islamaumaroc

حول تطور العلاقة بين التقدمية العربية والشيوعية الدولية

  دعوة الحق

59 العدد

الثورة العراقية وعلاقتها بالخلاف بين التقدمية العربية من جهة والشيوعية الدولية من جهة أخرى ـ أحوال الخلاف منذ نشوب أزمة سنة 1959 ـ الحقائق السلبية والإيجابية التي ترتبط بذلك ـ الجوانب المبدئية التي يقوم واقع التناقض بين الفكرتين العربية والشيوعية ـ نتيجة استمرار هذا التناقض ـ علاقته بالصلاة الدولية العادية.

كانت الثورة الأخيرة التي عرفها العراق الشقيق، من أبرز الأحداث التي اجتازها العالم العربي خلال الشهور الأخيرة، ومن أعمقها دلالة وأبعدها أثرا، وقد بدأت العواطف النارية الجياشة التي ترافق ـ كما هو طبيعي ـ أية حالة ثورية من هذا النوع ـ بدأت هذه العواطف تستنفذ الكثير من حدتها وعرامتها الأولى، وذلك بفعل العادة والاستصحاب، وتحت تأثير العامل الزمني الذي يجرد مختلف الأشياء من ملابساتها السطحية... هذه الملابسات التي تعلق بها على وجه أو آخر، وتكسيها في البداية صبغة حادة ومثيرة، غير أن هناك على النقيض من ذلك أثارا أخرى بعيدة المدى والمفعول، ما تزال حركة العراق تنبثق عنها، وتحدث بها كثيرا من التأثير على وجهة الحياة الثورية العربية من جهة، والشيوعية الدولية من جهة أخرى هي من بين الآثار العميقة التي أفضت إليها تطورات العراق هذه، ومن أكثرها إيغالا في الأهمية وخطورة الشأن، ولعلنا نذكر أن العراق بالذات كان هو أيضا ـ ومنذ أربع سنوات فقط ـ مثار صدام حاد بين القويين العرب في المشرق، وبين مجموعة دول الكومينفورم على وجه العموم، وفي المقدمة الاتحاد السوفياتي ثم الصين الشيوعية كذلك، ونذكر أيضا أن ذلك الصدام الذي امتد فترة قصيرة نسبيا. وطيلة الشهور الأولى من سنة 1959 كان قد اكتسى مظهرا حادا جدا، وكاد يتشعب إلى درجة أوشكت أن تنال من بعض الأوضاع الدولية بالشرق الأوسط، وكادت تؤثر على تطور العلاقات الروسية في هذه المنطقة، وقد وجه رئيس الحكومة السوفياتية ساعتها نقدا مباشرا لموقف القوميين العرب من الأحزاب الشيوعية المحلية، وأبدى تذمرا مريرا من ظاهر التنافر الملحوظ بين الحركة التقدمية العربية وبين الخلايا والمنظمات ذات الاتجاه الشيوعي التي تنشط هنا وهناك في بعض أنحاء الشرق العربي، وتحاول أن تتخذ لنفسها مركزا في هذا القطر أو ذاك من أقطار المنطقة.
