islamaumaroc

سلاحنا في المعركة -2-

  دعوة الحق

59 العدد

الأفكار: تحدثنا في المقال السابق عن سلاحنا في المعركة من ناحية الأشخاص فالشخص هو موضوع الرسالة ووسيلة نشرها أيضا، ولكن مادة بنائه ووجوده هي الأفكار، ولذلك نتناول في هذا المقال جانب الفكرة من سلاحنا في المعركة.
الإسلام دين حضاري: تلك قضية مسلمة، ولذلك كانت أفكاره شاملة للحياة، ولمشاكل الإنسان، وقد عالج تلك المشاكل بصورة تفصيلية عندما كان التفصيل ضروريا، وبصورة إجمالية عندما كان الإجمال هو مصلحة البشر، فبعض الأفكار إذن مبادئ عامة لا تخوض في الجزئيات لأن تطور الإنسانية لا يستطيع تحمل تفصيلات مرحلة معينة أو زمن معين، فالإسلام مثلا يحدد شكل الدولة كأن تكون رئاسية أو برلمانية أو ينص على عدد النواب أو مدة النيابة إلى غير ذلك، وإنما نص على وجوب الشورى وعلي مسؤوليات رئيس الدولة ومسؤوليات الأفراد إزاء الدولة، وللمسلمين وحدهم وضع التفصيلات بما يناسب العصر ويحقق رسالة الإسلام، فقد يختار المسلمون النظام الرئاسي، أو البرلماني أو شكلا آخر خيرا منهما وأكثر استجابة لتحقيق المبادئ الإسلامية في الشورى والعدل والحفاظ على كرامة الإنسان، فالمسألة هنا اجتهادية تتغير حسب العصور والتطورات والظروف. وقد استجدت في الحياة مشاكل جديدة ومظاهر اقتصادية واجتماعية وتجارية لم يكن للمسلمين بها عهد، وليس في الإسلام تفصيلات تسعفنا بحل تلك المشاكل على نحو يحقق الأهداف السامية.
ولذلك كانت عبقرية الأمة هي أن تكون لها القدرة على استنباط التفصيلات من المبادئ التشريعية العامة بحيث تحقق أهداف تلك المبادئ وتستجيب لروحها في غير ما تعقيد ولا اصطدام مع المبدأ نفسه.
والذي وقع بالفعل أن المسلمين اختلفوا في تلك التفصيلات اختلافات منها ما كان ثروة وذخيرة للفكر الإنساني ومنها ما كان كارثة على السير الحضاري للمسلمين، وقد استفحل الخلاف في مشاكل جوهرية تمس العقيدة نفسها، مما عقد أمورها وأبعدها عن جوهرها الصافي. وهكذا وجدت مذاهب فلسفية وكلامية يحاول كل مذهب أن يحل مشكلة العقيدة فلا يزيدها إلا تعقيدا، وفي الإسلام : الكتاب والسنة، بيان وبساطة رائعان فيما يتصل بالعقيدة.
كما وجدت مذاهب فقهية داخل أهل السنة وداخل الشيعة، وهكذا وجد إسلام بالمذاهب، وزيادة على ذلك فقد علق بالإسلام كثير من الخرافات ومن الطفيليات السامة والأفكار الغريبة والمدسوسة مما شوه ديننا وأفسد سلوك كثير منا، وهكذا امتلأت مصادر الثقافة الإسلامية بالغث والسمين مما أورث عقولا مختلفة ومسالك متنوعة وأثار مشاحنات ومنازعات أضاعت كثيرا من وقت أمتنا عبر تاريخها، والعجيب أن الجانب الخرافي المدسوس على الإسلام عن قصد أو غير قصد قد استطاع أن يحظى بمكانة محترمة من عقول العوام بل بعض الخواص.. وقد حاول بعض علمائنا الأجلاء عبر التطورات الإسلامية تصفية هذه الثقافة مما علق، بها فكانت أعمالا عظيمة وجليلة استحقت إعجاب العلم والضمير، ورغم ذلك فإننا ما نزال في أشد الحاجة إلى تصفية ثقافتنا من الدخيل عليها ونزع كل غريب عنها لنخرج بثقافة أصيلة تعكس روح القرآن والسنة.
فالفكرة الإسلامية الدارجة لدى الناس غير واضحة المعالم، حيث لا تصلح أن تكون أساسا لحضارة في حين أنها في أصالتها وجوهرها عين الحضارة، فنحن الآن نعيش بفكرة تعكس حالتنا العقلية والاجتماعية، ولكن نحن في حاجة إلى الفكرة التي كان سلفنا الصالح انعكاسا لها عندما آمن بها.
وعدم وضوح الفكرة الإسلامية ليس مقتصرا على العوام بل نجده على المستوى الخاص، ولذلك عند ما تحدث أخاك بفكرتك في إصلاح العالم الإسلامي لا تلبث أن تجد بينك وبيه خلافات جوهرية وفروقا في القدرة على فهم الإسلام، وهذا الاضطراب يتحمل بعض المسؤولية عن كثير مما وقع من التكتلات الإسلامية التي نشاهدها في العالم الإسلامي، والحق أن تاريخنا الحديث شهد محاولة تبلور الفكرة الإسلامية في بعض تلك التكتلات، ولكن الأقدار حالت دون اكتمال نموها.
وإن أعداء الإسلام ليستغلون ضعف الفكرة الإسلامية في العقول فيشنونها غارة على الدين الإسلامي، فيفترون عليه ويلصقون به أكاذيب، ويزيفون عليه الأفكار، وتلك مؤامرات ناجعة في تفجير الفكرة الإسلامية الحقة، والمبادرة إلى المناطق التي يتشوف بعض أفرادها إلى الإسلام لتلقينهم «إسلاما مزيفا»، حتى إن خرجوا من الفكر وقعوا في مثله، وللاستعمار والصهيونية ضلع كبير في هذه المؤامرة.
