islamaumaroc

رأي في تحديد النسل والعدوى -2-

  دعوة الحق

59 العدد

قال ابن الخطيب، كقوله، لا يورد ممرض على مصح. قال الإمام المنذري في اختصاره لسنن أبي داوود ح 5/ ص376/ عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله (ص) يقول : (لا يوردن ممرض على مصح). ثم قال المنذري، قيل لا يورد ممرض على مصح، منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم، لا عدوى، وقيل ليس بينهما تناف، ولكن نفى العدوى، وهي اعتقاد كون بعض الأمراض يفعل في غيرها (كذا) بطيبعتها. وأما أن يكون سببا يخلق الباري سبحانه وتعالى عندها مرض من وردت عليه، فلم ينفه. ونهى أن يورد الممرض على المصح، لئلا تمرض الصحاح من قبل الله جلت قدرته عند ورود الممرض، فيكون المرض لا لسبب فيها.
وقيل المراد بهذا، الاحتياط على اعتقاد الناس لئلا يتشاءموا بالمريضة، ويعتقدوا أنها أمرضت أبلهم، فيأثموا في هذا الاعتقاد.
وقال ابن القيم في تعليقه على مختصر السنن، ذهب بعضهم إلى أن قوله (لا يورد ممرض على مصح منسوخ بقوله (لا عدوى)
وهذا غير صحيح، وهو مما تقدم آنفا، أن المنهي عن نوع غير المأذون فيه. فإن الذي نفاه النبي (ص) في قوله (لا عدوى ولا صفر) هو ما كان عليه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قياس شركهم، وقاعدة كفرهم.
والذي نهى عنه النبي (صلى) فيه تأويلان ـ من إيراد الممرض على المصح ـ فيه تأويلان.
أحدهما، خشية توريط النفوس في نسبة ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى العدوى، وفيه التشويش على من يورد عليه، وتعريضه لاعتقاد العدوى، فلا تنافي بينها بحال.
والتأويل الثاني، إن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح، قد يكون سببا يخلق الله تعالى به فيه المرض، فيكون إيراده سببا، وقد يصرف الله سبحانه تأثيره بأسباب تضاده، أو تمنعه قوة السببية، وهذا محض التوحيد، بخلاف ما كان عليه أهل الشرك.
وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في يوم القيامة يقوله (2: 254، لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفي الشفاعة التي كان أهل الشرك ينبتونها، وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده، وإن لم يأذن له، وأما التي أثبتها الله ورسوله، فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه، كقوله (255،2 من الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وقوله (28،21، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقوله (22،34، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)  انتهى كلام ابن القيم. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وقال أستاذي العالم الورع عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك بوري الهندي في كتابه تحفة الأحوذي في شرح الترميذي تحت حديث (لا عدوي ولا طيرة) ج 2/ص400/. قوله، لا عدوى، بفتح فسكون ففتح. هي مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، ويقال، أعدى فلان فلانا. وذلك على ما يذهب إليه المتطببة في علل سبع، الجذام، الجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. وقد اختلف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول، المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرائن المسوقة على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد صلى الله عليه وسلم، (فر من المجذوم فرارك من الأسد) وقال، (لا يوردن ذو عاهة على مصح) وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقد، أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا، إن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن. ويشير إلى هذا المعنى قوله، فمن أعدى الأول. أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول. وبين بقوله (فر من المجذوم، وبقوله (لا يوردن ذو عاهة على مصح) إن مداناة ذلك لسبب العلة، فليتقه اتقاء الجدار المائل والسفينة المعيوبة. ثم قال قال التوربشتي : وأرى القول الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه. ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع تعطيلها، بل ورد بإثباتها والعبرة بها على الوجه الذي ذكرناه. وأما استدلالهم بالقرائن المسوقة عليها فأنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي عن لمعنى، وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة. ويدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع قد بايعناك فارجع في حديث الشريد بن سويد الثقفي. وقوله صلى الله عليه وسلم للمجدوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة، كل نقة بالله وتوكلا عليه. ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه. بين بالأول النوفي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على الله جل جلاله ولا إله غيره في متاركة الأسباب. انتهى. قال القارئ وهو جمع حسن في غاية التحقيق. انتهى.
