islamaumaroc

الأوقاف في العالم الإسلامي

  دعوة الحق

58 العدد

لقد تذرع المغاربة منذ انبثاق فجر الإسلام بهذه البلاد ـ بشتى الوسائل لتركيز الفكرة الإسلامية وتحقيق ازدهار للمسلمين في آن واحد بواسطة « رباع » توقف على المؤسسات الدينية والاجتماعية وقد ساهم الملوك والشعب في هذه الحملة الدينية الإسعافية التي كانت نتخذ مختلف المظاهر لتحقيق غاياتها، وإذا راجعنا دفاتر الإحصاء الحبسية لاحظنا أن الأوقاف كانت تتوفر في جميع أنحاء القطر على أحسن الأراضي والعقارات وحتى السوالم الحية في الجبل علاوة على الغراسات الثرية وقد وقع تفويت جانب كبير من الأراضي الخصبة الشاسعة والأملاك المختلفة في إبان الحماية ولا تزال صكوك تحبيسها موجودة إلى الآن وقد تبلور الاتجاه الحبسي على الخصوص مند عهد المرينيين حيث أقام أبو يوسف المارستانات للغرباء والمجانين وأجرى عليها النفقات وخصص لها الأطباء وبنى المدارس ورتب فيها الطلبة لقراءة القرآن والعلم وأجرى لهم المرتبات في كل شهر وبنى الزوايا في الفلوات وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري سبيل وذوي الحاجات « الذخيرة السنية ص 100 »، وسار الملوك بعد ذلك على منوال حثيث في هذه الطريق الجديدة حتى أنشا أبو الحسن في كل بلد من بلد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط (الجزائر) مدرسة فقامت مؤسساته الاجتماعية في تازا ومكناس وسلا وطنجة وسبتة وآنفا (الدار البيضاء الحالية) وأزمور وآسفي وأغمات ومراكش والقصر الكبير وتلمسان وعاصمة الجزائر (المسند الصحيح الحسن لابن مرزوق ص 35 مجلة هسبريس عام 1925).
ولم تكن أية مدينة من المدن لتخلو من عائلات خصصت قسطا من أملاكها للإسعاف الاجتماعي وهي الأوقاف المعينة على الخبز مثلا الذي كان يوزع أسبوعيا أو يوميا حسب أهمية الأرباع هذا علاوة على الأوقاف الخاصة بالمساجد والمرستانات ومعاهد التعليم التي كان يتعيش منها عدد كبير من المستخدمين زيادة على رواتب العلماء والطلبة.
وإذا اعتبرنا أن كل مدينة مغربية كانت تتوفر في كل حي من إحيائها على عدة مساجد بأوقافها لمسنا ضخامة الثورة الحبسية في المغرب ويكفي أن نعلم أن في فاس وحدها أحصى في زمن المنصور ومحمد الناصر الموحديين (1)785 مسجد أو 42 دار للوضوء و80 سقاية عمومية و43 حمام » (زهرة الآس ص 33) وكلها حبسية.
وكانت في المغرب أوقاف من نوع خاص (2) كالتي تصرف على الزوجين الفقيرين بأيوائهما مجانا في منزل مؤقت إبان الزفاف وكالتي تتفق في تجهيز العروس المعوزة وأوقاف الأواني المكسرة وتعهد وتغذية الحيوانات والطيور (كدية البراطيل بفاس) وذلك بالإضافة إلى تأسيس الأسوار والقناطر والقنوات والسهر عليها والشبه هنا ملحوظ بين المغرب والشام حيث توجد نفس الأنواع من الأوقاف (3) ويمتاز المغرب ومصر بصندوق حبسي للقرض بدون فائدة وكان موجودا بفاس.
وأهم ما يسترعي نظرنا في هذا الهيكل المحكم، هو أن الوقف لم يتخلف تقريبا في إقليم من الأقاليم التي غزاها الإسلام، بمبادئه السامية، وتشريعاته المثالية، فحتى في أقصى بخاري والتركستان تفرعت الهيئات الحبسية، وتضخمت مواردها طوال قرون إلى أن انهزم التنر فاغتصب الروس هذه الأموال واستمرت الحال على هذا المنوال إلى أن قرر الحزب الشيوعي عام 1921 تأميم الأوقاف ـ باستثناء ما يمس المساجد ـ وتسليم الأراضي الحبسية إلى الفلاح المسلم وغير المسلم، وتحظير كل وقف جديد.
