islamaumaroc

نظرات حول كتاب صبح الأعشى للقلقشندي.-2-

  دعوة الحق

58 العدد

حينما قدمت بحثا عاما حول كتاب صبح الأعشى وعدت القراء بأن أقدم إليهم صورة مصغرة عنه تستمد عناصرها من الكتاب ذاته فتقر به إليهم وتدلهم على فحواه حتى إذا كانوا في حاجة إلى البحث عن موضوع خاص وقد تحدث عنه الكاتب رجعوا إلى الأصل واستمدوا منه ما هم في حاجة إليه.
وإن مثل هذا التقديم أصبح ضروريا لمثل هاته الكتب الكبرى فهو يستميل القراء إلى المطالعة ويرشدهم إلى المصادر التي يحتاجون إليها سواء كانوا يرغبون في الثقافة العامة أو كانوا يهتمون بالدراسة الخاصة لموضوع ما.
وقد بيننا من قبل أن كتاب صبح الأعشى يشتمل على مقدمة وعشر مقالات وخاتمة وسأخصص حديثي الآن حول المقدمة فقط (1).
قسم المؤلف مقدمة الكتاب إلى خمسة أبواب : تحدث في الباب الأول عن فضل الكتابة ومدح بعض الكتاب وذم آخرين.
أما الكتابة فقد نقل أدلة نقلية دينية وأدبية تظهر فضلها وتبين عن جلالها فقال : « أعظم شاهد لجليل قدرها وأقوى دليل على رفعة شأنها أن الله تعالى نسب تعليمها إلى نفسه واعتده من وافر كرمه وأفضاله فقال عز اسمه (إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)، مع ما يروى أن هذه الآية والتي قبلها مفتتح الوحي.. ثم بين شرفها بأن وصف بها الحفظة الكرام من ملائكته فقال : (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين).. ثم أقسم بالقلم الذي هو آلة الكتابة فقال (والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون).
ثم ذكر المؤلف أن النبي (ص) قال : (قيدوا العلم بالكتاب)، وذكر قول ذي الرمة لعيسى بن عمر : (أكتب شعري فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن الأعرابي لينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة فيضع موضعها كلمة في وزنها لا تساويها، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام).
وأما الكتاب فقد مدح فضلائهم وذم الناقصين منهم وهم في مدحه يعتبر المقياس الصالح الموازنة يعتمد على الكفاية والذكاء والقدرة على التعبير الفني الجذاب قال : (أحسن ما مدح به كاتب قول ابن المعتز:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه
           تفتح نورا أو تنظم جوهرا
وغير خاف أن استحسانه راجع إلى تذوقه للجمال وأعجابه بالأسلوب الفني الرائع، واعتداده بالفصاحة والبيان مع جمال الخط ووضوحه.
وأما ذمه للناقصين من الكتاب فقد كان لاذعا، وقد وقف في اختيار أبيات شعرية تعتبر مثالا للشعر الهجائي الساخر الذي يدفع ضعاف الكتاب إلى العمل على تحسين صناعتهم وتهذيب ذوقهم وتدريب ألسنتهم على التعبير الصحيح مثل قول الشاعر :
يعي غير ما قلنا ويكتب غيرها
         يعيه يقرأ غير ما هو كاتب
وقول الآخر :  
وكاتب أقلامه            معودات بالغلط
يكشط ما يكتبه            ثم يعيد ما كشط
وقول الآخر :
تعس الزمان فقد أتى بعجاب
              ومحا فنون الفضل والأداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي
              فيهم رددتهم إلى الكتاب
قال القلقشندي : « وإنما تقاصرت الهمم عن التوغل في صناعة الكتاب والأخذ منها بالحظ الأوفى لاستيلاء الأعاجم على الأمر، وتوسيد الأمر لمن لا يفرق بين البليغ والأنوك لعدم إلمامه بالعربية والمعرفة بمقاصدها حتى صار الفصيح لديهم أعجم والبليغ في مخاطيتهم أبكم ولم يسع الأخذ من هذه الصناعة يحظه إلا أن يقول :
وصناعتي عربية وكأنني 
                 ألقى بأكثر ما أقول الروما
فلمن أقول؟ وما أقول؟ وأين لي 
                فأسير لا بل أين لي فأقيما؟
وإن هاته الملاحظة لتمثل الجانب الإيجابي في الطريقة المنهجية التي سار عليها القلقشندي في كتابه فهو لا يكتفي بنقل النصوص والاستدلالات ولكنه يعلل النتائج ويظهر الأسباب غير آبه بما قد توقعه فيه ملاحظاته من مهالك ولا محتفل بما يفرضه عليه النفاق الاجتماعي إزاء الحاكمين.
