islamaumaroc

موقف ملوك الدولة العلوية وفخرها المولى إسماعيل من مؤسسة الأحباس

  دعوة الحق

59 العدد

لأبي النصر المولى اسماعيل بن الشريف العلوي ملك المغرب مواقف عظيمة وفخر تجل مآثرها عن الحصر، تواكب شخصيته الفذة وعزيمته القوية، وتوائم همته الملوكية، واتساع أفقه في الميدان السياسي والإداري الذي نتج عنه تاريخ حافل، ترعرعت في ظله الدولة الفتية واستقر الأمن، وكثر العمران والازدهار وطالت مدة حكمه من سنة 1083 إلى سنة 1139 هجرية إلى ستة وخمسين سنة، ومن القضايا التي استرعت اهتمامه وتجلت فيها مساعيه البيضاء قضية الأحباس الإسلامية في هذه المملكة التي كانت موضع اهتمام ملوك الدولة العلوية على العموم وعلى رأسها عظيمها المولى اسماعيل ولا شك أن نفسه الكبيرة انطوت على عوامل قوية تدفعه لرعاية الأملاك المحبسة.
أولا تدينه فقد كان يحامي عن الإسلام وأرض الإسلام بسيفه وقلمه، فكان يدعو الرهبان بإيالة المغرب للمناظرة بحضرته على أن يقتنعوا بدين الإسلام المبني على المنطق والحجة، ولم يكتف بهذا بل كاتب رؤساء دول من أوربا، يحاجهم في أحقية دين الإسلام ويدعوهم إليه عسى أن يهديهم الله لإجابة دعوته وما عليه إلا البلاغ.
ثانيا : رغبته في نشر العلم الديني والدنيوي واستشارته للعماء في مهمات الدولة، وهذه المساعي تتطلب العناية بالمؤسسة التي تسند أمور الدين، وتضمن استمرار الإقبال على تعلمه والقيام على وظائفه بأماكن عبادته التي هي مساجد الله، وتلك هي الأملاك الحبسية.
ولذلك خصصت هذه الكلمة لموقفه من مؤسسة الأحباس لرغبة وزارة الخارجية التي ستقيم مهرجانا لذكرى مرور ثلاثة قرون على اتخاذ هذا الملك العظيم مدينة مكناس الفيحاء عاصمة لملكه العتيد، فقد كان للمولى اسماعيل إزاء الأحباس موقف عظيم حفظ الكثير من أوقاف المسلمين من الضياع والغصب، والسرقة والنهب، وذلك بالعناية بها والمساهمة القيمة في تكثيرها، وإنشاء الدفاتير الرسمية لتسجيل وإحصاء أملاكها.
والواقع أن العناية بمؤسسة الأحباس ابتداها مولاي الرشيد العلوي إبان استيلائه على فاس ثم وسع دائرة هذه العناية مولاي اسماعيل واستمر على هذه الطريقة عظماء الدولة العلوية إلى وقتنا الحاضر.
فقد ذكر أبو القاسم الزباني في شرحه لألفية السلوك عند تعرضه لجلوس مولاي الرشيد على دست الملك بالعاصمة الفاسية ما معناه أنه وجه للأستاذ أبي زيد عبد الرحمن بن القاضي الفاسي يستقدمه عليه لدار إمارته فاعتذر بعدم القدرة لكبر سنه وملازمته لبيته، فأتاه السلطان لعرصة قريبة من بيته من ثقب أحدث في سورها فقال له السلطان.
جئتك لأسنشيرك فيمن أوليه بفاس من حاكم وقاض ومحتسب وناظر، فقال له أما الحاكم فلا أتقلده، والقاضي حمدون المزوار، والمحتسب عبد القادر المركني الفلالي والناظر العدل مسعود الشامي، ولما خرج من عنده أمر أن يبنى بالمحل الذي دخل منه باب وبقي طريقا فهو درب الدرج لم يكن قبله.
ولما بلغ دار الإمارة نفذ الإمارة لسيدي محمد بن أحمد الفاسي والقضاء للمزوار والحسبة والنظارة لمن ذكر، فامتنع الشامي من النظارة فسجن سبعة أشهر، ولما ضاق به الأمر أجاب على شرط أن لا يتعرض له قاض ولا وال، لأن الأحباس كلها حازها اللصوص والأشراف أيام الفتنة حتى كادت أن تستأصل كلها واشتغل بالبحث عنها واستظهارها ومن اتهم بربع أو أرض أو جنان أو دكان يحوز مغصوبا أو لا رسم عنده علم أنه مغصوب فيحوزه للحبس حتى رد الأوقاف كلها وزاد عليها ما وجد مغصوبا من الوقف أو غيره.
