islamaumaroc

نحو تحديد محتوى ثقافتنا القومية بين الماضي والحاضر-4-

  دعوة الحق

58 العدد

عالم الأجداد
ظل أجدادنا، أمام تزايد النفوذ الأروبي، مترددين في القيام بالإصلاحات النورية التي كان يتطلبها الوضع والتي بدونها لم يكن للمغرب سبيل لإنقاذ نفسه من الأخطار المحدقة به. والذي جعلهم يؤثرون السكون والركود أنهم كانوا يعتقدون، عن حسن نية في الغالب، إن معارضتهم لكل ما هو آت من أروبا هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد ماديا وروحيا ولصيانة كيانها واستقلالها. وقلة معرفتهم بأروبا وبسياستها وأساليبها الاستعمارية جعلتهم لا يتصورون الاستعمار في شكله الحقيقي فيتكهنوا بالأحداث المقبلة ويستعدوا لها ويروا الأجنبي يغير على أرضهم ويكتسحها شبرا بعد شبر.
بل إن الذي كانوا يخافون منه، حسب ما تبديه قرائن عديدة، هو الغزو الفكري الأروبي. فتلك بداية لمغامرة عقلية الله أعلم بنهايتها. وأقل ما يترتب عنها زعزعة العقائد الراسخة والعادات والتقاليد الثابتة. فإذا افترضنا أن الباب سيفتح قليلا ليدخل الهواء الجديد، فهل يمكن إغلاقه من بعد.
والحق أن أجدادنا كانوا يلحظون المغرب بعين ملؤها الرضا والارتياح: بلاد تؤدى فيها العبادات لله، وتعمر فيها المساجد ويقبل أهلها على الحياة بقناعة راضين بقسمة الله وتدر عليهم أرضها الخصيبة نعما وخبرات. فماذا يطلب الإنسان بعد هذا؟ وما شأن المغرب وشأن أقوام كفروا بالله وراحوا يقلدون الصانع المبدع، فيغيروا ويبدلوا في الأشياء ويتكالبوا على زخرف الدنيا ومتاعها؟
تلك هي حكمتهم البسيطة التي كانوا ينظرون بها إلى الأشياء والتي كانت تسهل عليهم الحياة وتقلل لهم من مشاكلها وتصرفهم عن جوانبها المعقدة المتشعبة. وطبيعي أن يخشوا عليها من الأفكار المتنطعة التي ترد من أروبا والتي من شأنها أن تخرجهم من أحلامهم المألوفة إلى واقع أقل بشاشة وبشرا، واقع ينتزع الإنسان من مستراحه ويخلق له المشاغل من كل نوع. لقد كانوا يعيشون في عالم خاص يختلف كل اختلاف عما يحيط به من عوالم، عالم كيفه التاريخ والتقاليد وكيفته أنظمة سياسية واجتماعية من نوع فريد. وزاده طرافة خيال الإنسان الذي يعيش بعاطفته منقادا لها راضيا بما عنده غير متشوف لما عند الغير. فهو عالم لا يوجد له نظير إلا في عهود التاريخ القديم. وهو لبعده عن العصر وعن الواقع لا يكاد يرى إلا في الأحلام العميقة أو النشوات الطويلة وليس ببدع أن يولع الفنانون والشعراء والكتاب الوجدانيون، من أمثال « بيير لوتي » وغيره، بالمغرب فيتهافتوا عليه معجبين بجوه الطريف ويرسموا مشاهداتهم في كتب أو صفحات تذهب بالقارئ بعيدا عن محيطه المألوف.
وإن الأفكار الجديدة التي بدأت تتوارد من أروبا سالكة كل الطرق كانت نذيرة بنهاية عالم. ونهاية عالم هي دائما مأساة يصعب الحضور عليها ومشاهدتها. وقد كان من العسير على أجدادنا أن يروا عالمهم الذي ألفوه وعاشوا فيه دهرا ينهار من حواليهم ليدخلوا في مغامرة لم يكونوا متأهبين لها.
