islamaumaroc

مولد الأدب الروسي

  دعوة الحق

59 العدد

البحث عن أدب :
في عام  1834 لأثر الناقد الروسي الكبير بيلنسكي Belinski  قضية الوجود الأدبي في روسية يطرح هذا السؤال الجدي: هل نملك أدبا؟ وبنفي قاطع أجاب: لا، ليس لدينا إلا تجارة كتب، والواقع أن نقذ بلينسكي يتضمن حكمين اثنين :
حكم تاريخي يشير ضمنا إلى العزلة التي عاشها الشعب الروسي زمنا طويلا مكتفيا بأدب هزيل يجتره ويكرر فيه نفسه محجما في فترات لقائه بالشعوب الأخرى عن التأثر بمعطياتها الحضارية والتأثير فيها للإسهام في صنع تاريخ الأدب العالمي، لا ينجب دبه (فذاذا مثل دانتي وشكسبير وراسين وموليير وسرفانتيس وغيرهم من ذوي الصيت الغني العريض.
وحكم فني يبين ما كان عليه الأدب الروسي في مطلع القرن التاسع عشر من الضعف والتفاهة والسلبية التي سدت منابع عبقريته وجففت روافد حيويته وسفلت به إلى مستوى الدعاوة والابتذال حتى غدا الكتاب الروسييون ـ بتعبير بيلنسكي ـ منتشرين انتشار نبات الفطر.
وبوسعنا أن نبين نمطين التقيا في الأدب الروسي في أوائل القرن التاسع عشر :
1) نمط يمثل الواقعية البسيطة التي يمتاز بها الشعب الروسي كمقوم من مقومات وجوده المبني على الإحساس بالواقع الحياتي، بيد أن الأدباء الروسيين في ذلك الوقت لم يستطيعوا تجاوز بساطة تلك الواقعية البسيطة التي يمتاز بها الشعب الروسي كمقوم من مقومات وجوده المبني على الإحساس بالواقع الحياتي، بيد أن الأدباء الروسيين في ذلك الوقت لم يستطيعوا تجاوز بساطة تلك الواقعية إلى التوغل في تعقدها ومعاناة اشتدادها وتوترها بالنفاذ إلى أعماق الواقع الروسي الحركي المضطرب بشتى المواقف والأفعال والحركات ليتعاطفوا معها وينفعلوا بها، بل اقتصروا فقط على التقاط سطح تلك الواقعية الساكن البارد ووصف مظاهره وصفا خارجيا حياديا.
2) ونمط إبداعي متأثر بإبداعية غوته وشللر وشاتو بريان ولامارتين وغيرهم، مستجيب لدعوة (الفن للفن) التي كانت تتزعمها المدرسة الإبداعية الفرنسية، غير أن الإبداعية الروسية كانت تحاول على ما يبدو أن تسمو بالميول الشخصية إلى مستوى المشاعر القومية والأنسانية، بينما كانت الإبداعية الفرنسية تريد أن تتمرد على العقل (البارد الجاف) لإنقاذ العاطفة (الحارة الجياشة) وتحرير الإنسان الطبيعي.. إنسان روسو من طغيان إنسانية الثورة الفرنسية التي أذابت أحلام (المنتزه الوحيد) في مبادئها المشهورة
من هنا نعلم أن نقد بيلنسكي على عنقه يبدو صحيحا إلى حد بعيد آنذاك سيما وأن الأدب الروسي بالمعنى الحديث لم ينهض على أسس ثابتة إلا في القرن الثامن عشر أثناء عهد بطرس الأكبر، ولم يتخذ صفته العالمية إلا في منتصف القرن التاسع عشر حينما أصبح بحق حادثا من أعظم حوادث ذلك القرن.
ومن البين أن الشعب الروسي كان يشعر بحاجة ملحة إلى خلق أدب رفيع يزاحم الآداب الأخرى في رحابة أفقها واتساع مدارها وتنوع أفكارها وغنى قيمها الفنية، ويكون لأسماء رواده من ذيوع الصيت ما للأسماء العديدة التي تتألق في سماء تاريخ الأدب العالمي، وشعوره بالحاجة إلى أدب عالمي آت من احتيازه غريزة الخلق الفني إلى جانب رغباته ودوافعه الجمالية، إلا أنها غزيرة وجدت بالقوة زمنا طويلا وباتت تترقب وجودها بالفعل بظهور عبقرية فذة لها مناخها الذاتي ومزاجها المنفرد القادر على انتشال الإنسان الروسي من تمركزه الذاتي ووضعه العنكبوتي والخروج من أفقه الإقليمي الضيق إلى عالم إنساني رحيب.
