islamaumaroc

رأي في تحديد النسل والعدوى -1-

  دعوة الحق

58 العدد

 (1) طالما هممت أن أكتب مقالا وافيا في هذه المسألة، وقد سئلت عنها كثيرا في العراق وفي المغرب وفي ألمانيا قبل ذلك، فلم تزل كثرة الأشغال المتراكمة تدافعني حتى جاءني السؤال المتقدم ذكره من تلميذي العزيز المذكور. فها أنا ذا أكتب هذه الفتوى بعد الاطلاع على أحوال العصر وأهله في أوربا وآسيا وأفريقيا وأرجو أن يوفقني الله إلى إصابة شاكلة الصواب. سأبدأ أولا بنقل كلام المتقدمين، ثم أعود عليه بالنخل والتحليل والتصفية حتى يظهر الحق من بين اختلافهم عسلا صافيا خالصا من الشمع ولبنا سائغا للشاربين. وما ذلك بعزيز على من لا يخيب السائلين.
قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ممزوجا مع متنه من كتاب المنتقي (باب ما جاء في العزل ص 208 ج 6)
1) عن جابر قال : كنا نعزل على عهد رسول الله (ص) والقرآن ينزل) متفق عليه. ولمسلم (كنا نعزل على عهد رسول الله (ص) فبلغه ذلك فلم ينهنا)
2) وعن جابر : (أن رجلا أتى النبي (ص) فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانبتنا في النخل وأنا أطواف عليها وأكره أن تحمل، فقال : (أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها) رواه أحمد وأبو داود ومسلم.
3) وعن أبي سعيد قال، خرجنا مع رسول الله (ص) في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب، فاشتهينا النساء واشتد علينا العزبة وأحببنا العزل، فسألنا عن ذلك رسول الله (ص) فقال : (ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه) رواه أحمد وأبو داود.
4) وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله (ص) : (في العزل أنت تخلقه، أنت ترزقه،؟ أقره قراره فإنما ذلك القدر) رواه أحمد.
5) وعن أسامة ابن زيد، أن رجلا جاء إلى النبي (ص) فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له النبي (ص) : (لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل : أشفق على ولدها، أو على أولادها، فقال رسول الله (ص) لو كان ضارا ضر فارس والروم) رواه أحمد ومسلم
6) وعن جذامة بنت وهب الأسدية قالت : حضرت رسول الله (ص) في أناس وهو يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغلبون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله (ص) : ذلك الواد الخفي ـ وإذا الموؤدة سئلت) رواه أحمد ومسلم   
7) وعن عمر بن الخطاب قال: (نهى رسول الله (ص) أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) رواه أحمد وابن ماجة وليس إسناده بذلك.
حديث أبي سعيد الثاني، أخرجه أيضا الترمذي والنسائي. قال الحافظ، ورجاله ثقات. وقال في مجمع الزوائد، رواه البزار وفيه موسى بن وردان وهو ثقة وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات. وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر وأبي هريرة. وجزم الطحاوي بكونه منسوخا وعكسه ابن حزم. وحديث عمر بن الخطاب في إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: (نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها) وروى عنه ابن أبي شبيه أنه كان يعزل عن أمته. وروى البيهقي عن ابن عمر مثله. ومن أحاديث هذا الباب عن أنس عن البزار وابن حبان وصححه، أن رجلا سأل عن العزل، فقال النبي (ص) لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا، وله شاهدان في الكبير للطبراني عن ابن عباس، وفي الأوسط له عن ابن مسعود (قوله كنا نعزل)، العزل: النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج. قوله (والقرآن ينزل) : فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حراما لم يقررا عليه ولكن بشرط أن يعلمه النبي (ص). وقد ذهب الأكثر من أهل الأصول على ما حكاه في الفتح إلى أن الصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبي (ص) كان له حكم الرفع، قال، لأن الظاهر أن النبي (ص) اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، قال، وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك. وأخرج مسلم من حديث جابر قال (كنا نعزل على عهد رسول الله (ص)، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا) ووقع في حديث الباب المذكور الإذن له بالعزل، فقال، (اعزل عنها إن شئت) قوله ما عليكم أن لا تفعلوا، وقع في رواية في البخاري وغيره (لا عليكم أن لا تفعلوا) قال ابن سيرين، هذا أقرب إلى النهي. وحكى ابن عون عن الحسن أنه قال : والله لكان هذا زجرا. قال القرطبي، كان هؤلاء فهموا من لا، النهي عما سألوا عنه. فكأنه قال، لا تعزلوا وعليكم أن لا تفعلوا ويكون قوله (وعليكم) إلى آخره تأكيد للنهي. وتعقب بأن الأصل عدم هذا التقرير وإنما معناه ليس عليكم أن تتركوا وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا، وقال غيره، معنى لا عليكم أن لا تفعلوا، أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل. فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل. ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال، لا عليكم أن تفعلوا، إلا أن يدعي أن لا زائدة، فيقال، الأصل عدم ذلك.
