islamaumaroc

سلاحنا في المعركة -1-

  دعوة الحق

58 العدد

إننا نعيش معركة خطيرة أحببنا أم كرهنا وأن العصر الذي كان يمكن للأمم أن تنعزل بنفسها وأن تقرر غلق حدودها عليها دون الخارج قد انقضى، فالحضارة الجديدة التي قربت المسافات الشاسعة وجعلت الكرة الأرضية متقاربة الأجزاء متصلة الافكار والعقول والأذواق والعادات والأخلاق قضت على كل محاولة للانفصال عن الجيران والاباعد، ومعنى ذلك أننا نعيش في عالم جديد، ولهذا العالم الجديد اتجاهات متباينة، وقوى متضاربة، كل واحدة تريد السيطرة، وهذه السيطرة لم تعد ممكنة عن طريق السلاح، فلقد أثبتت تجربة السويس وكوبا فشل هذا الطريق وبقي طريق آخر هو الوسيلة الناجعة للسيطرة: الفكرة، لذلك نجد الدول العظمى ترصد ميزانيات ضخمة للتسلل الثقافي وللغزو الفكري، فعندما نسمع بأن روسيا أو أمريكا مثلا قد أقامت مدرسة أو جامعة أو مكتبة في بلد ما، فإننا نفهم من ذلك أنها أقامت قاعدة عدوانية من طراز العصر، ولهذه الدول الكبيرة الوسائل المادية والأدبية للغزو الثقافي وللغارة الفكرية، وبهذه الوسيلة استطاع الاستعمار أن يحقق أهدافا عظيمة في البلاد الإسلامية.
والذي يهمنا أولا وبالذات أن نشعر بأننا نعيش في قلب هذه المعركة، أو بعبارة أصح يجب أن نؤمن بأن هذه المعركة هي ضدنا ومن أجل السيطرة علينا فنحن طرف فيها، وما دمنا كذلك، ينبغي أن ندرك حقيقتها ونحدد طبيعتها، لأن الشعور بذلك يبعث على الاستعداد المناسب للدفاع والهجوم، فالدنيا صراع وإنما توخذ الدنيا غلابا، وسلاح أي أمة في هذه المعركة التي نخوضها هو: الأفكار والرجال.
فما سلاحنا نحن في هذه المعركة وماذا جندنا لها من رجال وأفكار؟
يجب أن نعترف بادئ ذي بدء أننا معتدى علينا، فلسنا في دور الهجوم، بل في دور الدفاع، فهل نقوم نحن بهذا الدور؟ الواقع، إننا دافعنا دفاع الأبطال عن كياننا السياسي، فلما كف الله أيدي الأعداء عنا توهمنا أن المعركة انتهت، وهي في الواقع، لا تزداد إلا حدة واشتدادا ونتيجة لذلك التوهم استسلمنا للدعة والتمتع، وتركنا حصوننا التي كنا نعتمد عليها في المعركة تتساقط في أيدي الأعداء: أي تركنا أجيالا من شبابنا يضيعون في غبار المعركة فيصطادهم العدو واحدا واحدا، ليحولهم فيالق ضد أمتهم، وهكذا، نجد شبابا بل رجالا يجهلون عن دينهم كل شيء ويعرفون عن غير دينهم كثيرا من الأشياء، وان كانوا قد لقنوا نظريات ومطاعن عديدة تقدح في دينهم وتشوه نظرتهم اليه وتمسخ حقائقه في أدمغتهم وتبشع صورته في عيونهم فينشؤون على معاداته، وينمون على التنصل منه وتتركب في أنفسهم عقدة النقص: يخجلون أن يحملوا اسم مسلم حتى إذا وسم أحدهم بهذا العار في بلد أجنبي صب جام حقده على الإسلام مع الحاقدين وفي الحين تراه يعلن استنكاره لتعدد الزوجات في الإسلام واستبشاعه للطلاق واستهزاءه من نظام الزكاة، واستخفافه بالصلاة واستقباحه لقطع اليد في السرقة، وعن