ومن تتمة هذه الاستشارة المبنية على الإخلاص من جانب السلطان مولاي رشيد ومن جانب الاستاذ عبد الرحمان بن القاضي أن القاضي المزوار أخذ يحكم بغير المشهور، فكتب ابن القاضي لمولاي رشيد يقول له (أن من أشرت عليك بولايته له أصهار، وأصحاب تجار، ومخالط لأعيان فجار، فأقلني من عهدته أقالك الله من عذاب النار، فكتب له أن ينظر للقضاء من هو أهل، غريب الدار، لا قرابة له ولا أصهار، خامل الذكر، فذكر له المجاصي الغياثي فولاه القضاء بفاس).
وعلى هذا الإجراء في الأحباس بعاصمة فاس يكون الناظر النزيه الكفء المثالي السيد مسعود الشامي قد ضرب المثل في رعاية قضايا الأحباس، ويكون المولى رشيد الذي قبل شرطه وأسنده وقواه، قد فتح الباب لمن يأتي بعده، حتى تحفظ هذه المؤسسة الإسلامية وتحاط بسياج من الحصانة والإجراءات الإدارية والتشريعية التي تضمن استمرار أدائها لمهمتها الإسلامية السامية ومن الممكن جدا أن يكون التلاعب بأملاك الأحباس قد وقع في بلدان أخرى غير فاس فكان ذلك من البواعث التي جعلت المولى اسماعيل يتدارك بحزمه أملاكها على اختلاف أنواعها في جميع أنحاء المملكة المغربية، التي وحدها تحت سلطة العرش العلوي المجيد.
ولقد تصفحت عدة حوالات حبسية عسى أن أجد الأمر بإنشاء الحوالات الإسماعيلية إلى أن وجدت في مقدمة حوالة تازة الجامعة التي كتبت في عهد مولاي اسماعيل بتاريخ 1116 هجرية إسناد نظارة الأوقاف العامة للكاتب السيد محمد القيسي الفاسي بأمر المولى اسماعيل، وما قام به هذا الناظر في الإيالة المغربية فكان هذا الوجود سندا تاريخيا هاما، ففي مقدمة الحوالة الحبسية لمدينة تازة بعد ثناء جم على المولى إسماعيل ما صورته:
وكان من جملة ذلك اعتناؤه أيده الله بعمارة المساجد وافتقاد أحوالها بكل ما يعرض لها من ناقص وزائد، ولم يقتصر أيده الله أن قدم بنور هدايته لقضاء تلك المئارب، وتشريف تلك المناصب خديمه الأنصح الأمين أبا عبد الله السيد محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله القيسي الأندلسي الفاسي المشهور بالكاتب لما رأى أيده الله فيه من زيادة الاعتناء، وممارسة لعظائم الأمور وتقديرات البناء، فقلده أمورها على الشمول والاستغراق، وأطلق له في محاسبة أحباسها على العموم والإطلاق  فقام بحق ذلك بهذه الإيالة السعيدة أي قيام، واشتهر في إتقانه وضبطه اشتهارا لم يسبق به فيما تقدم من الأيام حتى انتهى في انتشار بحرته إلى حضرة مدينة تازة، ودشر الباهية، وجمع من أحباسها ما كانت واهبة متلاشية، وقام في ضبطها قياما أبدع في طرقه، وأجاد في تهذيبه ونسقه، وجمع من أحوال أحباسها ما افترق وتتبع من شواردها ما خرج عن حيزه وانطلق، وضرب على يد من له فيه يد جائلة، أو عن سبيل البر والتقوى مائلة، وحسب الجميع حسابا لم يدع فيه شاذة ولا فاذة، ولا ترك فيه لذوي الشبهات علاقة ولا جادة، وتقدم بنظره السديد ما تقوم به المساجد والمدارس والعلماء ما يستحقون، بتعمير المساجد وملازمة المجالس حتى أتى ذلك بما ترضاه القلوب السليمة وترتاح به النفوس الحليمة، لجريان ذلك على القوانين الشرعية وموافقته للأوامر العلوية ثم افتقد أحوال مساجدها الصغار واستدرك من أثقالها ما أغفله غيره من النظار، فأظهر لكل واحد من الأوقاف ما ينتسب إليه، وناقش حساب من تصرف فيه أو كان مقدما عليه، حتى اتضح خراج جميعهاواشتهر، بحيث لا يجهل أحد عده، ولا يخفى قدره على محاسب بعده، ثم كمل كل سرذلك بتوقيعه في هذه الحوالة الكبيرة، وجرى نظره في ذلك على أحسن طريقة وأكمل سيرة، وأبقى مصرف الجميع على غرض المحبسين وعلى ما تدوم به عمارة المساجد على مر السنين، فكان ذلك كله نظرا وصوابا، وحسنة (بياض) مولانا أيده الله عند الله ثوابا).