وقد اختلف السلف في حكم العزل. فحكى في الفتح عن ابن عبد البر أنه قال، لا خلاف بين العلماء إنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. قال الحافظ، ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة. قال، وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أنه لا حق للمرأة في الجماع، وهو أيضا مذهب الهادوية فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم، إنه لا حق لها في الوطء، ولكنه وقع التصريح في كتب الهادوية بأن لا يجوز العزل عن الحرة إلا برضاها، ويدل على اعتبار الإذن من الحرة حديث عمر المذكور، لكن فيه ما سلف. وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة. واختلفوا هل يعتبر الإذن منها أو من سيدها، وإن كانت سرية فقال في الفتح، يجوز بلا خلاف عندهم، إلا في وجه حكاه الروباني في المنع مطلقا كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة فالراجح الجواز فيها مطلقا، لأنها ليست راسخة في الفراش. وقبل حكمها حكم الأمة المزوجة. (قوله كذبت يهود) فيه دليل على جواز العزل، ومثله ما أخرجه الترمذي وصححه عن جابر قال (كانت لنا جوار وكنا نعزل، فقالت اليهود، إن تلك المؤودة الصغرى، فسئل النبي (ص) عن ذلك فقال : (كذبت اليهود لو أراد الله خلقه لم يستطع أحد رده) وأخرج نحوه النسائي من حديث أبي هريرة، ولكنه يعارض ذلك ما في حديث جذامة المذكور من تصريحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الواد الخفي. فمن العلماء من جمع بين هذا الحديث وما قبله فحمل هذا على التنزيه، وهذه طريقة البيهقي ومنهم من ضعف حديث جذامة هذا لمعارضته لما هو أكثر منه طرقا. قال الحافظ، وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم. والحديث صحيح لا ريب والجمع ممكن. ومنهم من ادعى أنه منسوخ، ورد بعدم معرفة التاريخ. وقال الطحاوي، يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولا من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم. فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وتعقبه ابن رشد وابن العربي بأن النبي (ص) لا يحرم شيئا تبعا لليهود ثم يصرح بتكذيبهم فيه. ومنهم من رجح حديث جذامة بنبوته في الصحيح وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب. قال الحافظ، ورد بأنه يقدح في حديث، لا فيما يقوي بعضه بعضا فإنه يعمل به وهو هنا كذلك والجمع ممكن. ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة، وحديثها يدل على المنع. قال، فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعلية البيان. وتعقب بأن حديثها ليس بصريح في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وإذا خفيا على طريق التشبيه إن يكون حراما. وجمع ابن القيم فقال، الذي كذب فيه صلى الله عليه وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدا حقيقة. وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جذامة، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد. لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل. والعزل يتعلق بالقصد فقط. فلذلك وصفه بكونه خفيا، وهذا الجمع قوي. وقد ضعف أيضا حديث جذامة، أعني الزيادة التي في آخره بأنه تفرد بها سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود. ورواه مالك ويحيى بن أيوب عن أبي الأسود فلم يذكراها، وبمعارضتها لجميع أحاديث الباب. وقد حذف هذه الزيادة أهل السنن الأربع. وقد احتج بحديث جذامة هذا من قال بالمنع من العزل كابن حبان. (قوله أشفق على ولدها) هذا أحد الأمور التي تحمل على العزل. ومنها الفرار من كثرة العيال والفرار من حصولهم من الأصل. ومنها خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا. وكل ذلك لا يغني شيئا لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. (لقوله أن أنهى عن الغيلة بكسر الغين المعجمة بعدها تحتية ساكنة، ويقال لها الغيل بفتح الغين والياء. والغيال بكسر الغين المعجمة، والمراد بها أن يجامع امرأته وهي مرضع. وقال ابن السكيت، هي أن ترضع المرأة وهي حامل، وذلك لما يحصل على الرضيع من الضرر بالحمل حال إرضاعه، فكان ذلك سبب نهيه صلى الله عليه وسلم، ولكنه لما رأى النبي (ص) أن الغيلة لا تضر فارس والروم ترك النهي عنها.

بحث فيما تقدم وفيه مسائل
الأولى، تعارضت الأحاديث في النهي عن العزل، وهو منع المني عند الجماع أن يصل إلى رحم المرأة خوفا من أن تحمل، فترتب على ذلك اختلاف الصحابة فمن بعدهم. الثانية، انقسم الناس في هذه القضية ثلاثة أقسام، قسم منعوه مطلقا، ومن هذا القسم من المنع بالحرائر وأباحه في الإماء السربات، أي الموطوءات بملك اليمين. وقسم أباحوه. وقسم قالوا بكراهة التنزيه، يعنون أن من تركه أثيب على تركه، ومن فعله لم يأثم. وأهل هذا القسم أرادوا الجمع بين الأحاديث، فحملوا النهي على كراهة التنزيه، وما ورد في الإباحة أثبتوا به حكمها. ومن المانعين من ادعى نسخ أحاديث الإباحة. ومن المبيحين من عكس فادعى نسخ ما ورد في النهي. الحديث الأول عن جابر، (كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل) متفق عليه. ولمسلم، (كنا نعزل على عهد رسول الله فبلغه ذلك فلم ينهنا). لا حجة في هذا الحديث للقائلين بالإباحة لثبوت النهي عن النبي (ص) من وجه صحيح كما سيأتي. ومن سمع حجة على من لم يسمع متى بلغه ذلك.
الثاني عن جابر أيضا، أن رجلا أتى النبي (ص) فقال، إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال، (أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها) هذا الحديث أيضا لا حجة فيه للقائلين بالإباحة المطلقة، لأن السائل أخبر النبي (ص) بأن تلك الجارية كانت خادمة لهم في البيت وفي النخل، لأنها كانت تسقيه لهم بدل البعير، لأن السانية هي الناقة التي يسقى عليها النخل والأرض. فهذا الحديث إنما يبيح العزل لسبب وحاجة يلحق الرجل ضررا كبيرا إذا فقدها، فهذه المرأة كانت تخدمهم في بيتهم وتسقي لهم جنتهم من النخيل فمعيشتهم متوقفة عليها، ولو حملت لتعطلت عن العمل وتتعطل بذلك معيشتهم. أضف إلى ذلك أنهم فقراء، فربما احتاجوا إلى بيعها، ولو حملت لامتنع بيعها فتكون الخسارة أعظم.
