islamaumaroc

التوجيه الديني في التعليم المغربي

  دعوة الحق

58 العدد

تعود المتكلمون عن التعليم الإسلامي والديني في المغرب، أن يستهلوا هذا الموضوع بمقدمة طويلة عن تاريخ الإسلام في المغرب، وتاريخ هذا النوع من التعليم به، وأنا مع تقديري لمثل هذه المقدمات أرى أنها تشغل المستمع أو القارئ بالتاريخ وتبعده عن الواقع، كما تشحن ذهنه بإيحاءات ربما لا تتناسب وممكنات عصرنا وواقع وطننا.
ولهذا فلست أريد من هذا البحث أن يكون تاريخيا يقدر ما أردت أن يكون وصفا لواقع التعليم الديني في المغرب، وإذا كانت الحاجة تدعو في بعض الأحيان أن يكون هذا الموضوع في حاجة إلى مقدمة لتبرر ضرورة وجود التعليم الديني، وتوضح أن القضية ليست بتقليد وإنما هي استجابة لمتطلب شعبي يرتكز على أصول نفسية عميقة. ولذلك فقد شغل هذا التعليم المهتمين بالمغرب في كل وقت وحين.. اهتموا به في العصور المتأخرة سواء قبل الاستقلال يوم طالب لتقويته الجميع لبت الحمية الوطنية، وتقوية المناعة الذاتية لمقاومة الاستعمار، أو بعد الاستقلال يوم دافع عنه كثير من المؤمنين بالتعليم بحماس منقطع النظير.
والواقع أن عهد الاستقلال عرف احتداما ونقاشا في هذا الموضوع : وهو دليل على أن المهتمين بالتعليم في المغرب أخذوا ينظرون إلى التعليم نظرة جدية لا تعرف العاطفة، وإنهم يريدون أن يعرفوا ضرورة كل شيء عن اقتناع.. لا عن اتباع..
ولهذا كان من ا ـ للازم أن يتحدث المهتمون بالتعليم الديني عن التطورات التي دخلت لهذا القطاع من التعليم، والأهداف التي يرغبون في تحقيقها، فهم ليسوا بجامدين ولكنهم مؤمنون، ومؤمنون بأصالة التعليم الإسلامي، وهذا بحث متواضع من الأبحاث التي تقدم في هذا الموضوع.
إن التربية عملية ذهنية وجسمية ونفسية تجعل المواطن، قادرا على كسب العيش الشريف في هيئة اجتماعية هادفة إلى الخير والجمال، فهي إذا راجعة لذات الفرد ومصلحته وذات الجماعة ومصلحتها، ولا يمكن الحصول على جماعة متقدمة دون تربية، وكما يقول جيفرسون لا يمكن الحصول علة جماعة متطورة وعلى ديمقراطية دون توفر شعب واع، والتربية المنظمة ضرورية لكل أمة متمدنة، لأنها وسيلة لتنظيم الحياة فيها، ولذلك يجب أن تكون مجسمة ومنفقة مع رغبات الأمة ومناسبة لعصرها ولسائر الأنظمة التربوية العامة في كل البلاد المتمدنة، وقد كان الاستعمار يحاول دائما أن يهون في قيمة التربية والتعليم وأن ينحرف إذا ربي وإذا علم.
ولهذا فإن الاستقلال كان هو الوسيلة الوحيدة للنهوض بالمستوى الثقافي الكامل للأمة المغربية عن طريق تعليمها، فإذا كان الاستعمار يحاول الغض من التعلم والثقافة المحلية ويوجهها توجيها منحرفا لصالحه، ومكونا لخليط من المدارس المختلفة التي أدت إلى تكوين طبقات متصارعة، فإن الاستقلال أعطى فرصة لتفتح التعلم المحلي المساير لمصلحة البلاد...
