islamaumaroc

تطور النثر العربي المعاصر خلال قرن كامل

  دعوة الحق

59 العدد

تكشف دراسة تطور النثر في الفترة الممتدة منذ أوائل النهضة في العالم العربي (1840 تقريبا) حتى أوائل الحرب العالمية الثانية (1940) أن هذه الفترة كانت مجال معركة كبرى بين التقليد والتجديد في الأسلوب وبين المحافظة والتجديد في الفكرة والمضمون.
وقد تطور النثر العربي الحديث في خلال هذه المائة عام فقط، أربع مراحل واضحة المعالم خلال تيارين كبيرين هما المحافظة والتجديد، فقد كانت دعوة المحافظين تحمل لواء المحافظة على اللغة العربية والدفاع عنها ودخول معارك في سبيل حمايتها، وإبراز أمجاد العرب وإحياء تراثهم والدعوة إلى وحدتهم وعودتهم إلى الكيان الواحد والدفاع عن الإسلام، ومقاومة كل الأراء الباطلة التي أذاعها كتاب الغرب والدعوة الوطنية في سبيل الحرية ومقاومة الاستعمار والمطالبة بالجلاء، ولم يكن المحافظون من خريجي الأزهر وحده بل إن عددا كبيرا منهم كان متصلا بالثقافة العربية، بل ومنهم من تعلم في أوربا.
وكانت دعوة المجددين تتراوح بين الاعتدال والتطرف وتستهدف الاتجاه إلى الثقافة الغربية واستعمال أساليبها وتحرير الأسلوب العربي من قيود الزخرف، والترجمة من الآداب الغربية، وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي والعربي وفق الأسلوب العلمي كما أدى إلى ظهور أدب المرأة بعد تحررها، وكانت في تطرفنا تنقل نظريات متعصبي الغرب أمثال رينان وغيره ممن يرددون نظريات فوارق الأجناس بين السامية والآرية واتهام العقل العربي بالقصور وتغليب اللهجات العامية وإثارة العصبيات القديمة البائدة كالفرعونية والأشورية والبابلية والبربرية وغيرها ومحاولة النقص من شأن الأمجاد العربية والتراث العربي واللغة والدين.
وقد عاش التياران جنبا إلى جنب خلال هذه الفترة يتصارعان ويتداخلان في معارك ضخمة متعددة كانت تشتد حينا وتهدأ حينا، ثم يتأثر كل تيار منهما بالآخر فيجري المحافظون ثمة إلى الأمام فيجددون في الأسلوب والمضمون ويذهب المجددون إلى التحفظ قليلا في إنكارهم للقديم كله، فنشأ من ذلك أربعة تيارات متداخلة : التيار المحافظ والمحافظ المعتدل، والتيار المجدد المتطرف والمجدد المعتدل، أما التيار المتطرف فهو الذي دعا إلى تغريب الفكر العربي تغريبا كاملا والسير سيرة الغرب ونقل حضارته كاملة (ما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب)، والتيار المجدد المعتدل الذي يدعو إلى التطور في النقل ومراعاة الظروف وحماية الشخصية الذاتية بحيث يزيدها النقل قوة ولا يمسخ معالمها الواضحة.
وفي خلال هذه الفترة الممتدة من 1830 إلى 1940 عاش الأدب العربي حياة خصبة ضخمة شديدة الحركة واسعة التطور، قامت في أساسها على اليقظة الفكرية التي جاءت بعد فترة طويلة من الجمود والتقليد في أواخر حكم المماليك كما يبدو في أساليب كتابنا في تلك الفترة، ويعد أسلوب « الجبرتي » عنوانا عليها.
ويمكن القول بأن « رفاعة الطهطاوي » هو رأي التيار الجديد حمل لواء الحركة التجديدية في العالم العربي كله في ميدانيه الكبيرين الأسلوب والمضمون، وهو تمثيل الصورة التي امتدت طويلا خلال تاريخ حياتنا الأدبية، إذ يجمع في دقة وقوة بين اللونين اللذين ظلا يؤثران في حياتنا الفكرية ويمزج بينهما وهما الثقافة الدينية (الأزهر والزيتونة والقرويين)، والثقافة الغربية وقد استطاع أن يمزج بين أسلوبي المحافظة والتجديد في اعتدال وقوة، وقطع بذلك مرحلة طويله في هذا الطريق الذي سار عليه من بعده الموكب كله، فهو قد جدد « الأسلوب » حيث تحرر من الزخرف القديم وترجم من الأدب الفرنسي وحمل كتاباته من « المعاني » على نحو جعل الأسلوب وسيلة للإعراب عنها، وبذلك ألقى الضوء الأول على طريق المرحلة التجديدية.