ولعل الذي أخر تفتح تلك الغريزة إلى منتصف القرن التاسع عشر هو افتقار الشعب الروسي إلى كثير من الخصائص الأساسية كالوحدة القومية وذكريات التاريخ المجيدة التي تخلق شخصيته التاريخية وتفسح له المجال أمام معطيات المدنية الحديثة.. وهكذا بقيت روسية ـ ضمن ظروفها التاريخية ـ محصورة في مجتمع مغلق تراقب تطور الأمم وتجديد الأفكار بحذر شديد رغم ما أوجده بطرس الأكبر من علاقات التقارب بين روسية وأروبة إذ لم تقدر هذه العلاقات على اكتشاف أصالة الحضارة الروسية وإثارة مقوماتها الإبداعية، فوجدت روسية نفسها في مفترق موقفين اثنين:
موقف قومي يتشبت بذاتية الأدب الروسي في طابعه الشعبي القديم المحافظ، البعيد عن كل تأثير أجنبي يفقده أصالته.
وموقف يدعو إلى اقتفاء أثار الأدباء العالمين والاهتمام بالتيارات الفكرية الحديثة، وبالتالي تمهيد الطريق أمام الأدب الروسي للخروج من عزلته وإغنائه بالجديد الوافد من العالم الغربي من علم وفلسفة وفن إلا أن الموقف الأول بقي متحكما في فعالية الأدب الروسي حتى مطلع القرن التاسع عشر تسنده عوامل ثلاثة هي : المناخ ـ العرق ـ التاريخ.
فالوضع الجغرافي في حتم على روسية أن تخضع لمناخ بارد جدا جعلها ذات طبيعة جغرافية خاصة في تكوينها القاري، فلا هي من أوربة، ولا هي من آسية، وإنما هي من هذه وتلك. في هذا المناخ القاسي عاشت عروق عديدة مهاجرة أبرزها ثلاث مجموعات كبرى هي : القنوا ـ التتار ـ السلاف، ومع مرور الأيام استطاعت المجموعة الأخيرة امتصاص وجود المجموعتين الباقيتين ليتسنى لها بناء الحضارة الروسية الحديثة ببذل كثير من الجهد الدائب والتضحيات الجسام للانعتاق من الكهف (الأفلاطوني).
أما التاريخ الروسي فتتراءى من خلاله فترات حالكة مليئة بالمآسي والحروب والهزات العنيفة الآتية من غزو الثأر ونفوذ الأجانب وسيطرة الإقطاع واستبداد القياصرة وقسر الحياة الاجتماعية، انعكست تلك الفترات على الحياة اليومية للإنسان الروسي وطبعته بطابع الحزن والتعاسة يتجلى هذا الطابع أكثر ما يتجلى في الأدب الروسي شعره ونثره حتى لقد عبر عنه الكاتب الروسي هيرزن (1812/ 1870) بقوله : إن الحزن والريبية والسخرية هي روابط الأدب الروسي، وما ضحكنا سوى سخرية مرضية.
هذه هي العوامل الثلاثة (الجغرافي والإتنولوجي والتاريخي) التي أسهمت إلى حد بعيد في تجديد إطار الأدب الروسي وأثرت فيه تأثيرا فاعلا، ولكنها بدء من القرن الثامن عشر اصطدمت بتحديات معاكسة من كتاب مثل سوماركوف وراديستشيف وغيرهما ممن اعتقدوا بأن العبقرية والذوق الفني موجودان في كل بلد خارج أي اعتبار جغرافي أو عرفي أو تاريخي، فكان من الضروري أن ينتقل الأدب الروسي من الواقعية الساذجة إلى الواقعية الاجتماعية، ومن الأدب الشعبي المطبوع بطابع ديني وخرافي معا إلى الأدب العالمي الإنساني وإن بدا في نهاية التحليل أن هذا الانتقال غير نهائي إذ أن الشعب الروسي يميل بطبعه إلى البحث عن فرحه العظيم في أدبه الشعبي المليء بذكريات الماضي البطولية وأعمال القديسين الروحية وأغاني الشعب النابعة من شعوره الوطني.

