islamaumaroc

الأخطل التغلبي داعية الحق الإلهي في الخلافة الإسلامية

  دعوة الحق

59 العدد

ويوم أوحي لمحمد بالإسلام فاشتد ساعده اضطربت قريش اضطرابا عظيما.. وما لبثت أن رجحت كفة بني هاشم قوم النبي على سائر قريش فانتفض بنو أمية لما كان بينهم وبين الهاشميين من منافسة قديمة ورأوا أنفسهم على شفا حفرة من الانخذال بينما كان الهاشميون لمدة لا يفضلونهم في شيء : فاللواء فيهم والسقاية في الأمويين..
وسكت الأمويون علة مضض حتى إذا استخلف عثمان رأوا في حكمه بعثا لسيادتهم الجاهلية.
فاستولوا على مرافق الدولة وطمعوا في أن تبقى الخلافة فيهم يرثها كابر عن كابر.. جاء في مروج الذهب (ط دار الرجاء ج 2 ص 232) « دخل سفيان بن حرب دار عثمان عقب بيعته ومعه بنو أمية فقال أبو سفيان وقد كان عمى أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا لا، قال يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرون إلى صبيانكم وراثة ».
ولما توفي عثمان في السابع عشر من حزيران 656م ـ 35 هـ خشيت أمية أن تصير الخلافة إلى الهاشمين فحملوا عليا جزيرة مصرعه وأنكروا بيعته وقام حسان بن ثابت ينبه الأحقاد في مرثيته ويقول بلسان العثمانية (العقد ج 2 ص 206):
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
              يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
بل ليت شعري وليت الطير يخبرني
             ما كان شأن علي ابن عفانا
لتسمعن وشيكا في دياركم
            الله أكبر يا ثارات عثمانا
شدوا السيوف بثني في مناطقكم
          حتى يحين بها الموت من حانا
لعلكم أن تروا يوما بمغبطة
         خليفة الله فيكم كالذي كانا
وانبرى معاوية يؤلب العثمانية في الشام على علي.. وكانت واقعة صفين للأخذ بثأر عثمان وتلاها التحكيم (صفر 37 هـ آب 756م فذرت الفتنة قرنها وانقسم العالم الإسلامي بذلك إلى شيعة وخوارج  وسنة. وفي أواخر أيار سنة 660م بايع أهل الشام معاوية بالخلافة وما لبث أن قتل علي فتناول الحسن لمعاوية وتم الأمر لداهية العرب، فأسكت بحلمه وبطشه الخوارج والشيعة حتى إذا تمت بيعة يزيد على ما أراد تقلقلت السيوف في أجفانها من جديد وثار عبد الله بن الزبير في مكة ينكر على معاوية جعله الخلافة ورائه في ولده.. فبعد أن كانت الخلافة شورى نقض الأمويون العهد وصارت فيهم ملكا استبداديا فلجأوا إلى تأييد ملكهم بالحديد والنار، والمال والحلم والدهاء كما كان للشعر عميق الأثر في تلك الحرب لأن العقلية الجاهلية انبعثت من جديد فكان لكل حزب أو شيعة شعراؤها يهجون الخصوم ويمدحون الموالين.

اتصاله بالأمويين
في هذه الظروف الممتازة المضطربة اتصل الأخطل التغلبي بالأمويين وكان العداء قد اشتد بين الأنصار والقرشيين. فحدث أن شبب عبد الرحمن بن حسان بن ثابت برملة بنت معاوية فغضب يزيد أخوها وطلب إلى الكعب بن جعيل التغلبي أن يهجو الأنصار فخشى وأشار عليه بشاعرنا الأخطل.
فأمنه يزيد. فهجا الأخطل الأنصار هجاء مراد كاد يؤدي بحياته لولا تدخل يزيد.. فانقطع الأخطل لمدحه وليا للعهد ثم خليفة واتصل بأمراء أمية وعمالهم وخلفائهم من بعد يمدحهم وينشر مآثرهم وينظم حججهم شعرا سويا حتى أصبح شاعر أمية .