همجية رجم الزاني، وحد شارب الخمر، وهكذا، بالنسبة لتعاليم الإسلام الأخرى فإن اتصل به من يفهم الإسلام وشرح له حقائقه واطلعه على حكمة قوانينه وفلسفة تشريعاته وعباداته أذهله الأمر، وظن أنك تخترع له دينا جديدا ما سمعه قط من كهان ثقافته وأساتذته، وقد يرد عليك بعضهم بابتسامة صفراء يختلط فيها الخبث والجهل بالاستهزاء.. والشباب من هذا النوع كثير، تزداد كثرته مع مرور الأيام كما يزداد جهله بالإسلام باطراد نموه، وهكذا تسقط حصون كثيرة  في يد أعداء الإسلام لم تجد من يدافع عنها ويذود عن حباضها أو بعبارة صريحة لم يجد هؤلاء الشباب من يعلمهم الإسلام، فتلقفته يد الكفر وشحنت عقولهم بالسموم وبذلك تمكن من قلبهم عداء للإسلام، وأصبح هذا العداء يكون من ثقافتهم وسلوكهم جانبا مهما، ومنذ أيام التقيت بشاب ممن شعر بالخطر يحدق به وبإخوانه في الداخل والخارج، فما أن سألته عن موقف وسطه الذي يعيش فيه من عقيدة الإسلام، حتى انفجر في وجهي قائلا: أؤكد لك، أن جماعات كثيرة اتصلت بها في الداخل والخارج فوجدتها قد قررت مصيرها بالنسبة لعقيدة الإسلام وهذا القرار حاسم، وهو: التحلل من الدين بل أكثرمن ذلك، الهجوم عليه والاستهزاء به، وزاد قائلا في حدة وغضب: إن هؤلاء الشباب سيخاصمون أدعياء الإسلام يوم القيامة لأنهم أهملوهم ولم يكلفوا أنفسهم تربيتهم أو تهييء الأجواء الصالحة لهم، مما جعلهم غرباء عن الإسلام.
وهذا الحصن أو هذا الشاب لم يسقط في أيدي الأعداء بفضل تربية تلقاها عن أبويه البسيطين وهو صغير، وهناك حصون أخرى لم تسقط بعد وإن كانت تكاد تستنفذ مقاومتها، وهي بذلك في طريق الاذعان والاستسلام، أعرف بعض هؤلاء ممن يدرسون في الخارج، أما في الداخل فإن نظرة تلقيها على الجو المحيط بشبابنا المتعلم ترتد إليك مثقلة بالتشاؤم من المستقبل لأن الإسلام كتربية وثقافة وسلوك يكاد يفقد صلته بجيلنا الصاعد مما يجرده من كل حصانة وبتركه نهبا للاحتلال الفكري والثقافي، مع أن كثيرا من شبابنا –ان لم أقل كلهم- فيه استعداد للخير وللفهم ولكن يحتاج لمن يأخذ بيده لأن التربية ونقل التراث عملية سلوكية تحتاج إلى اتصال وقدوة ودرس وتأكيد وتلقين.
وبالصدفة –ان كانت في الحياة صدفة- فمت فالأمس بتجربة بسيطة وارتجالية حيث مكنت أخا ذا ثقافة أجنبية محض ومن أم أجنبية وأب مسلم –مكنته بكتاب الأخلاق في القرآن للمرحوم العلامة الدكتور محمد عبد الله  دراز، والكتاب رسالة نال بها صاحبها درجة الدكتورة من السربون ومكتوبة باللغة الفرنسية طبعا، ولم أدرك أنني قمت بعمل جليل حتى التقيت بهذا الشاب – ذي وظيفة محترمة- بعد أيام حيث أقبل علي بحماس، وألح علي أن أهدي له الكتاب، لأنه أخذ بمجامع قلبه، وعلمه من الإسلام ما لم يعلم كما أنه روج الكتاب بين بعض اخوانه.
