islamaumaroc

الحضارة المغربية بين الأصالة والاقتباس

  دعوة الحق

58 العدد

1) أصالة الحضارة في الطبيعة البشرية :
 هناك خاصتان ثابتتان للإنسان منذ أن خلق الإنسان، أولى هاتين الخاصتين هي قدرة الإنسان الفطرية على التعقل والتفكير وإعمال النظر، وترتيب العمليات الفكرية ثم الاستنتاج ثم الاستفادة في الحياة العملية من هذا الاستنتاج العقلي الناشئ عن المقارنات الذهنية.
وتأصل هذه الخاصة، خاصة التفكير، في الإنسان هو الذي يجعلها تتيقظ وتنمو في حقلها الاجتماعي بمجرد استعمالها بعد أن حيل بينها وبين هذا الاستعمال لأسباب قسرية، كما ثبت ذلك في الحالات التي أثبتها المجربون الاجتماعيون على أطفال الإنسان الذين قدر لهم أن يعيشوا زمنا ما بين الذئاب وأطفال الذئاب، وكما ثبت ذلك في حالات الشعوب التي أصبحت متطورة خلاقة منشئة مخترعة، معطية وآخذة طامحة طامعة بعد أن زال عنها التحدي الإنساني الداخلي والخارجي الذي عطل فيها طاقات التفكير والعمل المتأصلين فيها. وتأصل خاصة التعقل والتفكير في الإنسان كذلك هو الذي جعل أولئك الذين يسيئون استعمال عقولهم عن عمد بعد تهييئ الوسائل لاستعمالها النافع يعيرون في الأسلوب القرآني بأنهم سفهوا حقيقتهم الإنسانية ورضوا لها الانحراف عن طبيعتها المكرمة وأصبحوا أحط منزلة من الحيوانات التي لم تمنحها هذه الهبة العقلية بالطبيعة (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
وثاني هاتين الخاصتين في بني الإنسان هي خاصة التعلم والتعليم والتقليد والاقتباس والإفادة والاستفادة ولعل تأصل خاصة التعلم والنقل في الطبيعة البشرية هو حكمة الله في أن أخرج أطفال الإنسان وهم لا يعلمون ما تعلمه صغار الحيوانات من جلب المنافع ودفع المضار، إرادة لأن يتحقق نمو الحياة الإنسانية واطرادها بالتعلم والاقتداء لا بالغريزة والطبع، ومن ثم كانت العائلة الإنسانية المكونة من الوالدين تشكل في نوعنا البشري ـ كما يقول كوردون تشايلد ـ اجتماعا أكثر دواما منه في الأنواع التي يصل صغارها إلى درجة النضوج بسرعة أكثر.
وبهاتين الخاصتين خاصة التفكير وخاصة التعلم اختص الإنسان أن يكون الحيوان الاجتماعي كما عبر عنه بذلك فيلسوف الإغريق أرسطو، وإذا كان الإنسان اجتماعيا بالطبع كان مدنيا بالطبع، يقول جلبرت هايت في كتابه (العقل غير المغلوب) « وأنت تسمع بعض الناس يقولون في هذه الأيام إن نشوب الحرب التالية خليق بأن يقضي على الحضارة، وقد يعني هذا نهاية عصر من عصور الحضارة، وقد نصير نحن أو من يبقى حيا منا أو ذريتنا من بعدنا متوحشين مرة أخرى، زمنا ما ولكن ما دامت كرة الأرض تصلح دارا للأحياء وما دام مخ الإنسان الذي لا يزيد وزنه على 1417 غراما هو هو، الأداة العجيبة للاكتشاف والاختراع والملاءمة فإنا سنبقى قادرين على أن نعيد بناء الحضارة بل سنلقى أنفسنا مسوقين إلى إعادة بنائها» ويقول: «ولن تجد بين الأحياء جماعة سوى جماعة البشر، يستطيع أفرادها حقا أن يتعلموا ويتذكروا ويفكروا تفكيرا مبدعا متخطين حدود الجماعة الواحدة ومتعلمين» وما عبر عنه جلبيرت هايت بعباراته هذه من تأصل التحضر في الطبيعة البشرية ما دام من خصائصها التعقل والتعلم هو الثابت ثبوت الحقائق في علم التاريخ الطبيعي، وعلم السلالات البشرية، فكما أثبت التاريخ الطبيعي أن تعضي الجسم يتطور وينمو ويزداد تكاملا بدافع الفرض الذي تفرضه الأحوال الخارجية، وما تستلزمه طبيعة الحياة من دقة وإتقان في قيام الجسم بوظائفه الملائمة لهذه الأحوال واستغلالها، كذلك أثبتت الأنثروبولوجيا الاجتماعية للجماعات البشرية أنها بطبيعة جهادها في سبيل البقاء والمحافظة على النفس من طبيعتها أن تخترع وتستنبط وتنقل عن غيرها بالمحاكاة والتقليد والتعلم من الوسائل والأدوات ما يجعلها قادرة على الملاءمة بين حياتها والقوى المحيطة بها، وأن استطراد هذه الملاءمات أو تكاثرها ونموها وتنوعها بحسب ما تدعو إليه حاجة الزمان والمكان هي ما يعني بالتطور والتحضر، والترقي والتمدن، ولقد كانت القصة التي كتبها فيلسوفنا المغربي ابن طفيل شرحا علميا واعيا لمعنى التحضر الطبيعي في بني الإنسان، ولقد كان العنوان الذي وضعه لهذه القصة (حي ابن يقظان) تعبيرا علميا دقيقا عن معنى الحياة واليقظة في بني الإنسان، على أن الآية الكريمة التي نادت بني البشر قائلة: (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، تعني كل ما قال القائلون من قبل ومن بعد عن تأصل الحضارة في بني الإنسان، فتعارف الإنسان لا يعني شيئا إن لم يعن تعارفه بالنفع والانتفاع، والتعاون والتساند والإفادة والاستفادة فيما أنشأته وتنشئه قبائله وشعوبه من وسائل الرقي والتحضر، وذلك ما عناه بالفعل في مختلف أطوار حياته التاريخية، ومن هنا كان المحققون من أهل العلم بالمدنيات وتاريخ المدنيات صادقين كل الصدق عند ما أصبحوا يرون أن كلمة « همجي » أو متوحش أصبحت غير ذات موضوع في الحديث عن الإنسان، يقول العلامة ديورانت في كتابه (قصة الحضارة): « الهمجي هو أيضا متمدن بمعنى هام من معانى المدنية لأنه يعنى بنقل تراث القبيلة إلى أبنائه، وما تراث القبيلة إلا مجموعات الأنظمة والعادات الاقتصادية والسياسية والعقلية والخلقية التي هذبتها أثناء جهادها في سبيل الاحتفاظ بحياتها على هذه الأرض والاستمتاع بتلك الحياة، ومن المستحيل في هذا الصدد أن نلتزم حدود العلم، لأننا حين نطلق على غيرنا من الناس اسم الهمج أو المتوحشين فقد لا نعبر بهذه الألفاظ عن حقيقة موضوعية قائمة.
التحضر إذن متأصل في الطبيعة البشرية والحضارة إذن ليست وليدة عصر دون عصر، ولا تركة شعب دون شعب، بل هي تركة موروثة ساهم فيها كل أبناء البشر بالإبداع والاقتباس منذ عهود إنسان ما قبل التاريخ حتى آخر عهد الإنسان من بعد التاريخ.

