islamaumaroc

كيف سما الإسلام بالغريزة الجنسية

  دعوة الحق

59 العدد

يتدخل في سلوك الإنسان غرائز فطرية جبل عليها، وهي أساسية في انتظام حياته، منها غريزة المقاتلة، وحب الاستطلاع، والبحث عن الطعام، والرغبة في الاستعلاء.... والغريزة الجنسية أو غريزة حفظ النوع ـ ومعناها وجود ميل فطري بين الرجل والمرأة، ميل عميق في التكوين الحيوي، يجعل الرجل يطلب المرأة والمرأة تطلب الرجل حتى يتم الإبقاء على الجنس البشري، ويتم امتداد هذه الحياة على ظهر الأرض، وتتحقق خلافة الإنسان، واستعماله لهذه الأرض« هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ». وتظل هذه الغريزة تلح على التقاء الرجل مع المرأة حتى يتم ذلك. ولذلك لابد أن ينظم هذا اللقاء حتى لا ينشأ عنه فوضى، تؤدي بحياة الإنسان وحضارته وتفسد كل تنظيم يقيمه وتحطم كل تقدم يحرره... ولكن كيف يتم هذا التنظيم؟ ليس له إلا طريقة واحدة وهي أن يتم لقاء رجل معين مع امرأة معينة بعقد يشهده الناس ويباركونه وهو الزواج المعروف بشروطه وقوانينه ومقدماته، ويتم ذلك حينما يستطيع الرجل تحمل تبعاته المادية، ويكون مستعدا لذلك جسميا ونفسيا، وعليه في هذه الحالة أن يسارع لتحقيقه ولا يتأخر عنه. فقد قال عليه السلام : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج » الباءة = المقدرة) وهذا هو التصريف السليم لهذه الغريزة فيشعر الشاب برجولته ويصبح رب أسرة مسؤولا عن بيت تشاركه زوجه في بنائه فيتربى على تحمل التبعات وبشعر بقيمته في المجتمع يساهم في بنائه ويتحمل نصيبه من العمل لخدمة وطنه وسعادة مجتمعه.

عقبات في الطريق :
ولكن المجتمع الذي نعيش فيه، سرت إليه تقاليد وعادات غريبة عنه: فقد بساطته، وتعقدت أمامه وسائل الحياة وفقد الزواج معناه الفطري السليم وأصبح مجالا للتفاضل بالأثاث والرياش والمباهاة بالمظاهر والحفلات التي لا تغني شيئا بل قد تكون فيما بعد نكبة وسببا من أسباب فشل الحياة الزوجية مع أن الإسلام يقرر أن أكثر الزواج بركة أقله نفقة.
وكان أن تعقدت في هذا المجتمع وسيلة كسب العيش، وأصبح الشاب الذي يبلغ الحلم في سن الرابعة أو الخامسة عشرة أو ربما قبل ذلك لا يستطيع أن يجد المجال الطبيعي لا تباع غريزته بالطريق الطيب الحلال أي « الزواج » إلا في سن الخامسة والعشرين أو أكثر، إذ عليه أن يبقى عشر سنوات في صراع مع دوافع الغريزة في نفسه التي تلح عليها أن يشبعها بأي وسيلة أو بين تقاليد المجتمع الموروثة وبقية من خلق وفضيلة لا زال يتظاهر بها هذا المجتمع، يقه الشاب في صراع شاق عنيف إن لم يجد ما يعنيه عليه ويشد أزره فيه ويقدم له العون والنصيحة المخلصة فإنه قلما يتماسك في هذا المجال. سنوات عجاف على الشاب أن يمضيها قبل أن يعترف له المجتمع بحق إقامة الأسرة، (ويقول علماء النفس في هذا المجال أن كبت الغريزة بصيبه بكثير من العقد والعلل النفسية، وهم بهذا يصرحون من طرف خفي بالتحايل لإشباع هذه الغزيرة قبل الطريق السليم المشروع ولكن لنقف وقفة أمام الكبت والقمع).