الحديث الثالث، عن أبي سعيد قال، خرجنا مع رسول الله (ص) فقال، (ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله عز وجل قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة) هذا من أحاديث النهي، إلا أنه ورد بصيغة مخففة، زاده بيانا قول النبي (ص) فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة، أي لا تفعلوا فإن فعلكم لا يرد مشيئة الله. وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة حين استأذنه في الاختصاء، جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو فذر.. وقريب منه قوله تعالى : (وما عليك أن لا يزكي) أي ليس عليك زكاته، أي طهارته من الشرك إذا عدمت فلا حرج عليك فيها فقد أبلغته وبرئت ذمتك، فدعه وأقبل على الأعمى الذي جاءك راغبا مسترشدا. ولا يمكن أن يفهم من هذه العبارة الجواز أبدا.
الحديث الرابع، عن أبي سعيد قال، قالت اليهود، العزل المؤودة الصغرى، فقال النبي (ص) (كذبت يهود، إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه.
يجب تأويل هذا الحديث جمعا بينه وبين ما يأتي، فأقول وبالله التوفيق : يحمل تكذيب النبي (ص) لليهود على أنه لم يكن يعلم في ذلك الوقت أن العزل وأد خفي، لم أعلمه الله بذلك، أو على أن تكذيبه لهم لزعمهم أن العزل يمنع ما أراده الله وقدره من الولد. ويدل على ذلك قوله : إن الله عز وجل لو أراد أن يخلقه لم يستطع أحد أن يصرفه. فلا حجة فيه على إباحة السعي في منع الحمل بلا سبب مبيح لذلك.
الحديث الخامس، وعن أبي سعيد قال، قال رسول الله (ص) في العزل أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره قراره، فإنما ذلك القدر) من الأحاديث الدالة على المنع من العزل، ولا سيما إذا كان العازل يقصد منع الحمل خوفا من الفقر وعدم القدرة على النفقة، لأن المتكفل بالرزق هو الله تعالى، لا الأب ولا الأم ولا ولاة الأمور. وقوله عليه السلام، أقره قراره، أي دع المني يستقر في قراره الذي جعله الله له، لأن الله هو الخالق الرازق فلا تتدخل فيما لا يعنيك أيها الإنسان واعرف قدرك وعجزك عن رزق نفسك فكيف برزق غيرك؟
الحديث السادس، عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى النبي (ص) فقال، إني أعزل عن امرأتي، فقال له صلى الله عليه وسلم، لم تفعل ذلك، فقال له الرجل، أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله (ص)، لو كان ضارا ضر فارس والروم)، هذا الحديث أيضا من أحاديث المنع من العزل مع أن الرجل السائل فعل ذلك لسبب وجيه في نظره، وهو الغيل، خاف أن تحمل امرأته وهي ترضع فيضر ذلك ولدها الرضيع. وفي فائدة زائدة، وهي أن النبي (ص) كان يرد الأمور التي لم ينزل عليه فيها وحي إلى أهل العلم بالاختصاص. وفارس والروم في ذلك الزمان كان لهم علم بالطب وأصول حفظ الصحة، ولم يكن مثل ذلك للعرب فتعين رد كل شيء إلى أهل العلم به. ولا ينافي ذلك كمال النبي (ص). يفسر ذلك ما ورد في صحيح مسلم أن النبي (ص) قدم المدينة، فرأى أهلها يلقحون النخل، فقال ما هذا؟ قالوا، شيء نأخذه من ذكور النخل ونجعله في إناتها يصلح عليه التمر، فقال ما أراه ينفع، فتركوا التلقيح، ففسد التمر وصار شيخا، فأخبروا النبي (ص) بذلك فقال. إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لا أكذب على الله، وأنتم أعلم بأمور دنياكم.
الحديث السابع، عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت، حضرت رسول الله (ص) في أناس وهو يقول، لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله (ص)، ذلك الواد الخفي ـ وإذا المؤودة سئلت.
هذا الحديث هو أقوى أدلة المنع وأصرحها. والوأد أن ندفن الطفلة وهي حية. وكانت العرب في جاهليتها تفعل ذلك كما حكاه الله عنهم في سورة النحل رقم 58/56. (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم بدسه في التراب إلا ساء ما يحكمون، أخبر سبحانه أن العرب في جاهليتهم إذا أخبر أحدهم بأن امرأته وضعت أنثى يحزن لذلك ويغنم اغتماما تظهر على وجهه بسببه غمامة سوداء من الكآبة ويبقى متحيرا لا يدري ما يصنع، أيمسك تلك الطفلة ويبقى بسببها كئيبا حزينا مهينا، أم يدفنها في التراب ويستريح من همه وغمه. فما أقبح حكمهم على تلك المولودة البريئة التي هي أحق بالرحمة والعطف والإكرام. وقد شبه النبي (ص) العازل بلا سبب وجيه بدافن الطفلة وهي حية. وما أحسن ما قاله ابن القيم في شرحه لهذا الحديث، وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جذامة، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيا
الحديث الثامن، عن عمر بن الخطاب قال : نهى رسول الله (ص)، أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها.
