islamaumaroc

السياسة الدولية بين سنتي 1901-1907(تر. عبد الحق بنيس)-1-

  دعوة الحق

58 العدد

تميزت العلاقات بين الدول العظمى في الفترة الواقعة بين 1901 و1907 بخصائص جديدة : فمن جهة أدى التوسع خارج أوروبا إلى قيام حرب بين روسيا واليابان ثم إلى التهديد بالحرب بين فرنسا وألمانيا، ومن جهة أخرى تحول جهاز الاتفاقات والأحلاف بين الدول الأوروبية إلى الاتفاق الفرنسي ـ الإيطالي سنة 1902 والاتفاق الفرنسي ـ الإنجليزي سنة 1904. والاتفاق الإنجليزي ـ الروسي سنة 1907. فما هي العلاقة يا ترى بين هذين المظهرين اللذين ميزا الحالة الدولية آنذاك؟.
أولا : تضارب المصالخ الاستعمارية بعضها مع بعض.
لقد امتدت جهود التوسع، وما تبع ذلك من مشاحنات بين الدول الأوروبية إلى مناطق جديدة من العالم. كان ذلك في الوقت الذي أخذت فيه كل من الولايات المتحدة واليابان في توسيع رقعهما الأرضية أو مناطق نفوذهما على حساب الأوروبيين.
وقد تضاربت مصالح الدول العظمى الأوروبية في كل من بلاد فارس وآسيا الصغرى وإيثيوبيا وفي بلاد المغرب الأقصى بوجه خاص.
كانت طهران محط صراع بين بريطانيا العظمى وروسيا منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، أما في هذه الفترة فقد ازداد هذا التطاحن حدة وخطورة : ذلك أن الحكومتين كانتا تستغلان فراغ خزينة الحكومة الفارسية للحصول على امتيازات التنقيب عن المعادن أو مد السكك الحديدية مقابل تقديم القروض. وكانت تكمن وراء هذه المعاملات الاقتصادية والمالية ومصالح دفاعية، لأن الحكومة الروسية كانت تحلم بمد سكة حديدية تصل حتى الخليج (الفارسي) (1)، الأمر الذي من شأنه أن  يهدد سلامة الهند. وفي سنة 1906 حدثت أزمة داخلية في فارس (إيران) ـ  قامت حركة ثورية بتحريض من أصحاب الأفكار « الغربية » للتنديد بالأساليب التعسفية التي تنهجها الحكومة كان من شأنها أن أرهقت مالية الدولة، وبالتالي منحت فرصا جديدة للمساعي المتضاربة التي تبذلها الدولتان الأوربيتان. إلا أن هذا التطاحن قد سوي في غشت 1907 بحل وسط إلا وهو تقسيم فارس إلى منطقتي نفوذ اقتصادي، منطقة روسية في الشمال وأخرى  إنجليزية في الجنوب الشرقي. أما ما بينهما فمنطقة « محايدة ».
وفي آسيا الصغرى أخذت الهيئات المالية الإنجليزية والألمانية والفرنسية تسعى منذ سنة 1890 في الحصول على امتيازات مد السكك الحديدية، والحقيقية أن ألمانيا هي التي حازت قصب السبق في هذا الميدان: فقد حصل المصرف Deutsehe Bnnk بمساندة من حكومة برلين، على امتياز هام من الحكومة العثمانية وكان ذلك سنة 1903. وهذا الامتياز عبارة عن شبكة واسعة من السكك الحديدية في الجزء الأكبر من الأناضول وبلاد الرافدين (دجلة والفرات). وكان شريانها هو الخط الحديدي الرابط بين البوسفور وبغداد، ومن هذه إلى الخليج (الفارسي). فلقد فسح هذا العقد مجالات واسعة من الناحية الاقتصادية أمام ألمانيا، وكذا الشأن فيما يرجع للناحية السياسية فهو ينطوي على تهديد للمصالح المالية الفرنسية ـ حيث أن القسط الأوفر من إسناد الدين العثماني كان في أياد فرنسية ـ بل وأدهى من ذلك مصالح كل من بريطانيا العظمى وروسيا: كانت بريطانيا العظمى تخشى أن تفقد ذلك الموقف المهيمن الذي كان لها من الوجهة الاقتصادية في بلاد الرافدين منذ قرنين من الزمان إذ كانت ترى بوجه خاص أن الخط الحديد سيعرض سلامة الهند للخطر إن هو امتد حتى الخليج (الفارسي) أما روسيا فكانت ترى في هذه الشبكة الحديدية وسيلة من وسائل تعزيز الدولة