islamaumaroc

شخصيات من بلادي: أديب الفقهاء

  دعوة الحق

59 العدد

ذلك هو شعره، انسيابات، دفقات، همسات تمثل كل نقلة من نقلات الشعور، وكل وثبة من وثبات الخيال، وكل طفرة من طفرات الإحساس.. ترفدها موسيقى ليست هي الوزن والقافية التي تكون الوشاح الخارجي للقصيدة بل هي أصداء الانفعال الذي تحسه عندما تقرأ له قصيدة فتتجاوب معها تجاوبا خاصا يطرب أحاسيسك وتشعر كما لو كانت روح الشاعر قد تقمصت شخصك فلا تملك إلا تلهث:
لا فض فولد يا شاعر...

إن كل شيء فيه يشي بالوقار... عيناه الخافتتان...ووجهه المتلالئ المائج بالبشر، قامته المعتدلة، مشيته الوليدة، التفاتاته الهادئة الحالمة، ضحكته الصافية الآمنة.
كل شيء فيه يشي بالوقار، كل شيء فيه يبعث في نفس رائيه الطمأنينة والراحة، فهو دوما يتحلى بنفس المنظر الجذاب إذا ما أصبح ويمتاز دوما بنفس المظهر الرائع إذا ما أمسى حتى ليخيل لبعض أصدقائه أنه ليس بشرا بل روحا شربت من خمرة الطهر المعصر من دنان ماء المزن، وتذهب بهم الظنون كل مذهب في سر ما هو عليه من هدوء شامل لا يستثيره ما حوله عن ضوضاء، لا تجده إلا مبتسما للحياة يتمثلها من وراء منظار أبيض، يسير في مساربها إلى غاية، يسير ومسعى يسدد خطاه، وأمل يلوح له من بعيد، ورؤوى ترقص على حواشي آماله الوليدة تدعوه إلى أن يقدم حيث ينتظره مجد سماوي وإشراقات غيبية، وأرواح أزلية تباركه وتؤمن له بأن مغريات الدنيا لا تلبث أن تنطفئ في لمح البصر، وأن القناعة النفسية والزهد في الأعمال، كل ذلك يزرع في طريق المرء بساطا من الزهور مختلفة الألوان والأشكال...
من أجل ذلك انقطع بعض الشيء عن الحياة انقطاعا لم يجعله يطلقها طلاقا بالثلاث وإنما كان يحاول ما وسعته المحاولة أن يجانب ضوضاء الناس ومخالطتهم وكثيرا ما كان يتساءل في أعماق نفسه: ما الجدوى في الثرثرة، ما الجدوى في الكلام المتطرف الذي قد يؤدي إلى نهش الأعراض، كثيرا ما كان يتساءل في أعماق نفسه فيجد الجواب ينساق إليه انسياقا:
لا جدوى، غير أن الخير كل الخير في المثابرة الروحية التي تنبثق من مكمنها قوى الغلبة الداحرة للرغبات الدنيوية الظمأى.
قصد المسجد الذي اعتاد ارتياده وتوجه إلى المكان الذي ألف الجلوس فيه ثم راح في تفكير عميق يتأمل ويوقظ صورا لشبابه الذي دب إليه البلى، وحاول أن يبكي لكنه لم يستطع، لقد تجمدت الدموع في محاجره وما لبثت أن تسللت إلى قلبه قطرات فيها دفء وحرارة.
إن الشيء الذي ما يزال يحز في قلبه ويقلق باله ويجعل جنبه يكفر بالمضاجع تلك الجلسات العلمية اللطيفة التي كان يعقدها مع أصدقائه والتي كانت تسودها روح الأخوة والمحبة والتي كانوا يطرقون أثناءها أحاديث مختلفة تمت إلى الأدب مرة وتتشعب مرات فتناول خليطا من الثقافة، ومما كان يضفي على هذه الجلسات البهجة والروعة تلك الروضة الجميلة التي تحرش عليها الياسمين وزانتها زهرات بيضاء انتثرت في أشجارها الصغيرة كما تنتثر النجوم في دجنه، إنها كانت آية في جمال، فكم آوتهم أياما عديدة رحابها، واستمعت إلى أحاديثهم المختلفة أرجاؤها، أين هي تلك الروضة اليوم، لقد عفت عليها السنون وطوحت بكل جميل فيها.
