islamaumaroc

التعريب مشكلة حضارية

  دعوة الحق

58 العدد

لقد مرت على هذه الدول المتخلفة والتي كتب عليها أن ترى الظلمات تتكاثف في سمائها بفصل أولئك الأوربيين الذين كانوا لا يزالون يحملون النور، نور الحضارة والعلم، مر على هذه البلاد المتأخرة عدة تجارب ومحن جعلتها هدفا للمشاكل والمعضلات التي يعسر حلها إلا بمرور الزمن وتوافر العزائم والروح البناءة.
والعالم العربي ينتمي للعالم الثالث أو البلاد المتخلفة، ذلك أنه أصاب حظا وافرا من ظلمات الغرب، واستعمار الأجنبي لمقدرات أرضه وسيطرته على إمكانياته المادية والروحية لمدة عقود من السنين.
هذا واقع لا مراء فيه.
وهو واقع قد جر إلى نتائج معروفة، وهي الآن محل أبحاث وكتابات عديدة ظهرت مؤخرا في لغات عديدة وعرفت بأبحاث « حول العالم المتخلف » أو « العالم الثالث » ـ، لكن هذه الأبحاث في الضالب تبدو ذات طابع اقتصادي أكثر منها اجتماعي أو ثقافي.
ولكن الواقع هو أن الأساس الأول لمشاكلنا يكمن في الثقافة قبل كل شيء، ولا سيما في العالم العربي، ذلك أن هذا العالم الأخير، قد شملته موجة التأخر بعد أن كان مركز حضارة إنسانية شامخة، والحضارة ليست في أساسها إلا اجتماع وملتقى لمختلف الثقافات تنطبع بطابع ذلك الشعب التي امتزجت بروحه وانصهرت في لغته وتقاليده، فالحضارة الإسلامية كانت حضارة عربية قد سيطرت فيها لغة الضاد على جميع المظاهر الاجتماعية لحياة المسلمين الذين دخلوا هذا الدين من جميع الأجناس في العالم القديم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
وإذا ما أردنا اليوم أن نبحث في مشكل التعريب، وأفضل أن اسميه مشكل إنشاء تمدن أو حضارة عربية حديثة، فعلينا أولا أن نستعرض التجربة الأولى التي واجهها المسلمون الأولون، في العصر الأموي، ثم مقارنة إمكانياتنا بإمكانياتهم، وأخيرا يجب استعراض العراقيل التي تقف أمامنا، ونختم بتلمس الحل الصحيح والواقعي للمشكل، مشكل التعريب في بلاد العرب.
ولكن قبل ذلك، يجب أن نتساءل عما إذا كان يصح أن نقارن حالنا بحال العرب الأول في هذا الباب؟
 وهل تصح المقارنة بالتالي لحالنا بحالهم مع فوارق الزمن الطويل، واختلاف نوع المشاكل، ونوع التقدم واختلاف وسيكولوجية الكائن الحي نفسه؟.
الواقع أن هذه الفوارق موجودة بالفعل : ولعل في هذه الفوارق يكمن الجزء الهام من الجواب على مدى إمكانية نجاح حملات التعريب: ذلك أن الفرق الجوهري هو المتعلق بنفسية الجماعات:
فالعرب الأولون كانت بهم حاجة ملحة أكيدة للتعريب : تعريب الإدارة أولا، وتعريب العلوم والاقتصاد ثانيا، وتعريب الفلسفات، وأخيرا تعريب الأجناس الأخرى التي انهالت، هي الأخرى، على الثقافة العربية والثقافة الإسلامية المعربة تعرف منها ما شاءت، وتعمل على نشرها وتوسيع آفاقها ما استطاعت وهكذا كان التعريب بالنسبة للعرب الأولين، ولا سيما  في العهد الأموي ابتداء من عهد عبد الملك بن مروان ثم من بعده من الخلفاء البناة كالوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ثم هشام، كان التعريب بالنسبة لهم حاجة اجتماعية، وكانت لهم الرغبة الصادقة في ذلك، لأن المشكلة تتعلق بالكرامة قبل كل شيء : فقد أصبحت الدولة لها كيان عالمي، ولها صبغتها الرسمية، واستقرارها الكافي للتفكير في مثل هذه الشؤون الخطيرة.