ويقطع النظر عن التربية الأولية العائلية التي تسهر عليها الأسرة المؤمنة، فإن توجيه التعلم أصبح اليوم في كل البلاد المتدينة مراكز في وزارة خاصة  (تسمى وزارة التعليم) أو غيرها من الأسماء تسهر على تنمية عقلية الطفل ونفسيته بعد المرحلة الأولى  من التربية العائلية، إذ من الضروري أن نترك العناية الأولى بالطفل لعائلته لأن التربية المثالية لا يمكن أن يقوم بها غير الأبوين، ولا تمدنا المساعدة المدرسية إلا بالقدر الأدنى من تربيته الشخصية، ومن المعلوم أن بناء الشخصية يبدأ في ظروف مبكرة قد تصل إلى (الحمل) وتلعب المشاهدة دورها الأسمى في تكوين شخصية الفرد، فالنموذج الأول هو الذي مسيطرا على عقلية الطفل وتكوينه.
فمهمة الأباء في التربية الأولى عظيمة وذات مسؤولية كبرى، وأنا شخصيا أومن أن الأسرة هي المربية، وأن التربية التي تصل إلى الروح عن طريق الأذن والمشاهد أهم وأرسخ من التي تصل عن طريق المعلم والكتاب، لأن (الأولى) تكون مهضومة وطبيعية، و(الثانية) تكون عارضة، والانطباعات التربوية التي يفطر عليها الطفل لا تمحيها أمواج الأيام، وما يحدث بعد تربية العائلة إنما هو التطور في التربية، وذلك لابد من التعليم، لأن مبدأ العائلة في التربية لا يمكن أن يعتمد عليه إلى أبعد حد، لأنها تربي ولا تعلم في الغالب، ولأنها تختلف في بعض العائلات عن بعضها مما يؤدي إلى تكوين طبقات مختلفة التربية، ولأنها لم تعد معتمدا عليها في بعض مناطق أخرى من العالم، لذلك فقد وكل أمر التربية حتى في الجزء الأول من حياة الطفل إلى المؤسسات التعليمية التي بقيت في العالم الديمقراطي تتساند مع التربية العائلية في تكوين الفرد..
وكان الاستعمار الذي احتل بلادنا من أكبر عوامل تفتت التربية الأسروية والخلق الوطني الذاتي والتشكيك في الفضائل الأخلاقية التي اكتسبها المغاربة على مر القرون.
وفعلا كافح المغاربة الاستعمار السياسي، وهم يكافحون ضد الاستعمار الاقتصادي، غير أن الاستعمار الفكري والخلقي سوف لا نتخلص منه إلا بإعداد جيل جديد، وإذا سوف لا نعتمد على التربية العائلية بقدر ما نعتمد على تربية المدرسة، فما هو التعليم المنشود الذي نتوخاه من المدرسة المغربية، إن الهدف الأسمى الذي كافح من أجله المغاربة هو تحقيق الحرية الاجتماعية التي ينتج عنها حرية التعليم، ومعنى حرية التعليم كما يفهم من المنطق السليم الإجبارية والمساواة بين أفراد الشعب في الأخذ بنصيب منه، وواقعية وملاءمته، لأن الأمة (لتكون أمة) يجب أن يكون جميع أفرادها تلقوا تعليما مشتركا موحدا، ليتعايشوا موحدين لهذا لابد من إجبارية التعليم ليعيش المواطنون في بلادهم أحرارا يعرفون القانون الاجتماعي ويدافعون عن حقوقهم المشروعة، وطبيعي أن الجميع متفق على تحديد حرية التعليم التي ليس معناها حرية المنهاج والبرامج وفتح المدارس بغير خضوع لنظام مشروع، وإنما يعني الحرية بالنسبة للفرد الذي يجب إلا ينقص من حقه كما يجب أن يأخذ بتعليم لا ينزعه من وسطه.