وفي الأفغان أمم الأمير عبد الرحمن الذي توفي أوائل القرن الميلادي الحالي قسطا كبيرا من الأوقاف وإدراجها في ميزانية الدولة، وأصبح الأئمة والمؤذنون يحتسبون أعمالهم لله بدون مقابل، إلا اكتتابات المصلين، وتساهم الحكومة والبلديات في تعهد المساجد.
أما في أندونيسيا فإنها تمتاز بظاهرتين اثنتين :
أولا : قلة الأوقاف العقارية نظرا لانعدام الملكية الفردية في معظم النواحي، وشيوع ملكية الجماعة أو القرية، بحيث لا يملك الأفراد حق التوقيف. ثانيا : لا توجد إدارة مركزية للأوقاف.
وفي الباكستان تكثر الأوقاف خاصة في القسم الشرقي الذي هو البنغال، حيث يشرف رجال الإفناء على الأوقاف بإعانة لجنة يشارك فيها مندوب عن الحكومة إذا كان الوقف مهما. ورجال الدين مستقلون عن السلطات العمومية ولا توجد أية هيئة مركزية تنسق المسائل الدينية والواقع أن دولة الباكستان الفتية ما زالت في طور الاختمار والإصلاح فقد أصدر المجلس التشريعي في البنجاب، أوائل 1952 قانونا ينص على صرف ريع الأوقاف (لصالح التقدم والصحة وضمان إنفاق موارد الأحباس فيما وضعت لأجله).
وفي اليمن يرجع أمر الوقف لبيت المال الذي يتحمل نفقات المؤسسات الدينية، أما الأوقاف المعينة للأضرحة، فإن عليها نظارا خصوصيين يعينهم الإمام ويسمون « نظار التراب »
وفي يوغوسلافيا كانت الأوقاف خاضعة منذ الاحتلال النمسوي أي عام 1884 إلى إدارة تتركب من مسيرين عن الحكومة، ولجان استشارية، وكانت الموارد تنفق بالأخص على المعاهد الدينية. على أن انقلابات شتى طرأت في العقود الأخيرة إلى أن صدر في 5 نوفمبر 1936 ـ دستور الجامعة الإسلامية ـ بيوغوسلافيا الذي ضمن الجالية المسلمة في البلاد استقلالا دينيا يكاد يكون تاما داخل البلاد وخارجها، فأصبحت هذه الجامعة منذ ذاك تتصرف في الأوقاف لها ميزانيتها المستقلة وإدارتها الخاصة.
وإلى الاحتلال الألماني عام 1941 كان هنالك مجلسان إقليميان يتركبان من ممثلين جهويين، ينتخبون لأربع سنوات من طرف جميع المسلمين الذكور البالغين، ويجتمع هذان المجلسان مرتين في السنة للمصادقة على الميزانية، وعلى القرارات الخاصة بالأوقاف، وينتخب كل مجلس لجنته التنفيذية والإدارية وفي كل إقليم ولك قرية تسير شؤون الوقف مجالس ينتخب أعضاؤها لأربع سنوات. وربع الأوقاف هام في يوغوسلافيا، لأن معظم المدارس الإسلامية تتعيش منه. وفي عهد تيتو صارت لجان شعبية خاصة تتعهد المساجد. ولجنة العاصمة هي التي قامت بترميم مسجد بلغراد الذي تضرر من الغارات الألمانية.
وفي المملكة العربية السعودية لا توجد إدارة للوقف إلا في الحجاز حيث تشرف إدارة عامة على شؤون الوقف، وتصرف ربعه على المساجد، وعلى الأئمة والمؤذنين الذين تعينهم الإدارة المذكورة باقتراح من قاضي القضاة. وهذه الإدارة التي لها فروع في جدة والمدينة والطائف يوجد مركزها بمكة وتتمتع باستقلال مالي ويمنحها الملك إعانة خاصة عند الاحتياج. وهنالك نظار للأوقاف المعينة كما في المغرب. كما تنشابه في البلدين مسطرة كراء الأملاك الحبسية حيث يوجب القانون المزاد العلني ويحصر المدة في ثلاث سنوات على الأكثر ـ يمكن تجديد هذه المدة في المغرب لست ثم تسع ـ.
وفي تركيا ألغت الجمهورية الوقف المعين وفرضت مراقبة دقيقة على الوقف العمومي الذي ارتبط مصيره بالشؤون الدينية وفي عام 1924 صدر قانون أنشئت بموجبه وزارة للشؤون الثقافية تابعة لرئاسة الحكومة يشرف المسؤول فيها على المساجد والمعاهد الدينية كما ألغى نفس القانون وزارة الأوقاف وأحدث إدارة عامة مهمتها تنظيم الأوقاف بصورة تتلاءم مع المصلحة الحقيقية للأمة.