منذ أيام وقفت عليها استنطق ترابها وأوراق أشجارها اليابسة التي كانت فيما مضى تفيض بالحياة، وسألت وألحقت في السؤال بيد أن في تسألي رجفة حزن، ورنة أسى، فبكيت واستبكيت فغصت لهاتي بمثل آهة مكبوتة وتمثلت بقول النابغة الذبياني :
وقفت فيها سراة اليوم أسألها
              عن آل نعم أمونا عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا
              والدار لو كلمتنا ذات أخبار الروضة أقفرت من الخلان فأصبحت سجل ماض حلو تعيش ذكرياته حية في نفسي...
وهو أن ينس فلن ينسى تلك الليلة الساجية ذات النجوم السواهر اليقظى التي ألقى فيها قصيدته الغزلية فاهتزت لها النفوس طربا، وتحركت لها القلوب تأثرا:
أتى العاشقين الحسن منك مجددا
             فلبى فؤادي في هواك مجرهدا
مضى عمر لم يكلف القلب بالهوى
            فلاحت له أنوار حسنك فاهتدى
وما حسن يخلو الفؤاد من الهوى
           ولا سيما قلب يحبك أسعدا
لحا الله من أحسن يفند مغرما
           غدا بشراب الحب فيك معربدا
أبحت افتصاحي في محبة شادن
          أحل دماء العاشقين تعمدا
يميل إلى هجري ولو أنه درى 
            بفرط اشتياقي واكتئابي توددا
حقيقة، كانت الجلسات جلسات لا يجود بها الدهر وإذا جاد بها فسوف يجود بصورة مصغرة منها، تلك أيام غبرت وانطوت بغير رجعة استفاق القاضي الأديب الطيب بن ابراهيم بسير الرباطي الأندلسي من دوامة التفكير التي انداح فيها لحظات من الزمن انسلخ خلالها عن حاضره وغاص في يم الماضي البعيد...
ترى من هوى الطيب بسير...؟
إنه أديب الفقهاء ونسيج وحده، فنان تقوده رهافة الإحساس، ويحدوه صفاء الطبع ونصاعة النحيرة، جاء إلى الحياة وفي عينيه إشراقات التفاؤل، ضرب بسهم وافر في مختلف العلوم فأصاب منها وقتئذ فانفردت وحدها بالصدارة والمكانة الباسقة التي لم يتمتع بها إلا بسير، بسير على حدة، بسير الذي نشد القمم وغفل السهول شأنه في ذلك شأن النسور.
أخذ هذا الأديب عن العلامة الرهوني والشيخ الغربي والقاضي العروصي وغير العروصي من جهابذة العلماء، وكانت دراسته على الرهوني أثناء إقامته يوازن عند الشيخ علي بن أحمد الوزاني وهو من جملة المقرظين لحاشية شيخه.
ولما أتم من التحصيل والطلب تصدر للإفتاء والتدريس فاستمد من ينبوعه الثر جمهرة من أفذاذ الفقهاء من بينهم العالم المكي بوجندار والطاهر بريطل.
وعندما عرضت عليه خطة القضاء وقف بسير وقفة تأمل وتدبر، وإقدام وإحجام، تارة يجمع شتات شجاعته وتارات تخونه عزيمته، وفي الأخير يتقدم إلى الميدان وفي نفسه عزيمة قوية على أن يقوم بعمله أحسن قيام، وقام للقيام بمهام القضاء وهو يعلم يقينا ما سوف يجده في طريقه من أشواك وصعاب ذلك لأن هذه المهمة تكمن فيها مسؤولية أقل ما يقال فيها أنها مسؤولية شائكة لمن يتقلدها ويقبلها وهو رابط الجأش، صادق النية، نقي السريرة بصيرة بما قد يرقد في كينونات المشاكل الحياتية التي تعترض سبيل الإنسان، وعلى الرغم من ذلك فقد زاول بسير القضاء وتحمل أعباءه وواجه المعضلات بصدر رحب وعقلية نفاذة فكان المنطق عماده في استنتاج النتائج، والتعالي عن المزالق ركيزته الأمر الذي جعله يمارس الوظيفة ومكناسة الزيتون.
ولعل هذا لم يتيسر إلا لمثل بسير الذي أظهر براعة فائقة كأشد ما تكون البراعة، مدهشة كأحسن ما تكون المهارة...
تلك حياته...
فما هي شاعريته؟ أهي صورة طبق الأصل لشخصيته؟ أم هي صعيفة مستضعفة؟ أهي قدت من حجر أصم، أم مستمدة من ينابيع الرقة والفتنة؟..