الخطوة المنتجة التي تخلى عنها المغرب
ومع ذلك، فقد كان سير التاريخ يفرض هذه المغامرة. فإذا كانت العاطفة والهوى والعادة توحي أحيانا بالركود والهدوء، فإن إرادة الحياة تتطلب الحركة والتطور والسير دائما إلى الإمام. وكم شعب غاب  اليوم عن وجه التاريخ لأنه أراد أن يحيا خارج الزمان!
ولو أهتدي أجدادنا إلى التفكير القويم وتدبروا الواقع بحصانة وبعد نظر لفهموا إن إنقاذ المغرب هو في الاستفادة من حضارة أروبا وعلمها وتجاريها لا في الجمود والتعصب. وقد كان اليابان مثل المغرب يعيش منطويا على نفسه وتقاليده. ثم بدأ هو أيضا يستيقظ في أواسط القرن الماضي. إلا أنه لم يتردد في تدارك ضعفه ومعالجة أدوائه. فتتلمذ على أروبا مدة قصيرة. وما هي إلا سنوات حتى أصبح دولة قوية لها وزنها في العالم ومقامها بين الدول وشخصيتها وحضارتها ومميزاتها.
وقد كان في مستطاع المغرب أن يتقدم بنفس الخطوات ويتخذ لذلك العدة الضرورية فيصبح هو أيضا في أواخر القرن المنصرم دولة ذات مناعة وقوة تعتز بحاضرها كما تعتز بماضيها وتفرض على الطامعين في احتلالها واستعمارها ما يجب من الاحترام والمهابة. ولكن الجمود والتعصب حجبا الحقائق النافعة عن أعين الطبقة المسيرة والمتعلمة وكانا سببا في النكبات التي عاشها المغرب من بعد. وهكذا يوضح لنا التاريخ أن الغلو في المحافظة والانكباب على الماضي قد يضيع معهما كل شيء وأن شيئا من الأقدام والجرأة قد تكون هي الوسيلة لصيانة كيان الأمة وحفظ أمجادها التاريخية وضمان مستقبلها. وما هذا إلا مثال حي عن الجدلية التاريخية التي طالما تحدث عنها الفيلسوف « هيجل » في كتبه.
على أن أجدادنا لم يكونوا يدافعون عن جمودهم ومحافظتهم لحجج عاطفية فقط. بل كانوا يفسرون موقفهم بعلل سياسية واجتماعية وثقافية. فنحن نترك للمؤرخ الذي تقتضي مهمته ـ أن يرسم صورا كاملة عن الماضي أن يحيط بكل تلك العلل. وسنكتفي نحن، في نطاقنا المحدود، بأن نبين الأخطاء الفكرية التي كان أجدادنا يعتبرونها من المسلمات والتي كانت تقود خطاهم في مختلف أوجه نشاطهم. والواقع أنها كانت تضع أمامهم سدودا وحواجز أكثر مما تفتح لهم الطرق وتثير لهم السبل.
حجة الدين
وأهم حجة كان يرتكز عليها أجدادنا للدفاع عن جمودهم وتعصبهم هو الدين. وكانوا يعتقدون أنهم، في سائر تصرفاتهم، أوفياء للقرآن والحديث وتعاليم الأئمة الكبار.