ومن ثم بدأت الهجرة إلى أروبا وأمريكا من مختلف أنحاء العالم العربي حيث شكلت جماعات الأدب المهجري وبعثات الجماعات، وقد اتسم التجديد أول الأمر بالعنف ثم رد بعد ذلك إلى شيء من الاعتدال وهو إنما الدفع إلى العنف والتطرف نتيجة لروح الجمود الذي سار عليها الأدب العربي فترة طويلة وتحت ضغط ما بهر المهاجرين والمبعوثين من عظمة حضارة الغرب وحريته الفكرية، ولذلك مضى التيار التجديدي يعمق ويندفع وقد قام في الأغلب على الثقافة اللاتينية والترجمة العلمية من الإنجليزية والترجمة الأدبية من الفرنسية، ويمثل علماء لبنان جدارا ضخما في حماية اللغة العربية « اليازجين والبستانيين واليسوعين » وكان كتاب الشام أشد جرأة من كتاب مصر، وقد حملت الشام لواء إحياء اللغة وتجديد الأدب ودعوة القومية العربية والترجمة، فلما كانت الهجرة الاضطرارية إلى مصر امتزج تيار الشام بتيار مصر الذي كان طابعه علميا في الأغلب وقد جرى الصراع بين المحافظين والمجددين في ميدانين : 1) حول الأسلوب التقليدي الذي كان يحمل لواءه توفيق البكري ومحمد بيرم وعبد الله نديم ومحمد المويلحي وإبراهيم اليازجي والأسلوب الجديد الذي برز في كتابات فارس الشدياق ويعقوب صروف وجرجي زيدان وفتحي زغلول وقاسم أمين، ثم في أسلوب فرح أنطون وشبلي شميل.
وكان الصراع في الفكر تقدميا واضح الجرأة يقوم على أساس الدعوة إلى الحرية ومحاربة الاستبداد والاحتلال، وتحرير الدين من قيود التقليد، وتحرير المرأة من الحجاب ودفعها إلى التعلم والسفور.
قاوم جمال الدين ومحمد عبده وعبد الله نديم وعبد الرحمن الكواكبي الاستبداد والاستعمار في قوة وعنف، ودعا فارس الشدياق ورفاع الطهطاوي وقاسم أمين إلى تحرير المرأة، وبدا الطهطاوي وفتحي زغلول وعشرات غيرهم الترجمة من الفرنسية ويعقوب صروف وفارس الشدياق من الإنجليزية.
وبرزت الدعوة إلى إحياء التراث الإسلامي وبعثت اللغة العربية في كتابات رشيد رضا ورفيق العظم، وظهرت باحثة البادية وإخوات لها في الشام كزينب فواز يكتبن في الصحف وينشئن الفصول.
وهكذا تمثلت في هذه الفترة جميع عناصر الحياة الفكرية وهي تندفع إلى الحركة والحياة لتسد الفراغ الذي عاش فيه الأدب العربي خلال فترة الجمود والتقليد التي امتدت أكثر من ثلاثة قرون، وكأنما قد بدأت الحياة الفكرية تندفع بقوة وتتمثل في محاولة مقاومة الاستبداد السياسي والاستعمار والاحتلال الفكري وقد حملت الصحافة لواء المعركة بين المحافظة والتجديد، كانت مرآة لفكر كله، على صفحاتها أثيرت كل قضايا السياسة والاجتماع والأدب، صدرت « العروة الوثقى » في باريس لتقاوم الاستعمار البريطاني وصدر « المقتطف » في بيروت ثم انتقل إلى القاهرة ليترجم العلوم، وتطورت الحضارة وصدرت صحف تحمل رأي الاستعمار، وصحف تحمل رأي الحكام والأمراء، وصحف تحمل لواء الرأي العام وظهرت صحف تدعو إلى الجامعة الإسلامية، وصحف تدعو إلى القومية العربية، وصحف تدعو إلى القومية الضيقة في كل وطن عربي.
