islamaumaroc

دور الشعارات في تزييف حقائق الإسلام

  دعوة الحق

59 العدد

ليس خافيا أن إسلام المسلمين هو أشد ما يغري المستعمرين بحربهم والائتمار بهم، ولم يعد خافيا أيضا أن هؤلاء المستعمرين قد أنهوا منذ عصر بعيد حرب الحديد والنار، وبدأوا حرب الفكر والعقيدة والخلق.
ولقد كانت عبر الحروب الصليبية وءاثارها أول منبه لهم إلى ضرورة تبديل السلاح، وتغيير الطريق.. ولقد بدأ أول مظهر للسلاح والطريق الجديدين حينما ظهر أول مستشرق ومبشر، يدلف بخطى متلصصة إلى العالم الإسلامي، وهو (ريمون لوك)
أجل.. إن هذا ليس بخاف على أي مثقف ناله قسط من الوعي.
ولكن الأمر الذي لا يزال خافيا ـ ويا للأسف ـ عن فكر كثير من المسلمين، هو الكشف عن أحابيل الغزو الفكري الخطير، وتعربة المكائد التي يبعث بها لتسعى حول أذهان المسلمين وقد ارتدت رداء العلم والفكر والبحث..
ولقد كان من نتيجة خفاء هذا على كثير من المسلمين أن تسلل هذا الغزو إلى أفكارهم، ثم ولد الشكوك والوساوس في عقولهم، ثم طبعهم بطابع التبعية الفكرية لأولئك الغزاة المجرمين.
وأتني لن أتحدث هنا عن تفصيل هذه الأحابيل الفكرية، وكيفية دفعها إلى أذهان الغافلين لتبيض فيها وتفرخ، فلذلك حديث طويل، ولكني أستطيع أن أتناول منها نموذجا صغيرا يكشف للقارئ عن حقيقة الصور والنماذج الأخرى، ويزيح اللثام عن جملة الحرب الفكرية الخطيرة التي تقودها ضد الإسلام مجموع دول الاستعمار على اختلافها في العقيدة والسياسة والرأي.
ولنسم هذا النموذج ب (دس الشعارات).
أي اختلاق شعار ما، لم يعرفه الإسلام ولا شيئا من مصادره، ثم ألصقه خفية بجملة من حقائق الدين، ثم تناوله بالتكرار والترداد في المقالات والبحوث ومختلف المناسبات، حتى إذا صقلته الآذان وغدا وكأنه شعار صادق لبعض حقائق الإسلام جاء به القرءان أو نادى به الرسول (تبناه إجماع المسلمين ـ كر هؤلاء الذين صنعوا هذا الشعار وانطلقوا يحاربون الإسلام من منفذه، ويتخذون منه دليلا على تهافته أو ضعفه أو خطئه، وكأنهم ليسوا هم الذين أقبلوا فشوهوا به وجه الإسلام ليمكنهم أن يقولوا في حقه ما يشاؤون..
وليس ثمة أكثر من الأمثلة على هذا النوع من التسميات والشعارات. ولكن فلنتناول منها نموذجا واحدا أيضا : من هذه التسميات والشعارات إطلاق كلمة (التقاليد الإسلامية) على معظم الأحكام الاجتماعية للأسلام، فلقد سرت هذه التسمية في بحوثنا سريانا شاملا حتى أصبحت تستعمل من قبل كثير من دعاة الإسلام أنفسهم، دون أن يتهيأ لها من يستوقفها في أول الطريق عن التسلل والتوغل حتى يكشف عن هويتها ويستطلع ما وراءها ويعلم القوة الدافعة لها..
ولكن لا بأس.. فلنحاول أن نكشف عن هويتها وحقيقتها بعد فوات الأوان، فربما كان في ذلك عبرة لنا وعظة، وإيقاظا لمن يريد أن يتصانع الغطيط في النوم.
إن كلمة (التقاليد) إنما تعني في وضح اللغة العربية وما تواضح عليه عرف علماء الاجتماع مجموعة العادات التي يرثها الأبناء عن الأباء والأجداد أو تسري ـ بعامل الاحتكاك ـ في أهل حي من الأحياء أو بلدة من البلدان، بشرط أن يكون دافع التقليد المجرد هو التعصب الرئيسي الذي يمد في تلك العادات من أجل الحياة والبقاء.
فجميع ما اعتاد الناس عليه من أنماط الحياة في مجتمعاتهم، ومن مظاهر اللهو في أفراحهم وأعراسهم، ومن أشكال الحداد في مآسيهم وأحزانهم، مما حاكته عوامل التوارث القديم أو الاقتباس التلقائي عن طريق التأثر والاحتكاك ـ جميع ذلك يسمى في عرف اللغة والاجتماع (تقاليد).
ولا ريب أن أمة ما، كلما كان ارتباطها بقيود هذه التقاليد أحكم وأوثق، كانت قدرتها على التحرر والإبداع أقل وأضعف، ذلك أن كلا من عاملي التأثر والتأثير متقابلان متعارضان، فلابد أن تكون قوة أحدهما مظهرا للضعف في الثاني، وإذا علمنا أن معظم شعارات العصر الحديث من تحرر، وتقدمية، وانطلاق، وإنما تعني أول ما تعني الانعتاق عن قيود هذه التقاليد ـ أدركنا مدى ما تنقذف إلى هذه الكلمة من السهام والحراب.
غير أن كل هذه السهام والحراب تضيع في غير جدوى ـ في حساب أولئك الذين وقفوا عمرهم وأفكارهم لحرب الإسلام ـ إن لم تكن تصيب كبد الإسلام ومبادئه.
ولك كيف السبيل؟