ولكننا عندما ننظر إلى الإسلام في نصوصه الصحيحة الثابتة وندرسها بتحر وموضوعية، لا نجد مطلقا أنه يؤيد الجامدين في جمودهم أو يمنع عن المسلمين الاستفادة من غير المسلمين والتعلم عليهم ولا يقف حجر عثرة في طريق التطور والتجديد. بل إن فيه مبادئ ثورية لم تطبق إلا في فترات قصيرة. فمبدأ المساواة مثلا لو فهمه أجدادنا فهما صحيحا وعملوا به وطبقوه في حياتهم العمومية والخصوصية لكان عاملا من عوامل ازدهار المجتمع وتقدمه وتماسكه ولكانت أنظمتنا السياسية والاجتماعية تتسم في كل العهود بطابع الديموقراطية. ووضعية المرأة كما حددها الإسلام تختلف في كثير عن الوضعية التي كانت توجد عليها في مجتمعنا. لقد  أدخل الإسلام المرأة في المجتمع كعضو عامل له حقوق وعليه واجبات يتعلم ويدير ويبدي رأيه في كل الشؤون. ولكن مجتمعنا المتأخر الجامد فرض عليه الجهل وعلمه الخضوع والخنوع وجرده من شخصيته. ومن تعاليم الإسلام أيضا أن المسلم لا معبود إلا الله وأن عبادة الأصنام والأشخاص أمر محرم. ولكن مجتمعنا أوجد إلى الأولياء وأصحاب المزارات والقباب. ومن تعاليم الإسلام الاتكال على النفس والعمل الشخصي بعد الاتكال على الله، لكن التقاليد الاجتماعية أدى بها التراجع والانحطاط إلى أن تجاهلت السبب والمسبب ونشرت نوعا من الاستسلام للقدر والتخلي عن المجهود والكد.
بحيث ان الإسلام كان يتمثل للملاحظ الموضوعي في صورتين "صورة واقعية تطبيقية ترتبط بحياة المجتمع اليومية ويتصرف الناس وسلوكهم، وصورة نظرية مجردة بجدها في النصوص المقدسة وفي كتب بعض العلماء الذين حاولوا أن يفهموا فلسفة الإسلام العميقة. وقد أصبحت هاتان الصورتان في عهود الانحطاط متباعدتين عن بعضهما تباعدا واسعا.
وسيطول بنا الكلام لو حاولنا أن نعرف بالتدقيق مسافة الخلاف بين الإسلام النظري والإسلام المطبق، وخاصة في العهود المتأخرة. فهذا موضوع قد تعرض له بكثير من التفصيل والخبرة رجال الإصلاح ودعاته ووضعوا في شأنه كتبا ومؤلفات. ومن المفيد الرجوع في هذا الصدد إلى ما كتبه أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
ونكتفي بأن نضيف هنا أن الإسلام عرف سلسلة من الانحرافات تبعا للأوضاع السياسية والاجتماعية التي تقلبت فيها الدول الإسلامية. ومن الخطأ الاعتقاد بأن تلك الأوضاع كانت تخضع دائما لتعاليم الشريعة الإسلامية. بل كان يقع في أحيان كثيرة أن يخضع لها الدين إخضاعا ويؤول تأويلا يوافقها وينسجم معها. بحيث أن الدين بدل أن يحتفظ بصفاء جوهره واستقلاله فيظل قوة حية منزهة عن المؤثرات الدنيوية أصبح في الواقع صورة للمجتمع بما فيه من خير وشر.
وهذا هو السر في اتساع شقة الخلاف مع امتداد الزمان بين المفاهيم القرآنية الحقيقية وبين السلوك الديني الذي أصبح مفروضا على المجتمع الإسلامي في عهود الانحطاط. وهذا السلوك هو الذي كان أجدادنا يغارون عليه ويتعصبون له، ظنا منهم أنه هو الإسلام الصحيح، مع أنه كان يسد في وجوههم أبواب التحرر والمعرفة والرقي ويجردهم من كل قوة أمام أعدائهم.
ولو قيض للمغرب أن يقوم فيه زعماء للإصلاح أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في الشرق لأمكن التغلب ولو جزئيا على عقلية الجمود. ولكن شاء سوء الحظ أن يفقد المغرب حتى هذا النوع من الرجال الذين يكون لهم دور فعال في ظروف الأزمات .