وقد كان من خير العلاقات العربية السوفياتية، أن الجدول الذي استفاض على أثر هذه التطورات بين الكرملين، وبعض المسؤولين العرب، والذي اشتد أحيانا إلى درجة محرجة جدا ـ أخذت وطأته في النهاية تخف شيئا فشيئا، إلى أن طويت صفحته بصورة تامة وأصبح نسيا منسيا، غير أن الحركة الأخيرة التي عرفها العراق قد كان من نتائجها أن أثرت من جديد التصادم الدولي العام، الذي ليس له من حدود، وعلى الرغم من أن قضايا العرب التطورية تقتضي منهم هكذا كل هذا التشديد على المشاكل الخاصة، والدوران حول محورها دورانا دقيقا وملتزما، على الرغم من كل ذلك، فإن هناك مجالات متوافرة تسلكها كثيرة من البلدان العربية نحو المزيد من التعاطي مع الشعوب الأخرى، والتصادي معها، في نطاق الاهتمامات من تعاون شامل أو محدود في بعض الميادين، ومن البديهي أن الفكرة التي تتبناها التقدمية العربية لا تتناقض في جوهرها مع مثل هذا الاتجاه القائم على تركيز التعاون الدولي، والاستفادة من معطيات هذا التعاون وتزداد أهمية ذلك بالنتيجة لتخلف الأقطار العربية البالغ، وتعرض الكيان العربي للتهديد الإسرائيلي المستمر، وعلى أساس هذه الاعتبارات الملحة، كيف يمكن إذن إدراك الاتجاه الذي يحدو البعض إلى إقحام البلاد العربية في خضم الصراع العالمي الكبير، واجترارها بذلك إلى نطاق الحرب الباردة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
هذه الحقيقة على بساطتها، كانت تستعصي غالبا على أذهان الكثيرين في الغرب، وطوال الخمسة عشرة سنة الماضية، ومن ثم فقد كانت هناك بالفعل كثير من المحاولات التي تكتسي أحيانا صبغة التآمر، تبذل على وجه أو آخر، لاجتذاب بعض الأقطار العربية واستدراجها إلى المشاركة في حلبة الصراع العام الذي لا يفتا أواره مستعرا بين الشرق والغرب، على امتداد الآفاق والأبعاد، غير أن ارتكاز الفكرة العربية بكل ما تحتويه من مفاهيم ومثل ومبادئ، وثباتها أمام التحديات السياسية والنفسانية والفكرية، التي ما انفكت توجه إليها من كثير من أقطار الغرب، كل ذلك قد بدأ يساعد في النهاية على إقناع بعض الجهات الغربية بفاعلية الوجود العربي المعاصر، وضرورة التسليم بكل ما هو ناشئ عن هذه الحقيقة من نتائج دولية محلية وعالمية، بما في ذلك الاقتناع ضمنيا باستقلالية الحركة العربية الحديثة، وامتناعها على إمكانيات التبعية، والتأثيرية البلهاء على اختلاف ما لها من أشكال وصور، وقد مرت خلال السنوات السبع الماضية، تطورات هامة جدا سواء في منطقة الشرق الأوسط العربي، وفي المغرب العربي أيضا، وكان يترآى من خلالها دائما أن جهات دولية أخرى ـ بما فيها العالم الشيوعي وفي المقدمة الاتحاد السوفياتي ـ هذه الجهات ما برحت تبدي قدرا كبيرا من الفهك والإدراك لحقيقة الحركة العربية الحديثة، وتعبر عن واسع الاقتناع بفاعلية هذه الحركة في صميم المنطقة العربية، وأهمية المحتوى المبدئي والواقعي الذي تعبر عنه باستمرار، والواقع أنه ما كان للشيوعيين وخاصة منهم غير الدوكاتيين أن يتمكنوا من تفهم الحركة التقدمية العربية، والتسليم بحتمية استقلالها عن المذاهب التوجيهية الأجنبية، والتعرف على خصائصها التاريخية والنفسانية والأخلاقية والعقلية، لو لم يصلوا إلى (هضم) مبدأ التمييز بين ما هو من قبيل العلاقات الدولية العادية وبين ما هو من صميم القضايا المذهبية والعقائدية الخاصة، بين ماله صلة بمصالح ارتباطهم الديبلوماسي والتعاوني مع الشعوب الأخرى، وبين ما يتصل بقضايا المذهب الذي يحتضنونه ومصلحة انتشاره في العالم الخارجي، وامتداده الذي كان يقدر له في بداية، فكثير من الشيوعيين غير المسؤولين ما يزالون يدينون إلى اليوم بهذا المبدأ الذي يوصف عند أخصامهم من الشيوعيين