حديث جابر (ولا غول) فالحاصل ستة. وقد كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا، أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فنفى النبي (ص) استطاعة الغول أن تضل أحدا.
قال تقي الدين، ونحن نبحث في كل واحد من هذه الستة على حدة. فأما العدوى، فقد تقدم الكلام عليها، وأزيد هنا أني لما كنت في بتي عوف من قبيلة حرب في ناحية الحناكية، وهي قرية بين المدينة والقصيم، رأيت الإخوان هناك ينكرون على بعض الأعراب الذين لم يتدبنوا بعد، أي لم يتبعوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى توحيد الله وترك أمور الجاهلية، ينكرون عليهم أنهم يحبسون الغنم المصاب بمرض في حظيرة ويدخنون عليها ولا يتركون أحدا يدنو منها لا إنسانا ولا حيوانا، فكأنهم يعتقدون أن مرضها من الجن، وإن من دنا منها يصيبه شر، وكانوا يحبسونها الليل كله حتى الصباح، لا أدري ليلة واحدة أو أكثر. وهذا يفسر لنا ما نهى عنه النبي (ص). والغالب أنهم ورثوا ذلك من أهل الجاهلية فإن لم يكونوا قد ورثوه منهم فما جرى على المثل يجري على مماثله. والمنهي عنه هو اعتقاد أن هناك قوة مستقلة تضر بدون مشيئة الله ولا تخضع لإرادته. وأما الطيرة، فهي التشاءم بالطير إذا طارت عن اليمين، وهي السوانح أو عن اليسار، وهي البوارح، أو بغيرها من الحيوان، كالغراب والبومة، أو بإنسان يعتقد أنه مشؤوم رؤيته تجلب شرا، أو بالأيام والشهور، أو بالطوالع من الكواكب، يعتقد أن بعضها طالع نحس وبعضها طالع ميمون، كل ذلك شرك، لا يرضى به المؤمن ولا يخافه، فإذا وجد في نفسه شيئا من ذلك فليقل: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، ويمضي لحاجته ولا يبالي بذلك. وأما الصفر، فعلى القول أنه شهر صفر، فهو داخل في التشاؤم بالشهور، والجهل من أهل تطوان يتشاءمون به، فلا يدخلون بيوتهم مكنسة لئلا تكنس بيتهم بموت أهل البيت وذهاب مالهم. وكل ما تقدم من أنواع الطيرة موجود عند كثير ممن يدعون الإسلام وهم يجهلونه. ولولا خوف الإطالة لذكرت من ذلك حكايات كثيرة. وعلى القول بأنه حية في البطن، فذلك باطل لا وجود له. وأما الهامة فعلى القول بأنها البومة هي داخلة في التشاؤم بالحيوان وعلى القول أنها طائر هو روح القتيل لا يزال يزقو أي يصيح، اسقوني ماء اسقوني ماء حتى يؤخذ بثأر القتيل. وذلك مشهور عند العرب في جاهليتهم. قال ذو الإصبع العدواني:
يا عمرو ألا تدع شتمي ومنقصتي
             أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
وقال غيره:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
         علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
        إليها صدى من جانب القبر صائح
وذلك من خيالاتهم وأوهامهم ولا وجود له. وأما التولة، فهي من الشرك، وهي سحر يزعم فاعله أنه يؤثر في قلب البعل فيحب امرأته حبا شديدا ويطيعها طاعة عمياء، أو في قلب المرأة فتحب بعلها كذلك.
وهذا كفر، لأن مقلب القلوب واحد، وهو الله ولا يستطيع غيره ذلك. وأما الغول فالنفي في الحديث موجه لعينها، إذ لا وجود لها، وإنما هي من صنع الخيال الجاهلي. وكذلك العنقاء يزعمون أنه طائر عظيم الجسم، كالرخ المذكور في كتاب ألف ليلة وليلة الذي تعلق به سندباد البحري فطار بع من جزيرة خالية إلى بلد آخر. وزاد الأدباء على الغول والعنقاء، الخل الوفي. قال الشاعر :
فعلمت أن المستحيل ثلاثة
       الغول والعنقاء والخل الوفي
وقال غيره :
الخل والغول والعنقاء ثالثة
      أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
والحق أن الخل الوفي موجود، إلا إذا أريد به الخل الكامل المبرأ من جميع العيوب الذي لا نقص فيه أصلا فهو صحيح. وقال بعض شراج الحديث أن تلك الأشياء الستة موجودة، وتوجيه النفي لذواتها مجاز، والمراد نفي ما كانت العرب تعتقده فيها. والصحيح التفصيل على نحو ما ذكرته. والله أعلم.