السبيل هو أن يؤتي بمعظم مبادئ الإسلام وأحكامه، وتقام من خلف ستار (التقاليد) التي تنفذ في نحوها سهام المدينة الجديدة، إذ لا شك أن السهام ستخترق الستار لتستقر في كبد ما وراءها..
وهكذا يستفيق المسلمون ليجدوا معظم مبادئ الإسلام وأحكامه: كشؤون الزواج والطلاق، وحجاب المرأة وصيانتها، وعامة قضايا السلوك والأخلاق ـ قد أسبل من فوقها رداء (التقاليد) وأصبح العنوان الدال عليها على صفحات الكتب والجرائد والمجلات، وفي ندوات الباحثين والمثقفين، وفي رأي الكتاب والمفكرين هو : (التقاليد الإسلامية)..
وربما دخل في غمار هؤلاء كثير ممن لا يريدون بالإسلام سواء ولا يضمرون له كيدا، ولكنهم وجدوا تسمية راجت على السنة بعض الباحثين، ولمعت في صدر بعض الصحف والمجلات، فانساقوا إلى تأييدها ومشايعتها بدافع (التقليد) الحقيقي، ودون أن يكلفوا أنفسهم لذلك أي تفكير أو بحث.
غير أن هذا أيضا ليس هو محل الشاهد. فما الذي حدث بعد ذلك؟
حدث أن أخذ هذا الدس الخطير يثمر حناظله السامة في ميدان التربية والتوجيه الإسلامي، لقد أصبح الشاب الذي ينشأ في أسرة محافظة أو يعهد به إلى مربين ومرشدين، لا يتلقى المبادئ والأخلاق الإسلامية إلا على أنها قيود مؤسفة، فهم لا ينفذ إلا كما ينفذ المسجون أعماله منتظرا أول فرصة للانفلات والخلاص، إذ أن كلمو (تقاليد) توحي إليه أن قيمة السلوك والخلق الإسلامي ليست بسبب أنه مبدأ إلهي يكمن فيه سر سعادة البشر، وإنما بسبب أن كلا من السلوك والخلق الإسلامي ليس إلا عادات قديمة موروثة من الأباء والأجداد.. ولا ريب في أن النتيجة القطعية لهذا الإيحاء والفهم الخاطئين هي أن يضيق هذا الشاب وأمثاله ذرعا بهذا الميراث القديم الذي فرض نفسه على المجتمع في عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد.
لقد أخذت هذه الكارثة التربوية في صفوف جبانا المسلم تعظم وتستفحل منذ أن سمح لمثل هذا الشعار الزائف المدسوس أن يتسلل إلى البحوث والاصطلاحات الإسلامية، دون تعرف على هويته ودون تأمل فيما قد يثمر من مثل هذا الزيف والتضليل.
ومع هذا فليس أسهل على أي مسلم من أن يدرك أن الإسلام الذي جاء يهدم التقاليد ويقضي على كل امتيازاتها من مظاهر القداسة الموهومة لم يكن ليتبنى في الوقت ذاته الدعوة إلى التقاليد، ولا ليخط صراطه على ركام من الطقوس والعادات التقليدية البائدة.
وليس أسهل على أي مسلم عاقل من أن يدرك الفرق العظيم بين تقاليد الناس في أفراحهم وأحزانهم ومبادئهم الفكرية في قضايا خلقهم ومعاملاتهم، كل إنسان يعلم أن الأولى أن هي إلا نسيج من التوارث والاحتكاك التلقائي، وأن الثانية أحكام يطلقها العقل والفكر في جو مشبع بوسائل الدرس والبحث ولا ينقص شيئا من قيمة التعقل والتدبر فيها أنها جاءت عن طريق الدين ويأمره فما عرف الإسلام في أحكامه ومبادئه بميزة أعظم ولا أبين من ميزة الاهتداء بنور المنطق والارتباط بميزان العقل السليم.
إن الدين الذي جاء بشريعة الصيانة والستر للمرأة لم يأمر بذلك انسياقا وراء أي عادة أو تعارف.. ولكنه أمر فصل على قالب معين من الهيأة والشكل ليأتي مكانه في بناء الهيكل الاجتماعي للمدنية الإسلامية منسجما كل الانسجام مع مجموعة البناء من جهة، ومع فطرة البشرية ومقومات السعادة الإنسانية من جهة أخرى.
إن السعادة الإنسانية ـ مثلا ـ تقتضي تنظيم المسؤولية، وهذا يستوجب تنظيما لعلاقة الرجل بالمرأة، وتنظيم هذه العلاقة يستلزم أن تكون المرأة من حياتها الاجتماعية في علو شامخ تظل مطلوبة من قبل الرجل لا طالبة، وضمان بقائها كذلك يستوجب مزيدا من العفة والصيانة لدى المرأة حتى يغلق أمام الرجل كل باب للاستمتاع بها إلا باب الزواج، وتحقيق المزيد من عفتها وصيانتها يقتضي تحديد لباسها والإصرار على ضرورة احتشامها.
فأين مكان هذه الحلقات المترابطة في انتظام فكري وتناسق منطقي من دعوى (التقاليد) أو العادات أو الطقوس؟.
إن دول الاستعمار في هذا العصر تسعى إلى المكر بالإسلام والمسلمين من مئات السبل والأبواب، وما أمر (دس الشعارات) إلا سبيلا واحدة من هذه فما الذي يصنعه المسلمون وحكوماتهم يا ترى في سبيل الكشف عن هذا المكر وإغلاق السبل دون ذلك؟

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here