2) أصالة الحضارة المغربية :
والمغرب كشعب إنساني له من الاستعدادات الفكرية ما لسائر الشعوب التي يقتسم معها الحياة على وجه هذه الأرض، من الطبيعي أن يتثقف وأن يتحضر، وأن يترقى، وإن يبتدع من وسائل الترقي والتحضر ما تدعو إليه طبيعته الإنسانية الحية المتطورة، وهو من جهة أخرى كشعب اجتماعي له من غريزة الاجتماع ما لغيره من شعوب الأرض، ومن الطبيعي أن يتفاعل ويتعاون مع غيره من باقي هذه الشعوب الإنسانية، من الطبيعي أن يأخذ وأن يعطي، وأن يقتبس ما سبقه إليه غيره من المخترعات والمنشئات التي تساعده على حياة التطور والرقي، وهو تاريخنا كشعب إفريقي سكن هذه القارة الإفريقية التي تفاعلت مع غيرها من القارات الأخرى في غابر الأزمان، ولا تزال تتفاعل معها في حاضر الأزمان، من الطبيعي أن يتفاعل مع سكان هذه القارة، ومع غير سكان هذه القارة، فيما أنشأت وما اخترعت، وما أعطت وما أخذت، وما علمت وما تعلمت، من وسائل الحياة ورقي الحياة هو تاريخنا قد أبدع حضارة قبل أن يقتبس من حضارة، وأعطى من حضارته قبل أن ينقل من حضارة الغير، فالساحل المغربي على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الذي أثبت التاريخ أنه كان طريقا للمدنيات القديمة ـ كما لا يزال طريقا للمدنيات الحديثة ـ هو ذلك الساحل المغربي الذي نقل لنا العلامة الإنجليزي ولز في كتابه مختصر التاريخ عن المؤرخ الإسباني الأثري أبرماير أنه كان الطريق الوحيد الذي نقل منه إنسان إفريقيا القديم الثقافة القابسية إلى جنوب إسبانيا القديمة كما يقول ديوانت، ولئن كان الشك لا يزال لم يرتفع في كون الحضارة المصرية أصل للحضارة البربرية أو فرع عنها أو معاصرة لها متفاعلة معها، فإن مما لا شك فيه أن المدينة البربرية كانت محققة الوجود على الأرض المغربية قبل أن يأتي هذه الأرض الفينيقيون بما لهم من حضارة ومدنية، يقول تيراس في كتابه (تاريخ المغرب) (أنه بالرغم من كل التخريب والبلاء الذي تعرض له البرابرة وبالرغم من جميع إمدادات السكان الأجانب التي استلمتها إفريقيا الشمالية في أزمنة التاريخ فإن الإنسان يجد مدينة أصلية مؤسسة سابقة على التأثيرات القرطاجنية والفينيقية) وبحكم القانون التاريخي الذي يدعوه البعض (استطارة الحضارة) ويدعوه آخرون « هجرة الأفكار » بحكم هذا القانون الذي يبني عليه أليوث رأيه في نشوه ما على الأرض من حضارات والذي يعترف المؤرخ الإنجليزي توينبي بتأثيره العام ولو أنه ينكره بتاريخه الخاص الذي يريده له اليوث حين يزعم أن الحضارة استطارت إلى كل العالم من مكان خاص هو أرض مصر القديمة نستطيع أن نثبت أنه مما لا شك فيه أن قوما معاصرين لهذه الحضارة البربرية المتأصلة قد طارت إليهم، وقد يكون من بعض هؤلاء الأقوام المصريون القدماء الذين يريد اليوت سميت أن يجعل حضارتهم مصدر كل حضارات العالم ولعل هذا ما يعنيه خوليو حين يقول في محاضرته التي ألقاها في مدينة تطوان 1947 : (الشمال الإفريقي ثقافات حامية شديدة القربى مع ثقافات غيرها مما تبقى من مقاطعة هيسيريا) وإذا كانت النقوش والكتابات المصرية قد احتويت ـ كما يقول الأستاذ عثمان في كتيبه اللطيف عن البربر ـ على ذكر البربر، وإن هذا الذكر لم يقتصر على ذكر أسماء القبائل وعاداتهم، بل تعدى ذلك إلى دراسة الخصائص البشرية والعادات والأخلاق، وما يتعلق بحضارة البربر بوجه عام) فإن هذا يعني أنه كانت للبربر حضارة استحقت من جيرانهم ومعاصريهم المصريين أن يدونوها بما تيسر لهم من وسائل التدوين.