وبعد هذه التفصيلات تذكر مقدمة الحوالة الحبسية استبشار المسلمين وكثرة دعائهم لحامي حمى الدين المولى اسماعيل. ويظهر أن المولى اسماعيل أسند النظر في عموم الأحباس بعد الناظر القيسي إلى السيد بلقاسم المسطاسي الذي كان بمنزلة وزيرها ينظر في جميع مصالحها، ويولي ويعزل نظار الجهات مباشرة، فقد وقفت على ظهير تجديد المولى عبد الله بن اسماعيل للناظر العام السيد بلقاسم المسطاسي ما كان عليه من الولاية العامة على أمور الأحباس، نص الظهير المؤرخ بمنتصف جمادى الثانية سنة 1143 هجرية، بعد الحمد والصلاة على النبي والطابع العلوي الشريف: كتابنا هذا أسماه الله وأعز نصره، وخلد في دفاتر المجد أمره وذكره، بيد خديمنا وحبيب أبوابنا الأرضي الأخير الأقرب السيد بلقاسم المسطاسي ويتعرف منه بحول الله وقوته وشامل يمنه العميم ونصرته أننا جددنا له به ما كان عليه من النظارة في أمور الأحباس في جميع الأقطار والمدن والبلدان والقرى والمداشر، وبسطنا له اليد الطولى على جميعها بحيث لا يقصر عن البحث والتفتيش في الأدنى والأقصى فإن جل مهماتنا هذا الأمر الأكيد وجعلناه العوض منا في ذلك وأني بفضل الله تعالى وقوته أقمته هذا المقام على مر الليالي والأيام فعليه بتقوى الله ومراقبته في سره وعلانيته، وعليه بمحاسبة النظار وأهل النظر في هذا الأمر حتى يترك من أراد ويولي من أراد، ومنا إليه في التقصير، وعلى الله المعول وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير) فصيغة الظهير بالتجديد تدل على أن هذا الناظر العام كان متوليا قبل ذلك.
ويستفاد من مؤرخ الدولة العلوية العلامة السيد عبد الرحمن بن زيد رحمه الله أن السيد الطيب ابن أحمد بن غازي المكناسي كانت له رياسة وزارة الأوقاف المغربية في سائر الإيالة العلوية والنظر التام والتصرف العام في جميع الأحباس على عهد السلطان مولانا عبد الله بن اسماعيل، وأن ابن زيدان وقف على محاسبة لناظر أوقاف الجامع الأعظم بمكناس سنة 1149 هجرية ولاحظ أنه لم يكن يطلق على الناظر العام اسم الوزير.
هذا وأن المتتبع للحولات الحبسية يجدها أنشئت في عهود عدة ملوك علويين منها المحمدية ومنها السليمانية ومنها غير ذلك.