هذا الحديث، دليل قوي على المنع من العزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، فهو منع مقيد. ونحن في هذا الزمان لا يهمنا أمر الجارية الموطوءة بملك اليمين. أو بالتزوج، لأن الرق لا وجود له في هذا الزمان، وإنما نتكلم في حكم العزل عن الزوجة.
وقال ابن قدامة في المغني، ج 7 ص 23، فصل { والعزل مكروه) ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال فينزل خارجا من الفرج، رويت كراهته عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضا، لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة. وقد حث النبي (ص) على تعاطي أسباب الولد، فقال : تناكحوا تناسلوا تكاثروا ـ وقال : سوداء ولود خير من حسناء عقيم. إلا أن يكون لحاجة مثل أن يكون في دار الحرب فتدعو حاجته إلى الوطء فيطأ ويعزل. ذكر الخرفي في هذه الصورة، أو تكون زوجته أمة فيخشى الرق على ولده. أو تكون له أمة فيحتاج إلى وطئها وإلى بيعها. وقد روي عن علي أنه كان يعزل عن إمائه، فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وهباب بن الأرت وسعيد بن المسبب وطاووس وعطاء والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي.
قوله، ولا يحرم فيه نظر، فإن الكراهة في اصطلاح السلف، هي في الغالب للتحريم وخصوصا إذا كانت مبنية على نهي جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله، وأخص من ذلك إذا كان ذلك النهي مصحوبا بالوعيد، فلا يجوز أبدا أن تحمل كراهة من ذكر من الصحابة على التنزيه. وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد ج 4/ص16/ ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد قال، أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله (ص) فقال، وأنكم لتفعلون، قالها ثلاثا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة ألا وهي كائنة.
هذا الحديث، يعزز أحاديث النهي ويزيدها قوة ووضوحا، لأن قوله صلى الله عليه وسلم، وأنكم لتفعلون ثلاث مرات استفهام إنكاري، والتكرار فيه مبالغة في الإنكار، وما بعده يزيده وضوحا. ثم قال، وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة من حديث عمر ابن الخطاب قال، نهى رسول الله (ص) أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. ثم ذكر مثله من رواية ابن داود عن أبي هريرة عن النبي (ص). قال نفي الدين الهلالي حديث عمر قد تقدم ولم أتم التعليق عليه، والآن أتمه، فأقول: في هذا الحديث تقييد النهي عن العزل عن الحرة، فهو منع مقيد بشرط، فمتى أذنت الحرة جاز العزل، ومتى لم تأذن حرم. ومن نظر في قواعد الإسلام وأصوله فيما جاء عن النبي (ص) وعن أصحابه في هذه المسألة لا يجد بدا من القول بتحريم العزل إلا لسبب. وهذا السبب قد يكون مبيحا للعزل، وقد يكون موجبا له، فإن علم الرجل والمرأة أن الحمل تترتب عليه مفسدة وضرر لأحد الزوجين أو لهما جميعا، أو لأولادهما، وجب عليهما العزل. وإن علمنا أنه لا ضرر في الحمل ألا أن فيه مشقة كبيرة لا يستطيعان تحملها جاز لهما العزل. ويجدر بي هنا أن أذكر بعض الأسباب التي تبيح العزل أو توجيه.
فمما يوجبه، أن يكون الوطء محرما أو شبهة، ففي هذه الحال يجب العزل، لأن الحمل يغلظ الجريمة ويكون سببا في ولادة ابن زنى. ولا يخفى ما في ذلك من الجناية على ذلك المولود والفضيحة لوالديه ولأقاربهما، وقد يقتلانه بعد الولادة أو يقتله أحدهما، فتضاف إلى جريمة الزنى جريمة هي أعظم منها، وهي قتل النفس التي حرم الله. ومن ذلك مرض خطير معد يكون الرجل مصابا به أو المرأة، كداء السل، فمما لاشك فيه أن الغالب مني كان أحدهما مسلولا انتقل المرض إلى الآخر فسبب له الموت الزوءام ثبعد مقاساة أعظم الآلام، فمتى جامع وهو مسلول عالم بالعدوى فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وإن كان جماعه في الشرع حلال لما يترتب على ذلك من الكارثة التي تحل بالشخص الآخر. وإن كان مصابين بمرض واحد معد كالسل والجذام وما أشبههما وجب عليهما العزل عند الجماع لئلا يجرأ شرا على المولود الذي يرث ذلك المرض من والديه. ومن الأمراض ما يوجب العزل، كداء الربو الشديد إذا أصيبت به المرأة فإن الحمل يزيدها ضيقا في التنفس، وأما ولادتها فيكون فيها خطر الاختناق لشدة ضعفها وضعف قلبها ورئتها عن تحمل آلام الطلق. فإن فلت لا تسلم أن كل إنسان يخالط شخصا آخر مسلولا يصاب بالسل، فقد شاهدنا من تزوج بمسلولة وبقي معها مدة طويلة حتى ماتت ولم يصب هو بأذى. فالجواب أن ذلك نادر والنادر لا حكم له. قال ابن الخطيب السلماني