وإذا كان الدكتور كوستاف لوبون يقول في كتابه الحضارة المصرية عن نزوح المصريين الأولين إلى وادي النيل : (إنه لا شبهة في أن أول الوافدين وجدوا على ضفاف النيل آثارا ضعيفة نادرة لما ترك أهل إفريقيا السوداء الذين كانوا لا يصلون إلى البحر إلا بطريق النيل) فلم لا يجوز ـ بناء على نظرية تولد الحضارات ـ أن تكون الحضارة المصرية إذن متولدة عن هذه الآثار الضعيفة النادرة وناشئة عنها، ويكون المصريون حينئذ إنما أتموا فقط ما عجزت عنه القبائل السودانية التي يعترف الدكتور نفشه بأنها تركت على أرض مصر آثار العصر الحجري التي لا تزال توجد أحيانا تحت طبقات الرمال، على أن ضرورة الاحتياج القسرية التي عزا إليها الدكتور كوستاف لوبون اختصاص الحضارة المصرية بكونها الحضارة الوحيدة التي نشأت فجأة من غير سابق أخذ، هي نفسها الصفة الإنسانية العامة التي يعبر عنها بالقول المأثور (الحاجة أم الاختراع) لذلك لا يمكن أن تكون هذه الصفة العامة سببا في نشأة الحضارة المصرية نشأة مستقلة دون غيرها من الحضارات، خصوصا وهذه الضرورة هي نفسها الحجة التي يستند إليها أولئك الذين يريدون أن يثبتوا ما للإبداع الأصلي من أثر ثابت في إنشاء الحضارات الإنسانية في مختلف الأزمنة والأمكنة، ويرفضون عن حق الرأي القائل بأن جميع الحضارات البشرية قديمها وحديثها، ماضيها وآتيها كلها متأصلة من حضارة واحدة  هي حضارة قدماء المصريين أو الحضارة الغربية الحديثة، يقول أرنولد توينبي في كتابه « دراسة التاريخ » : « إننا نسلم الآن بأن استطارة الحضارة هي بلا ريب وسيلة انتقلت بفضلها كثير من الأساليب والمؤهلات والنظم والآراء من مجتمع إلى آخر .. ولكل .. مع إعطاء الاستطارة حقها، فمن الضروري إبراز الدور الذي قام به الإبداع الأصلي في التاريخ البشري، وينقل لنا توينبي للتدليل على صحة هذا الرأي عن فريمان من كتابه : « النظم السياسية المقارنة » قوله في الموضوع : « ليس من شك في أن كثيرا من أهم المخترعات الأساسية للحياة المتمدنة قد اخترع مرة وأخرى في عصر وفي بلاد بعيدة عن بعضها، وذلك لأن أمما مختلفة كانت قد وصلت إلى مراحل خاصة من التقدم الاجتماعي التي تدعو الحاجة فيها لأول مرة إلى هذه المخترعات ».
بناء على هذه الحقائق العلمية يكون من حقنا حينئذ أن ننتظر ما عسى أن تحققه الدراسات الأثرية في المستقبل عما إذا كان رسم الكبش البربري الذي يشابه وجهه تمثال الإلاه المصري القديم عمون رع ـ مقتبسا من رسم هذا الإلاه، أو أصلا له، أو أن كليهما رسم، رسما إبداعيا بعيدا عن كون أحدهما أصلا للآخر، كل ذلك ممكن في الحقائق التاريخية، وكل ذلك ممكن في الطبيعة البشرية، ولعل تقدم الاكتشافات الأثرية السائرة  التي تكشف في كثير من الأحيان وفي كثير من الأماكن عكس ما كان يظنه التاريخ المكتوب بالأمس حقائق فإذا هو أوهام وأباطيل ـ كما كشفت عن باطل ما زعمه الأحباش من قبل من أنهم أول من نقل المدينة إلى أرض وادي النيل ـ لعل هذه الاكتشافات أخذت تلقي بعض الضوء على مكان الحضارة المغربية من التأصل أو الاقتباس، فالأستاذ عثمان الكعاك بعد أن يقول لنا في كتابه الجامع عن البربر : « أن الأمر يحتاج إلى زيادة تنقيب لنعلم بالضبط ما ذا كانت حضارة البربر في تلك العصور » يعود فيستثني ويقول : « على أن الحفريات الأولى التي أجريت على حدود برقة  في النخوم الليبية تدل على أن الحضارة الأولى مصدرها البربر وانتشرت منهم إلى من داناهم من المصريين »، ومهما يكن من الأمر فالحقيقة الثابتة هي أنه ليس كل ما وجد ويوجد على الأرض من حضارات بشرية مبتدعا ابتداعيا أصليا اقتباسا فرعيا، وإنما في الحضارات جميعها أشياء مقتبسة وقد أفصح عن هذه الحقيقة المستشرق الألماني جورج يعقوب في كتابه « أثر الشرق في الغرب » حين قال : « قد تكون هذه الثقافات متشابهة بالرغم من قيامها مستقلة، وهي في كل إقليم بعيدة عن التأثر بغيرها، قال : وليس معنى هذا أن شعبا لم يأخذ عن غيره شيئا من ثقافته أو مخترعاته » وكذلك الحضارة المغربية كانت وهي الآن وستكون حضارة أصلية فيها المبتدع وفيها المقتبس.