 قوله، وقول الصاحب الخ. روى البخاري في كتاب الطب من صحيحه بسنده إلى عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس، قال عمر. أدع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم، معك بقية الناس وأصحاب رسول الله (ص) ولا نرى أن تقدمهم على الوباء. فقال ارتفعوا عني، ثم قال أدع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال، ارتفعوا عني. ثم قال، أدع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا نرى أن نرجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس أني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح : إقرارا من قدر الله. ؟ فقال عمر، لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك أبل هبطت وأدياله عدوتان، أحداهما خصبة والأخرى جدية، أليس أن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟. قال، فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال إن عندي في هذا علما: سمعت رسول الله (ص) يقول : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه. قال، فحمد الله عمر، ثم انصرف
نستفيد من هذا الحديث فوائد مختلفة، منها أن عمر، وهو أعظم الخلفاء الراشدين دولة وأعزهم سلطانا وأكثرهم فتوحا وانتصارات، لم يكن يستبد برأيه في أمر من الأمور، بل كان يشاور جميع طبقات أهل الرأي من رعيته، ويأخذ بأحسن آرائهم، إذا لم يجد عند أحد منهم خبرا عن النبي (ص). ومنها، أنه كان إذا وجد حديثا عن النبي (ص)  يفرح به ويترك رأيه ورأي غيره ويتبع الحديث. وفي ذلك رد على المقلدين وأصحاب الطرائق الذين يقلدون الفقهاء والأشياخ، وينشد قائلهم:
وكن عنده كالميت عند مغل
       يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ومنها، أن أهل الشورى كانوا يجادلونه ويردون عليه بغاية الحرية، التي تسمى في هذا الزمان (ديمقراطية) ونحن نسميها عمرية محمدية. ومنها، المعجزة العظيمة في سبق النبي (ص) إلى نظام الحجر الصحي عن اشتعال نار الوباء يمنع الخارج من الأرض الموبوءة حتى لا ينقل الوباء إلى أرض أخرى، بل يبقى محصورا في البقعة التي نشأ فيها، ومنع الداخل إليها من أرض سالمة منه حتى لا يصاب به. وهذا ما اتفقت عليه اليوم جميع دول العالم بعد مضي زهاء أربعة عشر قرنا. ومن لم ير هذه معجزة فقد أعمى التعصب عين بصيرته. ومنها، أن التوقي والأخذ بالحزم لا ينافي التوكل على الله، ولا يسمى فرارا من قدر الله، لأن الفرار من قدر الله غير ممكن.
قوله زعارة وتصافر على الله. قال في القاموس الزعارة (يعني بتشديد الراء) وتخفف، الشراسة. ولم أجد في القاموس تصاقر. وأظنه فعلا مأخوذا من لفظ الصقر، أي تظاهر بالقوة وعدم التأثر والخوف كالصقر الذي تخافه الطير الضعاف، وهو لا يخاف منها أحدا. وليس عندي كتب مطولة فأراجعها. أقول وكذلك من قال بكراهة التداوي فقد تصاقر على الله وخالف أمر رسول الله، بل كذب على شريعته أن زعم أنه فهم ذلك منها، وإن أصر على تقليد من قال بذلك من الحنابلة مع وقوفه على الأحاديث فقد خاب وخسر. وقد رأيت رجلا من الحنابلة فيما يدعيه كان يقول بكراهة التداوي ولا يتداوى أبدا، وكلما أصابه مرض ألح عليه أهل بلده أن يأتوه بالطبيب فيأبى. وكان أهل بلده يعظمونه جدا،لأنه كان يتعفف عن أموالهم بعض التعفف بخلاف أكثر الفقهاء. فأصابه مرة مرض شديد فجاءه أعيان البلد واجتهدوا معه أن يقبل الإتيان بالطبيب والتداوي فأبى ومات من ذلك المرض. ونحن لا نعتقد أن الدواء يزيد في العمر. ولكننا نعتقد أن من يتداوى قد أكرمه الله بالعقل وعرفه سننه في خلقه ووفقه لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم. روى البخاري والنسائي وابن ماجة بأسانيدهم إلى أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: (ماأنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) قال القسطلاني في شرحه، قال في الكواكب، ما أصاب الله أحد بداء إلا قدر له دواء. وروى أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصحيحه الترمذي وابن خزيمة والحاكم من حديث أسامة بن شريك (تداووت بأعباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحد، الهرم وفي لفظ إلا السام، يعني الموت. وزاد النسائي من حديث ابن مسعود (فتداووا) ولمسلم من حديث جابر يرفعه (لكل داء دواء، فإذا أصبت دواء الداء برأ بإذن الله) انتهى من القسطلاني باختصار.