أما الباب الثاني فنحدث فيه أولا عن مدلول الكتابة لغة واصطلاحا، فذكر أن الكتابة في اللغة لها معنيان : المعنى الأول الجمع ومنه قبل لجماعة الخيل كتيبة، وللخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض، والمعنى الثاني العلم ومنه قوله تعالى : (أم عندهم الغيب فهم يكتبون)، أي يعلمون.
وأما في الاصطلاح فقد ذكر أنها وإن كثرت أقسامها وتعددت أنواعها فإنها لا تخرج عن أصلين هما كتابة الإنشاء، وكتابة الأموال، قال : إلا أن العرف فيما تقدم قد خص لفظ الكتابة بصناعة الإنشاء ثم غلب في زمانه بالديار المصرية اسم الكاتب على كاتب المال، وصار لصناعة الإنشاء إسمان : خاص يستعمله أهل الديوان ويتلفظون به وهو كتابة الإنشاء، وعام يتلفظ به عامة الناس وهو التوقيع، ثم قال وقد يعبر عنها بصناعة الترسل تسمية للشيء بأعم أجزائه، وعلى ذلك بنى الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي رحمه الله تسمية كتابه : (حسن التوسل إلى صناعة الترسل)
وبعد أن ذكر اختصاصات كل من الكتابنبن قال : (ولا شك أن لكل من النوعين قدرا عظيما وخطرا جسيما، إلا أن أهل التحقيق من علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ويفضلونها ويميزونها على سائر الكتابات ويقدمونها)، ونقل جزءا من المقامة الفراتية للحريري التي يقول فيها (اعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع، وقلم المكاتبة خاطب، وقلم المحاسبة حاطب.. الخ ).
ولما كانت كتابة الإنشاء تحتاج إلى النثر أكثر من الشعر قدم فصلا في هذا الباب لتفضيل النثر وقال : (أن النثر أرفع درجة من الشعر وأعلى رتبة، وأشرف مقاما وأحسن نظاما)، وعلل ذلك ذلك بقوله : (إذ الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير، وقصر الممدود وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها، وغير ذلك مما تلجئ إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه، والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه، ثم استدل بقول صاحب (مواد البيان) : (وقد أحست العرب بانحطاط رتبة الشعر عن الكلام المنثور كما حكي إن امرأ القيس ابن حجر هم أبوه بقتله حين سمعه يترنم في مجلس شرابه بقوله :
اسقيا حجرا على علاته
      من كمبت لونها لون العلق
وما يروى أن النابغة الجعدي كان سيدا في قومه، لا يقطعون أمرا دونه، وأن قول الشعر نقصه وحط رتبته.. ولا عبرة بما ذهب إليه بعضهم من تفضيل الشعر على النثر أتباعا لهواه بدون دليل واضح).
وأنا أرى أن المؤلف في دفاعه عن النثر لم يكن واقعيا، فإن العلل التي جعل بها الشعر سخيفا إنما كانت في المفاضلة بين الضعيف من الشعر والمتين من النثر، مع أن الشعراء المجيدين والمطبوعين يأتون بشعرهم وليس فيه من المعاضلة والتعقيد ما يجعله في الدرجة التي صوره بها القلقشندي كما أن من الكتاب من يصوغ نثره معقدا غامضا لا جمال فيه ولا إبداع.
