفد البعثات إلى المعاهد العلمية الأوروبية.
ثم لما أمسى الباب العالي بالآستانة واطئا حيال الدونبينج ستريت وسائر الدول التي أنقذت السلطان عبد المجيد (1839 ـ 1861) من الغزو المصري لم يسع هذا السلطان إلا الامتثال لنصائح حلفائه فنشر « التنظيمات » وغيرها من اللوائح الإصلاحية، واستهل عمله بإنشاء المدارس المعروفة بالرشدية والإعدادية في بعض الولايات. ثم ما أن صار العرش للسلطان عبد العزيز (1861 ـ 1876) المعاصر للخديوي إسماعيل بمصر، وكان كلاهما متجددا وعمرانيا حتى تبدل الجو، وأصبحت العناية بنشر العلم وتنشيط الأدب هواية لهما. وكم لهما من أياد بيضاء على الأدباء والعلماء بما بذلا لهم من المال والتنشيط؟ وكان بطرس البستاني، وأحمد فارس الشدياق، ومارون النقاش وسليم الخوري في طليعة الذين أدركوا رعاية هذين العاهلين. على أن السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909)، الذي كان معروفا بالتضييق على الحريات، لم يسعه مع ذلك إلا مجاراة تيار التقدم العالمي. فاستهل حكمه بإنشاء المدارس الرشدية والإعدادية والعسكرية في ولاية بيروت وغيرها.
والواقع أن هذه المدارس إنما كانت تعني بإخراج الموظفين من مدنيين وعسكريين. فلم يقبل عليها إلا الراغبون في هذه الوظائف، وهم قلة في ولاية بيروت، خلافا للبلاد العربية الأخرى. ومن هنا ظل المجال مفتوحا أمام المدارس والمعاهد الأجنبية لتتولى تربية النشيء الجديد على هوى كل منها حتى لم يبق في هذا البلد رأي عام، ولم يبق فيه أثر للوحدة الوطنية.

ما كان للمنافسة الغربية من فضل في بعث النهضة العلمية الوطنية :
دولة أجنبية كانت تحكم بيروت ولبنان في القرن التاسع عشر، ومدارس أجنبية كانت تستأثر بتربية الناشئة وتعليمها. فكانت العاقبة أن البلدين فقدا القيم الوطنية، واختلفا عليها، واعتمد في تقرير المصير على ما توحيه المشاعر الدينية وروحها، وبهذه المشاعر أدرك أولو الألباب من البلدين ما سوف تكون العاقبة إذا استمر أولادهم يتربون ويتعلمون في مدارس أجنبية لكل منها طابع مذهبي خاص، وهدف سياسي. وفي غمرة هذا الإشفاق على المصير فكرت كل طائفة من طوائف لبنان في الاعتماد على نفسها. فإذا بنا نرى  هذه الطوائف تبادر إلى فتح المدارس، وكانت كلها ما عدا المدرسة الوطنية التي أنشأها بطرس البستاني (1863) مدارس ذوات صبغة مذهبية وملية : فقد أنشأ الروم الارتوذكس مدرسة الثلاثة أقمار في سوق الغرب (1852) التي انتقلت من بعد إلى بيروت، والدرور المدرسة الداودية في عبيه (1862).
والكاثوليك المدرسة البطريكية (1866)، والموارنة مدرسة الحكمة (1875)، واليهود مدرسة الاتحاد الإسرائيلي (1884) وفي هذا الاسم دلالة على أن أمانيهم المعروفة كانت قديمة وشاملة، وأما المسلمون فقد ألفوا جمعية المقاصد الخيرية (1295 هـ = 1878) التي تولت مهمة فتح المدارس الابتدائية للذكور والإناش. حتى إذا دخلت سنة 1895 نهض الشيخ أحمد عباس وفتح المدرسة العثمانية التي تحولت بعد سنين قلائل إلى كلية نشأ في أحضانها رواد الحركة العربية.
   وهنا مجال لأن يذكر بالخير محمد عبد الله بيهم الذي كانت له أيادي بيضاء على المؤسسات العلمية والذي كان في طليعة أعيان بيروت حشا للمسلمين على الترود بالمعرفة. وقد ملأ جدران بيروت وغيرها من المدن بشعارات تدعو إلى الإقبال على العلم من أمثال:
(تعلم يا فتى فالجهل عار).
فهذه المدارس الوطنية كلها أخرجت شبابا كان لهم في خدمة هذا البلد ورفع اسمه نصيب كبير، ولكن العيب فيها أنها كانت تخلق نهضة طائفية لا أثر للجامعة الوطنية فيها.
أما وأن خريجي هذه المدارس لم يجدوا في وطنهم الجو الملائم للإعراب عن أفكارهم، أو لتأمين معاشهم فقد اضطر كثيرون منهم للهجرة، وكانت مصر، في عهد الخديوي إسماعيل، أقرب البلاد إليهم، وأرحبها صدرا لاستقبالهم فأمها فريق منهم، وأقاموا فيها نهضة صحافية جبارة كانت تتمثل بمجلسي المقتطف والهلال، وبجريدتي الأهرام والمقطم، ثم هاجر آخرون إلى مصر في مستهل عهد الاحتلال الإنجليزي ومنهم من أصبحوا هناك في عداد أقطاب التجارة. وفضلا عن هؤلاء فإن فئة من المثقفين انتشروا في أوربا والأميركيتين، ورفعوا راية لبنان والعروبة عالية حيث حلوا سواء أكان في الثقافة أم في التجارة أم السياسة على أن المتخلفين من المثقفين لم يهنوا ولم يستكينوا أمام الضغط التركي الحميدي، بل راحوا يستفيدون أيضا من ثقافتهم. وعلاوة على إنشائهم المدارس والمطابع فقد أصدر خليل الخوري جريدة الأخبار (1857) وبطرس البستاني فقيد سوريا (1860) وبطرس البستاني وولده سهم مجلة الجنان (1870) وجريدة الجنة، ثم تدفق سيل الصحف تباعا، ولا سيما عقب إعلان الدستور الثاني سنة 1908. وما زال يتدفق حتى أصبحت بيروت بالنسبة لعدد السكان أكثر بلاد العالم صحافة.