الثقافة الأجنبية تحتل الفراغ
ومهما يكن فقد أظهرت الأحداث التي توالت فيما بعد أن أجدادنا وجدوا أنفسهم مجردين لا من السلاح الحربي فحسب، ولكن من السلاح الفكري أيضا، وذلك حينما غزاهم الاستعمار واستولى على البلاد. فقد بلغ الانهيار إلى حد أبعد مما يتصور الباحث لأول وهلة، ولم تنحصر عواقب التخلف الثقافي والجمود الفكري في احتلال البلاد وضياع الاستقلال، بل ظهر أثرها بصورة أفظع في ميدان الفكر. فأمام الفراغ العقلي الذي كان يعانيه المغرب منذ أزمان بعيدة، استطاعت الثقافة الأجنبية الدخلية أن تجد لنفسها مكانا واسعا رحبا وسرعان ما اجتذبت إليها المثقفين والشباب. أما ثقافتنا العتيقة فقد أدركت أنها لم تعد قوية على البروز إلى ميادين المباراة فانطوت على نفسها وتخلت عن دورها كثقافة وطنية وغدت في الواقع أثرا من الآثار التاريخية.
نعم. بقيت بعض المعاهد الدينية تحافظ بشيء من الشجاعة ومغالبة الزمان على الدروس التقليدية، ولكن الثقافة الحية، الثقافة التي تصادف إقبالا ورواجا أضحت هي الثقافة التي أتى بها الأجانب وأسسوا لها المدارس والمعاهد. وأصبح علماء المعاهد التقليدية أنفسهم يوجهون أبناءهم للمدارس الجديدة وهم شاعرون بأن دروسهم لم تعد تضمن المستقبل لأبناء الجيل الجديد.
وقد كان من الممكن لثقافتنا القومية أن تنلافي هذا الوضع المزري لو استطاع رجال التعليم والساهرون عليه في مستهل هذا القرن أن ينتفضوا من خمولهم ويتغلبوا على جمودهم. ففي هذا الوقت بالذات كان التعليم قطع أشواطا في مصر والشرق العربي وبعض الدول الإسلامية. ولو احتذت بلادنا مثالها لوجد الاستعمار الأجنبي عند غزوه لنا نفسه أمام مدرسة مغربية متطورة تلقن للجيل النامي مبادئ العلوم الحديثة وفي نفس الوقت ترفع لواء الثقافة العربية ولكن الجمود الذي دفع بالساهرين على التعليم إلى المواقف السلبية، أفسح المجال للمدرسة الأجنبية، لأنها بحكم الضرورة والتجربة هي المدرسة التي تستطيع أن تساير روح العصر وتهيئ الجيل الناشئ لمهمات المستقبل. فإذا نتج بعد ذلك أن هذا الجيل أصبح ذا ثقافة وتكوين أجنبيين، قليل المعرفة بثقافته القومية، فالمسؤولية تعود على الأجيال السابقة التي لم تعتن بهذا الأمر ولم تبذل أي مجهود في خلق المدرسة الوطنية المسايرة لمقتضيات العصر.
حقا إن الاستعمار عمل فيما بعد على خنق ثقافتنا القومية ونشر ثقافته المجلوبة. ولكن هذا تصرف طبيعي ومنتظر من كل دولة أجنبية حاكمة.
وليس من الحكمة أن ننتظر من الأجانب المحافظة على ثقافتنا القومية. وخير سلاح كان يمكن لثقافتنا أن تدافع به عن نفسها وتصمد للغزو الأجنبي هو إثبات وجودها بالمدرسة وبالكتاب وبالصحافة وبالندوات والمحاضرات.