فتجب إجبارية التعليم الابتدائي ثم الثانوي إذا توفرت الإمكانيات، وبالنسبة للمواطن الذي يريد أن يتابع دراسته ويتخصص في أي فرع من فروع المعرفة التي يريدها، كما تجب ملاءمة البرامج لواقع الحياة، إذ نحن نعني بالحرية الاجتماعية الحرية التي يجب أن تحد من الفرقة والاختلاف الشكلي نتيجة الجهل بالمبادئ الأساسية للمعرفة، لذلك لابد من توحيد البرامج والمناهج وتشجيع التعليم الحر إذا لم تستطع الدولة في نطاق الوحدة والانسجام في الأساس الجذري الصحيح المساعد لبلاد فتية على تكوين أطرها وتوحيد تفكير أجيالها الصاعدة ليكون جيلها متحدا في عقله وروحه، قويا في تفكيره وجسمه، ذا قومية وطنية عميقة صادقة، ولذلك لابد من مراعاة عناصر ضرورية في تكوين المغرب الجديد أولها أن ينشأ جيل مسلم متفهم للإسلام، عربي اللسان مغربي القومية، متصل بتاريخه المجيد، وواع لمشاكل عصره وهادف إلى رفع مستواه الاجتماعي والاقتصادي وأداء رسالة إنسانية كبرى وبالأخص في إفريقيا المتوثبة، والعالم الجديد المتعطش للسلام والتقدم. ولذلك لابد من الاعتماد على اللغة العربية والدين الإسلامي لتركيز أصالة المغربية مع السعي إلى توحيد صفوف الأمة عن طريق وحدة التعليم ومجانيته وإجباريته في مرحلته الأولى وفعاليته حتى لا يكون مواطنين نظرين لا يساهمون في بناء البلاد فنيا ومهنيا وتقنيا فنظل عالة على الدول في تكوين الأطر، ولهذا يجب أن يساير تعليمنا المقتضيات الاقتصادية حتى يتكامل معها في تكوين الأطر وسد الثغرات، بل يكون موجها للحياة الاقتصادية وعاملا على رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأمة كما يكون تعليما مكونا للمواطن تكوينا عاما تثقيفيا متسعا، وعندما نقول بتوجيه التعليم نعني جعله هادفا إلى تكوين مواطن مؤمن بقوميته وصالحا ونشيطا ومسهما في بناء كيان الوطن ولأجل ذلك لابد أن يكشف عن المعطيات، وألا يكون مستوردا من الخارج، ولن يكون التوجيه إلا على أساس تخطيط (يدرس الحاجات وأجدرها بالسبق) يدرس الإمكانيات الداخلية والخارجية، ومتطلبات البلاد العاجلة والآجلة ومسايرة التطور الثقافي والعلمي العام والعمل على الاضطلاع بمسؤولية الثقافة وبالأخص الثقافة الإسلامية العربية التي ستكون ميدانا خصبا للتعرف على الفكر المغربي وأداء رسالته العلمية والحضارية والإنسانية. وإذا فالضرورة أكيدة لتعلم اللغات الأجنبية بعد تعلم اللغة العربية التي هي اللغة الأصلية المكونة للتفكير المحلي والتي لا تقوم الشخصية بدونها، وكما يقول نيتشة.
اللغة تلازم الفرد في حياته وتمتد إلى أعماق كيانه وتبلغ أخفى رغباته وخطواته وهي الرباط الحقيقي الوحيد بين عالم الأجسام وعالم الأذهان.
ويقول مالينوفكي أيضا : اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم أو للتوصيل، بل وظيفة اللغة هي أنها حلقة في سلسلة النشاط الإنساني المنظم، إنها جزء من السلوك الإنساني ذاته، إنها ضرب من العمل وليست أداة عاكسة للفكر.
ذلك لأن اللغة ترتبط بالفكر، ومن يفقد لسانه أو يترجم بلغة أجنبية فهو يترجم غير أفكاره الدينية، لأن الثقافة الدينية الإسلامية هي مصدر حرارة وقوة، لتنظيم مجتمعنا وصهر كل الأفكار الصالحة فيه ولأن الثقافة هي التربية الدينية الصالحة الضرورية لتنمية العقل والجسم والذوق في كل مراحل العمر الإنساني، ونحن متفقون على ضرورة التوجيه الديني وإنما نختلف في الأسلوب والمنهاج.