الغريزة بين الكبت والقمع :
والمقصود بالكبت. كبح دوافع الغريزة في النفس ومقاومة الميل الفطري، والغريزة لا تقاوم، والفطرة لا تقهر. فعندئذ لابد أن تتسرب الغريزة في جنبات النفس كطوفان غامر وجد أمامه سدا منيعا، فلابد أن يفيض على الجوانب ويتسرب إلى الأعماق، وفي كلتا الحالتين تحدث في النفس البشرية إلى الأعماق، وفي كلتا الحالتين تحدث في النفس البشرية وفي الجسم البشري تلفا وفسادا. والإسلام لا يكبت الغريزة بهذا المعنى بل يعترف بها ويقررها حقيقة واقعة (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث)، فهذا الميل إذن محبب إلى النفس ليس بقذر في ذاته ولاعيب ولا دنس بل أن النبي عليه السلام يقول أحبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وبهذا يتمشى الإسلام مع الفطرة السليمة والنفوس المستقيمة يعترف بدوافع النفوس وحاجاتها ثم يلبيها بطريقة منظمة نظيفة. فلا يترك لها العنان لتندفع كالمجنون وكالسيل العارم لتفسد كل شيء.
ولكنه يضع العقبات في طريقها، لا عقبات تستأصلها من أعماق النفس ولكن موانع وحواجز لتحتفظ بها لوقت الحاجة يقيم هذه الحواجز والموانع لا في داخل النفس ولكن من خارجها ويبعد عنها أسباب الإثارة والإغراء.
ولينتفي بذلك الكبت ويبقى القمع والإرادة والتحكم السديدة لا في الدافع الفطري الغريزي، ولكن في الدفعة الجامحة والانطلاق الحيواني الشهواني. أنه إذن يعترف بالغريزة ويقرها ولكنه يقف دون الطرق الغير المشروعة التي تود أن تسلكها للتنفيذ والإشباع، وليس هذا القمع والتحويل أدنى درجة في الخطر على النفس والمجتمع بل هو ضروري لإثبات الوجود الإنساني وبيان تعين بالعقل والبصيرة والتفكير. وارتقاء كريم من عالم الحيوان الأعجم الذي تسيره الغريزة دون بصيرة منه أو تفكير.