تفنيده لحجج الأمويين
كان الأمويون يستندون في تأييد حقهم بالخلافة إلى الأمويين وبسفه فكرة الاغتصاب فيقول في مدح عبد الله ويزيد بن معاوية (ديوان ص 174).
ويوم صفين والأبصار خاشعة
        أمدهم إذ دعوا من ربهم مدد
على الألى قتلوا عثمان مظلمة
       لم ينههم نشد عنه وقد نشدوا
فثم قرت عيون الثائرين به
      وأدركوا كل تبل عنده قود
وهذا دليل على أن عليا ـ الذي يتهمونه بأن له ضلعا في مقتل عثمان أصبح غير صالح للخلافة.
فانتقلت إليهم. ولا يخفى أن عقيدة الثأر هذه عقيدة جاهلية نلاحظ أنها استمرت إلى هذا العهد بالرغم من قضاء القرءان بتحريمها مما يدلنا على أن أوضاع المجتمع الجاهلي ظلت مستمرة في بعض التقاليد. ومن مظاهر طقسياتها النداء الذي عم العثمانية جميعا ووحد كلمتهم وهو « بالثارات عثمان » والذي ورد معنا في أبيات حسان بن ثابت.
يقول الأب لامنس في مقال له على الثأر (المشرق سنة 1935 ص 571) :
وهناك واجبات شبه طقسية على الموتور أن يحافظ عليها أثناء قيامه بالثأر من ذلك أن يصيح بواتره في هجومه عليه أو قبل أن يضربه الضربة القاضية فيذكر سبب عمله ويذكر القاتل باسم القتيل صارخا « يا لثارت فلان ».. وقد تجاوزت هذه العادة في ذكر الثارات العصر الجاهلي إلى صدر الإسلام فكانت كلمة التوحيد بين أفراد العثمانية ينادون بها في مطالبتهم بثأر الخليفة فيصيحون « يا لثارات عثمان ».
ويكون الأمويون ـ في نظر الأخطل بثأرهم هذا قد أدركوا حقهم وانتقلت الخلافة إليهم انتقالا طبيعيا منطقيا.
قال في الديوان (ص 39 بمدح بني أمية ويخص بصر بثر بن مروان)
كانوا موالي حق يطلبون به
       فأدركوه وما ملوا ولا لغبوا
أن بك للحق أسباب يمد بها
      ففي أكفهم الأرسان والسبب
هم سعوا بابن عفان الإمام وهم
     بعد الشماس مروها تمت احتلبوا
حربا أصاب بني العوام جانبها
    بعدا لمن أكلته النار والحطب

نظرية الجد :
ولو لم يكن الأمويون على حق في مقالتهم وتقلدهم لأمور الخلافة ورعاية الإسلام والمسلمين لكانوا باؤوا بالفشل ولكنها إرادته تعالى تمت فيهم. وهذا معنى قول معاوية « هذه الخلافة أمر من الله وقضاء من قضاء الله » فالله يتصرف في أمور الناس كما يشاء.