وقد ظل التعليم في المغرب في عهد الاستقلال محتفظا بالتعليم الديني لأن المشرفين عليه متفقون على وجوب احتفاظ التعليم بصبغته الروحية الدينية ولأنهم يتفقون أن مبدأ العلمانية يضر ببناء التعليم وبالمجتمع المغربي لأن علمانية المدرسة الغربية كانت نتيجة حتمية لعدة عوامل أهمها أنها في معظم هذه الدول رد فعل ضد الكنيسة منذ سنة 1882 في عهد بول فري الذي نادى بلالكية التعليم ومجانيته وإجباريته، وقد سبق عمله بباردة سنة 1833 حسب قرار بلدي فرنسي، ومنذ ذلك والتعليم الديني الفرنسي محدود إلى عصر دكول حيث أصبح يتقاضى الإعانات فالحملة على التعليم الديني كانت ضد النظام الكنيسي المتحالف مع البرجوازية ضد حريات الشعوب. فاتخذ التعليم طريقة الحياد المدرسي، أما في المغرب والعالم الإسلامي فإن الدين الإسلامي يعتبر موجها اجتماعيا خطيرا فلذلك يجب أن يدرس ليفهم ويكون عونا على التربية الصحيحة والفاضلة فتعليم الإيديولوجيات أصبح ضروريا في عصر الاشتراكيات لرعاية النموذج النفسي للمواطن، غير أننا نتساءل دائما عما يراد بالتعليم الديني، والذي أعتقده أن التربية الدينية والتعليم الديني يجب أن يخضع لمقتضيات التطور الداخلي للأمة والتطور العصري الحديث، ولذلك يجب تحوير برامج التعليم تحويرا عميقا لتصبح شديدة الفعالية، وليتأتى ذلك يمكن أن نقسم المواد إلى ثانوية وأولية أساسية، ونعتبر كل مادة وأثرها في التكوين العقلي والخلفي، ثم الإكثار من المواد الأساسية والتخفيض في المواد الثانوية ومراجعة المواد الأساسية والتخفيض في المواد الثانوية ومراجعة المواد الملقنة حتى تعرض عرضا جديدا ملائما وهذه العملية ستساعد على إتقان عملية التربية بصفة رياضية معقولة كما تساعد من جهة أخرى على الاقتصاد في مدة التعليم حتى لا يظل البرنامج مرهقا بمواد مكررة ويمكن اختزالها وبذلك يتحقق مبدأ ءاخر من مبادئ التعليم وهو انتشاره وإعطاء الفرص للجميع، ولاشك أن الصفة العلمية، والتربية الصادقة والتوجيه الفني يجب أن تكون في المرتبة الأولى لنساير عصر الآلة والذرة.
وقد أصبح من اللازم التخلص من الأسلوب التعليمي المبني على الآفاق الضيقة، فبهذا يجب الاتصال بمختلف الحضارات والثقافات عن طريقة دراسة اللغات الحية والآداب الأجنبية والتاريخ والجغرافية العامين، سعيا لتحقيق التضامن البشري وفهم الأحداث المعاصرة.
ويجب أن نفهم دائما أن دراستنا يجب ألا تنفصم عن ثقافتنا العربية وحضارتنا الأصلية الإسلامية فإن ثراتنا الحضاري وثقافتنا العربية الإسلامية يجب العمل على إحيائها وإعطائها محتوى جديدا عصريا وهي في أصالتها لا تؤمن إلا بالحرية الإنسانية، وقد استطاعت ثقافتنا الإسلامية أن تخلق وتنمي في الإنسان ضميرا اجتماعيا حرا ألف بين الناس مهما اختلفت ألوانهم وعقائدهم دون أن يفسد إرادتهم الحرة لهذا فسيكون مذهبنا التعليمي ملائما بين الذاتية وبين التطور، لأن المبدأ الأساسي الحر سيظل مخيما على علاقة الفرد المثقف بالمجتمع الحر الإنساني المتدين، ويرى (كونيي) وهو علم من أعلام التاريخ المعاصر أن الدين هو عماد المجتمعات التي عليها وفيها تقوم الحضارات، بل يسيطر على تفكيره التاريخي ضرورة وجود الروح الدينية مهما كانت مسيحية أو إسلامية بوذية هندوسية لبناء الحضارة، وإذا فالمذهب هو في المحافظة على الأصول الأولى للثقافة المغربية والعمل على تكوين برنامج يطابق المتطلبات الإقليمية والواقع المغربي مع العناية بدراسة اللغات الأجنبية التي تفتح لنا باب التعارف وتبادل الثقافات، وبذلك نسعى إلى إعداد جيل مغربي متحد في عقله مهذبا في روحه، مسلما في إسلامه ودينه عارفا بعصره.