قوله، من أهل العدوة، أي من المغرب.
عود إلى الكلام على تحديد النسل
أعود بعد ذلك الاستطراد الطويل الذي ربما يمل بعض القراء، ولكنه يسر آخرين منهم، أعود إلى الكلان فيما جاء في العزل فانقل كلام ابن حزم في المحلي.
قال أبو محمد ابن حزم في المحلي، ج10/ص70/ مسألة 1907/ ولا يحل العزل عن حرة ولا عن أمة.
برهان ذلك ما روينا من طريق مسلم، وذكر سنده إلى عائشة عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت : (حضرت رسول الله (ص) في أناس فسألوه عن العزل؟ فقال رسول الله (ص) : ذلك الواد الخفي، وقرأ (وإذا المؤودة سئلت).
قال أبو محمد: هذا خبر في غاية الصحة، وأحتج من أباح العزل بخبر أبي سعيد الذي فيه، لا عليكم أن لا تفعلوا. قال علي، هذا خبر إلى النهي أقرب، وكذلك قال ابن سيرين، واحتجوا بتكذيب النبي (ص) قول يهود، هو المؤودة الصغرى، وبأخبار أخرى لا تصح.
قال أبو محمد : يعارضها كلها خبر جذامة الذي أوردناه، وقد علمنا بيقين أن كل شيء فأصله الإباحة لقول الله تعالى (الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وعلى) هذا كان كل شير حلالا حتى نزل التحريم، قال تعالى : (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فصح أن خبر جذامة بالتحريم هو الناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك في أنها قبل البعث وبعد البعث، وهذا أمر متيقن، لأنه إذا أخبر عليه الصلاة والسلام، أنه الوأد الخفي، والوأد محرم، فقد نسخ الإباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت، وأن النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل وقفي ما لا علم به وأتى بما لا دليل له عليه. قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وقد جاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وابن مسعود. وصح المنع منه عن جماعة كما روينا عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع، أن ابن عمر كان لا يعزل، وقال، لو علمت أحدا من ولدي يعزل لنكلته.
قال أبو محمد: لا يجوز أن ينكل على شيء مباح عنده. ثم روى بسنده إلى علي بن أبي طالب، أنه كان يكره العزل. ثم روى بسنده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال في العزل، أنه الموءودة الخفية. ثم روى بسنده إلى أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن العزل فقال ما كنت أرى مسلما يفعله. وروى بسنده إلى ابن عمر قال ضرب عمر على العزل بعض بنيه. وروى عن سعيد  بن المسيب قال، كان عمر وعثمان بن عفان ينكران العزل. قال، وصح أيضا عن الأسود بن يزيد وطاووس.
ذكرت فيما تقدم بعض الأسباب التي توجب العزل أو تبيحه. وأزيد هنا سببا آخر سئلت عنه كثيرا، وهو أن بعض النساء يحملن بعد الولادة بزمان بسير، فيجتمع على الولادة رضيعان أو أكثر في وقت واحد ولا تجد مرضعة أخرى ولا من يعينها على القيام بما تحتاج إليه الصغار من تغذية ونظافة وغير ذلك من شؤونهم يضاف إلى ذلك أنها قد تكون محتاجة إلى أن تشتغل عند الناس لتكسب قوتها، فيلحق بها في توالي الحمل والولادات حرج. فمثل هذه المرأة يجوز لها بالاتفاق مع زوجها منع الحمل منعا مؤقتا، بحيث يكون بين الولد والولد مدة يتم فيها الرضاع للسابق وتستعيد هي بعض قوتها لتتمكن من حمل آخر وإرضاع آخر. فهذا من الأسباب المبيحة للعزل وما لشبهه من أسباب منع الحمل لمدة محدودة. والدليل على ذلك قاعدة رفع الحرج المنصوص عليها في كتاب الله المجمع عليها بين الأئمة.