ولتأكيد هذه الملاحظة نشير إلى قول زكي مبارك في كتابه النثر الفني (2) : (وتفسير القلقشندي لرأيه غير كاف ولا سديد، فإن الشعر الذي نوازن بينه وبين النثر ليس هو الشعر الذي تكون معانيه تابعة لألفاظه دائما تبعا لمعانيه، والنظم الجيد بفرض ذلك في الشعر والنثر على السواء).
ثم انتقل المؤلف إلى الباب الثالث وتحدث فيه عن صفات الكتاب وآدابهم وجزأ الصفات إلى ضربين : صفات واجبة لا يسع إهماله وصفات عرفية فقط.
أما الصفات التي يجب في الكاتب فقد حددها بعشر صفات:
الأولى : الإسلام ليؤمن فيما يكتبه ويميله، ويوثق به فيما يذره ويأتيه قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خيالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، والمراد بالبطانة في الآية من يطلع على حال المسلمين كالاطلاع على مقدار خزانتهم من المال وإعداد جيشهم من الخيل والرجال.
الثانية : الذكورة قال : « إن أصحابه الشافعين يشترطون في كاتب القاضي أن يكون ذكرا وهذا الشرط في كاتب السلطان أولى ».
الثالثة : الحرية.
الرابعة : التكليف.
الخامسة : العدالة قال : « لأنه لو زاد أدنى كلمة، أو حذف أيسر حرف، أو كتم شيئا قد علمه، أو تأول لفظا بغير معناه، أو حرفه عن جهته، أدى ذلك إلى ضرر من لا يستوجب الضرر ونفع من يجب الإضرار به »، ولله در القائل :
ولضربة من كاتب ببنانه
         أمضى وأقطع من رقيق حسام
 قوم إذا عزموا عداوة حاسد
        سفكوا الدما بأسنة الأقدام
السادسة : البلاغة.
السابعة : وفور العقل وجزالة الرأي.
الثامنة : العلم بمواد الأحكام الشرعية والفنون الأدبية وغيرها.
التاسعة : قوة العزم، وعلو الهمة، وشرف النفس.
العاشرة : الكفاية لما يتولاه، لأن العاجز يدخل الضرر على المملكة ويوجب الوهن في أمر المسلمين.
وأما الصفات العرفية فقد كان أكثرها يرجع إلى وصف حالته وما يجب أن يتحلى به ظاهريا وباطنيا، ومما نقل في ذلك قول المهذب بن مماتي في كتابه قوانين الدواوين : « ينبغي أن يكون الكاتب أديبا، حاد الذهن، قوي النفس، حاضر الحس، جيد الحدس، حلو اللسان، له جرأة يثبت بها الأمور على حكم البديهة، وفيه تؤدة يقف بها فيما لا يظهر له على حد الرؤية شريف الأنفة، عظيم النزاهة، كريم الأخلاق مأمون الغائلة مؤدب الخدام ».
وحينما تحدث المؤلف عن آداب الكتاب خص جانبا لحسن سيرتهم وشرف مذهبهم بحيث يعتمدون على الله في الأسرار والإعلان، وأن يكونوا صالحي النيات قاصدين بأعمالهم النفع العام، عاملين على إغاثة الملهوف، والأخذ بيد الضعيف، ملتزمين بحدود الدين، مقتصدين في طلب اللذات، ومقتصرين من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها، ثم تحدث عن حسن عشرتهم لكل من يحيطون به ملكا كان أو كاتبا أو من الدهماء، وهذا القسم من الكتاب يعتبر درسا خلقيا يحدد للكاتب طريق صلاحه ويهديه إلى حسن المعاملة ويمكنه من اكتساب الفضائل العامة التي لا يستغني عنها إذا ما أراد النجاح
وانتقل بعد ذلك إلى الباب الرابع، وقد تحدث فيه عن التعريف بديوان الإنشاء وعن أصل وضعه في الإسلام، فذكر أن الديوان اسم للموضع الذي يجلس فيه الكتاب، وأصله دوان ثم أبدلت إحدى الواوين ياء، ولذلك يجمع على دواوين، وعليه فهو عربي، قال النحاس: « والمعروف في لغة العرب أن الديوان الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه، ومنه قول ابن عباس « إذا سألتموني عن شيء من غريب القرءان فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب »، ويقال دونته البتة، وإليه يميل كلام سيبويه، وذهب آخرون إلى أن أصله فارسي معرب، قال بذلك الأصمعي، واقتصر عليه الجوهري في صحاحه».