أيضا بأنه عبارة عن دوكاتية أو مذهبية متحجرة، هذا المبدأ الذي ينص على ضرورة أو على الأقل إمكانية الخلط بين القضايا الإيديولوجية الخاصة، والعلاقات الدولية على صعيدها العام، وهم يرون أنه سيبقى من المتحتم على أية دولة شيوعية (مؤمنة) أن تخضع وجهة ديبلوماسيتها لمصالح العقيدة الماركسية، بحيث يصبح من الضروري على هذا الأساس إيجاد نوع من الصلة بين العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول العالم الثالث مثلا، وموقف هذه الدول من الأحزاب الشيوعية الموجودة عندها، وذلك بكل ما يقتضيه الأمر ـ هكذا ـ من توسيع نطاق العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها لصالح الأقطار التي تسلك سبيل التغاضي المطلق عن نشاط الشيوعيين المحليين، وعرقلة هذه العلاقات أو تجريدها أحيانا من محتواها التعاوني الودي، وذلك بالنسبة للبلدان الأخرى التي تتبع سياسة مناقضة لذلك، ومن السمات البارزة في الخلاف الناشئ حاليا بين الدوكاتيين والتعديليين هذه القضية بالذات قضية العلاقات مع دول العالم الثالث التي لا تنتهج سياسة استرضاء الشيوعيين المحليين، وقد كان من أهم الظواهر الدولية الإيجابية التي حصلت خلال سنوات ما بعد الحرب، نجاح القيادة السوفياتية وغيرها من القيادات الشيوعية الأخرى ـ نجاح هذه القيادات جميعها ـ وخاصة بعد وفاة ستالين وابتعاد الستالينيين تدريجيا عن مقاليد الحكم والنفوذ والتوجيه سواء في روسيا أو غيرها من الدول الشيوعية في أوربا الشرقية، وكذا منغوليا في أواسط آسيا ـ نجاح هذه القيادات جميعها في اصطناع علاقات أكثر إيجابية وتحررية، مع مختلف دول العالم الأخرى، بما فيها دول العالم الثالث وكان الطابع العام الذي يدمغ سلوك الحكومات الشيوعية بهذا الصدد هو طابع التحرر من المبدأ القاضي بإخضاع الوجهة الديبلوماسية للدولة لمصالح العقيدة التي تدين لها، ومن غير شك فإن هذا النهج الواقعي الذي آثرع السوفيات وشركاؤهم في حلف فارسوفيا ـ كان ذا تأثير إيجابي على ارتباطات موسكو ومجمل العواصم الشيوعية الأوربية بأقطار العالم الخارجي، وقد أسهم أيما إسهام في تعديل كثير من الموازين السياسية الدولية، وما زالت النتائج المترتبة عنه، تشكل خطوة مهمة في سبيل ليبرالية الأنظمة الشيوعية السائدة، وتركيز مصالح التفاهم العالمي على أسس أمتن بناء وأوسع أفقا.
وليس من الضروري أن نغزو مثل هذا الاتجاه في النظر إلى مجرد حسن النوايا التي ينطوون عليها، وعميق الإخلاص الذي تكنه صدورهم نحو الدول الأخرى التي تنتمي لعالم الحياد والتخلف، إن الأمر في هذا الباب ليس في الواقع أمر نوايا حسنة، أو مشاعر مخلصة، بقدر ما هو أمر واقعية مستنيرة ومستبصرة أصبحت تساعد كثيرا من الماركسيين المسؤولين على التعرف على منافذ الارتباط بالعالم المحايد، ومنافسة الجهات الدولية الأخرى، التي تسعى شيئا لتحقيق نوع من السبق في هذا المجال، ومن مجاوزة الحقيقة إنكار أهمية النجاحات التي أحرز عليها المعسكر الشيوعي بهذا الشأن، نجاحات لم يكن من نتائجها بالطبع افتضاض حياد الدول الملتزمة لمبدأ الحياد، واقتيادها إلى مجاهل التبعية والمأمورية، ولكن هذه الناجاحات تتمثل أكثر من ذلك ـ في القدرة على مسابقة دول الحلف الأطلسي، وتحديد مدى التأثيرات السياسية والاقتصادية التي ألفت قديما أن تمارسها على حساب بعض الدول الصغيرة هنا وهناك ونجاحات أخرى تتمثل في توسيع نطاق التفاهم العالمي الكبير، وتقريب المجموعات الدولية بعضها من بعض، وتحقيق إنجازات التي تبدو بعض مظاهرها بارزة في عملية السد العالي بمصر مثلا، كما تبدو لها كذلك مظاهر أخرى لا تقل أهمية سواء بالهند أو أفغانستان أو الجمهورية اليمنية أو غير هذه الأقطار كثير.