والآن بعد كل ما تقدم نبحث في سبب آخر يعتذر به كثير من الناس في هذا الزمان، وهو الفقر الخاص كأن يكون الوالدان فقيرين، أو العام، كأن تكون الأغذية في بلد من البلدان قليلة يخشى إذا تكاثر السكان أن لا تسد حاجتهم فيفضي ذلك إلى سوء التغذية العام، ثم إلى الموت جوعا. فيرى بعض الساسة أن يرغب السكان في تحديد النسل، وربما بدا لهم أن يجبروا الناس على ذلك، كما فعل هتلر وحكومته لغرض آخر غير لغرض آخر غير التغذية، فإن حكومة هتلر كانت تجبر الأجانب المنقطعين الذين لا جنسية لهم، أي لا دولة تعترف بهم، كالمغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي، ثم فروا إلى ألمانيا في الحربين العالميتين. فكانت حكومة هتلر تفرض على كل متزوج من هؤلاء البؤساء إجراء عمل جراحي يمنع النسل فإن أبي قبضت عليه وحبسته ومنعته من وصال زوجته. وقد أخبرني المغاربة الذين كانوا في برلين في زمان هتلر أن بعضهم قبل إجراء ذلك العمل الجراحي فأصابه بسبب ذلك مرض لازمه حتى مات منه. وأعرف شابا مغربيا من حوز مراكش اسمه عمر كان متزوجا بامرأة ألمانية فدعته الدائرة المختصة لإجراء تلك الجراحة فأبى، فسجن، وكانت زوجته الألمانية تشتغل وتزوره في السجن وتحمل إليه ما يتيسر لها من الطعام وتقوم بغسل ثيابه، فدعاها رئيس الدائرة وقال لها ما تريدين بهذا المغربي المتشرد؟ فارقيه فنرد عليك جنسيتك الألمانية ونعطيك شغلا في الحال فامتنعت وقالت لا أفارق زوجي ولا أغدر به في وقت الشدة.
فلما طال عليه الحبس وكانوا قد عرضوا عليه مرارا أن يتجند في جيش فرانكو فيطلق سراحه ويرسل إلى إسبانيا فكان يقول لهم أنا لا أقبل العمل الجراحي ولا أتجند في جيش فرانكو، لأنني لست إسبانيا، أنا مغربي فإن شئتم أو توصلوني إلى بلاجي فإني أقبل ذلك شاكرا. أما إسبانيا فلا أذهب إليها. وكان الجنرال فرنكو قد التمس من الألمانيين أن يبعثوا إليه كل من عندهم من المغاربة الذين يقبلون التجنيد. فلما طال الحبس على عمر المسكين قبل أن يتجند ويذهب إلى إسبانيا فأرسلوه ومعه زوجته الألمانية إلى فرنكو. ولا أدري ما فعل الله به.
نعود بعد هذه الجولة إلى منع الحمل خوفا من قلة الغذاء فنقول، قال الله تعالى في سورة هود (6 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) وقال تعالى في سورة الذرايات (56 ـ 57 ـ 58 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). وقال تعالى مخاطبا رسول (ص) وأمته تبع له في سور طه (132 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فكل من يعبد الله ويحافظ على الصلاة وغيرها من أمور الدين يخرج الله له رزقا ولو من صخرة صماء. وعدا الله لا يخلف الله وعده. وقد رأيت في معرض (دوسلدورف) بألمانيا آلة عظيمة يلقى فيها الخشب في جانب فيخرج من الجانب الآخر قطنا أبيض محلوجا في غاية البياض والنظافة.
وسمعت من إذاعة لندن في هذه الأيام أن بعض العلماء يجري تجارب لاستخراج الطعام من مواد معدنية.