وقد بقيت أحباس بعض المدن دون تسجيل إلى زمان مولاي محمد بن مولاي عبد الرحمن بن هشام ففي مقدمة حوالة مدينة سلا حكاية عن جلالة مولاي محمد بن عبد الرحمن ما نصه : ورأى أيده الله وزاده بسطة في ملكه وجمع الخلائق في عقده المتناسق وسلكه الأوقاف المتوافرة الوافرة المقوية بمستفادها على زاد العبد للآخرة التي أوقفتها الأمة الإسلامية، وأسست بنيانها الدولة الهاشمية بالثغر الجهادي   الأنور، والركن المشيد الأشهر، المسمى بمدينة سلا، صانها الله من كل آفة وبلاء وحرسه بعينه التي لا تنام، بجاه سيدنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام وبلغه نصره الله وأيده، وأدام رشده وسدده، إن تلك الأحباس والأوقاف لا جامع لها، ولا ضابط يصونها، مع طول الزمان من الإتلاف، وإنما هي بتقاييد وزمامات لا يتوصل إلى تحقيق ما بقي منها وما فات ألا من دفاتر ولاة أمر النظر، ولا يخفى ما في ذلك من الخطر، وهذا هو العرف عندهم القديم، لا يقدرون له على تأخير ولا تقديم، أمر أيده الله وأعزه وأدام مجده وعزه قاضي الثغر المذكور حينه ووقته، الفقيه الدراكة النقاد، شمس سماء الفضائل وبدرها الوقاد أبا المحاسن أبا بكر بن المرحوم الفقيه العلامة القاضي سيدي محمد عواد أن ينظر في تلك الأوقاف السعيدة نظر الرائد، ويعمل الجهد في استنساخها ووصل الصلة بالعائد، وتؤلف كلها بديوان جامع لأشتاتها، ومحيط بأجزائها وكليتها، على نسق حوالة أهل فاس الغراء، لأنها عمل من تقادم من جهابذة العلماء والقراء، ويلتقط ذلك من مظانه الخفية والشهيرة، وببحث عما أبهم أمره من أجزائه اليسيرة، فكان من أنعام الله على القاضي المذكور وتيسيره، إن صادف الأمر الشريف بذلك أول ولايته القضاء وتصديره، فافتتح به عمله السعيد بادئ بدئ وشرع فيه مستعينا على حمل ذلك العبء وامتثل أمره الشريف العالي بالله وشرع في ذلك كاتبه بالاذن الشريف والاستعانة بلا حول ولا قوة إلا بالله حتى كمل الغرض المأمور به كما أمر، وتم على أحسن حال مستمر، وجاءت الحوالة والحمد لله في أحسن تقويم، جارية على السند المرعي، والنهج القويم، سهلة المطالعة، حاوية لما في غيرها من المقاصد، جامعة مانعة متصلة الأماكن والأجناس، منظمة التراجم مبينة ما لجانب الوقف كلا أو بعضا من غير احتمال ولا التباس، معينا منها كل جزاء برسم مع تحديده وتعيينه بما له من وصف ورسم مشهودا على عينه بحوزه، واستمرار التصرف فيه بأنواع التصرفات الوقفية، من غير مدافعة دافع أو لمزه، وبسبب ذلك لم تحصل مشقة لمطالعها حسبما يقف على ذلك إن شاء الله عقبه في أثنائها، وتاريخ طلوعها طلوع البدر في التمام، في عاشر شعبان من عام خمسة وثمانين ومائتين وألف هـ.
ونريد أن نختم هذه النماذج من الحوالات الحبسية بأمر مولوي صادر عن السلطان مولاي عبد العزيز قدس الله روحه لناظر الدار البيضاء بتاريخ 28 جمادى الأولى عام 1315 هـ يتعلق بإحصاء كامل لأملاك الأحباس هناك ونصه: خديمنا الأرضى ناظر الأحباس بالدار البيضاء حرسها الله وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبعد، فنأمرك أن تجعل تقييدا لجميع رباع الحبس الذي على يدك هنالك، كل محل على حدته، وتقييد ما بازائه اسم مكتريه، وإن كان رعية حامية، وإن كان أجنبيا فبين اسمه وجنسه، وقيد أمام اسم المكتري الكراء الذي يدفعه في ضلع، وما يساويه اليوم كراء في ضلع آخر، ومن كان متقاعدا عن الآداء نبه عليه، وبين سبب تقاعده ثم قيد عقب ذلك المنفذ منها بدون كراء وبيد من هو وهل يعتمر المنفذ له أو يكريه على يده وهكذا إلى أن تأتي على جميعها على الوجه المذكور ووجه التقييد بها واصلا لحضرتنا الشريفة والسلام، انتهى. ويظهر أن القصد من هذا الإحصاء والتقييد الزيادة في الكراء وللضرب على أيدي المتلاعبين بأملاك الأحباس.
هذه الكلمة المامة بسيطة بموقف الملوك العلويين من العناية بالأحباس قبل عقد الحماية أما بعد هذا العهد فلها مجال آخر.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here