لكن ما الذي حدث بعد توافر كل هذه الظواهر الإيجابية في أفق العلائق بين العالم الشيوعي وأقطار العالم الثالث؟
إنه لا سبيل إلى الإنكار بأن الكثير من هذه الظواهر ما يزال لحد الآن ماثلا أمام العيان، دالا في نفس الوقت على قوة الاستمرار الذي تتميز به السياسة السوفياتية في كثير من المواطن، ومدى أهمية الأسس المبدئية والتخطيطية التي تنهض عليها بهذا الشأن، فقد استطاعت الديبلوماسية الروسية، أن نضع ـ في عديد من الحالات ـ خطوطا عريضة بين مصالح ارتباطها الدولي بأقطار العالم الثالث، وبين وجود الصلات الروحية والعقائدية بينها وبين الجماعات التي تنتسب للماركسية اللينينية، والتي تنشط داخل بعض هذه الأقطار، وإذا ما وضعنا في الاعتبار، واقع العلائق بين الكريملين والقاهرة منذ سنة 1955 سواء فيما يتصل بالجانب الديبلوماسي الدولي، أو فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية والمالية وغيرها، ثم إذا قارنا كل ذلك بما عليه السياسة المصرية العامة نحو الشيوعيين، ونظرة النظام القائم هناك إلى طبيعة التبعية الماركسية وأنصارها والدعاة إليها، إذا وازنا بين كل هذه الحقائق والأخرى نكون قد أشرفنا على مظهر مهم من مظاهر العلاقات السوفياتية الدولية ونكون كذلك قد ألممنا بجانب أساسي من جوانب السلوك الواقعي الموضوعي الذي تقوم عليه هذه العلاقات، وخاصة مع الدول المتخلفة وغير المنحازة، ومن آخر الظواهر التي يمكن أن تلاحظ في هذا الشأن موقف الجزائر وتونس من نشاط الخلايا الشيوعية فيهما، واتخادهما سلوكا حذرا وصارما في هذا المجال ثم عدم تأثير العلاقات بينهما، وبين الاتحاد السوفياتي نتيجة لذلك ـ على الرغم من بعض الهمسات التي وقع ترديدها أحيانا على هامش هذا الموضوع، وهناك أمثلة أخرى يمكن الاستشهاد بها من هذا القبيل، على أن كل هذا لا يعني بالطبع أن سياسة الدولة الشيوعية الكبرى وخطة (الكومينفورم) على وجه العموم، قد أصبحت قليلة الاكتراث بمصير الحركات الشيوعية العالمية، ضئيلة الحرص على رعاية هذه الحركات ومراقبة تطورها الذاتي، وإشعاعها المذهبي على مختلف الأوجه والمستويات. إن أي انقلاب جذري من هذا النوع لم يحدث حقيقة على صعيد السياسة السوفياتية وسياسة الأقطار الشيوعية الأخرى التي ترتبط بالسوفيات ارتباط العقيدة والاتجاه، غير أن ذلك لم يحل ـ كما أوضحنا ـ بين الكريملين، وبين اتباع سبل أكثر موضوعية واعتدالا في موضوع علاقاته مع الدول المتخلفة والمحايدة، وعلى الرغم مما تتخذه أكثرية هذه الدول من مواقف غير ملائمة للشيوعية المحلية والمنظمات التابعة لها في مختلف القطاعات والميادين.
على أن الظاهرة المثيرة للاهتمام، والتي تتصل ببعض جوانب السلوك الشيوعي نحو الدول (القومية) وتجاه الأقطار التي تلتزم بفكرة الحياد وعدم الانحياز، هذه الظاهرة هي التي طرأت على جو العلاقات بين روسيا، وبعض الدول العربية في الشرق الأوسط سنة 1959 وذلك بسبب الوضع (الشيوعي) في العراق والتي امتدت لها الآن ذيول أشد وطأة وأبعد أثرا، أما الذيول هذه فهي التي تتمثل في وجود الأزمة الحالية بين بغداد، والعواصم الشيوعية في العالم، وأما مظهر الشدة في هذه الذيول، فهو ما يتجلى في حدة اللهجة الانتقادية المتبادلة، ثم ما ظهر في بعض التجمعات الاحتجاجية الشيوعية التي نظمت أخيرا في بعض العواصم، وصاحبتها مظاهر عنف اتخذت أحينا اتجاها مثيرا جدا.