ويقطع النظر عما سيكون، فإن كل مؤمن بالله، وأكثر أهل الأرض مؤمنون به، يعتقد أن الله لا يخلق إنسانا ولا حيوانا، إلا وقد أعد له رزقه. ولا يمكن أن يخلق الله خلقا أكثر مما خلق لهم من الأغذية. كما أنه خلق من مادة الأكسجين التي يتنفسها الحيوان، والإنسان على قدر المتنفسين. فكل حيوان خلقه الله فقد ضمن له ما تقوم به حياته. لا يتخلف ذلك أبدا، لأنه من السنن الكونية ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. يقال، إن في الهند خمسة ملايين من البشر، لا مأوى لهم، وإنما يهيمون على وجوههم طول حياتهم. وسمعت أن بعض أهل البيوت الفقيرة في الهند إذا انقضى زادهم أغلقوا بابهم وماتوا جوعا، فلا يهتم بهم أحد. ولا أدري أهذا صحيح أم  لا؟ وعلى فرض صحته فليس ذلك ناشئا عن قلة ما خلق الله من الأغذية في الهند، ولكنه ناشيء عن طغيان الطبقة الغنية الشريفة المقدسة واحتقارها لمن دونها. ومن دونها من الطبقات يحتقر من دونه منها حتى يصير الأمر إلى الطبقة المنبوذة المستنجسة، إذا وقع ظل الواحد منهم على طعام ينجسه. فلو أن الأرزاق قسمت بالعدل وفسح المجال للطبقات المحتقرة أن تكتسب رزقها لكانت الأرزاق تزيد عن حاجة الناس. ولنضرب لذلك مثلا فنقول: إن من أغنياء الهند من يملك بضعة وعشرين من الفيلة فقط، غذاء الواحد منها يكفي خلقا كثيرا من البشر، وإنما يكتسبها للتفاخر والتكاثر. وقال تعالى في سورة الإسراء (31 ـ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا)
قال ابن كثير في تفسير سورة الإنعام، في الآية المماثلة لهذه، وقد تقدمت: (ج4/148/ وقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) لما وصى تعالى بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يقتلون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أنه سأل رسول الله (ص) أي الذنب أعظم، قال، إن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت، ثم أي، قال، إن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي، قال، إن تزاني حليلة جارك. ثم تلا رسول الله (ص) الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون. الآية. وقوله تعالى. من إملاق، قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره (كذا)، هو الفقر، أي لا تقتلوهم من فقركم الحاصل. وقال في سورة الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك، نحن نرزقهم وإياكم. فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله. وأما هنا لما كان الفقر حاصلا، قال نحن نرزقكم وإياهم، لأنه الأهم هاهنا. والله أعلم.
فإن قيل، إن هذه الآية وردت في قتل من ثم خلقه وولد وصار حيا يرزق. فكيف يستدل بها على منع الحمل الذي لا يزيد على منع الذرتين المنويتين من الاتحاد أو على إبادتهما بالأدوية التي تقتل الجراثيم؟ فالجواب. إن هناك قدرا يجمع بينهما، وهو قطع الحياة في كل لغير سبب يبيح ذلك أو يوجبه. وهو جريمة. ولا يخفى أن أصل الحياة كلها خلية لا ترى بالصبر، كما وضح ذلك في كتب علم الحيوان وعلم النبات. فالذرتان المنوبتان تتمتعان بالحياة التي يستمتع بها كل حي. والذي يغلظ الجريمة هنا هو الجهل بسنن الله وعدم الثقة بوعده والقصد السيء الدال على ذلك. والعدول عن اتباع سنة النبي (ص) والاهتداء بهديه واتباع السلف الصالح والاقتنان بالآراء الأجنبية الصادرة عن القلوب الحجرية المظلمة الكافرة اليائسة من روح الله.
فمن الأوربيين من يعزم على أنه لا يلد ولدا حتى يهيء له من المال ما يكفي لتربيته تربية تشبه تربية أبناء الملوك. فمن ذلك أنه يعد له مربية وغرفة مملوءة بأنواع اللعب وينفق عليه ما يكفي لإعاشة عشرة أولاد معيشة معتدلة صحية ليس فيها تدليل مفسد.