في رسالته مقنعة السائل عن المرض الهائل بعد ما وصف المعركة التي تقع بين جراثيم المرض المعدي وبين قوات الدفاع التي أودعها الله جسم الإنسان وغيره من الحيوان، قال ابن الخطيب، إن قبل ما معنى الاستعداد الذي تكرر لفظه في هذا الغرض ووقف عليه كثير من مفهوم العدوى. قلنا، الاستعداد تهيء شيء لقبول شيء بمناسبته ومشاكلته له حتى يلبس صورته على مسامحة في هذا التعريف. فإذا اتفق أن يكون المزاج الشخصي قريبا في عرضه من مزاج الوارد سمي مستعدا لقبوله قبله ومال إليه من غير مدافعة ولا ممانعة كما يثبت الزئبق على الذهب لشبهه بنسخه ومناسبته إياه فيغوص فيه ويتحد به ويسري في الأمشاج والرطوبات يسريان الروح فيفسدها إفساد السموم، وإن اتفق أن يكون بعيدا منها في عرض مزاجه قاومه مقاومة الضدية ومانعه وتعاصى عليه قبوله. فعلى بعد ما بينهما في عرض المضادة تكون الممانعة والموافقة. وقد يكون هذا البعد خلقة للمزاج أو يحصل بالعلاج، ولذلك ما حرص الأطباء عند تعرفهم بالحدس طبيعة هذا المرض على الميل بالتدبير إلى طرف من مضادته يخرج عن سبيل الاستعداد، وهو جواب دعوى من رد العدوى والانتقال بكون كثير من المباشرين للمرضى سلموا من مضرته مع الملازمة والقرب من العدد الكثير منهم وهلاك آخرين ممن لم يباشروا أو باشروا مباشرة يسيرة، إذ لم يعلم الجمهور أن علة السلامة أو العطب بقدرة الله، إنما هي الاستعداد أو عدمه. وأن الناس في الاقتراب من نار تلك السمية بمنزلة القتل التي تقرب من النار المشتعلة في السراج، وإن ما كان قريب عهد بالإيقاد والحرارة والدخانية أسرع به تعلق النار لحينه.
هذا مثال المستعد الوافر الاستعداد، وما كان جاف غير قريب العهد بالنار قبل الإيقاد بعد انفعال في زمن أطول من الأول، وهو مثال الشارع في الاستعداد: وما كان من القتل بلبلا مشربا مائية اشتعل بعد طول مصابرة ونشيش ومعاصاة، وبعد زمان تجف فيه مائيته، فإما أن يتم اشتعاله بطول الزمان، أو ربما غلب الفاعل لضعفه عنه أو خمد الفاعل قبل مصابرته. وهذا مثال البعيد عن الاستعداد، ومحله من المخاطرة ما علمت. والجهل بهذا المعنى غلط الناس وعدد مصارعهم. ولله در القائل:
ما يبلغ الأعداء من جاهل
     ما يبلغ الجاهل من نفسه
فإن قبل كيف نسلم دعوى العدوى، وقد ورد الشرع بنفي ذلك؟. قلنا، وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواترة. وهذه مواد البرهان. وغير خفي عمن نظر في هذا الأمر أو أدركه هلاك من يباشر هذا المرض غالبا وسلامة من لا يباشره. كذلك وقوع المرض في الدار والمحلة لثوب أو آنية حتى أن القرط (وهي الحلقة التي تتجلى بها المرأة في أذنها) أتلف من علق بأذنه وأباد البيت بأسره. ووقوعه في المدينة في الدار الواحدة ثم اشتعاله منها في أفذاذ المباشرين ثم جيرانهم وأقاربهم وزوارهم خاصة، حتى يتسع الخرق، وفي مدن السواحل المستصحبة حال السلامة إلى أن يحل بها في البحر من عدوى أخرى قد شاع عنها خبر الوباء رجل سوف، فيكون تاريخ ظهور المرض مقارنا لحلوله، وسلامة الكثير ممن أغبا في التوحش، كالزاهد بن أبي مدين بمدينة سلا، وكان من القائلين بالعدوى. وقد تزود لمدة، وبنى باب منزله على أهله وهم كثيرون. وفنيت المدينة. ولم يرزأ نسمة واحدة لطول تلك المدة وتواترت الأخبار بسلامة أماكن لا تطالها الطرق، وهي منقطعة عن الناس. ولا أعجب لهذا من سجن الأسرى من المسلمين، أنقذهم الله بدار صنعة إشبيلية. وهم ألوف ولم يصبهم الطاعون. وقد كاد يستأصل المدينة. وصح النقل بسلامة أهل العمود والرحالين في الغرب بإفريقية وغيرها، لعدم انحصار الهواء وقلة تمكن الفساد منه. والعناد في هذا الباب وارتكاب اللجاج فيه الحم في الناس سيف الطاعون، وسلط الله عليهم من بعض المفتين من اعترضوا بالفتيا اعتراض الأزارقة من الخوارج للناس بالسيوف، فسألت عن شبا أقلامهم من النفوس والمهج ما لا يعلمه إلا من كتب عليه الفناء بسببه. وإن كان بريء القصد من المضرة وقوفا مع ظاهر لفظ الحديث. ومن الأصول التي تجهل أن الدليل السمعي إذا عارضه الحس والمشاهدة لزم تأويله. والحق في هذا تأويله بما ذهب إليه طائفة ممن أثبت القول بالعدوى. وفي الشرع مؤنسات عديدة، كقوله (يعني النبي (ص) لا يورد ممرض عل مصح. وقول الصاحب (وهو عمر بن الخطاب (رض) (فر من قدر الله إلى قدره. وليس هذا موضع الإطناب في هذا الغرض. والكلام في القول بالعدوى أو بعدمها شرعا ليس من وظائف هذا الفن، إنما جرى مجرى الجمل المعترضة والمثل، وله تحقيق في محله. وبالجملة فالتصام عن مثل هذا الاستدلال زعارة وتصافر على الله (أي جرأة عليه واستخفاف بأرواح خلقه) واسترخاص لنفوس المسلمين، وقد وقف قوم من أهل الورع بالعدوى إلى الناس مستقبلين مشهدين على أنفسهم بالرجوع عن الفتوى بذلك تحرجا من تسويغ الإلقاء باليد إلى التهلكة. عصمنا الله من الخطل، ووفقنا في القول والعمل. انتهى كلام ابن الخطيب. وأظن أن كثيرا من القراء يجد غموضا في بعض كلام ابن الخطيب. ولذلك رأيت من المناسب أن أشرح العبارات التي يعسر فهمها على بعض القراء، فأقول وبالله التوفيق:
قوله، الاستعداد، تهيء شيء لقبول شيء الخ. معناه أن الجسم الضعيف المقاومة المستعد لقبول العدوى ينتقل إليه المرض بمخالطة المريض، ولله در الشاعر إذ يقول:
لا تربط الجرباء حول صحيحة
    حذارا على تلك الصحيحة تجرب
قوله، على مسامحة في هذا التعريف. من المعلوم أن ابن الخطيب نابغة في الطب والأدب والفلسفة، فهو يحافظ على ما يضعه من التعريفات والحدود محافظة دقيقة، فلذلك نبه على أن هذا التعريف، إنما هو تقريبي لتسهيل الفهم على القارئ. قوله، فإذا اتفق أن يكون المزاج الشخصي الخ. يعني أن طبيعة الشخص السليم إذا كانت قريبة من طبيعة الوارد السمي، وهو مكروب المرض بعبارة العصر الحاضر، فأن الجسم يقبل مكروب المرض الهاجم عليه من غير مقاومة ولا مدافعة، لعدم وجود التضاد بين قوات المرض المغيرة وقوات الجسم الضعيف المغار عليه.
ثم شبه ابن الخطيب قبول الجسم الضعيف لمكاريب المرض المهاجم بالزئبق مع الذهب إذا قرب الزئبق إلى الذهب انجذب إليه، لأن أصليهما متشابهان. قوله، فيغوص فيه ويتحد به إلخ. يعني أن المرض ينتقل من المريض إلى جسم الصحيح ويتحد معه. قوله، ويسري في الأمشاج الخ. يعني أن القوى السمية على حد تعبير ابن الخطيب، أو الجراثيم المرضية على حد تعبير ابن الخطيب، أو الجراثيم المرضية على حد تعبير هذا العصر، تسري في الأخلاط والرطوبات بسريان الروح، أي الهواء كما تسري السموم في الأجسام فتفسدها.
قوله، وإن اتفق أن يكون بعيدا منه في عرض مزاجه الخ. هذا مثال للجسم السليم الذي لا تزال قواه الدفاعية قادرة على المقاومة مضادة للقوى الهاجمة غير خاضعة لها، فحينئذ تنبري لقوة العدو وتهجم عليها هجوما مضادا دفاعيا كما يدافع الرجال المخلصون عن أوطانهم إذا أغار عليه عدوهم. ولا يفكرون في التسليم أبدا ما بقي فيهم رمق. فعلى قدر ما بين الجيشين المغير والمدافع من التضاد والتباعد، هذا يريد إفناء الجسم وهذا يريد سلامته، يشتد القتال أو يضعف، والنصر بيد الله. قوله، وقد يكون هذا البعد خلقة للمزاج الخ. يعني أن بعض الناس قد رزقهم الله أجساما صحيحة قوية قادرة على مقاومة الأمراض المعدية من تلقاء نفسها، وبعض الأجسام نبست من القوة والمنعة بذلك المكان، فهذه تحتاج إلى الاستعانة بالعلاج بالأدوية والهواء الطيب والماء والشمس، فيعوض عليها ذلك ما فقدته من القوة في خلقتها. قوله، يخرج عن سبيل الاستعداد الخ. لنا في هذا الزمان أمثلة توضح ذلك، وهي معروفة عند الخاص والعام، فمنها، المصول الواقية من السل ووباء الكولرا والجدري وغيرها، فذلك التدبير الآتي من علاج الأطباء يخرج الأجسام الملقحة بالمصل المضاد من الاستعداد لقبول المرض. ومن هذا القبيل، الدواء الذي يشربه من تعتريه نوبات الصرع فلا يصرع ما دام يشرب ذلك الدواء، إلا أن هذا ليس فيه قوات مهاجمة وقوات مدافعة، وإنما هو مرض عصبي غير معد. قوله، وهو جواب من رد العدوى الخ. يعني أن ما تقدم جواب لمن رد العدوى وزعم أنه لا يوجد مرض معد اعتمادا على أن بعض المباشرين للمرضى المصابين بمرض معد، لا يصابون بذلك المرض. ولم يعلم هؤلاء أن الإصابة تكون على حسب الاستعداد، فمن كان كثير الاستعداد أصيب لأدنى مباشرة للمريض. ومن كان متوسط الاستعداد أصيب بعد طول المباشرة، ومن كانت عنده مناعة، وليس عنده شيء من الاستعداد طالت سلامته مع المباشرة، فقد تستمر حتى يفترق مع المريض بموت المريض أو غيره، وقد يصاب بطول الزمان، إلا أن هذا الشخص الذي ليس عنده استعداد لقبول المرض يجب عليه أيضا أن لا يخالط ذوي الأمراض المعدية، لأن الأمر كما يقال، ليس في كل مرة تسلم الجرة. ومن أكل السم مرة فلم يضره لا ينبغي له أن يخاطر بنفسه ويأكله مرة أخرى. ومن صاول الأسد فتمكن من قتله لا ينبغي له أن يصاول الأسد مرة أخرى. ثم ضرب ابن الخطيب مثلا لذلك أجاد فيه كل الإجادة. وذلك أنه شبه المخالطين للمرضى بالطاعون بالقتائل وجعلها على ثلاثة أقسام، قسم قريب العهد بالاشتعال انطفأ منذ لحظة ولا تزال حرارة النار ودخانها في رؤسه، فهذا القسم يشتعل بأدنى ملامسة للنار. وهو مثال لكثير الاستعداد.