وهو ـ تعالى ـ قد اختار الأموييين وفضلهم. وقد عالج الأخطل هذه الناحية العقائدية معالجة موفقة فقال (ديوان ص 172 بمدح عبد الله ويزيد بن معاوية)
تمت جدودهم والله وفقهم
       وجد قوم سواهم خامل نكد
هم الذين أجاب الله دعوتهم
        لما تلاقت نواصي الخيل فاجتلدوا
وقال التغلبي في موضع آخر يمدح عبد الملك بن مروان في رائيته الشهيرو (ديوان ص 103)
أعطاهم الله جدا ينصرون به
         لا جد إلا صغير بعد محتقر
لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه
        ولو يكون لقوم غيرهم أشروا
ولا يخفى ما لهذا القول من تأثير في الرأي العام إذ ينفي عن الأمويين فكرة الاغتصاب التي يروجها الشيعة والخوارج والزبيريون وغيرهم. فبعد أن تدخل الله ـ عز وجل ـ في الأمر يكون التذمر أو الثورة اعتراضا على إرادته تعالى. ومن شأن هذه الأدلة أن تظهر خلافة الأمويين بمظهر شرعي وتطفئ إلى حد نيران الثورات والانتفاضات على الحكم القائم. ونظرية الجد هذه كانت قد ذوت قرنها في العصر الأموي وسرت عقيدة من عقائد التفكير الإسلامي الجبرية كانت تقول بها. فاستغلها الأمويون لتدعيم شرعية ملكهم إذ أن خلافتهم تبدو بحسب هذا الرأي مرسومة مقدما ومقدرة من الله. وما يساعد على تصديق هذا الزعم ما جاء في القرآن الكريم « قل اللهم ما لك الملك تؤتي الملك من تشاء بيدك الخير أنك على كل شيء قدير (آل عمران 26).

الحق الإلهي
ولما كانت إرادة الله هي التي اختارت الأمويين خلفا فقد أصبح هؤلاء منفذين لإرادته تعالى يخلفونه في الأرض في تنظيم أمور عباده. فالخلافة بالتالي حق إلهي تناهى إليهم وهذا معنى قول الأخطل « خليفة الله يستسقى به المطر».. وقد ذهب المفسرون في شرح هذه العبارة بعد رواجها مذهبا ءاخر فالتمسوا لها مبررا في القرءان وجاؤوا بئايات وردت فيها لفظة خليفة من مثل الآية 165 من سورة الأنعام « وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات » وهذه وأمثالهم آيات عامة تدل على الشرف الذي الذي أعطاه الله للآدميين إجمالا دون أي تخصيص..
ولكن يتضح لنا أمر هذه العبارة ينبغي أن نعود بأذهاننا إلى عصر الخلفاء الراشدين. فقد كان المؤمنون يطلقون على أبي بكر لقب خليفة رسول الله وقد رعاه أحدهم « خليفة الله » فنهاه أبو بكر عن ذلك قائلا « لست خليفة الله ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ».
وقد وردت هذه العبارة بعد ذلك على ما نعلم في شعر حسان بن ثابت الأنصاري كما مر معنا في قوله : لعلكم أن تروا يوما بمغبطة
       خليفة الله فيكم كالذي كانا
وعندي أن هذه العبارة تتضمن من المعاني في قول الأخطل أكثر مما تضمنته قبل ذلك. وبيان الأمر أنها كما قلنا ـ تعني استمرار إرادة الله في يخلقه عن طريق الخليفة المالك.
فهي مبدئيا تنافي مبدأ الشورى الذي كان معمولا به أيام الخلفاء الراشدين لأن الشورى تعني مبايعة البشر واختيارهم. وخليفة الله ـ وهي تلميح صريح إلى الحق الإلهي ـ تناقض مبدأ الشورى وتعني اختيار الله لا مبايعة البشر. وبذلك تصبح الخلافة مقدسة لا اعتراض عليها. وتستمر هذه الفكرة من ثم فنسمع المنصور في العصر العباسي يردد « أنا سلطان الله على الأرض ».. وتتجلى تلكن القدسية كذلك في العبارة الثانية من قول الأخطل وهي « يستسقى به المطر » وقد أوردها الأخطل في مدحه الوليد (ديوان ص 185).
خليفة الله يستسقي بسنته
       الغيث من عند مولى العلم منتخب
فقد أصبح للخليفة بذلك هالة من القداسو. فالله يستجيب دعوته وقد قرن عمله بعمل الأنبياء والمرسلين كأنه موسى الكليم في الآية القرءانية « وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا (سورة البقرة الآية ستون).