ولا يبدو أكيدا ـ لحد الآن ـ أن مثل هذه المظاهر التوترية لابد أن تتطور بالعلاقات العراقية السوفياتية،  إلى درجة أشد خطورة وسواء، وتؤدي بالتالي إلى إصابة هذه العلاقات إصابة بالغة وفي الصميم فقد ألف المعتادون على تطورات السياسة الدولية السوفياتية، أن هذه السياسة لا تسير دائما في خط التصلب والصرامة المطلقة، بل أنها تتصف عوض ذلك بمرونة ملحوظة تتيح لها قدرا كبيرا من التلاؤم مع الأحوال الطارئة، والسير على خط مطاط، يمكن من اجتناب التصادم الحاسم مع هذه الأحوال، والتباين عنها إلى درجة لا تقبل المراجعة والمداورة، لكن هل يجوز ـ من جانب آخر ـ أن تطوي الأحزاب الشيوعية الأخرى، وخاصة الأحزاب غير الحاكمة، صفحة العراق هذه وتسلم بنتيجة التصادم الحتمي والدائم بين التقدمية العربية والعناصر الشيوعية المتشبعة، وتهضم بالتالي حقائق هذا التصادم، كما تتجلى الآن في الجو اللاشيوعي الذي يسود عراق الثورة اليوم؟ ليس من اليسير حقا الرد على مثل هذا التساؤل بجواب بات وحاسم، إلا أن الذي يمكننا ملاحظته مع ذلك، أنه ـ وإن كان جائزا جدا أن يخفف السوفيات من حدة موقفهم من العراق، إلا أن الدول الشيوعية الصغيرة والأحزاب الشيوعية غير الحاكمة تستبيح لنفسها عادة ـ وفي مثل هذه الأحوال ـ متابعة الجدل القائم ولو بشكل مصغر، وذلك من أجل إعطاء النزاع الواقع صورة مستمرة، وضمان وجوده مطروحا على الصعيد العام ولو من الناحية المبدئية على الأقل كذلك الشأن أيضا في سوريا والعربية المتحدة وفي مختلف البلدان العربية التي تم فيها التصادم العقائدي والاتجاهي بين التقدمية العربية والدولية الشيوعية، وكان ذلك التصادم يقضي بطبيعة الأشياء إلى نتيجته الحتمية المعتادة أي إلى انغمار المذهبية الدخيلة في خضم التيار التقدمي العربي الإسلامي وانجرافها تحت وطأة هذا التيار، إلى نهايات حاسمة وسواء بالنسبة إلى هذا القطر أو الآخر، فإن مصير النزعات الشيوعية ـ غداة اصطدامها بالحركات التقدمية العربية ـ لا يزال بشكل في اعتبار البعض من الشيوعيين الأجانب مشكلة قائمة، ولا يزال هؤلاء الشيوعيون يستمدون من هذه المشكلة المفترضة وسيلتهم إلى إحياء الجدل القديم، ومتابعته على التوالي بين الفينة والأخرى، وإعطائه أحيانا صبغة حادة وبادية الشدة والعنف، وكما هو ملحوظ دائما في أحوال من هذا النوع، فإن الذي يتولى مواصلة الجدل في نهاية المطاف وذلك بعد أن يستنفذ حدته الأولى وإثارته الابتدائية ـ الذي يتولى ذلك هي الدولة الشيوعية الصغيرة والأحزاب الشيوعية غير المسؤولة، سواء في أوربا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا أو غيرها، وقد تتصدى في بعض الحالات ـ دول شيوعية كبرى إذا كانت تسودها النزعة المذهبية المتحجرة (الدوكاتية) تتصدى لمواضيع الجدل هذه وتحاول إحياءها من جديد، بل وتوسع من نطاقها إذا اقتضى الحال ذلك، وخاصة إذا كانت تستهدف من وراء كل هذا، لا مجرد الدفاع عن الأقليات الحزبية الشيوعية في البلدان المتخلفة ـ كما تلوح به في الظاهر ـ بل التعريض كذلك بأخصامها من الشيوعيين التعديليين، وخوض المعارك الإيديولوجية معهم على أوسع نطاق ممكن.