الجواب عن هذه الأسئلة يستقطب في هذه العبارات:
السحر الحلال، أتعرفه؟ السحر الذي لا تنفع فيه التعاويذ والرقى، أتعرفه؟ لا شك في أنك تعرفه وإذا لم تكن تعرفه فالجواب يأتيك طوعا:
شعره مصاغ من قلب مفعم بانسيابات عاطفية، ودفقات وجدانية تستحيل كلماته إلى وقعات كوقعات الأمل الرحيب، وحركات جائشة وهمسات زاخرة مؤثرة، ولهثات ملتهبة والتفاتات مرنانة الصدى ذلك هو شعره، انسيابات دفقات، همسات تمثل كل نقلة من نقلات الشعور وكل وثبة من وثبات الخيال وكل طفرة من طفرات الإحساس ترفدها موسيقى ليست هي الوزن والقافية التي يكون الوشاح الخارجي للقصيدة بل هي أصداء الانفعال الذي تحسه عندما تقرأ له قصيدة فتتجاوب معها تجاوبا خاصا يطرب أحاسيسك وتشعر كما لو كانت روح الشاعر قد تقمصت شخصك فلا تملك إلا أن تلهث:
لا فض فوك يا شاعر..
وإن أردت الدليل على ذلك فخذ قصيدة له غزلية تتمشى في ثناياها حلاوة الرضاب وعذوبة النغم المجنح يخاطب فيها فتاة جميلة سرقت لبه وخلبت عقله إذ أنها تتمتع بجمال فائق وفتنة تفوق الوصف الأمر الذي جعل الشاعر يتساءل : هل فتاته خلقت من الشمس أم من النور والناس خلقوا من غير طينتها؟ ومما يؤكد ذلك تأكيد يقطع دابر الشك عندما يقرر أن فتاته ليست من نسل آدم ولكنها سرقت من الملاك ((رضوان)) الغافل، والشاعر قد كنى بهذا المعنى بأن فتاته من حور العين، وهو في كل ذلك يقتبس بعض الاقتباس من الشاعر ابن زيدون في قوله من قصيدته النونية المشهورة:
ربيب ملك كان الله أنشأه
         مسكا وقدر إنشاء الورى طينا
أو صاغه ورقا محضا وتوجه
         من ناصع التبر إبداعا وتحسينا
فاستمع إذ يحدثنا عن فتاته الآنفة الذكر:
يا بديع الجمال مم خلقت
          أمن الشمس أم النور أنت
خلق المرء من حماء وطين
          ومن النور والبهاء خلقت
لست أنت من نسل آدم لكن
         كان رضوان غافلا فسرقت
وإن شئت دليلا آخر فاقرأ هذه الأبيات:
زمان أنارت مشرقات شموسه
         بوصل رشا قد أخجل البدر نوره
رشا قد سطت الحافظة بسيوفها
         ومزق قلبي واستتم سروره
وجيد جيد الريم يحكي صفاؤه
         وحسنه بلورا فقلبي أسيره
ثم اقرأ له هذه الأبيات التي يشبه في البيت الأول منها الورد الجني بخدوج العذارى وقد وزينتها سوالف الشعر:
ولما بدا الورد الجني كأنه
         خدود عذاري قد حمتها السوالف
 أتى باسما ثغر الأفاحي مقاوما
         فقالت خدود الورد هل لك سالف
فلم ير إلا أن تنثر عقده
         يقبل ساق الورد والعقل تالف
ومن نظائر هذه الأبيات قوله :
كأنما الزهر إذ بدت محاسنه
         لعين ناظرة في ناظر القضب
أنامل صاغها الرحمن من درر
         تضم كفا على كأس من ذهب
ومن تشبيهاته :
أنظر إلى البحر في أمواجه
          تأتي إلى الشط أحيانا وتنحرف
كأنه ملك جاءت عساكره
          تقبل الأرض طوعا ثم تنصرف
وأرهف سمعك إلى قصيدة له يحكي لنا فيها كيف خالسه الطرف فغدا بعد ذلك مسحورا بلحظها مخبولا:
لاحظتني بساحر الطرف منها
          فغدوت بلحظها مسحورا
وأرتني من القناع منيرا
          أخجل الصبح إذ بدأ تنويرا
رق معنى جمالها وترقى
         فرأيت لديها حسنا كبيرا
خطرت تثني اعتدالا وعجبا
         مثل ما حرك النسيم نضيرا
وأشارت لمعصميها ونادت
         من يصيد من الظباء الغريرا
إلى أن يقول في الختام:
كذب القائلون إني أسلو
        إنه كان بالفؤاد بصيرا
ليت شعري وطال منها التجني
         هل يعود وصالها لي سميرا