ولما كان الخليفة ممثلا لإرادته تعالى فيستجيب دعاءه للاستسقاء مثلا فإنه عز وجل يستجيب دعوته في سائر الأمور باعتباره قواما على شؤون دين الله والمسلمين : ينصره على أعدائه، وعلى الخارجين عن طاعته ولا غرو فذلك بمثابة خروج على سلطة الله. يقول الأخطل في هذا المعنى مادحا عبد الملك.
والمستمر به أمر الجميع فما
    يغتره بعد توكيل له غرر
حتى استقل بأثقال العراق وقد
    كانت له نقمة فيهم ومدخر
وتستبين لأقوام ضلالتهم
   ويستقيم الذي في خده صعر
ثم يستمر الأخطل من ناحية ثانية يبين لنا بطش الأمراء بهؤلاء الخارجين على طاعة الخلفاء فنعلم أن الأمور لم تستقر لبني أمية وأن فلول الثائرين مازالت تناوئ الملك. قال في مدح بشر بن مروان (ديوان ص 63):
أخو الحرب ما ينفك يدعى لعصبة
      حرورية أو أعجمي يقاتله
ويقول في مدح الحجاج (ديوان ص 76)
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت
     بشبيب غائلة الثغور غدور
ثم أن الأخطل لا يفوته أن يتحدث عن جهاد الأمويين في سبيل الدين وليس فقط ضد الثائرين ليثبت كفاءاتهم فيقول في مدح أبي العاص (ديوان ص 20)
إمام سمى بالخيل حتى تقلقلت
      قلائد في أعناق معلمة حدب
وفي كل عام منك للروم غزوة
     بعيدة ءاثار السنابك والسرب
ضرورة وجود الخلافة
ويرى الأخطل بذلك ردا للضالين إلى الحظيرة وبالتالي خدمة لدين ضرورة يقول الأخطر « ص 122 ».
بكم أدرك الله البرية بعدما
        سعى لصها فيها وهب غشومها
وإذا انقطع سلطانهم ليكون ذلك شؤما على المسلمين، قال الأخطل يمدح يزيد بن معاوية.
والمسلمون بخير ما بقيت لهم
        وليس بعدك خير حين تفتقد
ولا يخفى ما لهذا المدح عن تكريس لحق الأمويين وقدسية الخلافة باعتبارها ضرورية يذهب الخير عن المسلمين بذهابها لأن الخلفاء قوامون على شؤون المؤمنين فبهم أدرك الله البرية كما يقول الأخطل كأنهم ظل الله على الأرض وبعد أن يفرغ الأخطل من إثبات حق الأمويين بالخلافة محتجا بثأرهم لعثمان وباختيار الله لهم واصطفائهم لتدبير شؤون وضعهم وهذه البراهين هي براهين دنيوية إذا صح التعبير فيحاول فيها أن يعرض كفاءاتهم التليدة والطريفة التي تؤهلهم للملك.

صفات السيادة الأموية
ويحتج الأخطل لذلك بأن الأمويين هم من أشراف العرب ومن صميم قريش ورثوا السيادة والملك منذ الجاهلية فيقول:
أنتم خيار قريش عند نسبتهم
       وأهل بطحائها الآثرون والفرع
أعطاكم الله ما أنتم أحق به
       إذا الملوك على أمثاله اقترعوا
أو يقول مفضلا أمية على سائر قريش وبالتالي مثبتا حقهم (ديوان ص 34)
رأيت قريشا حين ميز بينها
       تباحث أضغان وطعن أمور
علتها بحور من أمية ترتقي
       ذرى هضبة ما فرعها بقصير
ثم يبين أن ملكهم ليس طريفا ومجدهم ليس حديثا وإنما هو مجد مؤثل فلا عجب إن سادوا المسلمين فقد طال لما ملكوا على العرب من قبل وبذلك يفضلهم على جميع فاحر بهم أن يسودوا الجميع.