والواقع أن التربية الروحية ضرورة لتكوين الشخصية شأنها شأن التربية الجسدية والعقلية، وتهذيب الروح حسب التجارب التربوية قائم بذاته، فيمكن تطوير الروح وتربيتها على حدة، وتربية الروح إنما تكون عن طريق معرفة الله والإيمان بالشخصية الإنسانية، ولاشك أن كل تعليم يخلو من عنصر التربية الروحية فهو تعليم لا يفيد الإنسانية والفرد أيضا إن لم يكن مؤذيا لهم.
وإن كلمة التربية الروحية مشوشة ماذا يراد بهذه التربية؟ إنها تربية المحبة والخير والجمال والعزم والثقة في الروح الإنسانية تربية مشاعة، وهذا إنما يتأتى بطريقة تلاوة النصوص الدينية وفهمها فهما صحيحا خاليا من الحرفية، مع تدريب على ممارسة الطقوس الدينية التي هي الرياضة الروحية، وكما أن العقل إنما ينمو بالرياضيات بالمفهوم العلمي، والجسد ينمو بالرياضة الجسدية والتمارين العضوية فكذلك التربية الروحية لابد لها من تدريبات وممارسة طقوس، وهذا يتوقف على المعلم الصالح الذي يكون نموذجا صادقا، وصدق المعلم وتغلبه على نفسه وكبحه لشهواته هو التربية السرمدية التي تكون روح التلميذ، ويركز التعلم الديني المغربي في (التعليم الأصلي) على أنه يوجد بصفة عامة في كل أنواع التعليم الأخرى كما سأذكر (وللعناية بالتعليم الأصلي) أو ما كان يسمى بالتعليم التقليدي أو الديني أنشئت له مصلحة خاصة في وزارة التعليم في أول عهد الاستقلال وهذا دليل على مدى احتفاء المغاربة بهذا النوع من التعليم، وسعت هذه المصلحة في تحقيق عدة إصلاحات في هذا القطاع من التعليم كإخراج الأقسام الثانوية والعالية من المساجد، واطراد نمو التلاميذ والطلبة وتحديد السن تحديدا منطقيا بالنسبة لها، وأصبحت لها إدارات كما أصبح لأساتذتها إطار رسمي وأحدثت منح في شكل إعانات لتلاميذ الأطوار الأولى والثانوية ومنح لطلبة العالي، وانتهى نظام الخبزة الذي كان معمولا به في المعاهد الدينية ثم عوض بالمنحة وأصبحت مصاريفه من ميزانية وزارة التربية الوطنية بعد أن كانت بوزارة الأحباس، وإلى جانب هذا أنشئت معاهد أخرى في كل من سوس ووجدة والجديدة زيادة على المعاهد الكبرى في فاس ومراكش ومكناس وتطوان، ومعاهد ثانوية كمعهد الشاون والحسيمة والناضور والقصر وطنجة.
أما البرامج فقد أدخلت عليها تغييرات جعلتها تشتمل على المواد الحديثة بما فيها اللغة الأجنبية إلى   جانب المواد الإسلامية، واقتضى ذلك بالطبع إحداث أماكن دراسية أو استغلال معسكرات وثكنات، كما اقتضى الحال أيضا استقدام طائفة من الأساتذة الشرقيين، وأنشئ معهد للفتيات في كلية ابن يوسف بمراكش، ومعهد للفتيات بالقرويين قبل أن تدخل الفتاة إلى التعليم الأزهري في مصر كما أنشئت مدرسة المقرئين بفاس رغبة في تخريج معلمين قادرين على تجويد القرءان.