العثمانية، أعني أن الشبكة سوف تسهل على هذه الدولة نقل قواتها المسلحة إلى جميع أطراف الإمبراطورية. إلا أن « مسألة خط حديد بغداد » لم تؤد في أي وقت من الأوقات إلى نزاع حاد بين الدول العظمى. ولم تبرز مقاومة المشروع إلا في الحقل المالي : فقد أقفلت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا أسواقها المالية في وجه القروض التي أرادت أن تجربها الشركة الألمانية، وقد نجحوا حينا من الدهر في تأخير إنشاء السكة الحديدية لكنهم لم يتوصلوا قط إلى إحباط المشروع من أساسه.
وفي إفريقيا الشرقية ظلت إثيوبيا (الحبشة) التي حافظت على استقلالها في سنة 1896 عند ما حاولت إيطاليا غزوها، ظلت خاضعة لضغط المصالح الأجنبية. فقد حصلت فرنسا على امتياز مد سكة حديدية من دجيبوتي إلى إديس أبابا ثم أخذت تسعى في احتلال مكانة بارزة في الحياة الاقتصادية. وكانت بريطانيا العظمى تراقب هذا العمل وتعاكسه إذ كانت لا تريد على الأقل أن يقع الجزء الشرقي من البلاد، ـ منطقة بحيرة تانا والنيل الأزرق ـ في قبضة دولة عظمى أخرى، « وقد وقفت نفس الموقف إزاء إيطاليا التي أرادت أن تستأنف جهودها في التوسع دون اللجوء إلى استعمال وسائل العنف. وفي سنة 1906 توصلت الدول الثلاث إلى حل وسط وهو تقسيم إيثيوبيا إلى مناطق نفوذ اقتصادي.
والمسألة المغربية دون سواها هي التي كادت أن تعرض السلام العالمي للخطر فكيف كان ذلك؟ لقد كانت مشاريع الاستغلال الاقتصادي من الأهمية بمكان، ولم تظهر هذه الأهمية لكون المغرب الأقصى فحسب يملك موارد معدنية خصوصا في منطقة الريف وإنما لكون « تجديد » البلاد سيتيح فرضا أمام مشاريع إنشاء السكك الحديدية أو تجهيز الموانئ. ولم يكن الشواغل الدفاعية ـ رقابة الطرق البحرية الكبرى ـ أهمية أقل ما دام للمغرب واجهتان، إحداهما على البحر الأبيض المتوسط وثانيهما على المحيط الأطلسي: فالمسألة إذن تتعلق بحرية المرور في مضيق جبل طارق وبحرية الاتجار على طول الطريق البحرية الرابطة بين أوروبا وبين رأس الرجاء الصالح. يضاف إلى هذه العوامل شاغل خاص بفرنسا وهو تأمين سلامة الجزائر باحتلال مجموع أقطار المغرب، فإن لم تفعل فقد تأتى دولة عظمى أخرى وتقوم بنفس العمل.
أما وأن فرنسا قد أخذت، في التسرب إلى المغرب الأقصى، زمام المبادرة فهذا مالا يدعو إلى الاستغراب. حقا أن جول فيري في سنة 1884 كان قد رغب عن إقحام السياسة الفرنسية في مسألة قد تكون أهميتها الدولية من الخطورة بمكان. إلا أن الحزب الاستعماري في سنة 1902 أصبح يدعو إلى القيام بهذا العمل. ونادى بذلك من على منصة « مجلس النواب » زعيمه أوجين إيتيين Engène Etienne  كانت الأساليب التي اتبعت للتغلغل في المغرب الأقصى أساليب اتباعية (كلاسيكية) : كتقديم الموارد المالية التي يحتاجها السلطان لتنظيم إدارة دولته وإرسال مدربين عسكريين لجيشه، حيث أن بعض القبائل المغربية كانت تشق عصا الطاعة. وقد اصطدمت هذه السياسة ببريطانيا العظمى التي لم يغب عنها ما ستجنيه حاضرا ومستقبلا من فوائد تجارية في الدولة المغربية، سيما وأنها كانت تتهم على الخصوص بالمحافظة على الطرق البحرية، وهددت هذه السياسة كذلك مصالح إسبانيا، فهذه تملك منذ القرن السادس عشر ما نسميه (بالحصون) على الضفة الشمالية المغربية، وأثارت هذه السياسة كذلك خنق ألمانيا التي أرادت، وقد أتت متأخرة جدا في تقسيم العالم، إن لا يسوى خارجا عنها مصير « بلاد بكر » لا زالت بعد محتفظة باستقلالها. وقد حصل ديلكاسيه (2) بواسطة اتفاقات 8 أبريل 1904 على تخلي انكلترا عن كل عمل في المغرب مقابل تخلي فرنسا عن كل ادعاء في مصر، ثم تخلى لإسبانيا في أكتوبر 1904 عن جزء بسيط من المغرب، إلا أنه كان على إقصاء ألمانيا من الميدان. وقد صرح بذلك تصريحا لا غبار عليه، منذ بداية المفاوضات مع انجلترا وإسبانيا، قال : حيث أن الامبراطورية الألمانية لا مصالح لها في المغرب الأقصى « فإن الحكومة الفرنسية ترغب في إقصائها ».