مثال من غريزة أخرى :
ولنأخذ غريزة البحث عن الطعام التي تحبب الأكل إلى كل نفس، فلو قال إنسان أن حب الطعان رذيلة وخطيئة ثم هو في نفس الوقت محتاج أن يأكل ويشرب فهذا هو الكبت الذي يوقع النفس في صراع عنيف برغبتها الملحة بين أوامر العقل الباطن في استقذار هذه الدوافع فتنشأ العقد النفيسة والاضطرابات العصبية، ولكن الرغبة في الطعام إن تركها لتتبع نفسها دون رقيب أو تنظيم، إذن لوجدنا الأيدي تمتد إلى كل فاكهة حلوة في الطريق وتختطف كل طعام تشتهيه وتلتهم ما قد ييسر لها من الطعام التهام الحيوان المفترس الذي لا يعقل ولا يفكر. إذن لابد أن تذهب هذه الغريزة وتقوم. فنكون للطعام نظاما لتناوله وآدابه، والطريق المشروع للحصول عليه، فإذا أعجزه ذلك فليصبر قليلا على الجوع والعطش حتى ينال بذلك حاجته بطريق طيب
 ولقد أبيت على الطوى وأظله
            حتى أنال به لذيذ المطعم
ولم يقل إنسان بأن ذلك التنظيم والقمع لغريزة البحث عن الطعام والحصول عليه يصيب النفس بالعلل والأمراض، فما بالنا نقر هذا التنظيم في مجال هذه الغريزة ثم إذا طالبنا بالتنظيم في الغريزة الأخرى قالوا لنا أن هذا يصيب النفس بالصراع والعلل وما هي إلا دعوى شيطانية لا تستند إلى أسس من علم أو عقل أو بصيرة. اللهم إلا باتباع الهوى والتحايل الخبيث على إفساد المجتمع وانسلال أفراده.... إن ضبط الغريزة الجنسية وقمعها وتنظيم مصارفها لهو واجب على كل شاب حتى تستقيم حياته، ولم ينتج عنها من أثر في الجسم أو النفس إلا تقوية الإرادة وتماسك العزيمة. وإلا يكون الإنسان أسير شهوته وعبد رغبته، بل يتعالى عن كل هذه الدعاوي في نفسه وبذلك يتعود معالي الأمور، ولا تشق عليه تكاليف الحياة ومشاكلها ويجد في نفسه القوة التي يقابل بها الصعاب والأزمات فلا تخور نفسه أمام كل نازلة ولا يذهب إليه عند كل مصيبة. ولكن هذا القمع لابد له من أسباب تساعده وتأخذ بيده. ومن الأسباب التي تعين الشاب على العفة في حياته المقبلة.
1) التربية الدينية : ولا نقصد بها تعليمه الصلاة والصيام وفرائض الإسلام فحسب ولكن نقصد من ذلك تربية وجدانه الديني وتقوية إيمانه بالله إيمانا يجعله يدرك تمام الإدراك أن عين الله تلحظه في كل وقت وأن عنايته تحوطه في كل مكان وأن علمه لا يخفى عليه شيء حتى حديث النفس وخواطرها مكشوفة معلومة لله « ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد » « ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ألا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا » « وما تكون في شأن وما قتلوا منه من قران ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه » فيعيش الشاب في هذا الجو الروحي الكريم يعبد الله كأنه يراه (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فإذا همت نفسه بمعصية أو حدثته بخطيئة أو سؤلت له شرا عف من أعماقه : الله معي، الله يراني، الله ينظر إلي، فيستحي أن يراه الله على معصية فيعيش دائما في قانون من أخلاقه وحصن من فضائله لا يقاوم نوازع الفطرة وإنما يحافظ عليها حتى يصرفها في الطريق المشروع السليم، وإن الغريزة لتعرف كيف تصرف نفسها بنفسها فتخرج الفضلات الزائدة وحدها بغير إثارة ولا تنبيه في النوم حتى لا يكاد يدرك الإنسان ذلك في الصباح.
2) العلاج الثاني وهو سلبي يتلخص في منع أسباب الإثارة والإغراء فلا بد من إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة ولا تستشار فيه الغريزة بدفعات اللحم والدم في كل حين فالنظرة الخائنة والحركة المثيرة والزينة المتبرجة والجسم العاري والكلمة المتكسرة كلها تهيج السعار الحيواني المجنون في النفس وتثير كوامن الغريزة، فتنطلق باحثة عن إرواء، فإما أن ينفلت الزمام وينطلق الإنسان كثيرا من طاقته في هذه وتلك فتبدد طاقات يمكن أن تستفيد منها الأمة في نهضنها فلا بد إذن أن تغض يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم.. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» والنظرة أول سهام الشر إلى النفس فإذا اتقى الإنسان هذه السهام فقد سلم وسلمت له نفسه وأن تعرض لها فلما يعود إلا بجراح وحسرات، قال صلى الله عليه وسلم : « النظرة سهم من سهام « إبليس المسمومة من تركها خشية الله إذاقه الله حلاوة الإيمان في قلبه » ولابد لجسم المرأة أن يستتر حتى لا يكون نهبا مباحا لكل ناظر وسلعة رخيصة مبتذلة في الأسواق، « يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساٍء المؤمنين بدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين » وللمرأة أن تلبس ما شاءت بشرط أن لا يظهر لا وجهها وكفها وألا تكون ثيابا ضيقة تصف ما تحتها أو رقيقة مشمام وقد أمرنا الله سبحانه أن نحافظ على أنفسنا وأهلنا من النار، « ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة »، والإسلام يرسم نظاما كاملا للحياة بجميع صورها وليس لنا أن نخرج عنه في أي أمر صريح من أوامره (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