حتى تناهى إلى القوم الذين لهم
        عز الملوك وأعلى سورة الحسب
بيض مصاليت لم يعدل أحد
    بكل معظمة من سادة العرب
(ديوان 188)
وينتهي من ذلك إلى تفضيلهم على العرب والعجم قاطبة (ديوان 39)
بيض مصاليت أبناء الملوك فلن
        يدرك ما قدموا عجم ولا عرب
ثم أن الأمويين يتحلون بكل صفات الملك. فالكرم من شيمهم وبسطة الكف طبع في طينتهم. وهذا مهم بالنسبة آنذاك. قال في الديوان (ص34).
أخالد إياكم يرى الضيف أهله
         إذا هرت الضيفان كل ضجور
يرون قرى سهلا ودارا رحيبة
        ومنطلقا في وجه غير بسور
ويمدحهم بالصبر على الملمات والصمود في وجه الشدائد. ولا عجب فالعربي عصبي المزاج ينتفض لأدنى مس :
حشد على الحق عيافو الخنا أنف
       إذا ألمت بهم مكروهة صبروا
كأنه يردد مدح النابغة الدبياني للغساسنة حين يقول :
ولا يحسبون الخير لا شر بعده
       ولا يحسبون الشر ضربة لازب
وهذا دليل بعد النظر وحسن التدبير للأمور ومن أبرز صفات الملك والسيادة.
ويتغنى الأخطل بأبرز صفات الملك التي يجلسها العرب والتي طارت للأمويين شهرة فيها في الأمصار، والآفاق وهي صفة الحلم مضرب الأمثال عند العرب.. وحلم أمية مقترن بالحزم لا يصدر عن ضعف وإنما عن مقدرة وكرم أخلاق قال التغلبي في رائيته:
شمس العداوة حتى يستفاد لهم
        وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
وهناك سبيل آخر لجأ إليه الأخطل كي يساهم في تقرير سياسة الأمويين. وهو سبيل سلبي إذا شئت يقوم على الهجاء والتنقص من الخصم وهو إلى كونه زمان الأخطل ومكانه والبيئة التي عاش فيها فقصيدة الهجاء كانت تضع قبيلة شديدة الشكيمة وتحط من شأنها أيام الجاهلية. واستمرت هذه السنة في العصر الأموي لأن أوضاع المجتمع الجديد ظلت إجمالا على ما كانت عليه قبل الإسلام. وكان إن اتفقت مصلحة الأمويين لأن أعداء هؤلاء كانوا أيضا أعداء التغلبيين.
فغالبا ما ضمن الأخطل القصيدة الواحدة مدحا للأمويين، وفخروا بقومه وهجاء للأعداء المشتركين وفي هجائه هذا يعمد إلى رميهم بالمخزيات التي تواضع عليها أبناء عصره. ويعيرهم خاصة بانهزامهم أمام قوى تغلب في الأيام المشهورة بين الفريقين وبتلكئهم عن مبايعة الأمويين. فيتجلى حينذاك بمظهر مؤرخ سياسي واجتماعي نستشف من شعره مختلف أوضاع المجتمع الأموي...