3) المغرب وحدة حضرية إسلامية :
يقتضينا تسلسل البحث في الحضارة المغربية وأسسها الأصلية أن نواجه الآن التساؤلات التالية : ما هو النوع الحضري الذي تنتسب إليه الحضارة المغربية وأسسها الأصلية أن نواجه الآن التساؤلات التالية : ما هو النوع الحضري الذي تنتسب إليه الحضارة المغربية اليوم؟ وما هي التفاعلات التي تعرضت لها هذه الحضارة في مختلف أطوارها تأثيرا وتأثرا؟ وما هي التيارات الدخيلة التي تتعرض لها اليوم في هذه الحقبة من مجرى التاريخ البشري؟ وهل من طبيعتنا أن نقبل هذه المؤثرات المادية والمعنوية منها على علاتها؟ أو أن نرفضها جميعها؟ وأن نقبل منها دون البعض؟
وللخوض في موضوع ما يقتضيه الجواب عن هذه التساؤلات يوجب علينا واقع التاريخ الذي عاشته الأمة المغربية أكثر من ثلاثة عشر قرنا، أن نتخطى الفترات التاريخية التي قدر فيها لأنسان هذه الأرض أن يستقبل وقادة الفينيقيين والقرطاجيين والونداليين والرومان، من الأمم التي احتلت هذه الأرض، وتفاعلت مع سكانها الأصليين، وأنشأت ما أنشأت من أنواع التحضر المادي على مجموع القسم الشمالي من القارة الإفريقية مما لا تزال بعض آثاره المادية تكشف تحت رمال وجبال وأودية هذه الأرض، ذلك لأنه مهما يكن من وجوب الإقرار ببعض الآثار والمجهودات الحضرية التي بذلها هؤلاء الأقوام أثناء تداولهم حكم هذه البلاد، فإن مما لا شك فيه أن هذه المجهودات الحضرية لم تستطع ولم يقدر لها من الوراثة الروحية التي هي أسس الحضارات وسر بقائها ما يضمن لها البقاء والخلود، ويجعلها من الحضارات الحية الخالدة ذوات الأعقاب والمواليد، لنتخط إذن رقاب هذه الفترات التاريخية لنقول أن الحضارة الحية التي ينتسب إليها المغرب اليوم هي الحضارة الإسلامية التي صنعت تاريخه، وأثبتت وجوده كشعب، مثل سائر الشعوب الإسلامية التي دانت للإسلام وانطوت تحت عقيدته ونظمه وقوانينه.