فإذا ما بدا القرن العشرون تبلورت هذه الحركات الفكرية وتعمقت هذه النزعات الفكرية ومضت تشق طريقها في قوة، أما الأسلوب التقليدي في الكتابو فقد ظل قائما، وإن كان قد تقلص في عدد قليل من الكتب، فنحن لا نلمح إلا في حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي وليالي سطح لحافظ إبراهيم وأسواق الذهب لشوقي، أما فيما عدا هذا فإننا نجد أن الأسلوب العربي قد قطع طورا جديدا في طريق التبسيط والوضوح وخاصة على أيدي كتاب الصحف ومحرريها وفي هذه المرحلة تعمق تيار الترجمة فنرى « سليمان البستاني » يترجم الإلياذة إلى اللغة العربية شعرا وتستغرق ترجمتها منه أكثر من خمسة عشر عاما.
وظهر تيار الكتابة العلمية المتطرفة في كتابات شبلي شميل وترجماته للنشوء والارتقاء ونظرية دارون كما ظهر الأسلوب الإنشائي يحمل الفكرة والقصة والترجمة في كتابات المنفلوطي والبرقوتي.
وظهرت مجلات أدبية تحمل لواء الترجمة من الغرب مع إحياء التراث العربي على اختلاف في النهج والوسيلة، وشاركت القرويين والأزهر والزيتونة باخريج طائفة من العلماء ولم تقف عند الفقه بل اتجهت إلى الأدب.
وفي هذه الفترة كانت الكتابة الأدبية هي أقوى ألوان الكتابة، كان الاستعمار قد سيطر على المنطقة كلها أو كاد، وظهرت الصحف تحمل لواء الدعوة الوطنية المندفعة بأسلوب العاطفة والحماسة ثم ظهر تيار يدعو إلى التقارب مع الاحتلال ومصالحته وقبول التعامل معه باسم الدعوة الوطنية الضيقة.
وبدأ الكتاب المجددون في العالم العربي أحد فريقين : فريق يسير في ركاب المحتل ويؤمن بحضارته وأخطاره إيمانا كاملا وفريق مستنير يأخذ من القديم بطرف ومن الجديد بطرف على هدى وبصيرة في سبيل الحفاظ على شخصيتنا العربية الإسلامية.
وظهر في هذه الفترة الدعاة إلى الحماية اللغة، يعملون على تقييمها وترقيتها ودفعها إلى الأمام لمواجهة الحضارة وكلماتها ودفعها لحملات السوء التي بدأ يشنها عليها غربيون ومتغربون، وظهر في هذه الفترة عبد القادر المغربي والستاسن الكرملي وأحمد تيمور ومحمد مسعود وأحمد زكي باشا والألوسي وطاهر الجزائري.
وبدأت كتابة التاريخ القومي على النحو الحديث بكتابات أحمد شفيق، وفي هذه الفترة ظهرت كاتبات عربيات: عملن في الصحافة وكتبن المقالة ونظمن القصيدة أبرزهن : هند نوفل ولبيبة هاشم.
ولم تطل هذه الفترة حيث وقعت الحرب العالمية سنة 1914 وامتدت إلى سنة 1918 ثم اندلعت الثورات في مصر والعراق والشام وفلسطين والمغرب وبدأت بعد الحرب العالمية مرحلة من أضخم مراحل النهضة الفكرية كان قوامها البحث عن أساس لحياة فكرية وأدبية واجتماعية جديدة وقد امتد فيها الصراع بين المحافظة والتجديد على نحو أشد قوة وعنفا.
تتسم الفترة التي تلي الحرب العالمية الأولى بعمقها واتساعها وضخامتها وغزارة محصولها وكتابها لقد كان طبيعيا أن تظهر بعد الحرب العالمية الأولى نتائج واضحة الحركات ودعوات الحرية والاستقلال التي سبقت الحرب، وزاد من دقة الموقف أن الدول المحاربة اقتسمت العالم العربي فيما بينها واحتلت الأجزاء الباقية منه وخاصة الشام والعراق بعد أن فرقته إلى أقطار، وبعد أن ذاقت الأمة العربية خلال الحرب ويلات ضخمة نتيجة لسيطرة الغزاة على أرضها واستغلال خيراتها، مع الوعود التي أعطيت بالحرية والاستقلال، ولم تلبث أن تحولت إلى احتلال وانتداب ووصاية وكلها لا تعني غير الاستعمار مختفيا وراء أسماء تخفف من وقعه، وفي خلال فترة ما قبل الحرب كانت ليبيا والمغرب قد وقعت تحت قبضة الاستعمار.