روافد الأدب الروسي الحديث :
ابتداء من القرن التاسع عشر أخذت الحياة الفكرية والأدبية في روسية تشق طريقها للظهور بتأثير عوامل سياسية واجتماعية كما أخذ الأدب الروسي يتخلص من سيطرة النخبة المثقفة التي كانت تحتكره وتستغله لتصريف ميولها وعواطفها بعيدا عن الاتصال بالواقع الاجتماعي الروسي، فمنذ أوائل القرن التاسع عشر حدث انقلاب أدبي بقيادة كارامزين خالق اللغة الأدبية الحديثة في روسية، وكرلوف لا فونتين روسية، وبوشكين شاعرها الأكبر وليرمنتوف بيرونها المتمرد وبيلنسكي ناقدها الذي هاجم بعنف وإصرار نظرية الفن للفن ونادى بالواقعية الاجتماعية والعودة إلى الشعب فكان لندائه تأثير على كتاب روسية الكبار أمثال غوغول وغرغور فيتش، وتورغنيف، ونيكراسوف، ودوسنويفسكي، وتولسنوي وغوركي.
وواضح أن هذه الثورة البناءة في الأدب الروسي سبقتها إرهاصات تاريخية واجتماعية وسياسية فالمجتمع الروسي كان خاضعا لعملية تطور ضخمة للخروج من انعزاله التاريخي نتيجة الحرب الوطنية التي احتدمت بين روسية وفرنسة عام 1812، والتي أثارت في الشعب الروسي اندفاعا متحمسا فجر فيه جميع القوى الحيوية المقومة للأمة والخالقة حسا وطنيا للشعب السلافي.. كما أن انتصار روسية على نابليون وامتيازها الدولي بعد مؤتمر فيينا بجانب الدول الكبرى آنذاك (إنجلترا، فرنسا، النمسا، إسبانيا،) كل هذا ساعد على توكيد مستقبل روسية السياسي والعسكري، كذلك استطاف الساسة الروسيون أن يكتشفوا في باريس البنية السياسية والإدارية والاجتماعية للدولة الحديثة نظريا وعمليا بفضل معطيات مبادئ الثورة الفرنسية حتى إذا عادوا إلى وطنهم شرعوا يفسرون أفكار ثورة 1789 وينشرونها في حذر شديد خشية الرقابة القيصرية التي أخضعت تدريس المسائل الفكرية لتوجيه اللاهوتيين الأرتودكس ومع ذلك فقد تكونت حلقات من محبي الفلسفة تناقش فكرة العالمية والسلام الدائم الداعية إليها فلسفة كانت، وفكرة الوطنية المنبثقة من روح خطابات ليخنه وشعر شللر ونظريات الاقتصاد الحر بتعبير آدم سميت والأفكار الاشتراكية الصادرة عن سان سيمون وفوري، وفلسفة هيغل التاريخية التي ساعدت إلى أقصى حد على دفع الشباب الروسي المتحمس إلى البحث عن معنى مطلق للتاريخ الروسي قائم على مفهوم القومية ومصيرها التاريخي حتى لا يبقى هذا التاريخ تاريخيا ميتا تتسرب في قاعه حوادث مقصوصة وملصقة لا معنى لها ولا هدف.
وسط هذه الكثرة من المبادئ والقيم الجديدة الوافدة من أوربة إلى روسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أفكار تحررية تريد أن تجد للإنسان الروسي مكانا ومعنى للحياة في مجتمع مغلق ممزق موضوع وضعا سيئا وتنقذه بالتالي من عدم رضاه بالواقع الأسود.
بيد أن سؤالا خطيرا برز: هل يجب على روسية أن تقيم وجودها بالأخذ الموصول من معطيات الحضارة الغربية، أم يجب أن تكتفي بذاتها وتبحث عن مثلها الأعلى في وجودها قومي له خصائصه وظروفه وشروطه؟
على هذا السؤال انبثقت اتجاهات عظيمة تشابكت وتعقدت في الفكر الروسي وأهمها:
1) اتجاه غربي يحاول أن يقوي الاتصال بين روسية وأوربة أن على الصعيد الديني أو على الصعيد الاجتماعي والسياسي. وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن على الأدب الروسي أن ينشر الأفكار العظيمة الآتية من الغرب ثم يسقط الضوء النقدي والتحليلي على المساوئ التي تذيع الفوضى والاضطراب في الواقع الروسي.
2) اتجاه سلافي يدعو إلى المحافظة على روح القومية السلافية بمقاومة كل تأثير دخيل يتسرب إلى روسية (المقدسة)، وإثارة الحس الوطني في نفوس الشباب المنتشبين بانتصارهم على نابليون والباحثين عن مثل أعلى قومي قائم على اتباع التعاليم الأرتوذوكسية وتأييد الحكم المطلق القيصري والتشبع بالروح الوطنية الأصلية.