وللمرء أن يتساءل بهذا الصدد : ما علاقة الواقع الثوري العربي بكل هذه الأحوال النزاعة المعقدة التي تسود عالم الشيوعيين؟ ولماذا تقحم القضايا التقدمية العربية، والاتجاهات التطورية الذاتية بالعالم العربي في خضم هذا الجدل القائم بين الدوكاتيين والتعدليين ولا شيء يقحم في نطاق ذلك أيضا حتى جانب العلاقات مع بعض الدول العربية التي تتخذ الأحوال العقائدية فيها اتجاها غير ملائم لصالح الشيوعيين؟
أسئلة قد يطردها البعض على أنفسهم في العراق، وقد يلقيها آخرون أمام أنظارهم في غير العراق من الأقطار العربية أو غير العربية، أما إذا حاولنا تعليل أحوال وظواهر من هذا القبيل، واستخلاص النتائج المترتبة على ذلك، فإننا سوف لا نجد هذا هذا في مجرد التعريض بالشيوعيين والتشكيك في نواياهم نحو الآخرين من رواد الحركات التقدمية غير الشيوعية، وإنما نجده أوسع من ذلك في التعرف على خصائص المذهبية الماركسية من جهة، ومميزات الفكرة التقدمية العربية من جهة أخرى، ولا شك أن التباين الملحوظ بين الفكرتين في كثير من المعطيات والجوانب والتناقض المبدئي الحاصل بينهما بطبيعة الظروف والأشياء هو ما يمكن أن يفسر ظواهر الانفصام البات بين اتجاهيهما وحدة الاصطدام الذي يقع بين هذين الاتجاهين، على مختلف الأبعاد والمستويات، فالشيوعية الدولية ـ سواء في صورها التعدلية أو الدوكاتية ـ تعد نفسها عقيدة مطلقة لها صفة الكلية والشمول، وهي لا تنحصر (بسبب ذلك) في موضوعات التنظيم الاقتصادي والاجتماعي مما يتصل بحياة الأفراد والجماعات وما يتناول الأوضاع الطبقية والإنتاجية والتوزيعية والاستهلاكية وما هو بسبيل ذلك على وجه أو آخر، بل أنها تتعدى ذلك لتحاول فرض أوجه معينة من النظر في مختلف المناحي الفكرية والعقائدية والسياسية والأخلاقية والذوقية وغير هذا أو ذاك، مما له ارتباط بالحياة الفردية الخاصة، ومظاهر العلاقات الإنسانية بوجه عام، والصلات التعاونية الدولية بصورة أعم؟ أما التقدمية العربية فهي في أساسها ظاهرة عربية، ذات آفاق متفتحة، وتمتد أبعادها على مختلف المناحي من حضارية وسياسية واقتصادية واجتماعية وغير ذلك، وترتبط في نفس الوقت شديد الارتباط بمعطيات تاريخية وأخلاقية وحضارية واسعة، ولها استمدادها الغني من صميم الواقع العربي الإسلامي، ومن جملة الصلاة التي تشد العرب إلى الجماعة الإسلامية العالمية، وإلى القيم والمثاليات التي كانت أساسا لوجود هذه الجماعة ونموها، منذ أن كان لها وجود، إن التقدمية العربية وإن لم تكن لها صفة الكلية والإطلاقية، فإن ارتباطها بالمعطيات الإسلامية المنحدرة من أعماق التاريخ والمتأصلة في صميم الوجدان العربي المعاصر ـ من شأنه أن يضفي عليها صبغة كلية شاملة، ويمنحها إطارها الواسع من حيث الناحية الفكرية والمبدئية، أو باعتبار الجوانب التطبيقية أيضا.