وفي مصر (4) كانت نظارات الأوقاف مبعثرة إلى أن وحدها محمد علي تحت إشراف إدارة عامة ولكن الإصلاح لم ينجح إلى أن أعاد الكرة الخديوي عباس الأول الذي قصر اختصاصات الإدارة المذكورة على مراقبة سير النظار واستعزال القاضي لكل من ثبت عليه إهمال أو رشوة منهم. وقد أسس الخديوي اسماعيل وزارة الأوقاف وعوضها الخديوي توفيق لإدارة عامة تخضع للسلطان مباشرة وذلك مخافة تدخل إنجليزي في شؤون الوقف إذ ظل تابعا للحكومة إبان الاحتلال. وقد أعيد نظام وزارة الأوقاف عام 1946 كما أصبح المجلس الأعلى للأوقاف ـ متركبا من وزير الأقاف كرئيس وشيخ جامع الأزهر ووزير الأشغال العمومية ووزير الصحة ووزير المالية ورئيس لجنة النزاعات التابعة للدولة ونائب كاتب الدولة في وزارة الأوقاف ومفتي مصر. وهذا المجلس هو الذي يتكفل بتحضير الميزانية وتقرير الاعتمادات والمصادفة على أعمال الترميم والبناء والتجديد والاقتناء والبيع والعقود التي تزيد قيمتها على 1500 جنيه وللوزارة مصلحتان : في مكة والمدينة لمراقبة أحباس الحرمين وقد بلغت مداخيل الأحباس المصرية 4163180 ومصاريفها 3192420 جنيه عام 1950 ـ في حين أن مداخيل الميزانية العامة ومصاريفها تبلغ 157800000 جنيه و 187500000 ـ وتتعهد الوزارة بعض المستشفيات وملاجئ العجزة والأيتام حيث كانت تتبنى في القاهرة وحدها 600 يتيم كما تخول منحا لطلبة الأزهر ومنذ عام 1943 أصبحت تقرض ذوي الحاجات بدون فائدة.
وفي سوريا تشرف على الوقف ثلاث هيئات، هي الإدارة العامة للأوقاف ومجالس منتخبة خاصة في المحافظات والنواحي والمجلس الإسلامي الأعلى الذي يوجد مركزه في العاصمة. أما مجالس المحافظات فإنها تتركب من ستة أعضاء فيهم عالم وتاجر وملاك ومتمول ومهندس وخبير فني ومحام وكلهم منتخبون وقد بلغت ميزانية عام 1949، 2100000 جنيه سوري وقد منحت الدولة للأوقاف في نفس السنة 544000 جنيه.
وفي لبنان يوجد وضع خاص نظرا لتشعب الملل والنحل هناك. ولكن حكومة لبنان اقتبست عام 1947 من النظام المصري.
وفي الأردن تأسست عام 1946 إدارة مركزية للأوقاف مستقلة عن الهيئة المركزية للشؤون الدينية، وهي تابعة لرياسة الوزارة، وتتركب من مجلس أعلى، ومدير عام ومراقب عام للحسابات وأمين وموظفين ولجن محلية.
وفي العراق كذلك تشرف على الأوقاف هيئة يرأسها مدير عام ويعينه مفتش عام مكلف بالشؤون المادية والإدارية، إلا أن لجان هذه الإدارة العام المنظمة للأوقاف، تتركب من مديرين محليين في14 ولاية ومأمورين للأوقاف. وللأوقاف ميزانية خاصة يصادق عليها البرلمان مثل الميزانية العامة.
وقد بلغت ميزانية الأوقاف 472000 دينار عام 1951 بينما بلغت الميزانية العامة 25 مليون دينار.
وفي إيران توجد بوزارة المعارف، إدارة عامة للأوقاف، وفي الأقاليم والولايات مديرون وتندرج ميزانية الأوقاف في ميزانية المعارف العمومية، ويراقبها المفتشون العامون التابعون لهذه الوزارة.