وهو إذ ينتهي من قصيدته الغزلية يشرع في نظم موشح جميل كله رقة تحكي رقة نغمات الأرغن ودبدبات الجدول المنساب وحركات الموج الراقص، تحدث الشاعر في موشحه الآتي عن حسن القدود اللينة والسحر في العيون الفاترة وعن أعذب الوصل عن الصدود، ورشفة الخمر من الثغور، في كل ذلك يحلو الغرام جهرا وعاذل الصب ما عدل، يقول:
ما أحسن اللين في القدود
          والسحر في العين والفتور
وأعذب الوصل عن صدود
          ورشفة الخمر في الثغور
في ذلك يحلو الغرام جهرا
          وعاذل الصب ما عدل
لو ذقت كأس الرحيق عدرا
         مشمولة والدجى انسدل
أبديت للشاربين عذرا
        ولمت من مال للعذل
فارتح لراح براح غيد
        حور قصرن على القصور
يبسمن عن لؤلؤ نضيد
        غنين عن جوهر النحور
إن مسن يوما هززن رمحا
             فوقه شمس على كتيب
يسدلن من شعرهن جنحا
              يكاد أن يستر الكثيب
وإن رنا لحظهن لمحا
              أتين بالساحر العجيب
يا طالب العز والسعود
             مبتغيا ربة الخدور
أجمع مع الشرب نقر عود
            وأسدل على سرك الستور
هذه غزلياته...
أما نبوياته فله نونية طويلة هي عبارة عن توسلات برسول الله (ص)، ومناجاة دافئة بالتنهدات المعطرة بالأشواق والآهات المؤرجة بالأشواق، وقد نظمها بمناسبة ذكرى مولده الكريم ومطلعها وهو رائع:
يا نسمة صافحت بالمسك دارينا
           هبت لتحي أرواح المحبينا
لا تبرحي عن حما صب يشوقه
          نسيم حبك تحريكا وتسكينا
وسكنى فؤادي بعض مزعجه
          وحدثي عن أحبتي وحيينا
زوري الخلى حشاه عن سواك ولا
           بك (التنائي بديلا من تدانينا)
وهكذا تمضي القصيدة برمتها لا تشوبها أحيانا غير عبارات فقهية لا تتساوق والإشعاع الشعري كمثل قوله: لا عيب في الحب (إن صحت شواهده)
ألا ترى معي أن عبارة (أن صحت شواهده) تدخل في باب العلميات وخصوصا كلمة (شواهد).
ألا ترى معي أيضا أن الشاعر لو غير العبارة السابقة بهذه العبارة:
إن زفت بشائره
لتناسق المجرى الشعري.
كما نجد بعضا من القوافي تنبو عن مكانها إذ أنها لا تؤدي وظيفتها وإنما سقيت لتكملة البيت كقوله:
وأصلح الأهل والبنين كلهم
        والمسلمين ومن يقول أمينا
ومن نبوياته أيضا:
على سيدي حداة العيس سيروا
        فإنه مضعف مضنى كسير
ولا تزجو مطاياكم حثيثا
        فقلبي معكم أبدا يسير
وإلا فاحملوا عني سلاما
         إلى مفنى به القمر المنير
إلى دار النبوة والمعالي
         إلى بيت به الهادي البشير
ومن تخميساته :
وما اشتدت الأزمات أوجا مفزع
         أو جاء قلبي مكرب أو موجع
إلا ونادى قلبي المتخشع
         (يا من يرى في الضمير ويسمع
(أنت المعد لكل ما يتوقع)
ومن مساجلاته بيتان أجاب بهما بعض أدباء مكناسة الزيتون في 21 ذي القعدة عام 11242هـ نصهما:
إذا ما سما يوما أخوك لحظة
        ولا سيما إن كانت الخطة القضا
فحسبك منه عشر عشر وداده
        ولا ترتجي منه الوداد الذي مضا
خلقنا للحياة وللممات
        ومن هذين كل الحادثات
ومن يولد يعش ويمت كان لم
        يمر خياله بالكائنات
وتختار المنية فيما تختار شاعرنا الرقيق وقاضينا النزيه في غضون سنة 1271هـ فيغيب في الأعماق، ويترامى في أحضان السكينة الخرساء بعد أن كان إكليل غار على جبين الشهباء، وجذوة الأمل الخافت، وهمة في شرايين الزمن، عزما موارا في أوصال الدهر، فيرقد أخيرا بالزاوية التهامية بمحج سيدي فاتح بالرباط ينصت إلى أناشيد السكون، ودبدبات الصمت الرهيب.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here