ومما يتصل بمشكلة « الفكرة » أن التطورات الجديدة في العالم الإسلامي تسير على خط مشوش وإن كانت السمة البارزة عليه هي « التغريب »، مما يجعلنا نأخذ عن الغرب حلوله لمشاكله لنطبقها على مشاكلنا، كما نأخذ عنه بعض أساليبه في الحياة، ومن المؤسف أن عقليتنا لا تفرق بيم المناهج العلمية التي يجب أن تؤخذ عن أي أمة كانت وبين عادات وأخلاق ومشاكل وحلول وظواهر اجتماعية ونفسية ينبغي أن نكون حذرين منها، ولكن الذي يقع هو أننا نأخذ عن الغرب بعض عاداته ومظاهره كما نقلده في نظمه القانونية وبذلك تنزوي تشريعاتنا ومبادئنا الإسلامية لأنها لم توصل بأسباب التطور ولم تستشر فيما يجري في بلاد المسلمين، فليس هناك علاقة متينة بين الفكرة الإسلامية وتطور المسلمين، فتطورنا سائر على محور غربي وإن كنا لم نعدم من كتابنا من حاول أن يلائم بين الإسلام وهذا التطور ويسارع إلى تفصيل الإسلام «على قدره»، فيصف الإسلام بالاشتراكية مثلا. وهكذا كلما ظهرت مظاهر جديدة في الحكم أو الاقتصاد عند الغربيين سارع بعضنا إلى تشويه الإسلام ومحاولة طبعه بطابع تلك «الموضة»، وقد اشتط البعض في هذا النوع حتى أتى بالعجب العجاب مما يأباه الفكر والذوق معا.
ولذلك ينبغي علينا أن نربط فكرتنا بتطورنا، بمعنى أن يكون تطورنا منبثقا عن الفكرة الإسلامية، الطارئة على أساس من الفكرة الخاصة بنا دون اللجوء إلى استجداء الأجانب، فنحن أصحاب رسالة، والرسالة لن تكون كذلك إلا إذا كانت تحمل عناصر جوهرية للحضارة، وهذه العناصر ليست هي مدح الإسلام وإنشاد القصائد فيه، أو العموميات التي نلقيها هنا وهناك، بل هي الفكرة البسيطة الرائعة المبثوثة في الكتاب والسنة، ولذلك كان من الواجب أن نسارع إلى عقد مؤتمرات إسلامية لتحديد محتوى تلك الرسالة كما هي في الكتاب والسنة وكما يفهمها عباقرة المسلمين ثم استخراج الحلول للمشاكل التي طرأت على المسلمين في حياتهم الجديدة ثم تصفية الثقافة الإسلامية من الدخيل ثم توحيد المذاهب، وبذلك نخرج بإسلام بلا مذاهب، وبإسلام محدد نظيف رائق، وبذلك يقدم مفكرو العالم الإسلامي «الفكرة» جاهزة لأجيالهم واضحة لا اضطراب فيها ولا غموض، بحيث يمكن تطبيقها في أي بلد إسلامي، ولقد قدم لنا بعض هؤلاء المفكرين دراسات ومحاولات رائعة في هذا المجال مثل مالك بن نبي، وأبي الأعلى المودودي، والسيد قطب، والشيخ شلتوت، وأبي زهرة، والسباعي، وغيرهم، ولذلك ينبغي أن نكثر من تلك الدراسات ومن تلك المحاولات ونقيم لذلك أكاديمية إسلامية دائمة للاهتمام بالفكرة الإسلامية الحقة وإشاعتها في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ويجب أن نقوم بتأسيس مؤسسات ثقافية مختلفة لنشر الفكرة الإسلامية كدور النشر والمطابع والمسارح، والستوديوهات السينمائية، ودور الصحافة، والوسائل الفنية الأخرى، من كل ما من شأنه أن يسهم في التكوين النفسي والخلقي والفكري للإنسان، وأول من كان يجب أن يقوم بهذا العمل هو الدول الإسلامية، وأن تجعل هذه المهمة مسألة فوق الطوارئ السياسية والحزازات الشخصية، فلو أخلصنا النية لجعلنا من تلك المؤتمرات الإسلامية التي تعقد لإصدار التوصيات وللتنفيس عن العواطف - لجعلنا منها أداة فعالة في خدمة الفكرة التي نصبو إليها. فإذا استطعنا أن نصفي ثقافتنا ونوحد فكرتنا فقد حصلنا على الإسلام الأول، ومن ثم نستطيع أن نحصل على الإسلام الثاني، وبالفكرة الإسلامية الحقة وبالفرد المؤمن الواعي نكون قد استوفينا سلاحنا في المعركة الإيديولوجية التي يخوضها العالم بعد أن فشلت القوة.
أما الاعتماد على العموميات وعلى إثارة العواطف والاهتمام بجزئيات تافهة وشكليات فارغة وبالهجوم على «الملحدين» بالخطب الرنانة وبالتشاؤم من الأجيال الصاعدة فتلك أسلحة تضمن الهزيمة لحاملها.
فعلى المسؤولين من مفكري الإسلام وقادتهم أن يسارعوا إلى تدارس أمرهم على نحو مجد وفعال، وإلى تنظيم أنفسهم تنظيما محكما ولو بالوسائل القليلة التي لديهم، لأن الأمر جد خطير يحتاج إلى تقدير مناسب، أما الذين لا يقدرون خطورته فإنهم يعيشون على الأحلام التي تنقشع عند الصدمة الموقظة، والله الموفق لخير العمل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here