ثم ذكر المؤلف أن ديوان الإنشاء هو أول ديوان وضع في الإسلام، وأن النبي (ص) كان يكاتب امراءه وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب إليه من الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات وهذه الكتب كلها تتعلق بديوان الإنشاء، أما ديوان الجيش فقد كان عمر أول من أثبته ونظمه، أما ديوان الخراج فقد نقل المؤلف عن كتاب « عيون المعارف وفنون أخبار الخلائق » (3) للقضاعي أن الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت كانا يكتبان للنبي (ص) أموال الصدقات وأن حذيفة ابن اليمان كان يكتب له خرص النخل وأن المغيرة ابن شعبة والحصين بن نمير كانا يكتبان المداينات والمعاملات، قال القلقشندي: « فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين أيضا قد وضعت في زمنه (ص) إلا أنها ليست في الشهرة.. كما تقدم من متعلقات كتابة الإنشاء
ثم ذكر بعد ذلك أسماء بعض الكتاب في صدر الإسلام وفي أيام الخلفاء الراشدين وفي عهد الأمويين إلى أن بلغ الأمر إلى العباسيين فأبدل السفاح اسم الكاتب باسم الوزير، ولقب أبا سلمة الخلال بذلك فكان أول من لقب بالوزرة في الإسلام، وأصبح ديوان الإنشاء مضافا إلى الوزارة فيكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بقلمه، وتارة كان بفرد بكاتب ينظر في أمره ويكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بكلامه ويصرفها بتوقيعه على القصص ونحوها ثم ذكر أشهر الوزراء والكتاب أيام العباسيين ثم بعد انقراض دولتهم ببغداد.
ثم تحدث عن المغرب والأندلس وذكر أن الكتابة لم تستقر بهما إلا بعد أن انقضى عهد الولاة وتأسست دول مستقلة كانت سببا في ازدهار الحضارة، وعلل ذلك بأن الكتابة صناعة لا يقوم لها أساس إلا على الرقي الحضاري فقال : « فأوائل الدول القريبون عهدا بالبادية لا عناية لهم بكتابة الإنشاء، وإذا استحضرت الدولة صرفت اهتمامها إلى ديوان الإنشاء وترتيبه » (4).
ثم ذكر من اشتهر بالبلاغة من كتاب المغاربة، فذكر منهم أبا الوليد بن زيدون، والوزير أبا حفص ابن برد الأصفر الأندلسي، وذا الوزارتين أبا المغيرة ابن حزم، والوزير أبا القاسم محمد بن الحد، وعبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن المريني، ولسان الدين ابن الخطيب وزير ابن الأحمر صاحب غرناطة من الأندلس.
ثم تحدث بعد ذلك عن ديوان الإنشاء بمصر منذ تأسيسه إلى عهده وقسمه إلى خمس حالات ينبغي لمن يهتم بهاته النقطة من طلاب التاريخ والحضارة أن يرجعوا في تحليلهـــا إلـــى الكتــاب (5).
وانتقل بعد ذلك إلى الباب الخامس فتحدث فيه عن قوانين ديوان الإنشاء وترتيب أحواله وآداب أهله وذكر في الباب رفعة قدر صاحب هذا الديوان، وشرف محله ونقل عن ابن الطوير من كتاب « ترتيب الدولة الفاطمية » أنهم كانوا يلقبون هذا الكاتب بالديار المصرية كاتب الدست، قال القلقشندي : « وانتهى الأمر إلى أوائل الدولة التركية والحال في ذلك مختلف فتارة يلي الديوان كاتب واحد يعبر عنه بكاتب الدست، وربما عبر عنه بكاتب الدرج، وتارة يليه جماعة يعبر عنهم بكتاب الدست.. وبقي الأمر على ذلك إلى أن ولي الديوان القاضي فتح الدين بن عبد الطاهر في أيام المنصور قلاوون.. فلقب بكاتب السر، ونقل كاتب الدست إلى طبقة دونه من كتاب الديوان.. ثم قال والعامة يبدلون الباء من كاتب السر بميم فيقولون كاتم السر وهو صحيح ».
وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عما يتصرف فيه صاحب هذا الديوان بتدبيره وبصرفه بقلمه وجعل ذلك يتعلق باثني عشر أمرا.
الأمر الأول: التوقيع والتعيين، والمراد به الكتابة على الرقاع والقصص بما يعتمده الكاتب من أمر الولايات والمكاتبات في الأمور المتعلقة بالمملكة والتحدث في المظالم.
الأمر الثاني : نظره في الكتب الواردة عليه.
الأمر الثالث : نظره فيما يتعلق برد الأجوبة.
الأمر الرابع : نظره فيما تتفاوت به المراتب في المكاتبات، والولايات من الافتتاح، والدعاء، والألقاب، وقطع الورق ونحو ذلك.
الأمر الخامس : نظره فيما يكتب من ديوانه، وتصفحه قبل إخراجه من الديوان، فإن تعذر عليه ذلك أقام له نائبا حسن الفطنة، كامل الصنعة موثوقا به.
الأمر السادس : نظره في أمر البريد ومتعلقاته، وهنا تحدث عن النظم الدقيقة التي كانت متبعة في سير البريد.
الأمر السابع : نظره في أبراج الحمام ومتعلقاته، وقد كان الحمام البريدي يقوم مقام البرق في العصر الحاضر.
الأمر الثامن : نظره في أمور الفداوية وهم طائفة مكلفة باغتيال أعداء الملك ينسبون إلى الطائفة الاسماعيلية الشيعية ويعرفون بالفداوية لأنهم يفادون بالمال على من يقتلونه.
 قال في مسالك الأبصار (6) : « وهم يعتقدون أن كل من ملك مصر كان مظهرا لهم ولذلك يتولونه ويرون إتلاف نفوسهم في طاعته لما ينتقل إليهم من النعيم الأكبر بزعمهم » قال « ولصاحب مصر بمشايعتهم مزية يخافه بها عدوه لأنه يرسل منهم من يقتله ولا يبالي أن يقتل بعده، ومن بعثه إلى عدوه فجبن عن قتله قتله إذا عاد إليهم، وإن هرب تبعوه وقتلوه ».
الأمر التاسع : نظره في أمر العيون والجواسيس وذكر القلقشندي ما يجب على الكاتب إزاء هذا الأمر من الاحتياط ونبه إلى الشروط التي تجب في الجاسوس، فذكر منها أن يكون ممن يوثق بنصيحته وصدفه، وأن يكون ذا حدس صالب وفراسة تامة تامة، أن يكون كثير الدهاء والحيل والخديعة وأن يكون له دربة بالأسفار ومعرفة بالبلاد التي يتوجه إليها، وأن يكون عارفا بلسان أهل البلاد التي يتوجه إليها، وأن يكون صبورا على ما لعله يصير إليه من عقوبة أن ظفر به العدو، ثم ذكر المؤلف توجيهات خاصة للكاتب في هذا الشأن، منها : أن يعين أسرة الجاسوس وأن يضفي عليها من الخبرات ما يدفع ذلك الجاسوس إلى الإخلاص والتفاني، قال : « وعليه أن يحترز عن تعرف جواسيسه بعضهم بعضا لاسيما عند التوجه للمهمات، وإن استطاع أن لا يجعل بينه وبينهم واسطة فعل »، ولقد اعتنى المؤلف بتحليل هذا الأمر نظرا لأهميته في تسيير الدولة، وأنا أهيب بالقراء أن يرجعوا إلى الأصل ليطلعوا على الوجهة التفكيرية التي كان يمتاز بها الفكر العربي الجبار(7).