والقسم الثاني من القتائل يابس ليس فيه بلل، ولكنه ليس قريب عهد بالاشتعال ولا فيه حرارة ولا دخان، فهذا القسم يبطئ اشتعاله شيئا ما، ولكنه لا يلبث أن يشتعل. وهذا مثال للمخالطين للمرضى الذين عندهم شيء من المقاومة واستعدادهم لقبول المريض قليل.
والقسم الثالث، القتائل المبتلة، فهذا القسم ببطيء في الاشتعال ويستعصي عليه، ولكن بطول المعالجة وأدناه النار منه يسمع له نشيش، وهو صوت الفتيلة المبلولة إذا قربتها من النار، ومع ذلك إذا طال اقترابها من النار يذهب بللها ثم تشتعل بعد حين، وهذا مثال للمخالطين للمرضى العديمي الاستعداد الذين عندهم صحة قوية ومنعة وكثرة مقاومة، إلا أنه لا يؤمن عليهم إذا طالت مخالطتهم للمرضى أن تضعف مقاومة أجسامهم فيصابون. وكم من مريض اعتمد على الأدوية المقاومة المطهرة المبيدة للمكروب فتغلب المكروب على أدويته وسقط صريعا بمرض السل أو غيره.
قوله، حتى أن القرط الخ. يعني أن القرط، وهو ما يعلق في شحمة الأذن للزينة من حلقة وغيرها نزع من امرأة ماتت بالطاعون وعلق في أذن امرأة سليمة فماتت هذه أيضا وأعدت أهل بيتها فماتوا جميعا. قوله، إلى أن يحل بها في البحر من عدوى أخرى الخ. يعني أنه كثيرا ما يكون أهل مدينة على شاطئ البحر سالمين من الوباء حتى يحل بتلك المدينة مسافر جاء في سفينة من بلد قد انتشر فيه الوباء، فبعدي ذلك المسافر أهل تلك المدينة وينتشر فيهم الوباء انتشار النار في الهشيم. قوله، ممن أغيا في التوحش كالزاهد بن أبي مدين الخ. معنى أغيا بلغ الغاية في التوحش أي الاستيحاش، وهو البعد من الناس. وقد أفادنا ابن الخطيب بذكر هذه الحكاية فوائد متعددة إحداها صحية، والثانية شرعية، والثالثة تاريخية. فأما الصحية، فهي أن هذا الرجل المغربي الذي كان يسمى الزاهد بن أبي مدين كان من العلماء، وقد اختلف علماء المغاربة في العدوى في ذلك الزمان، وهو أواسط القرن الثامن الهجري حين وقع الطاعون الذي أفنى سبعة أعشار سكان الأرض كما قال ابن الخطيب، وكان الزاهد من العلماء الذين يفتون بالعدوى. وهو من سكان مدينة سلا، مرسى شاطئ البحر المحيط الأطلنطيقي بقرب الرباط. فلما خالفه بعض المفتين وأفتوا الناس بعدم العدوى أحضر من الطعام والمؤونة ما يكفيه مع أهل بيته وكان عددهم كثيرا، لزمان طويل، ثم بنى باب بيته وسد منافذه حتى لا يخالطه أحد من سكان المدينة، وبقي كذلك في سجنه الاختياري حتى أيقن أن الوباء قد ذهب. فلما فتح باب بينه وجد أهل المدينة أفناهم الطاعون. أما هو وأهل بيته فقد سلموا جميعا. وأما الفائدة الشرعية والتاريخية فإدراكهما من الحكاية سهل. قوله، ولا أعجب لهذا من سجن الأسرى الخ. أشار إلى ما جاء في التاريخ أن أربعة آلاف من الأسرى المغاربة كانوا في يد الاسبانيين في إشبيلية بعد ما استردوها من أيدي المسلمين، وكان المغاربة في ذلك الزمان أهل علم بالصناعات، والاسبانيون جهالا لا يعلمون منها شيئا (أنظر كتاب مدينة العرب في الأندلس لجوزف ما كيب وترجمته بالعربية لكاتب هذا المقال)، فاستغل الإسبانيون الأسرى المغاربة وجعلوا سجنهم معملا صناعيا. ولا يزال اسم مصنع الأسلحة باللغة الإسبانية والفرنسية والإنكليزية (أرسنل) وهو تحريف لدار الصنعة. ومثال ذلك في هذا الزمان، أن كوبا أسرت عددا كبيرا من الغزاة الذين تهم الولايات المتحدة حمايتهم فشرطت على الولايات المتحدة أن تدفع فداء لهم ما يساوي ملايين من نقد الدولار من الأدوية والمصنوعات الأمريكية التي تعجز كوبا عن صنعها. أخبر ابن الخطيب، أن الأسرى المسلمين الذين كانوا مسجونين في دار الصنعة بإشبيلية لا يخالطون الناس فلم يصبهم الطاعون، مع أن أكثر سكان إشبيلية ماتوا به. قوله، أهل العمود والرحالين في الغرب فإقريقية الخ. أهل العمود، هم البدو، سكان الخيام، والرحالون أعم منهم،  لأن منهم من ببني اخصاصا من القصب في كل مكان يرحل إليه. والمراد بالغرب، المغرب، وإفريقية، هي تونس وما جاورها بشرقي الجزائر.  