أما في المغرب العربي، فإن الأنظمة تتسم كذلك بطوابع خاصة، ففي طرابلس توجد إدارتان جهويتان للأوقاف، وفي كلا الإقليمين مجلس يتركب من رئيس وثلاثة مستشارين، ومدير، تعينهم السلطات الحكومية بعد استشارة القاضي وتتصرف هذه المجالس في شؤون الأحباس تحت مراقبة المحاكم الشرعية، ولكل مجلس ميزانية مستقلة، تصادق عليها الحكومة وتراقب تنفيذها مصالح المالية الحكومية وفي الجزائر (الشمالية على الأخص) أدمجت الأملاك الحبسية ضمن أملاك الدولة بعد الاحتلال وأصبحت الدولة الفرنسية تعتبر نفسها المحط النهائي الذي ترجع إليه الأوقاف المعينة بعد اند راس المعقب عليهم. ورغم ما تقرر عام 1947 من فصل الشؤون الدينية عن شؤون الدولة، فإنه لم يحدث أي جديد في الموضوع
وتولي الحكومة بعد الاستقلال عناية خاصة بالأوقاف حيث أسست وزارة للاهتمام بشؤونها.
وفي تونس أدمجت الأوقاف في ميزانية الدولة بعد إعلان الاستقلال وكانت إدارة الأحباس تتركب من مجلس إداري وإدارة مركزية، وإدارة محلية ومتصرفين في الأوقاف. والكل يخضع لمراقبة المجلس الأعلى للأحباس
وكان يشرف على الإدارة الحبسية منذ 1944 رئيس المجلس الإداري، الذي يعينه نائبان، أحدهما يسير المصالح الإدارية والآخر المصالح المالية وينقسم الجميع إلى عدة مكاتب مثل المكتب العقاري، ومكتب النزاعات، ومكتب التسيير، ومكتب الزياتين، ومكتب الأحباس المعنية، ومكاتب الحسابات والميزانية، والإحصاء والتوزيع والإصلاحات والترميمات وكانت الإدارة المحلية تحتوي على 14 مفتشا أو نائبا يمسكون سجلات الأملاك الحبسية.
ومن هذه العجالة، تتضح الأهمية القصوى، التي تتسم بها الأوقاف في مختلف مناحي العالم الإسلامي.

(1) وذكر أبو القاضي في الجذوة أن مساجد فاس كانت قبل اليوم 785 وأما اليوم (عصر المنصور السعدي) فلا تحصى كثرة وعدد حماماتها قبل اليوم 93 وأما اليوم فلا عدد لها (ص28)
(2) وكانت هنالك أحباس من نوع خاص في كل من المغرب والأندلس فقد ذكر صاحب نشر المثاني أن من أحباس جامع الأندلس قراءة التفسير بالفخر الرازي (ج 1 ص20) وإن كراس العلم في التفسير وقراءة صحيح مسلم وابن الحاجب وصغرى السنوسي والرسالة ونظم ابن زكري لها أحباس (ج 1 ص 38) ومن أحباس فاس استيفاء ابن حجر على الصحيح في التدريس (نيل الابتهاج ص 169) وكان بعض العلماء لا يأكلون من مال الأحباس مثل سيدي عبد القادر الفاسي (السلوة ج 1 ص 310)
(3) ذكر صاحب جذوة الاقتباس أن كثيرا من أوقاف المساجد أدخلها أهل فاس في منافعهم وحسبوها من أموالهم أيام ابن تاشفين فرفعت القضية إلى القاضي عبد الحق بن معيشة الغرناطي فتوجه الطلب على النظراء والوكلاء في ذلك ومحاسبتهم فأبرزت المحاسبة 80000 دينار (ص 42) وورد أن الأحباس احتفظت بإدارتها المستقلة إلى عهد مولاي عبد الرحمن الذي قرر ضمها إلى دوائر المخزن وألغى النظار الخصوصيين للمساجد والأضرحة وعوضهم في كل مدينة بناظرين يعينهما السلطان، وقد حاز مولاي حفيظ عند ما بويع بمراكش خمسين ألف فرنك من أحباس هذه المدينة.
(4) كانت ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في تركيا العثمانية كلها في ملك الأوقاف وتدل الإحصائيات المصرية لعام 1935 على أن سبع الفدادين المزروعة في ملك الأحباس وبلغت المحبسات الجديدة ما بين سنتي 1930 و 1935 نحو الخمسمائة و 8000 هكتار من الأرض وكان عدد المتمتعين بأرباع الأوقاف 70000 نسمة وقد بلغت ميزانية الأوقاف عام 1934 و 1935 (وهي فترة الأزمة الاقتصادية) 1570000 جنيه ووصلت مداخيل وقف الأسرة المالكة إلى مليون جنيه وقد ألغي الوقف المعين أو الخاص في سوريا عام 1949 وفي مصر عام 1952 في حين ضوعفت مراقبة الأوقاف العمومية نظرا لرسالتها الاجتماعية.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here