الأمر العاشر : نظره في أمور القصاد الذين يسافرون بالمطلقات من الكتب وهؤلاء تكون لهم القدرة على المشي والسرعة فيرسلون ببعض الرسائل الهامة ويطالبون بإرجاع الأجوبة عنها وهم أقدر على الاختفاء وأعرف بمسالك الطرق، ويرسل الملك منهم اثنين كل واحد منهما مستقل بوجهته حتى إذا اعترض العدو إحداهما بلغ الآخر إلى مقصده.
الحادي عشر : نظره في أمر المناور والمحرقات، أما المناور فأمكنة خاصة مرتبة برؤوس الجبال العالية كان يقوم بها أقوام لهم رزق على السلطان، وإذا شعروا بتحرك النثار وكان الوقت ليلا أشعلوا النيران إشعارا بالخطر، وأما المحرفات فقوم كانت وظيفتهم إرهابية ضد النتار، (كانوا يتحيلون على إحراق زرعهم بأن تمسك الثعالب ونحوها وتربط الخرق المغموسة في الزيت بأذناب تلك الثعالب وتوقد النار وترسل في زرعهم إذا يبست فيأخذها الذعر من تلك النار المربوطة بأذنابهم فتذهب في الزرع آخذة يمينا وشمالا، فما مرت بشيء منه إلا أحرقته، وتواصلت النار من بعضها إلى بعض فتحرق المزرعة عن آخرها) قال القلقشندي وهذان الأمران قد بطل حكمها من حين وقوع الصلح بين ملوك مصر وملوك النتار.
الثاني عشر : نظره في الأمور العامة مما يعود نفعه على السلطان والمملكة عليه أن يسرع في أخبار السلطان بكل ما يصل إليه وأن ارتاب في خبر المخبر أحضره معه إلى السلطان ليشافهه فيه حتى يكون بربنا عن تبعته.
وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن وظائف ديوان الإنشاء وأنواع الكتاب على اختلاف درجاتهم وعن وظائف تتعلق بهذا الديوان وليست من الكتابة، فذكر منها وظيفتين هامتين الأولى وظيفة الخازن المحافظ على جميع الكتب السلطانية والمراسم العامة ويجب أن يكون أمينا لأن زمام جميع الديوان بيده، فمتى كان قليل الأمانة ربما أمالته الرشوة إلى إخراج شيء من المكاتبات من الديوان وإفشاء سر من الأسرار فبضر بالدولة ضررا كبيرا »، والثانية وظيفة الحاجب ومهمته أن يقف حاجزا دون دخول أي شخص على كاتب الديوان إلا بعد استئذانه وفي ذلك حفظ لأسرار الدولة ولقد تحدث المؤلف عن الحال الذي استقر عليها كتاب الديوان في عصره وأنهم طبقتان، كتاب الدست وكتاب الدرج وبذلك أنهى مقدمة كتابه.
فإلى اللقاء مع المؤلف في المقالة الأولى.


(1) الجزء الأول من صفحة 35 إلى 140.
(2) النثر الفني لزكي مبارك الطبعة الأولى الجزء الأول صفحة 28.
(3) ذكر القلقشندي هذا المصدر في تحليله للمقالة الأولى وسماه عيون المعارف في ذكر أخبار الخلائف وكثيرا ما يغير المؤلف أسماء بعض الكتب أو أسماء بعض المؤلفين وسالبه على ذلك في بحث خاص حول المصادر التي اعتمد عليها القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) ج 1 ص 91 وصفحة 307.
(4) صبح الأعشى ج 1 ص 94
(5) نفس المصدر من صفحة 95 إلى 100.
(6) لم يذكر القلقشندي اسم مؤلف هذا الكتاب وهو غالبا ما يستغني عن ذكر المؤلفين اعتمادا على شهرتهم وشيوع مؤلفاتهم، وهو لابن فضل الله العمري صاحب كتاب التعريف الذي تحدثنا عنه في المقال السابق طبع في مصر بعناية دار الكتب المصرية ج 1 ص 122.
(7) صبح الأعشى ج 1 ص 123 ـ 124 ـ 125 ـ 126.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here