3) اتجاه شعبي اشتراكي يدعو إلى الرجوع إلى الشعب والتقرب إليه للقضاء على بؤسه وجهله وتحريره من جبروت الحكم المطلق واستبداد الإقطاع وتحطيم الأوضاع الفاسدة بالقوة.. (بحر من الدم والنار يطغى على موسكو حتى يتألق نجم الثورة الذي يقود الإنسانية المتحررة) كما أعلن باكونين ولخانوف وبعدهما لينين.
4) اتجاه ديني صادر عن حياة الشعب الروسي الدينية المليئة بالمحبة المسيحية والإيمان القلبي البسيط الهادئ، ويمثل هذا الاتجاه فلاد مير سولوفييف الذي كان يرى أن الحقيقة الدينية لا يبرهن عليها بالدليل العقلي، وإنما تحضر حضورا وجدانيا عن طريق الإيمان الحدسي، وقد تأثر بهذا المفكر الديني فيما بعد شيستوف وبردييايف في المجال الفلسفي، أما تأثيره على الأدب الروسي فيبدو واضحا في أدب الروسي الحديث في القرن التاسع عشر وميزت منه تيارين كبيرين أسهما إسهاما فاعلا في تحديد خصائصه وضمان بقائه بين الآداب العالمية الأخرى:
1) تيار لا شعوري (نفساني) يوغل في الحوار اللاشعور في فوضاه السيكولوجية واضطراب رغباته المكتوبة وهيجان ميوله الغامضة، نشاهد فعل هذا التيار في قصص وروايات روسية كثيرة مثل (النفوس الميتة) لغوغول، و(رسائل من أعماق الأرض)، و (الأخوة كارامازوف) و(الممسوسون) لدستويفكي، ولعل هذا الأخير يعتبر سيد القصة السيكولوجية الذي وجد فيه كثير من الكتاب المعاصرين المثال جيد وكافكا وسارت وبروست وكامو وفولكنر وبرباروس أشكالا جديدة للقصة الحديثة وأسسا للتراجيديا الحديثة كما وجد في حياته وأدبه معا فلاسفة مثل رازانوف وبردييايف وكامو (اسطورة سيزيف) عناصر وجودية صادرة عن التجربة الشخصية الحية التي تنم عن قلق ميتافيزيقي ماثل في الاستفهام عن معنى الحياة والوجود، وأخيرا استقى منه علم النفس المرضي والتحليل النفسي حينما قدم لهما نماذج نفسية غريبة في مواقفها الحيانية أراء ذاتها وإزاء الآخرين.
2) وتيار شعوري ـ أخلاقي يهتم بالسلوك الاجتماعي والديني للشعب الروسي ويدعو إلى مسيحية بسيطة مليئة بالأمل العظيم في مقاومة طغيان المذهب الإلحادي الصاعد من فلسفة نيتشه وشترن وفيورباخ، وتمثل هذا التيار روايات تولستوي ودستويفسكي كما تهدف روايات غوركي إلى التمرد على القيم البورجوازية والفوارق الاجتماعية والدعوة إلى الاهتمام الشديد بالواقعية الاشتراكية وببطلها لانسان البروليتاري.
الروسي الحديث ولم يعد لسؤال بيلنسكي : هل نملك أدبا؟ سوى قيمة تاريخية، فابتداء من سنة 1840 خرجت القصة الروسية الحديثة، وهي ترتدي ثوبا إنسانيا عالميا.
هكذا وجد الشعب الروسي أدبه الخاص بعد معاناة وطول انتظار... أدبا ممتدة جذوره في أعماق التربة الروسية الأصلية، باسقة فروعه في أفق الإنسانية الرحيب، دانية قطوفه للإنسان في كل مكان وزمان أدباله أبعاد ثلاثة: البساطة في التعبير، والحزن العميق في الانفعالات، والمشاركة الوجدانية الإنسانية في الموضوع، وهي أبعاد يتميز بها الأدب الروسي عن سائر الآداب العالمية إذ تقدم لنا عالما يضج بالعذاب الإنساني وشقاء الحياة اليومية سرعان ما نحس أنه ليس عالم الإنسان الروسي وحسب بل عالم الإنسان المشكل التي تتصارع فيه فوق الخير والشر ويتجاذبه المرح الأكثر صفاء والكآبة الأكثر غرابة.
إنه أدب الأرض القاسية المناخ والشعب المتمرد على الأرض والإنسان البرمثيونسي المستيقظ.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here