ويتبع الأخطل في هجائه لأعدائه طريقة خبيثة تمكنه من التأثير على الأمويين إذ يذكرهم بفضل قومه عليهم في الحروب التي دارت بينهم وبين الثائرين من زبيريين وشيعة. فيضع تغلب بجانب الخليفة والقيسيين في معسكر العدو ثم يورد هجاء لهم فينفر الخليفة منهم باعثا في صدره كوامن الأحقاد. ولا يغفل عن تذكيره بفضل شعره الذي أفحم شعراء المعارضة فيقول (ديوان ص 105)
بني أمية قد ناضلت دونكم
      أبناء قوم هم آووا وهم نصروا
أفحمت عنكم بني النجار قد علمت
      عليا معد وكانوا طالما هدروا
حتى استكانوا وهم منى على مضض
      والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
بني أمية أني ناصح لكم
      فلا يبيتن فيكم آمنا زفر
واتخذوه عدوا أن ظاهره
      وما تغيب من أخلافه دعر
إن الضغينة تلقاها وإن قدمت
     كالعر يمكن حينا ثم ينتشر
وقد نصرت أمير المؤمنين بنا
     لما أتاك ببطن الفوطة الشجر
يعرفونك رأس ابن الحباب وفد
         أضحى وللسيف في خيشومة أثر
والحارث ابن أبي عوف لعبن به
         حتى تعاوره العقبان والسبر
وقيش عيلان حتى أقبلوا رقصا
        فبايعوك جهارا بعد ما كفروا
فلا هدى الله فيسا من ضلالتهم
        ولا لعي لبني ذكوان إذ عثروا
ضجوا من الحرب إذ عضت من أخلاقهم الضجر
وينتقل بعد ذلك إلى هجاء كليب فيقول، ديوان ص109)
أما كليب بن بربوع فليس لهم
       عند التفارط إيراد ولا صدر
مخلفون ويقضي الناس أمرهم
       وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا

المجتمع الأموي البدوي:
والناظر إلى الأبيات التي أوردناها يستنتج منها فوائد تاريخية واجتماعية كثيرة. فعند ما يقول الأخطل إنه ناضل دون الأمويين أبناء قوم هم آووا وهم نصروا فإنه يعني بذلك خطر المسؤولية إذ ليس من السهل أن يهجو شاعر قوما آووا النبي، وكانوا سندا لاستمرار رسالته لما كان لهؤلاء من حرمة في نفوس المسلمين حتى ذلك الوقت. كما نتبين كذلك سياسة الحلم التي سلكها الأمويون في مسايرة أعدائهم والعنف الذي استخدموه لإقرار ملكهم.. لأن الأخطل ي*** أن قيس عيلان تلكات في المبايعة ولما أرغمت بايعوا جهارا بعد ما كفروا. إذن فعدم المبايعة في نظره كفر لأنه خروج على طاعة أولي الأمر؟
ثم يأخذ في موضع آخر في تنفير الخليفة من مصالحة قيس لتبقى مكانة قبيلته عالية ويصون مصالح قومه (133).
وأنت أمير المؤمنين وما بنا
       إلى صلح قيس يا ابن مروان من فقر
فإن تك قيس يا ابن مروان بايعت
      فقد وهلت قيس إليك من العذر
على غير إسلام ولا عن بصيرة
      ولكنهم سيقوا إليك على صغر
وعندما ينتقل إلى ذكر الأيام التي دارت رحى الحرب فيها بين تغلب وقيس فيذكر يوم الترثار ويوم ماكسين ويوم الحشاك فيعير القيسيين بالهزيمة ويفخر ببطش قومه.. وهكذا ترى أنه في جميع مدائحه للأمويين / لعيب عنه مصالح قبيلته كأني به يتخذ مدحه للأمويين مطبة لحفظه كيان عشيرته وهذا غرضه البعيد.. فالشعر السياسي العقائدي كما نفهمه لم يتجل في إنتاج الأخطل وإنما كان متصلا بسياسة القبيلة فخلط بين السياسة الرسمية والسياسية النفعية. فها شاعر قبلي أكثر منه شاعرا عقائديا.
ولك دليل على ذلك في لجوئه إلى تهديد الأمويين عندما يقربون قيس عيلان. قال عندما تخلى عبد الملك عن حمايته:
فإن لا تغيرها قريش بملكها
        يكن عن قريش مستماز ومزحل
وهو ـ كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ بيت ثوري لا يدانيه إلا البيت الذي أعلن فيه الأخطل أن عبد الله بن سعيد بن العاض التغلبي الخامل الذكر أهل للإمارة وكان هذا أخا لرجل حاول خلع الخليفة عبد الملك..