عجيب .. كتاب كان عندي في زاوية مهملة أقدمه لشاب تربى تربية غربية يحدث في نفسه هذا الأثر كله، ماذا كان يحدث في أوساط هؤلاء الشباب لو كانت قيادة اسلامية واعية مؤمنة تتصدى للدعوة إلى الله دون وجل ولا نفاق، ودون طمع ولا التواء، مخلصة الدين كله لله، أرأيت لو كان لنا ذلك؟ أي مصير عظيم كان سيكون لهذه الأمة؟ وأي مجد كنا نستطيع بناءه بهم؟
وإذا كان الذين يتربون في أجواء أجنبية في خطر ويعتبرون قلاعا محتلة فماذا بقي لنا من شبابنا فنول اذن وجهنا شطر المعاهد الإسلامية نلتمس عندها أملنا فهل حقا وصراحة يوجد هناك أملنا؟ وهل ستنطلق منها تلك الجموع الحاملة لمشعل الحضارة الإسلامية والداعية لرسالة الإسلام؟
إن الحق يفرض علينا أن نكون أكثر صراحة وجرأة ويجعلنا نصرح بأن أغلب أولئك الشباب بعيدون عن الفكرة الإسلامية السليمة وعن التفكير الإسلامي الحي، وبالتالي عن الرسالة الإسلامية بل إني أزعم أكثر من ذلك –وأنا أتكلم عن خبرة عشتها-
إن الطين ناصبوا الإسلام العداء وجاهروا بالقذف في تعالمه جلهم ممن تربوا في أحضان تلك المعاهد، وخصوصا اولئك المرضى بحب الظهور الذين يتخذون (المخالفة) وسيلة لذلك، فتراهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولون  في الدين ليفسدوه، فالذين قالوا إن الإسلام ليس دين حكم وألفوا في ذلك واستدلوا بنصوص حرفوها هم من تلك المعاهد، بل إن مواقف بعض المؤسسات في العالم الإسلامي لم يكن موقفها من الدعوة الإسلامية الحقة مشرقا، فلو أن هذه المعاهد المنبثة في أرجاء العالم الإسلامي كانت سليمة المنهج والعمل لاخرجت قيادات حضارية تمدن العالم بهذا الدين(1)، ولقد ننبه الأزهر الشريف لهذا الخلل وهو الآن يحاول اصلاحه لكي يخرج للأمة الإسلامية رجالها المحتاجة إليهم.
إن المؤسسات الدينية في العالم الغربي تخرج كثيرا من الفدائيين الذين يجوبون أقطار افريقيا وآسيا وغيرهما من أجل الدعوة إلى دينهم، وبهذا استطاعوا أن يؤسسوا جمهوريات مسيحية بجانب البلاد الإسلامية بافريقيا.
وان مما يؤسف له أن لدينا خامات عظيمة وطاقات شديدة ولكن كل ذلك يضيع إذا لم نحاول استغلالها وتوجيهها.
مما تقدم نستطيع أن نقدر هذا النوع من سلاحنا أي الشباب، فنقول: نكاد نكون عزلا من هذا السلاح، ولا يعني هذا أننا نعدمه وإنما يعني «اننا‌» لا نبحث عنه وإنما نسلمه لأعدائنا ليستخدموه في تخريبنا، أو على الأقل نجعله عديم الجدوى بالنسبة إلينا، وما حظ أمة من النجاح ان لم يكن لها شباب يتوقد غيرة وحماسة ونشاطا في سبيل بنائها؟
وبعد فإن سلاحنا في المعركة –كما قلنا- يتمثل في ناحيتين: الرجال والأفكار وقد تكلمنا عن عنصر هام من رجالنا وقومناه بعض التقويم وفي مقال قال سنتحدث عن سلاحنا الثاني:
الأفكار فإلى اللقاء على صفحات هذه المجلة في المقال المذكور.
 
(1)  لا ننكر أن هذه المؤسسات أخرجت لنا علماء وأفاضل نعتز بهم إلا أن كلامنا ينصب على الأحوال الراهنة ويمس بعض الماضي القريب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here