ثم وثب التعليم التقليدي وثبة أخرى سنة 1959 وحقق إصلاحات جديدة حيث ارتفعت حصص دراسة المادة الحديثة ونظمت داخليته وأصبح يحمل اسم التعليم الأصلي بدلا من التعليم التقليدي، ويشمل الإصلاح الجديد تغييرا جوهريا أدخل على هذا التعليم في مراحله كلها فشمل الاسلاك الثلاثة الابتدائي والثانوي، والغاية الجوهرية التي يهدف إليها الإصلاح هي :
1 ـ الاحتفاظ للثقافة الإسلامية بقوتها ومتانتها وشمولها مع توزيع حصصها توزيعا منطقيا
2 ـ تحقيق فكرة التعريب في هذا النوع من التعليم.
3 ـ إدخال المادة الحديثة على منوال المعاهد العصرية معربة، واعتبار اللغة الأجنبية مبدئيا لغة ثقافة لا لغة تلقين وأصبحت حصص المادتين الإسلامية والحديثة تتوفر على الضروري من الساعات مع اعتبار كل من المادة الإسلامية والمادة الحديثة كمجموعة خام جزئت عناصرها حسب المستويات من الابتدائي إلى الثانوي الأول، ففي كليهما اعتبر الجزء الضروري للتكوين الابتدائي، ثم اعتبر في الثانوي نوع من التكوين العام في كل من الثقافة الإسلامية، بينما خصص السلك التوجيهي في كلتا المادتين للإعداد العالي، وهذا التقسيم يقصد منه تمكين التلميذ في جميع الأسلاك من التكوين العام المنسق بحيث إذا انفصل بعد الحصول على الشهادة الابتدائية أو الكفاءة يكون قد ألم بما يمكنه من مواجهة الحياة حسب مستواه، ويكون بذلك قد أخذ الحظ الواجب من جميع فروع الثقافة الإنسانية كما هو معمول به في الدول السكسونية، ويهدف فحوى البرنامج والمنهاج إلى :
1 ـ صون التراث العربي الإسلامي.
2 ـ وضمان تدريس المادة العلمية الحديثة معربة.
وقد قسم البرنامج الجديد مراحل التعليم إلى (أسلاك ثلاثة).
السلك الابتدائي:
يتضمن هذا السلك خمس سنوات بالنسبة للتلميذ البالغ عمره سبع سنوات، وهذا السلك يحتوي على مرحلتين : (الأولى) الكتاب الذي هو عبارة عن فصول تحضيرية وابتدائية أولية، (الثانية) الطور الحقيقي الموازي لما يوجد الآن في المعاهد الإسلامية، والمادة الحديثة في هذا الطور تنوبها اثنى عشرة ساعة، والباقي للمادتين العربية والإسلامية.
أما الثانوي فالسلك الأول منه تدرس فيه المواد الإسلامية والعربية على أن ترتكز تركيزا يتناسب مع مستوى التلميذ كما تعتمد المادة الحديثة على ما يستلزمه التكوين العام.
فالمادتان العربية والإسلامية ينوبهما نصف الحصة، في حين أن المادة الحديثة بإضافة التاريخ تنوبها نصف الحصة كذلك، ويلاحظ في خصوص اللغة الأجنبية أن التلميذ يكون درس في الابتدائي ساعات أسبوعية خلال السنوات الثلاثة في السلك الأول من الثانوي بحيث لا يكاد يصل إلى مستوى الكفاءة العربية حتى يكون قد حصل على معلومات وافية في اللغة الأجنبية، وفائدة هذا السلك أنه يضمن فيه التوازن بين مختلف المواد، وهو علاوة على ضمان التكوين العام الضروري يعتبر مرحلة علمية تتعين فيها الاتجاهات وتتمحص فيها الميول استعدادا للشعب الشرعية أو العلمية أو الأدبية.