لماذا عجزت ثقافتنا عن المقاومة ؟
ولكن، هل كان في مستطاع ثقافتنا في مستهل القرن الحالي أن تبرهن عن كل هذه الحيوية وتقوم بمثل هذا النشاط؟ وهل كان في مستطاع المتعلمين والمتأدبين في ذلك العهد أن يحملوا لواء العلم والفكر عاليا؟
إن المسألة كلها ترجع إلى محتوى الثقافة. وقد رأينا من خلال هذا البحث كيف أن ثقافتنا رفضت  التطور منذ قرون عديدة وكيف أنها لم ترد أن تساير الواقع والأحداث وكيف أنها تجمدت في الأخير وصلبت حتى أصبحت عرقلة دون كل إصلاح. فكيف يتأتى مقاومة الثقافة الأجنبية بواسطتها؟ فالثورة الفكرية التي رفضنا أن نقوم بها نحن في الوقت المناسب، أصبحت مفروضة علينا، فيما بعد، ولكن من الخارج وحسب مناهج وطرق لم يكن لنا فيها اختيار. وهذا سبب كثيرا من المشاكل التي نعانيها اليوم في تطورنا الثقافي. فلو أخذنا الأمور بيدنا من أول مرة وسرنا فيها سيرا واضحا معقولا لما اعترضتنا كل العقبات التي نشاهدها. ولكن، بما أننا تركنا الأحداث تطغى علينا، فلم يكن لنا يد مما نراه اليوم.
والآن وقد مر نصف قرن واجتزنا تجربة الاستعمار، هل نستطيع أن نقول أن محتوى ثقافتنا القومية تجدد؟ سنجيب على هذا السؤال في مقال مقبل بما يتطلبه الموضوع من التفصيل ويكفي أن نقول الآن أن المشكلة لازالت مطروحة أمامنا كما كانت أمام الجيل السابق. فنحن نريد أن تكون لنا ثقافة قومية تعبر عن شخصيتنا ونفسيتنا ونتساءل ما العمل لإدراك هاته الغاية؟
وقد تبين منذ الأول أن الشرط الأساسي للخروج من الجمود الذي نعانيه هو في تجديد محتوى ثقافتنا. وهذا التجديد لا يتم إلا بالخروج من قيود الماضي وعقلية الماضي. فقد بلغت ثقافتنا في القرن المنصرم نهاية مرحلة. ولئن سطع نجمها طوال القرون الوسطى، فقد تبين فشلها وتدهورها فيما بعد. وغير خاف أن الثقافة ليست هي العلوم والآداب المدرجة في بطون الكتب والأوراق، ولكنها قوة معنوية بها تعيش الشعوب وتعتز، وإليها ترجع لتستنير وسط الخطوب المدلهمة، ومن ينابيعها الفياضة تستقي الأفكار الحية الجديدة لتواصل سيرها التاريخي. فالثقافة كائن حي يغمر المجتمع من جميع جوانبه ويلابسه في سائر أحواله وتقلباته. أنها زبدة الفكر الإنساني في سائر تفاعلاته مع الواقع ونتاج الصراع البشري مع قوات الكون وترجمان صادق يعبر عن مطامح كل شعب ومثله العليا.
ولئن وجد المغرب نفسه عاجزا أمام الاستعمار، فلأنه، قبل كل شيء، كان فاقدا لتلك القوة المعنوية فلم تعد ثقافته الهرمة قادرة على القيام بدوها الطبيعي في الوطن والمجتمع.

دعوة غريبة
تلك دروس تلقيناها من التاريخ. لقد كلفتنا ثمنا باهظا. ولكن إذا عرفنا كيف نستخلص عبرتها، فسنجتنب كثيرا من الأخطاء في بناء المستقبل وسنسير في طريقنا أكثر جرأة وإقداما. ومن حقنا أن نبدي تعجبنا وأسفنا من كون بعض المفكرين وحملة الأقلام عندنا لا زالوا لم يستوعبوا تجربة الماضي ويميزوا جانبها السلبي من الإيجابي. فلازالت بعض صحفنا ومجلاتنا تطلع علينا أحيانا بدعوات للرجوع إلى ذلك الماضي ونبذ كل فكرة أتتنا من الخارج ورفض الاحتكاك بالثقافات الأجنبية.