ولا يعني كل هذا، أن محور التناقض بين الفكرة العربية والمذهبية الشيوعية، يرتكز حول قضايا الروح والعقائديات الروحية، وما يترتب عليها، مما هو من هذا القبيل، إنه إذا كان التناقض موجودا بالطبع في مثل هذه الموضوعات فإنه موجود كذلك بصورة أعم في صفة الكلية والشمول التي تنتحلها الفكرة الشيوعية، وتنطلق منها إلى تفسير جميع الظواهر الإنسانية والتاريخية في العالم على أساس مقاييس ومعطيات معينة ثم تحاول إقحام النتائج المنبثقة عن هذه التفسيرات على مختلف الأوضاع والأحوال الموجودة هنا وهناك في مختلف القارات والجزر، وعلى امتداد المسافات والأبعاد واختلاف الظروف والوقائع والاعتبارات والحيثيات وإذ كانت هناك صور عديدة أمكن فيها للقيم والمعطيات الفكرية الشيوعية، أن تغمر حيوية القيم والمثل التي كانت تسود هنا وهناك، في نقط مختلفة من العالم، وتخلفها في مجال التأثير والوحي والتوجيه وعلى صعيد القيادة والتسيير أيضا، فقد يكون ذلك راجعا إلى ضعف هذه القيم وتفاهة المحتوى المبدئي والعملي الذي تعبر عنه، وقد يكون ذلك ناشئا فقط عن توارد ظروف وطوارئ معينة، لم يعد فيها مجال للاختيار الإرادي والمبادرة التلقائية الواعية، وقد يكون غير هذا وذاك، إنما الأساسي في الأمر أن الفكرة العربية بما يتوافر لها من موارد فكرية خصبة، وما يتهيأ لها من إمدادات غنية وافرة، سواء من حيث ارتباطها بمآتي الماضي، أو اتصالها بمعطيات الحاضر، هذه الفكرة ليست في الواقع ذات استعداد لأن تنغمر ـ بدورها ـ تحت تيارية إيديولوجية أخرى، ترد عليها من خارج المجتمع العربي الإسلامي وذلك لسبب بسيط وهو أنها تشكل هي بذاتها قوة فكرية وعقائدية لها استعدادها الوافر لاستيعاب المشاكل الاجتماعية والحضارية والاتجاهية العربية واصطناع حلول إيجابية عربية تمكن في الأساس من مواجهة هذه المشاكل، وتساعد على تجريدها من عناصر السلبية المضرة، وليس مفهوم هذا بالطبع أن الحركة العربية ـ كما قدمنا ـ قد تكون على درجة من روح العزلة والانطواء عن العالم، أو قد تنطوي في معطياتها المبدئية على نوع من (الشوفينية) والذاتية المغالية، إن ذلك لا يمكن أن يفهم ـ بحق ـ من خلال اتجاهات الفكرة العربية، والسبيل الذي ما برحت تفتفيه منذ أن اتخذت صورتها القوية الفعالية طوال السنوات القليلة الماضية، فالفكرة العربية ـ كما نلم به جميعا ـ هي فكرة إنسانية متفتحة، ولهذا فهي تتناقض (والشوفينية والانطوائية على خط مستقيم)، إلا أن هذه الفكرة العلاقة بين عموم الحركة التقدمية من جهة والدولية الشيوعية من جهة أخرى، وعن بعض جوانب الاختلاف في هذه العلاقة، وتطوراتها على وجه العموم، وقد داب بعض ذوي الرأي والتوجيه في العراق، على تأكيد القول بوجود التميز الحاصل بالفعل بين العقائدية الشيوعية كمجرد اتجاه حزبي معين، وكأسلوب من أساليب النظر والتقدير، وبين أشياء خاصة أخرى يتحدث عنها كثيرا وتعتبر كداع حقيقي لتطورات الأحوال الراهنة. وليس من شك أن بعض الأصداء الأجنبية التي تتردد حول هذه الأحوال، لابد أن تستنفذ حدتها وتصل فيما بعد إلى نهايتها العادية، وعلى كل، فليس المهم في هذا الشأن هو فقط جانب العلاقات الدولية واستقرارها بمنطقة الشرق الأوسط، وإنما المهم أكثر من ذلك هو قيمة المحتوى التعاوني الذي تشمله هذه العلاقات وضرورة استمراره غنيا ومليئا بالمبادرات الإيجابية التي ما فتئ يسجلها تاريخ السنوات السبع الماضية.. تاريخ العلاقات بين دول الكومينفورم  وبعض أقطار الشرق العربي بوجه أخص، ولاشك أنه على الرغم مما أخذ يجتاح بعض هذه العلاقات من عوامل سلبية في خلال الفترة الراهنة، فإنه سيبقى من الطبيعي أن يؤول أمر المناوشات الناجمة عن ذلك، إلى ما آل إليه أمر خلاف سنة 1959 حيث ما لبث الجدل ـ بعد فترة قصيرة ـ إن انكسرت حدته، وتضاءلت إثارته وأمكن للعلاقات الدولية بسبب ذلك أن تسترد حيويتها وفاعليتها قوية كاملة.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here