ولم تبرز السياسة الألمانية في الميدان إلا في مارس 1905. ذلك أن الزيارة التي قام بها غليوم الثاني لطنجة حيث نصب نفسه حاميا لاستقلال المغرب الأقصى، فسحت المجال لحدوث أزمة دولية ظلت أزيد من سنة مستعرة الأوار. كانت الحكومة الألمانية تتحدث في البدء عن المطالبة بحظها من المغرب، وما لبثت أن تخلت عن هذا الحل، ثم إنها أبعدت كذلك كل الاحتمال للتخلي مقابل عوض. إن البرنامج الذي أخذت به ألمانيا هو « تدويل » القضية المغربية. قال بولوف  Bûlowالوزير الأول الألماني : « إنني أرى أن لا مندوحة من عقد مؤتمر دولي، فهذا المؤتمر سوف يمنع فرنسا من أن تنفرد ببسط سيطرتها على المغرب الأقصى ». وعلى الرغم من نظرية رئيس أركان الحرب، فإن الحكومة الألمانية لم تكن عازمة على الذهاب إلى إعلان الحرب، بيد أن الديبلوماسية الألمانية قد لجأت إلى وسائل التهديد والوعيد، وقصدها من ذلك إنما هو إرغام الحكومة الفرنسية على قبول عقد المؤتمر : فقد ضغطت على الرأي العام الفرنسي « وزرعت الرعب في قلبه »، مستغلة الخلافات التي وقعت بين رئيس مجلس الوزراء روفييه Rouvier وبين وزير الشؤون الخارجية ولم يصادف هذا الضغط نجاحا في الرأي العام والبرلمان فحسب وإنما تعداه إلى كبار الموظفين في وزارة الشؤون الخارجية. ففي 6 يونيه 1905 قدم ديلكاسه استقالته بضغط مباشر من ألمانيا، فمت كان من روفييه إلا أن أذعن لفكرة المؤتمر.
إلا أن هذا التدويل الذي أصاب القضية لمغربية كان بعيدا من أن يحقق للسياسة الألمانية ما كانت تصبوا إليه من مطامح. فعند ما التأم عقد المؤتمر الدولي في الجزيرة (3) من يناير إلى أبريل 1906 كانت وجهة النظر الفرنسية مدعمة من جانب بريطانيا العظمى وروسيا وإيطاليا وحتى من قبل الولايات المتحدة. وإذا كان عقد الجزيرة قد أعلن أن المغرب الأقصى دولة مستقلة، إلا أنه خول لفرنسا الأداة التي ستمكنها من القيام بعملها السياسي، أي السماح لها ولإسبانيا كذلك بحق تنظيم الشرطة في الموانئ المغربية، غير أن إسبانيا في هذه الآونة ـ وهذا ما لاحظه بولوف نفسه ـ كانت تحتل بالطبع مكانة « التابع ». ومع هذا فقد احتفظت السياسة الألمانية برهينة سوف تتمكن بواسطتها من التأثير على السياسة الفرنسية كلما كان هنالك خرق للميثاق.
وهكذا ففي الوقت الذي سويت فيه النزاعات بين إيطاليا وفرنسا، وبين بريطانيا العظمى وفرنسا، وفي الوقت الذي أتاحت فيه التسوية، بالنسبة للعلاقات بين الدول وبالنسبة لأوروبا ذاتها، فرصا جديدة للتفاهم، في هذا الوقت أتت الامبراطورية الألمانية وأكدت بنهجها لهذه السياسة في آسيا الصغرى والمغرب الأقصى، إرادتها في الحصول بخصوص تقسيم العالم على مكانة تتناسب وطاقتها الاقتصادية وقوتها الحربية.
 

(1) نأبى نحن العرب إلا أن تسميه بالخليج العربي. أما المؤلف فقد سماه بالفارسي ولذا وضعت القوسين (المترجم).
(2) وزير الشؤون الخارجية الفرنسية آنذاك (المترجم).
(3) تعرف بالجزيرة الخضراء في المؤلفات العربية. وتقع جنوب إسبانيا (المترجم).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here