وفي تلك الحقبة التمعت في بيروت أسماء كثيرين من الأدباء نساء ورجالا نذكر منهم، بالإضافة إلى أصحاب الصحف، إبراهيم الحوراني والأمير شكيب أرسلان ومصباح رمضان، وإبراهيم اليازجي، وفضل القصار وحسن بيهم، وزينب فواز، وهنا كوراني واستير موبال.
ما كان لوضع لبنان الاقتصادي من أثر في النهضة الثقافية.
لما تفاقمت المراجعة بين الدول الصناعية على تصريف مصنوعاتها اتخذ كل منها في سواحل الشرق الأدنى مراكز تجارية لتكون نقطة الانطلاق لنشر هذه السلع في الشرقين الأدنى والأوسط. وكان أهمها موانئ أزمير والإسكندرية وبيروت.
 وكانت بيروت في العهد العثماني صلة الوصل بين المغرب من جهة وبين سوريا الكبرى والأناضول والعراق وإيران من جهة ثانية، فازدهرت وتزايد عدد سكانها، ولا سيما بعد ثورة لبنان المعروفة بثورة 1860 وقامت فيها الشركات دوات الامتياز كشركات الماء والغاز والخطوط الحديدية D.H.P. والمرفأ والبنك العثماني، وحصر الدخان. وناهيك بالشركات الأخرى والمؤسسات من أجنبية ووطنية.
وهذا الازدهار المطرد في الناحية الاقتصادية رافقه بصورة طبيعية أقال الشباب على المدارس والمعاهد العلمية بغية الاستعداد للاستخدام في هذه الشركات والمؤسسات، فضلا عن الوظائف الحكومية التي كانت تتعدد، وتتزايد تبعا لتوسع الجهاز الحكومي وإلى هذا سنحت وقتئذ فرصة أخرى ملائمة وقتئذ للمثقفين اللبنانيين وذلك في البلاد العربية التي تطورت ولم يكن عندها من أبنائها ما يملأ الفراغ إبان هذا التطور.
وكذلك لما شرع تجار بيروت يبنون اقتصادياتهم على أسس جديدة متوكلين على أنفسهم دون الأجانب ازدادت الحاجة إلى الشباب المثقف. ثم برزت حاجة ماسة إلى الأخصائيين والفنيين عندما أقبل أولئك التجار على إنشاء المصانع، وعند ما أقبلت الحكومة على تعمير المرافق. وتجاوبا مع هذه الحاجات المختلفة خف كثيرون من متخرجي المعاهد العلمية في بيروت إلى أروبا فأميركا للاتحاق بجامعاتها الكبرى من أجل التخصص، أو من أجل استكمال دروسهم العالية.
وقد رافق كل ذلك عامل آخر كان له أثر بالغ في النهضة والتجدد، واعي به الاختلاط الشديد بين اللبنانيين عامة. والبيروتيين خاصة، وبين أصحاب التمدن الحديث. فكما حفلت بيروت بالعلماء والأدباء الذين جاءوا إليها للتعليم ولإدارة المعاهد العلمية الأجنبية، فضلا عن الإرساليات فقد امتلأت أيضا برجال الأعمال الاقتصادية الأجانب وفي عدادهم أصحاب المهن والفنون.
ومن جهة ثانية فإن تجار بيروت، وأصحاب المصانع وطلاب المدارس العلمية وغيرهم كانوا يؤمون بلاد الغرب دون انقطاع فيتأترون بها سواء أرادوا أو لم يريدوا، ذلك لأن في جو كل جماعة من الناس ذرات من أرواحهم تتهادى فوقه فتجعل ذلك الجو متفقا مع مستواهم الاجتماعي. وما أشد ما يتأثر المقيم بين طبقات الناس من روحهم وأخلاقهم صالحة كانت أم فاسدة.
فهذا الاختلاط الدائم بين الغرب واللبنانيين كان من حسناته تسرب روح النهضة الحديثة إليهم، ومدارها الاعتماد على النفس والتوثب للعمل المجدي فكان ذلك مما أدى إلى ارتفاع المستوى الاجتماعي في لبنان.
هذه العوامل منفردة ومتحدة هي مصدر النهضة الفكرية والاجتماعية بلبنان، ثم ما أن ازدادت في عهد الاستقلال بالسياسة الحرة الحكيمة حتى نعم هذا البلد الصغير باسم كبير وحتى أصبحت صحف العالم تتحدث عنه، وإذا تحدثت فلا تقتصر على وصف محاسنه الطبيعية فقط وإنما تتناول عمرانه وازدهاره ونشاط أهله وثقافتهم. ولا شك أن ذلك يسر سائر البلاد الشقيقة لأن لبنان بلد عربي، وإذا أثنى عليه أحد فإنما يعود الثناء إلى العالم العربي قاطبة.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here