وقد اندلعت على أثر انتهاء الحرب الثورات المتوالية واضطرت الدول المحتلة أن تعطي لهذه الأقطار استقلال ذاتيا ودستوريا وبرلمانا وأحزابا متضاربة، هنالك، بدأت حركة جديدة من حركات التطور الفكري والثقافي، فإن الأقلام التي كانت قبل الحرب العالمية تقاوم الاستعمار وتدعو إلى الحرية والاستقلال والجلاء وتهاجم الاستبداد الممثل في السلطان والخديو والأمير قد تحولت إلى صراع داخلي بين الأحزاب المختلفة منصبا في الأغلب على سلطة الحكم، وقد لون هذا الصراع الحزبي : الأدب في جميع أقطار العالم العربي، فكانت قضاياه في الأغلب جزءا من السياسة أو مشابهة لها في أسلوب العرض ووجهات النظر، وكأنما أحس الاستعمار بأن سلطانه القائم على الاحتلال العسكري، أو السيطرة على الحكام ليس كافيا في نظره للبقاء الطويل لذلك اتجه إلى السيطرة على الفكر العربي والأدب والثقافة واللغة والمقدرات والتراث والدين، وحاول أن ينتسيء صراعا ومغالطة وإقليمية في هذه القوى جميعها، وذلك حتى يتبلبل الرأي الواحد وتتحول الفوارق المصطنعة التي أقامها إلى فواصل حقيقية فقام من يدعو إلى الثقافات المحلية وإلى تحويل اللغة العربية إلى لغات محلية بتقوية اللهجات والكتابة بها وإيثارها على اللغة الفصحى الأم متخذا من موت (اللاتينية) وتفرعها إلى لغات فرنسية وإنجليزية وإيطالية وغيرها مثلا يضرب أو هدفا يحتذي واتسع نطاق الدعوة إلى فرنسة وجلترة اللغة والفكر، وامتد هذا الاتجاه إلى مقاومة القومية العربية بالذات بالدعوة إلى إحياء التراث الأقدم وقامت إذ ذاك دعوات الفرعونية والفنية والبابلية والأشورية والبربرية، وظهرت أبحاث ودراسات تحاول أن تجعل لهذه، الدعوات أدبا وثقافة، وتجري لربط هذا للماضي البعيد بالحاضر القائم، ثم ظهرت دعوات إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وإلى تغليب اليونانية على العقل العربي وإلى التحرر من الطربوش والعمامة إلى القبعة، وإلى دعوات متعددة في ومجالات الثقافة والفكر والاجتماع كلها تهدف إلى غرض واحد، هو التشكيك في ماضي الأمة العربية وتحويل الفوارق المصطنعة إلى فوارق طبيعية، وإثارة لنزعات القديمة التي انمحت بعد أن أصبحت الرقعة وطنا عربيا موحدا.
وكان هذا من حمل لواء أصحاب التيار التجديدي بقسمية: المتطرف والمعتدل، وفي نفس الوقت زادت قوة التيار المحافظ وتطور وكسب كثيرا من المثقفين وواجه المعركة في قوة وحمل لواء الدفاع عن اللغة العربية ووحدة العالم العربي والإسلامي.
ولم يلبث أصحاب هذا التيار أن عدلوا طريقهم فاقتربوا قليلا من المجددين، تغير أسلوبهم، وحمل لواء الدعوة إلى « البناء على أساس » وبعث القديم في أساليب حديثة والنقل من الغرب فيما يزيد شخصيتنا قوة، واضطر كثيرون من معتدلي المجددين إلى الانتقال إلى صف هذا التيار بعد أن كشفت أحداث ما بعد الحرب عن خيبة أمل في الحضارة وحماتها نتيجة لمواقفهم المهينة بالنسبة لحرية الشعوب ولتداعي نظرياتهم وأرائهم، وبعد أن تكشف أن هذه الدعوات إنما هي دعوات استعمارية اتخذت العلم ستارا لها، ولم تكن هي من العلم في شيء، وأن علماء منصفين من الغرب نفسه قاموا يدحضون هذه النظريات ويقولون بتعصب أصحابها، واضطر المجددون أن يخففوا من غلوائهم عند ما شاهدوا قادة منصفين من رجال الفكر الغربي ينصفون العرب ويذكرون فضلهم على الحضارة الأدبية ويكشفون عن الدور الكبير الذي قاموا به في سبيل الحضارة والثقافة، بعد أن نقلوا تراث اليونان والرومان العلمي وزادوا فيه وأضافوا إليه وبذلك حملوا ميراث الحضارة في فترة القرون الوسطى التي أظلم فيها الغرب، ولم يكن هؤلاء الكتاب قلة، ولم يكونوا من مجهولي الاسم أو الأثر بل كانوا أعلاما بارزين، وهناك تحول بعض كتاب التجديد المتطرفين عن موقفهم، وبني آخرون يصرون على الخطأ، وكانت لهم مواقف ـ بعد توقيع المعاهدات التي عقدت في بعض البلاد العربية مع إعلان الاستقلال الذاتي في ظل وجود جيش الاحتلال ونفوذ المعتمد البريطاني والفرنسي ـ فيها إمعان في التعصب للحضارة الغربية وإنكار للقومية العربية. ومع إصرار عدد من كتابنا على الوقوف موقف التطرف والانحراف في الدعوة إلى التراث العربي والتهوين من مكانة اللغة العربية، وقد كان لهؤلاء صلة ببعض دوائر المستشرقين الذين كان الاستعمار يتخذهم أداة له في تحريف مفاهيم الثقافة العربية ومعالمها.