فهل نحن الآن نتوفر على هذه الروح الثورية القوية في معالجة شؤوننا القومية الخطيرة كمشكل التعريب؟ إننا عرب ومسلمون، ولكننا من مسلمي وعرب القرن الرابع عشر الهجري، والفرق الزمني له دخله الكبير في هذا الموضوع. فالمشكل الحقيقي الآن هو مشكل بناء الدولة الحديثة: فنحن نهدف إلى دولة قوية بالعلم والمعرفة، ولم نعد نهتم بروح العقيدة أو الأساس القومي الذي تقوم عليه. فالحركات السياسية عندنا تهدف إلى تحقيق ما يكفل فقط تقليد حضارة الغرب. وفي نفس الوقت نتجاهل أمرا هاما في قضية التطور بالنسبة للغات، ذلك أننا نطالب اللغة أن تكون دائما في موقف الغازي، أو القوي الدي يتقبل كل شيء بسرعة. لكن الواقع هو أن اللغة، تعتبر أهم مظهر اجتماعي لذى الشعب الذي يتكلمها. ولذلك فهي تخضع للتطورات الحضارية التي تعتري ذلك الشعب. وعندما واجهت اللغة العربية قديما، في عهد الأمويين، مشكلة التعريب لم يشعر العرب أبدا بأن هذه اللغة ستعجز عن تقبل الجديد، بل كانت هناك حاجة اجتماعية لتوسيع دائرة هذه اللغة بتلقيحها بالفكر الأجنبي، واللغات الإنسانية كلها مر عليها هذا الطور من التلقيح، وإذا كان بعض هذه اللغات المتحضرة قديما قد عجزت عن مواصلة السير، كاللاتينية مثلا، فإن المشكل بالنسبة لها مشكل انقسامات فروع منها وتباعدها تباعدا كبيرا، أما العربية فقد استطاعت أن تقهر جميع محاولات التجزئة أو الانفصال على الرغم من تعدد هاته المحاولات في القرن الماضي وفي بداية القرن الحالي أيضا، عندما ظهرت فكرة الاكتفاء بالعاميات في البلاد العربية، أو فكرة الأخذ بالأحرف اللاتينية نهائيا لأن بها حركات عديدة مكتوبة ومحددة للحركات الصوتية، أو غير ذلك من الدعوات التي ظهرت في العالم العربي على لسان المرددين لأفكار الغرب من الممسوخين الذين شعروا بالبأس والعجز عن التطور.
إن التطور لا يتوقف، وليس هناك شعب في الأرض لا يتوفر على إمكانيات خصبة لمواصلة تطوره في طريق مستقيم، ولكن قصيري النظر من أبناء الشعوب الناهضة كثيرا ما يعرضون حلولا منحرفة أو غير ناضجة.
إذا، فالخلاصة الأولية من هذا الحديث هي أن هناك فوارق بيننا وبين عرب العهد الأموي، وليست هذه الفوارق في صفاء العرق العربي أو عدم صفائه، فالحضارات الحديثة أو القديمة لا تقوم على صفاء العروق وحياة اللغة لا تطول أيضا بصفاء العرق بل إنها فقط تخضع في حياتها وتطورها للعوامل الجغرافية وحركات الغزو من الخارج، إنما هذه الفوارق تكمن فيما يلي :
1) اختلاف نفسية العربي، نفسية الكائن الحي فنحن الأشخاص المتحركون تلقي علينا مشكلة ومسؤولية إنجاز المشاريع الحيوية مثل التعريب، وقد كانت نفسية العرب الأولين قاهرة شديدة الإيمان.
2) والذي يعوزنا اليوم هو الإيمان الصحيح بجدوى وقوة العربية كلغة، يجب أن نؤمن بإمكانية قيامها في وجه اللغات الأخرى وأدائها لواجب التحضير : أي تقبل الفكر الأجنبي وهضمه وإنتاج ما يعادله، ولكن كيف يكون ذلك؟
مما لا شك فيه أن العربية دخلت عهدا جديدا منذ منتصف القرن الماضي، ولكن قليلين من مثقفينا هم الذين يعرفون ذلك، ولا سيما في المغرب العربي، أولائك الذين يطلعون على المكتبة العربية. ولا أريد أن أقول أن هناك اختراعات وأفكارا جديدة في الحضارة وجدت في العربية، وأنشأها عرب، ولكني أقصد أن العربية الآن في طور التلقي من الخارج، في عهد الترجمة، ومحاولة هضم الحضارة الحديثة، وهذا الهضم نفسه لا يمكن إلا إذا وجد القراء بعد الكتاب والمترجمين، والمكتبة العربية الآن غنية إذا ما قورنت يغيرها، لأمراء في ذلك.
ومن جهة بسيكولوجية نجد أن الشخص المتخلف أو المسود يتطلع دائما إلى ما يقوله السيد، خطأ أو صوابا، ويحتقر كل ما يقوله أخوه، هذه فكرة بسيطة طبعا نلاحظها في كل ميدان، ولكنها تبدو بوضوح في هذا الميدان الثقافي أكثر من غيره.
ولذلك فنحن في حاجة إلى الإيمان بالنفس في كل ميدان، الإيمان الثوري الذي يعرف الشخص فيه أنه ضعيف، ولغته ضعيفة، وإمكانياته غير كاملة، ومع ذلك يجب عليه أن ينهض، يجب أن يقدم لولده ما عنده ويرشده إلى مواضع الضعف ليكسب ذلك الشيء قوة.
والأمر الذي ينطبق على الناحية الثقافية بمعناها الواسع ينطبق أيضا على الإدارة مثلا، والمدرسة، والنادي، وغيرها من مظاهر حياتنا الاجتماعية، وإني هنا أكتفي بالناحية الإدارية من مشكلة التعريب، ثم أعالج أسبابها العامة بإيجاز، والحل الممكن كما يتطلبه الواقع العملي.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here