ولنسق على سبيل المثال المقال الذي كتبه الأستاذ عبد السلام الهراس في أحد الأعداد الماضية من « دعوة الحق » بعنوان « قبل فوات الأوان ». واختيارنا لهذا المقال ولهذا الكاتب ليس له معنى خاص. فهنالك أشباه ونظائر كثيرة لهذا المثال.
المحور الذي يدور عليه المقال المذكور هو أن الكاتب يخشى على الأجيال الصاعدة من تأثير الثقافة الأجنبية. ذلك أن الدول العظمى أصبحت تعتمد على سلاح الفكر « لغزو الشعوب الضعيفة، مستغلة فراغها الفكري وبلبلتها الروحية ». وهكذا «  تجهز لهم ثقافة مختارة محدودة لا تسمح لهم بالشعور بكرامة أمتهم ولا تحملهم على الحنين لأمجاد ماضيهم ». ويتغلغل الاستعمار الثقافي بهذه الصورة في الأمم الضعيفة ويخلق فيها قيادة مزيفة تكتفي باقتباس بعض المظاهر من الأمة التي تلقت عنها ثقافتها. « وبما أن شرط الإبداع والحضارة منعدم في أمة تكون قيادتها على هذا الشكل، فإن المسخ هو الذي يسود حياتها بشكل مضحك ومؤلم معا ».
فما هي العواقب الخطيرة التي تترتب عن هذا الوضع؟
يجيب الكاتب : الخطر الذي يهدد أمتنا « هو هذا الذي يزحف زحفا شاملا على عقول ونفوس أطفالنا وشبابنا من الجيل الصاعد الذي سيكون عما قريب عنوان الأمة وقائدها. فلقد أصبح هذا الجيل ينمو في أجواء خاصة، مكيفة تكييفا آسنا خطيرا على الفكر والعقيدة والحضارة الإسلامية. إنه يعد إعدادا مدروسا لكي يصبح « مسلما » من طراز عصري يحمل اسما إسلاميا عربيا ولكنه غريب القلب عن الإسلام وغريب اللسان عن العروبة »
وما الوسيلة لاتقاء هذا الخطر؟
يجب على القيادة « أن تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي أو توجيه استعماري. وبذلك نستطيع القيادة أن تقف على حقيقة آمال الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية. فإن استطاعت أن تصل إلى ذلك الفهم وأن تؤمن بمبادئ الأمة إيمانا عميقا خلاقا، فإنه يسهل على القيادة تعبئة الأمة روحيا وفكريا والإهابة بها إلى التشييد ».
هذا نوع من التفكير يكتسي ثوبا جديدا من حيث الصياغة والتعبير، ولكنه لا يختلف في جوهره عن تفكير أجدادنا في أواخر القرن الماضي. ولندع جانبا بريق الألفاظ ومزايا الأسلوب لننظر إلى فكرة الكاتب بالنقد المجرد.
إذا سايرنا الكاتب في منطقه وسلمنا بالمقدمات التي وضعها، فماذا تكون النتيجة؟
يجب أن نغلق الأبواب أمام كل تأثير فكري يتسرب إلينا من الخارج لنصحح عقائد ناشئتنا ونصونها من كل انحراف. ومعنى هذا أن سلامة العقائد في بلادنا لا يمكن أن تنبني إلا على الجهل بما عند الغير.
وأي قيمة تبقى للعقائد إذا بنيت على هذا الأساس؟ إن هذه النظرية تفترض ضمنيا أن أفكار الغير قد تكون أقوى من الأفكار التي نركز عليها عقائدنا إذن، فالأفضل أن نرفض من أول مرة الاحتكاك والمناقشة. ولا تحتاج إلى الملاحظة هنا بأن العقائد والأفكار لا تصح إلا بالمناقشة.