وقد يكون من المرغوب فيه الآن بالنسبة للموضوع هو تأثير التيارات وردود الأفعال عن التيارات أن نقبل التعبير الذي عبر به توينبي عن نشأة الحضارة الإسلامية التي ينتسب إليها المغرب في منشئها الأول من الجزيرة العربية حيث قال : « إنها رد فعل شبه الجزيرة العربية على هيأة تولد طاقة مضادة تصد تلك التأثيرات الثقافية الدخيلة على بلاد العرب ». لأننا نعرف أن رد الفعل هذا هو سنة الله في خلقه عند ما يريد أن يبدل أمة بأخرى في خلافة الأرض، أو ينسخ حضارة ويأتي بخير منها حينما تصبح أشباح المبيدات وإخلاط الطفيليات لها العلية على الأخلاق المرضية والعناصر المخصبة في الأمة الذاهبة، والحضارة المنسوخة، ولأننا نعرف أن هذه التأثيرات الثقافية التي كانت البعثة المحمدية رد فعل لها ـ على تعبير المؤرخ توينبي ـ لم تكن إبان هذه البعثة سوى ذلك الانحطاط الروحي والترف المادي الذي انغمس فيه إنسان ذلك العصر في الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية وأصبح معه غير مقبول البقاء في القوامة على أرض الله في نظام العدالة الإلاهية، وقد عبر النبي (ص) عن رفض الله لإنسان ذلك العصر حين قال : « إن الله نظرا إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب » وإذا كان مقام الاستشهاد أتقن وأعقد في موطن التدليل على سمو حضارة وإثبات الفصل لقيمها الخالدة فلندع توبينبي يعبر عن خلق الحضارة الإسلامية لمظهر التوحيد في الفكرة الدينية ومظهر النظام والقانون في الجزيرة العربية وغير الجزيرة العربية، ليعلم الجادون لفضل هذه الحضارة من أبنائها إلى أي نوع أنواع الحضارة تنتسب شعوبهم في لسان أحد أفذاذ العلم، وعباقرة التاريخ في العالم الغربي حين يقول : « ولقد كرس محمد حياته لتحقيق رسالته في كفالة هذين المظهرين في البيئة الاجتماعية العربية، وتم ذلك فعلا بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معا في صورة عربية فغذت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جاهلة إلى أمة متحضرة بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطلس إلى شواطئ السهب الأوراسي ». هكذا أثبت هذا المؤرخ العربي فضل الحضارة الإسلامية التي عدها بتاقب فكره في عداد الحضارات الحية، على حين عدها الجاهلون بها من أبنائها في عداد الحضارات الميتة، وأرادوا أن يلبسوا شعوبهم المنتسبة لها لباس الحضارة الغربية التي قال عنها وعن مبلغ تأثيرها في الحضارات المعاصرة لها هذا المؤرخ نفسه وهو أحد أبنائها العارفين بها وبأسرارها ما يلي : « أن الحضارات ـ رغما عن الأراء الفاسدة للمادية الحديثة ـ لم يشيد بمثل هذه الأحجار ولا تدخل في بنائها ماكينات الحياكة والتبغ والبنادق بل ولا حتى الحروف الهجائية والأعداد، فإن أيسر شيء في عالم التبادل التجاري تصدير أسلوب فني غربي جديد وأنه لا صعب صعوبة لا نهائية على الشاعر أو القديس الغربي أن يشعل في نفس غير غربية الشعلة الروحية المتقدة في نفسه هو ».

4) تأثر الحضارة الإسلامية بالمؤثرات الحضرية الأخرى :
ولئن كان من المفروض بالنسبة لما تحتويه حقائق الديانة الإسلامية وقوانين أصولها العقدية أن نقر ذلك الزعم الذي زعمه فون كريمر من تأثر أصول الإسلام العقدية وطقوسه الدينية بالمؤثرات المازدكية واليهودية والنصرانية فإن من غير المقبول تاريخيا أن ننكر تأثر الحضارة الإسلامية بأصول الفكر والعلم والفلسفة والحكمة التي كانت تحتويها حضارة الأمم التي ورثتها الأمة الإسلامية، لأننا نعرف أن ذلك من سنة التطور أنني هي سنة الله غير المبدلة، ولأننا نعرف أن العلم بكلي نوعيه الروحي والعقلي الذي كان أساس البناء في الحضارة الإسلامية كما كان أساس البناء في كل حضارة لاحقة أو سابقة ليس ملكا لأمة دون أخرى، ولا لعصر دون عصر، وإنما هو عطاء الله المشاع لإنسان هذه الأرض، منذ أن علمه بالقلم ما لم يعلم، ورضيه أن يكون خليفته في هذه الأرض، ومن ثم جاء الحديث عن رسول الله للتعبير عن هذه الشيوعية حين قال : « الحكمة الحكيمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها ». ولقد نقل المسلمون الأولون فلسفة يونان وحكمة الفرس، ودرسوها وفهموها وهضموها، وميزوا صحيحها من فاسدها، بناء على ما تقتضيه قواعد الإسلام وأصول الفكر فيه، فضمت هذه العلوم العقلية إلى علوم الإسلام وأصول الفكر فيه، فضمت هذه العلوم العقلية إلى علوم الإسلام النقلية، وتكون من ذلك أسس الحضارة الإسلامية النقلية، وتكون من ذلك أسس الحضارة الإسلامية التي أصبحت قانون الحياة الاجتماعية في كل بقعة حلها الإسلام في الشرق وفي الغرب.