قوله، اعتراض الأزارقة من الخوارج الخ. الأزارقة، فرقة من الخوارج يعتقدون، أن كل من خالف عقيدتهم يجب قتله. شبه ابن الخطيب العلماء الدينيين الذين يفتون بعدم العدوى بالأزارقة الذي يعلمون سيوفهم فبمن يخالفهم. وهؤلاء الفقهاء يفتون الناس بعدم العدوى فلا يتحرزون من الأمراض المعدية فيموتون فصارت فتاوي الفقهاء كسيوف الأزارقة. وأقبح من هؤلاء وأكثر جرما من يشير على الناس بنقل المرضى إلى الأضرحة التي يسمى المقبورون فيها بالأولياء، فيتخذون مدافن الأموات مستشفيات ويطلبون الحياة من الموتى، وكفى بذلك جهلا وكفرا وعمى بصائر. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. ولقد أخبرني أحد تلامذتي في كلية الآداب ببغداد. ولا يزال حيا يرزق، وهو من أنجب تلامذتي، أخبرني أنه أصيب برمد فأخذه والداه إلى الدكتور الهاشمي، وهو أشهر أطباء العيون في بغداد. فلما فحص عينيه، قال لوالديه يجب أن تأتي به فورا إلى المستشفى وإلا ذهب بصره. قال فرجع بي إلى البيت، فزارنا سيد، والسيد في العراق هو المنتسب إلى آل البيت، فإن كان شيعيا يلبس عمامة سوداء، وإن كان سنيا يلبس عمامة خضراء، وكثير آل البيت في هذا الزمان لا يهتمون بذلك الزي، لكن يتعيشون بالانتساب إلى آل النبي يلتزمونه ويتخذونه حبالة لابتزاز أموال الناس، فيسيئون إلى أنفسهم وإلى آل البيت الذين رفع الله قدرهم عن تلك المهنة الخسية. قال الطالب، فذكر والداي للسيد ما حل بي من الرمد وأنهما يريدان أن يدخلاني مستشفى الدكتور الهاشمي، فقال لهم السيد، لا حاجة إلى ذلك نأخذه إلى مشهد الرضا، وهو ضريح أحد آل البيت من الأضرحة المقصودة. قال فأخذني والداي وصحبهما السيد إلى المشهد المذكور، وشد السيد عيني بخرقة ربط طرفيها في قفاي ربطا محكما، وبقيت كذلك في المشهد أربعين يوما. وبعد تمام الأربعين جاء السيد وقال لوالدي الآن تريان البرهان. خاب وخسر من لا يصدق بكرامات آل محمد. وحل الرباط عن عيني وقال لي (تشوف) فأخذني الخوف، وقلت، نعم، فكبر وصاح صيحة عظيمة وقال، أنا ابن فاطمة؟ قال، فحملوني ورجعنا إلى بيتنا، فلما ذهب السيد يحمل الهدية التي أعطاه والدي سألتني والدتي، كيف تجد بصرك يا بني؟ فقلت أعمى تماما لا أميز بين الليل والنهار، فقابت، ولم قلت في المشهد أنك تبصر، فقلت خوفا من السيد. فأخذني والداي إلى الدكتور الهاشمي فلما فحص عيني قال، آه، جئتم متأخرين. أما قلت لكما بادرا بالإتيان به إلى المستشفى؟. والآن أحسن الله عزاءكما في بصره. ليس له علاج. فيا أسفي على هذا الشاب المسكين، درس في الجامعة سنتين مبصرا وسنتين كفيفا. ولازال كفيفا معلما في ثانوية بمدينة كركوك في شمال العراق.
قوله، فسألت عن شبا أقلامهم من النفوس الخ. هو جمع شباه، وهي رأس السنان، أي الرمح الذي يطعن به. قال الفرزدق في قصته مع الذئب:
ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى
     رماك بسهم أو شباه سنان
معناه أيها الذئب جئتني زائرا في الليل عند ما رأيت ناري فقاسمتك عشائي وأطعمتك لحما، حملني على ذلك الكرم العربي. ولو نبهت غيري تطلب منه الضيافة لرماك بسهم من قوسه أو برأس رمحه فقتلك.

 
(1) جاءني السؤال التالي من تلميذي حازم طه الموصلي الطالب في كلية اللغة العربية في الأزهر، وهذا نصه : أستاذي العزيز، إني أعلم كل العلم أن وقتك ضيق وأشغالك كثيرة، ولكني أجد نفسي مضطرا لأسالك وأطلب إبداء رأيك في موضوع حصل له ضجة كبيرة هذه الأيام، وكتب الصحفيون عنه كثيرا من غير فقه وهدى من الكتاب والسنة، وهو تحديد النسل، فهل يجوز أم لا. وإن كان جائزا فما هي الأسباب التي تجوزه. فأرجوا أن تطنب بإجابتك على نمط مقالك العظيم الذي نشرته في مجلة الهدي النبوي بعنوان : الجهاد روح الدين.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here