نضيف إلى ذلك أن مبادئ الإسلام، على ما نعلم، لا تتفق مع هذا الرأي. ففي الأثر : « اطلبوا العلم ولو في الصين ». و« الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أين وجدها ». وهذه الدولة العربية الإسلامية في أوج نهضتها لم تستنكف عن الاقتباس من الغير. وكتاب المرحوم أحمد أمين « ضحي الإسلام » يبين إلى أي حد بعيد تأثرت ثقافتنا العربية بالثقافات الأخرى من فارسية وهندية ويونانية ورومانية. وما حدثنا التاريخ إن علماء الإسلام كانوا لا يرون في ذلك أي خروج عن حدود الدين. بل كانوا أول المشاركين في حركة الاقتباس والمتطلعين إلى معرفة ما عند الغير.
ثم أن نظرية الكاتب، من جانب آخر، تنطوي على نوع من التحكم الاستبدادي في قيمة عقول أبناء الجيل. فما الذي، يا ترى، يخول له أن يستصغر تلك العقول حتى يراها مغلوبة من أول ساعة وبدون مقاومة أمام الغزو الفكري الأجنبي؟ ولماذا لا يقبل ولو على سبيل الفرض أن لتلك العقول، كما لعقله ولا شك، ما يسمى بملكة النقد والتمحيص؟ إن إشفاقه المشكور على عقولنا لا يعني إلا أنه اكتشف بطريقته الخاصة أنها دون المستوى العادي مما يجعل منا مخلوقات طيعة في يد الاستعمار الثقافي يوجهنا كيف شاء.
ثم ماذا يقصد الكاتب بالثقافة « المختارة المحدودة » التي تجهزها لنا الدول العظمى؟ أهي كتب تفرض علينا دون أخرى؟ أم هي أقفاص تضعنا فيها لتصب لنا في الكوز قطرات شحيحة من ثقافتها؟ أن الصورة طريفة في بابها، ولكنها من قبيل الخيال.
ثم هل فكر الكاتب بجد في الوسائل العملية لتحقيق برنامجه؟ ذلك أن الفكرة التي يدعو إليها لا يمكن خدمتها إلا بإحدى طريقتين : طريقة الإقناع العقلي بالمناقشة والتوضيح والمقارنة، وسيكون عليه آنذاك أن يحترم حرية الغير وأن يقبل اعتراضاتهم وملاحظاتهم ويجيبهم عليها، وطريقة الإكراه والفرض بالقوة. وهذا يستوجب إحداث نوع من محاكم التفتيش التي كانت بأروبا في القرون الوسطى والتي كانت مهمتها البحث في عقائد الناس واضطهاد كل من يحمل فكرة لا توافق مذهب الكنيسة.
ولست أعتقد أن محاكم التفتيش من هذا النوع مما يتفق وروح الإسلام ومبادئه. فهل هذا الذي يريد أن يوصلنا إليه الكاتب؟ وهل يرضى لإخوانه المسلمين أن يعيشوا في عهد من تحجير العقول وتقييد الحرية الفكرية؟
ولسنا في حاجة، بعد هذا، إلى تبسيط هذه الحقيقة البديهية المسلمة لدى الجميع وهي أن تبادل الأفكار والعلوم والثقافات نعمة عظمى تستفيد منها الإنسانية ويفضلها تضيف كل يوم لبنة جديدة في بناء الحضارة.
لقد كان لأجدادنا بعض العذر إن كانوا يحملون مثل هذه الأفكار ويدعون لها لأنها كانت مطابقة لحياتهم وبيئتهم الاجتماعية ولأنهم لم يكونوا يدركون فوائد التطور والأخذ بالثقافة العصرية وكانت تغيب عليهم أشياء كثيرة. أما أن يقوم اليوم دعاة يتناسون التجارب القاسية التي مررنا منها ويتجاهلون الأشواط التي قطعنا في تطورنا والمكاسب الفكرية التي حصلنا عليها، ليطلبوا منا أن نعود إلى عهد تجسم فيه انحطاطنا وتدهورنا، فهذا مما يدعو إلى العجب ويترك اللب شاردا.


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here