ومع هذا فإن كفة « المدرسة الوسطى » التي حملت لواء الجمع بين الشرق والغرب والقديم والجديد (على هدى وبصيرة) قد رجحت وظهرت صحف في العالم العربي تعد علما على هذه المرحلة، وقد زاد من قوة هذا الجناح الأوسط أن عددا من كتابنا في مصر قد طافوا بالعالم العربي وعادوا وقد تحول اتجاههم فأنكروا القومية الضيقة وآمنوا بالوحدة الكبرى ومضت أقلامهم تدافع عن القيم العربية.
وكان لدعوة التبشير التي اندلعت في هذه الفترة أثرها في نفوس بعض الكتاب، فقد اندفعوا إلى التماس تحرر الفكر العربي بالرجوع إلى التراث الإسلامي وأمجاد التاريخ العربي.
وقبيل الحرب العالمية الثانية برز عدد من الكتاب والكاتبات حملة الوية المدارس المختلفة، المحافظة والمجددة، واتسمت هذه الفترة ببروز عدد كبير من الكاتبات، كما تعمقت خلال هذه الفترة المذاهب والأبحاث والدراسات حتى ليمكن القول أن كتاب هذه الفترة هم امتداد للفترة السابقة، وإن لم يتألقوا تألق السابقين ولم يهزوا الحياة الفكرية بأحداث وثورات ومعارك قوية الدلالة.
وتعطي هذه الصورة التقارب بين المذاهب المختلفة، والتقاء المحافظة بالتجديد، فإن أغلب كتاب التجديد قد اتجهوا إلى إحياء التراث وأخذوا يبعثون القديم في صور جديدة، في حين جدد الكتاب المحافظون أسلوبهم واندفعوا إلى شيء من التطور، غير أن أوضح ما في هذه الفترة هو اختفاء الأسلوب التقليدي الذي عرف في كتابات البكري والمويلحي وشكيب أرسلان وخلفه أسلوب إنشائي نقي، وأسلوب أقرب إلى العلمية، ومعنى هذا أن الأسلوب العربي قد بلغ في هذه المرحلة درجة من الجودة والنقاء وحسن الأداء وزادت إمكانية كتاب (تأديب التاريخ) والكشف عن معاليم ثقافتنا العربية مع اصطناع الأسلوب العلمي الحديث.
وهكذا بدأت تتركز قواعد (المدرسة الوسطى، على نحو غير منحرف ولا منحاز يخرج بين القديم والجديد والشرق والغرب وفي هذه المرحلة ظهرت مجلات متخصصة للشعر والقصة، واتسعت آفاق الأدب في الصحف اليومية اتساعا واضحا فكانت لكل جريدة صفحة أدبية كاملة يومية، وكان لوجود الكتاب الذين سبقوا في الميدان أثر واضح في أن كتاب هذه الفترة لم يبرزوا إلى ميدان الصدارة، وقد كان بعضهم تبعا لهؤلاء أو تلاميذ بحكم سيطرة الأولين على الصحف ومراكز الصدارة في الحياة الفكرية والهيئات.
وهكذا تصل إلى الحرب العالمية الكبرى 1929 حيث بدا لون جديد من الأدب وتيارات أخرى لها طابعها الخاص.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here