وهذه الظاهرة تنهض دليلا على مكانة الشعر والشعراء في ذلك العصر كما تفيد أن المجتمع الأموي مجتمع جاهلي متطور لا يزال الخليفة فيه قريبا في تفكيره من الذهنية البدوية يخاطبه الشعراء بحرية ويتقبل التهديد أحيانا كما مر بنا.. وبذلك على منزلة الشعر في قصور الخلفاء وبين القبائل حادثة الأخطل مع الأنصار حين هجاهم بإيعاز من يزيد بن معاوية فقاموا وقعدوا.. وكان ما كان من أمر النعمان بن بشير في تهديده لمعاوية .. واصطناع الأمويين لشعراء يؤيدون سياستهم ويهجون خصومهم بينة على استمرار العقلية الجاهلية المعتدة بالمفاخرات والمنافرات.. « والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر » على حد قول الأخطل.
وحادثة الأخطل مع زفر بن الحارث تمثيل حي لما نقول. جاء في الديوان في الصفحة السبعين والثلاثمائة نقلا عن الأغاني (لما استنزل عبد الملك زفر بن الحارث من قرقيشياء أقعد معه على سريره فدخل عليه ابن ذي الكلاع فلما نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى فقال له ما يبكيك؟ فقال يا أمير المؤمنين... وكيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك؟ ثم هو معك على السرير وأنا على الأرض. قال أني أجلسه معي أن يكون أكرم على منك. ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني... فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال أما والله لا قومن في ذلك مقاما لم يقمه ابن ذي الكلاع. ثم خرج ودخل على عبد الملك فلما ملأ عينه منه قال:
وكأس مثل عين الديك صرف
        تنسي الشاربين لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثا
       بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشية لا شك فيها
       وأرخى من مآزره الفضولا
فقال له عبد الملك ما أخرج هذا منك يا أبا مالك الأخطة عدو الله على السرير وهو القائل بالأمس:
وقد بنيت المرعى على دمن الثرى
        وتبقى حزازات الصدور كما هيا
قال فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير وقال أذهب الله حزازات تلك الصدور فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين، والعهد الذي أعطيتني. فكان زفر ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال »
منزلة الشعر
ومنزلة الشاعر لدى الخليفة الأموي تتجلى في تصرفاته وسلوكه وجراءته في بعض المواقف. فكثيرا ما كان يدخل على الخليفة دون استئذان كأقرب الناس إليه، ولحيته تنفض خمرا. وغني عن القول أن موقفا كهذا الموقف المشكك هو خروج على تعاليم الإسلام وهيبة الخلافة، بل هو كفر مبين يستحق الشاعر بسببه معاتبة السيف. لكن الخليفة يصفح عنه لمكانة الشعر من نفسه العربية. وهذا مع ما روينا من تهديد الشاعر قدر كاف للدلالة على تسامح الأمويين والطابع العربي الصريح الذي طبع به ملكهم.
وهناك حادثة أخرى من هذا النوع روي أن الأخطل دخل يوما على عبد الملك فاستنشده فقال: يبس حلقي فمر من يسقيني. فقال أسقوه ماء، فقال : هو شراب الحمار وهو عندنا كثير، قال فأسقوه لبنا، قال : عن اللبن قد فطمت. قال، فأسقوه عسلا. قال : شراب المريض. قال : فتريد ماذا؟ قال خمرا يا أمير المؤمنين. قال : أعهدتني أسقي الخمر لا أم لك؟ لولا حرمتك بنا لفعلت، وفعلت. فخرج فلقي فراشا لعبد الملك، فقال ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني وقد ضحل صوتي فأسقني شربة خمر، فسقاه رطلا، فقال أعدله بآخر فسقاه رطلا آخر، فقال تركتهما يعتركان في بطني فأسقني ثالثا، فقال تركتني أمشي على واحدة أعدل ميلي برابع، فسقاه رابعا، فدخل على عبد الملك فأنشده رائيته الشهيرة :

« خف القطين »
فانظر إلى التسامح الذي شهر به الأمويون... الخمر التي حرمها الكتاب المنزل يطلبها شاعر نصراني من حامي الكتاب المنزل. ولا يقف الأخطل عند هذا الحد بل يتعداه إلى وصف الخمرة والنديم في مدحه للأمويين. ولا تتعجبن من هذه الجرأة: إن من البيان لسحرا.