الاختلاط وأثره في النفوس :
يقول بعض مدعي العلم أن الاختلاط بين أفراد الجنسين وإزالة الحجب والموانع والترخص في الحديث واللقاء والخلوة والتنزه الطهر للقلوب وأعف للضمائر وأعون على تصريف الغريزة المكتوبة، وإشعار للجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك. وهذا القول لا يستند إلى علم ولا إلى واقع. أما العلم : فنعلم أن الغريزة دافع فطري لا يفتر عن النداء والمطالبة ولا يكون إباحة الشيء لها وتيسير وسيلة لإشباعها مما يقلل لهفة النفس عليه ورغبتها فيه. ولنأخذ مثلا كذلك من غريزة البحث عن الطعام: فالطعام المباح في كل وقت هل أدى ذلك إلى أن تعافه النفس ويعرض عنه الطبع. بل أن الفرد إذا ـ تعددت أمامه أصناف الطعام والشراب ازداد نهمه حتى أنه لينسى اتساع بطنه فيأخذ أكثر من حاجته فيضر نفسه أبلغ الضرر.
وقد يصبر الإنسان على الجوع ما دام لا يرى أمامه ما يغريه بالطعام والشراب ـ والزوجة في منزل زوجها مباحة له فهل كان ذلك ـ سببا في هجرها والصدود عنها، لا، بل إنها تلبي نداءه في كل وقت بنظام يجعل الحياة تسير في مستواها الرفيع وإذا سألت شابا ممن يمارس الاختلاط فعلا عن شعوره عند الاختلاط بعده لأجابك بصراحة إن لم يمنعه الخجل والحياء أن يصرح : أنه كشخص جائع يجد أمامه ألوان الطعام الشهية ورغم رغبته فيه يخجل مما حوله من الناس ويتمنى من صميم نفسه لو خلى بينه وبين ما يشتهي حتى إذا انصرف عن مجتمعه هذا ولم يحقق رغبته انصرف إلى أحلام أو إلى تفكير قذر سقيم أو إلى فاكهة محرمة رديئة ساقطة يلتقطها من هنا أو هناك يسد بها جوعته ويطفي بها ظمأه: نحن نلوم الشباب ونحن الذين نضعه في اللهب ونطلب منه أن لا يحترق والقرآن يقول : (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، يقول هذا عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين وعن رجال الصدر الأول وهذا التشريع إنما هو عام لجميع المؤمنين.
المرأة العاملة :
ولكن تقاليد المجتمع وتعقد أساليبه في الحياة اضطرت المرأة أن تخرج ـ لتعمل ولا بأس في ذلك ولكن في حماية من العفة والخلق وعدم الإثارة (ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) أي لا منكرا ولا فاحشة. ثم يقابلها من الطرف الآخر شباب غضيض الطرف يراقب ربه في سره وعلنه. في هذه الحدود ـ وبهذه الشروط وعلى هذا الأساس تعمل المرأة وتتعلم. أما كما نرى الآن في مجتمعنا هذا الاختلاط المثير لغير ما ضرورة ولا مبرر إلا بدعوى المدنية والتقليد الغربي فهذا ما حطم قيمنا الخلقية وشوه الشكل الفطري لمجتمعنا الإسلامي.
فما هي ضرورة الاختلاط في ملاعب الرياضة وساحات السباحة وما هي موجباته في مدارس يمكن أن نوفر فيها أسباب الاحتشام والفضيلة.
نقطة أخيرة في الموضوع يجب أن نحمي المجتمع من جميع المثيرات كالقصص الداعرة والأفلام التي لا تهدف إلا إثارة الجنس، وأن يكون هناك رقابة على الآداب العامة في الطرقات ومجال العمل حتى لا ينطبق علينا قوله تعالى : (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق).
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here