أما الثانوي الثاني فيستمر في تقوية التكوين العام سواء في الثقافة الإسلامية أو  في العلوم الحديثة أو في اللغة الأجنبية، والملاحظ في الشعبة الشرعية أن الرياضيات والعلوم خصصت لهما سبع ساعات، كما خصصت خمس ساعات في اللغة الأجنبية ولكن توجه العناية باستمرار لتقوية التكوين العام في التوجيه خاصة نحو المادة العربية وأصول الثقافة الإسلامية الضرورية في التخصص في شعبة الشريعة، وفي شعبة الآداب وشعبة العلوم حيث تركز في الأولى الدراسة الأدبية وفي الثانية الدراسة العلمية، ووجهت عناية خاصة لشعبة العلوم وإن كان تواصل فيها التكوين العام الإسلامي العربي بنسبة تعدو ثلث الحصص، إلا أنه خصصت نفس العناية للغة الأجنبية التي هي أداة ضرورية كالعربية للتضلع في العلوم، وأفرد للرياضيات والعلوم وحدهما أكثر من ثلث الحصة، وفرضت في السنوات الأولى للمرحلة الانتقالية على التلاميذ سنة توجيهية بين الثانوي والعالي واستمر العمل بنظام العالمية (الحرة) كما كان معمولا بذلك من قبل.
وفائدة الاحتفاظ بالعالمية أنها كانت تكلل الجهود الفردية التي يبذلها طوال عدة سنوات فريق من الطلبة الذين فاتهم الركب لتقدمهم في السن، نعم لقد حرر نظام التعليم الابتدائي والثانوي، أما العالي فقد ركز في جامعة القرويين. إذ أن التعليم العالي في القرويين كان يشمل فرعين للتخصص (أحدهما أدبي) والثاني شرعي، (كان الأول) تستمر فيه الدراسة الأدبية واللغوية والتاريخية ثلاث سنوات، يمنح الطالب في السنة الأخيرة منها بعد اجتياز الامتحان شهادة العالمية (القسم الأدبي) التي تخول له حق التعليم الثانوي أو العالي بعد تدريبه وممارسته التعليم الثانوي، وكان الثاني تستمر فيه الدراسات الدينية والشرعية والقضائية ثلاث سنوات أيضا يمنح الطالب في الستة الأخيرة منها بعد اجتياز الامتحان شهادة العالمية (القسم الشرعي) التي تخول له حق ولاية القضاء والتعليم الديني أيضا.
ومنذ إعلان الاستقلال والمحاولات تتجدد لتنظيم التعليم الإسلامي العالي وفي سنة 1960 انبثقت فكرة أحداث كلية الشريعة بفاس، لتعوض الفرع الشرعي للنهالي القديم حيث تندرج فيها المواد الدراسية التي تتلخص في مقومات الدراسة الإسلامية من أصول وخلاف عال ودراسة القرءان والحديث وروح التشريع والفلسفة الإسلامية وتاريخ الأديان وبعض المواد القانونية الدستورية والاقتصادية والسياسية والقانون المدني لاستكمال التكوين الدراسي العالي، بحيث يكون المتخرج منها مسلحا بما لدى زميله المتخرج من كلية الحقوق.
وطبعا كانت كلية الشريعة تعوض النهائي الشرعي القديم، أما الأدبي فقد ظل منتظرا الفرصة المناسبة لتحقيق (فكرة تكوين كلية تعوض النهائي الأدبي) نتخصص في دراسة علوم اللغة العربية وأدابها إذ لا يجدر ببلد عربي كالمغرب أن تزدوج به كلية الآداب واللغة العربية.
وأما كلية أصول الدين فقد دلت تجربة برنامج كلية الشريعة أنه كثيف من حيث مواده، لأنه يشمل دراسة دينية وشرعية، ولذلك كان من الواجب أن تؤسس كلية لدراسة أصول الدين، تعتني بالفلسفة الإسلامية والجدل والمنطق والأخلاق وعلم النفس وتاريخ الأديان وبذلك يتأتى لهذه الكلية أن تتخصص في الدراسة الإسلامولوجية بينما تتكفل كلية الشريعة بالدراسة القضائية.
ولهذا فجامعة القرويين اشتملت على ثلاث كليات :
1 ـ كلية الشريعة.
2 ـ كلية أصول الدين
3 ـ كلية اللغة العربية.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here