وتبلغ به القحة أن يرفض الدخول في الإسلام حين عرض ذلك عليه عبد الملك وأغراه بالعطاء الكثير، ويخاطب عبد الملك قائلا:
ولست بصائم رمضان يوما
        ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنا بكورا
        إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير أدعو
       قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا
       وأسجد عند منبلج الصباح
  وكان الأخطل على عادة أهل الشام النصارى يظهر بحضرة الخليفة وفي عنقه صليب كبير على مرأى من وجهاء الدين الإسلامي. ولو أن شاعرا دخل على الخليفة العباسي على هذه الشاكلة لما سلمت عنقه.
ومن مظاهر الحرية التي كانت لنصارى الملك الأموي أن يخرج المقاتلون إلى الحرب برايات عليها صور وشارات مسيحية دون أن يلقوا عن ذلك منعا أو استنكارا.
قال في الديوان (309) في حرب قيس وتغلب:
لما رأونا والصليب طالعا
        ومار سر جيس وسما ناقعا
وأبصروا راياتنا لوامعا
        كالطير إذ تستورد الشرائعا
ويدهشك هذا التسامح لأول وهلة إذا ما قسته مثلا بالحالة في العصر العباسي المتمدن والأكثر رقيا من العصر الأموي. ولكن الأمر ينجلي لك إذا علمت أن الأمويين حكموا بنفسية الأسياد والزعامة الجاهلية. فكانت لهم عصبية عربية تقرب العرب، وتكرمهم مسلمين كانوا أم نصارى، بخلاف العباسيين الذين أحلوا العصبية الدينية محلا دونه العصبية العربية الحقة.
ثم إن العصبية العربية كانت قوية لاستمرار العقلية العربية الجاهلية والتقاليد القديمة. فالمجتمع الأموي مجتمع بدوي متطور حافظ على خصائص البداوة محافظة كبيرة والشاهد على ذلك دلالة الشعر عامة وشعر الأخطل خاصة كما رأينا. فأبواب الشعر مثلا لم تتبدل تبدلا يذكر في شعر البلاطن بصرف النظر عن بعض الفنون التي نشأت في الحجاز وبعيدا عن الحكم الرسمي. فترى الأخطل يمدح الأمويين كما كان شعراء الجاهلية يمدحون أسياد القبائل، فيصفهم بالكرم وسعة الدار قال في الديوان (34):
أخالد إياكم يرى الضيف أهله
        إذا هرت الضيفان كل ضجور
يرون قرى سهلا ودارا رحيبه
       ومنطلقا في وجه غير بسور
ويمدحهم بكثرة العدد : (ديوان ص 189) :
الأكثرين حصى والأطيبين ثرى
          والأحمد بن قرى في شدة اللزب
ويتبع في هجائه المعاني الجاهلية من تفضيل قبيلة على أخرى تشدهما روابط القرابة والدم. ففي هجائه لجرير وقومه ينفر عليهم أبناء عمهم من دارم، وامض الهجاء عند العرب أن تفضل قوما على أقاربهم، قال في الديوان (109 ـ 111)
ملطمون باعقار الحياض فما
        ينفك من دارمي فيهم أثر
إلا كلون خبيث الزاد وحدهم
       والسائلون بظهر الغيب ما الخير
وفي البيت الثاني ينفي عنهم صفة السيادة حيث يصرح بأنهم لا يشاركون في الأمور المهمة.
وزبدة القول أن الأخطل دعم سياسة الأمويين لأنها التقت ومصلحة قبيلته، فلا يعد من شعراء السياسة العقائديين الذين يناضلون من أجل فكرة أو عقيدة ينذرون لها حياتهم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here