ويؤمل أن يصير ولده هذا المدلل رجلا عظيما من الزعماء فيخيب ظنه وينشأ ولده في نعمة ورفاهية ودلال ضعيف العقل والجسم فاسد الطبع خائر العزم أينما وجهة لا يأتي بخير. وفي مقابل ذلك يوجد في أوربا نفسها فلاحون وعمال لا يحددون نسلهم، فيلدون أولادا ينشئونهم على خشونة العيش والكدح والعمل، فلا يبلغ الواحد منهم السابعة من عمره حتى يشرع في مساعدة والديه. وبدل أن يكون لهما ولد واحد مدلل ضعيف يكون لهما ما بين ثلاثة وسبعة أولاد أقوياء البنية مدربين على العمل أينما سقطوا لقطوا وحيثما وجهوا جاءوا بخير. وقد أخبرني ضابط ألماني كبير أن الجنود من أبناء الفلاحين أقوى أجساما وأحسن أخلاقا وأصبر على المشاق وأقنع باليسير من الغذاء.
قال، وأنا لا أعتمد في المهمات على أبناء المدن، وإنما اعتمد على أبناء الفلاحين. وأعرف رجلا في البلاد العربية عاش طول عمره يشتغل بالبناء فقيرا، فلما بلغ الولد الأول والثاني من أولاده بضع عشرى سنة اتخذا دكيكينا في القرية يبيعان فيه الطحين، وإنما يأخذان من أحد التجار الكيس بعد الكيس فيبيعانه بالأرطال، فما زالت تجارتهما في نمو، وكل من كبر من إخوتهما يلحق بهما ويتعاون معهما. فلما اتسعت تجارتهم بنوا قصورا في قريتهم وصاروا من كبار أغنيائها، ثم دخلوا المدينة، فاستولوا على قسط وافر من تجارتها، وهم الآن من أعظم البيوتات في وطنهم.
وعاش أبوهم بقية عمره مبجلا قرير العين في نعمة ورفاهية. وأعرف رجلا آخر لم يعش له من الأولاد الذكور أحد إلا بعد ما بلغ سن الكهولة، فولد له ولد فكاد يجن من الفرح وصار الوالدان يدللان ولدهما تدليلا أفسد طبعه وخلقه وجسمه، ثم ولد لهما بعده ولد آخر فلم يهتما بها فتربى تربية خشنة. وقد الأول، غمره خمس سنين من فرط دلاله يأمر الخادمة أو أمه أو أخته أن تحمله على ظهرها وتصعد به السطح ثم يأمرها أن تحمله وتنزله. ثم يأمرها أن تصعد به مرة أخرى حتى تتعب وينقطع نفسها. وأحيانا ينام في المهد ويأمر إحداهن أن تهزه به ـ وأحيانا يبكي بلا سبب فيعرض عليه كل ما في الإمكان من المشتهيات فلا يرضى بشيء، ويستمر في البكاء فإذا تعب ينادي أسكتوني أسكتوني. فتجيئه إحداهن فتقول أنا أسكتك، فيقول بصوت الباكي، لا لا لا أحبك أنت فاغربي، ثم تأتي الأخرى فيختار من بينهن واحدة يسكت بطلبها. هذا الولد المدلل لم ينجح في المدرسة. ولما كبر لم يجد شغلا.  وأما أخوه فهو الآن مدير أحد المصارف. ومن هذا تعلم أن الاعتذار لتحديد النسل بعدم وجود المال الكافي لتربية الأولاد اعتذار باطل. وأن تحديد النسل لا يجوز أو يجب إلا لضرر يلحق بالوالدين أو الأولاد، لا يمكن احتماله. وليس الفقر والخوف من قلة الغذاء سببا مبيحا لمنع النسل. وأما منع النسل خوفا من تكاثر الجنس المنحط في بلاد الجنس الآري المقدس كما كان هتلر وأمامه في ضلالته (روزنبرك) وشيعتهما يعتقدون. ومثال ذلك مذهب حكومة اتحاد جنوب إفريقية وما يقع من العدوان من البيض على الزنوج في أمريكا، فكل ذلك من أعظم ما عرفه البشر من الجرائم. ولو زال التعصب الممقوت للأوطان وتعاون الناس كلهم على استخراج خيرات الأرض كلها، وتركوا الاستعداد للحروب والطغيان والاستعباد، ووزعوا الأغذية فيما بينهم توزيعا يهيمن عليه العدل والإحسان لعاشوا جميعا في خفض ونعمة ورفاهية عيشة راضية، وإن بلغ عددهم عشرات الألوف من الملايين. ولله در ابن زريق إذ يقول قصيدته العينية المشهورة :
والله قسم بين الناس رزقهم
       لم يخلق الله من خلق يضيعه.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here