5) والأصل تتبعه الفروع :
وكما كانت فلسفة أرسطو، وطب أبو قراط وهندسة أفليدس تتناول بالنقل والنقد والشرح والتعليق والتفهم والتفهيم في كل من بغداد ودمشق والقاهرة وسمرقند، على يد الكندي وابن سينا والفارابي والغوالي ومن على شاكلتهم من فلاسفة المشرق الإسلامي كذلك كانت هذه العلوم العقلية المقتبسة تتناول بالنقل والشرح والتعليق والدرس، والاختصار في كل من قرطبة وغرناطة والقيروان وفاس ومراكش على يد ابن رشد وابن طفيل وابن زهر ومن على شاكلتهم من فلاسفة المغرب الإسلامي، وكما كان خلفاء الإسلام في المشرق يعتنون بأهل العلم والفسفة والطلب والنجوم يجلونهم أكبر الأجلال ويكرمونهم أعظم التكريم ويعقدون معهم مجالس العلم للمباحثة والمشاطرة وهم بذلك العلم عالمون وفيه مشاركون كذلك كان خلفاء الإسلام في المغرب، وقد كان الخليفتان المغربيان في الدولة الموحدية يوسف بن عبد المومن وابنه يعقوب المنصور مضرب الأمثال في الاعتناء بالعلم وإجلال أهله، وقد تحقق الأول منهما بنفسه بكثير من أصول العلم النقلي والعقلي، وأقاما الاثنان معا سوقا رائجة للفلسفة والفلاسفة والطب والأطباء وأحاطا رحال هذه العلوم كغيرهم بالعناية والإجلال والعطاء الواسع، ويكفي في هذا المقام أن ننصت للمراكشي متحدثا في كتابه المعجب عن مقام الفيلسوف بن طفيل لدى أبي يعقوب قائلا : « ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء وينبهه عليهم ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم ».
حقا إن المغرب كان ولا يزال وسيبقى وحدة حضرية إسلامية، وقد راعى في مختلف أطوار تاريخه حق الرعاية حقوق هذه الحضارة، رعاها في فتوحاته الإسلامية، ورعاها في منشئاته وتنظيماته الإدارية والعمرانية، ورعاها في علاقاته مع الدول الإسلامية وغير الإسلامية، ورعاها في العناية بمنقولاتها ومقتبساتها كما رعاها في حفظ أصولها وعقائدها والأصل تتبعه الفروع.

6) المغرب رسول الحضارة الإسلامية إلى الغرب :
وعند ما حل الإسلام بأصوله وعقائده ونظمه وقوانينه الحضرية على شواطئ الأطلسي والمتوسط ببلادنا هذه كان اعتناقنا له وتمكنه من نفوسنا بالمثابة التي أصبحنا معها غيورين عليه كما أصبحنا حريصين على أن نتولى نقله إلى غيرنا من بني البشر المستقرين على غير هذه الأرض، فكما كان المغرب رسول الحضارة القابسية إلى أروبا الغربية في عصور ما قبل التاريخ فكذلك كان المغرب رسول الحضارة الإسلامية إلى الغرب يوم أن عبر طارق بحر الزقاق ناقلا بذرة هذه الحضارة من الأراضي المغربية الإسلامية إلى الأراضي الإسبانية من جنوب أروبا وفي هذه الأرض من جنوب أروبا عمرت هذه الحضارة ثمانية قرون كاملة، ومن هذه الأرض من جنوب أروبا انتقلت هذه الحضارة إلى كل أصقاع أوربا حيث كانت هجرتها من أكبر العوامل المنشئة للمدينة الغربية الحالية، ولقد كان من أنصاف الدكتور كوستاف لوبون للإنسانية ولحضارتنا الإسلامية أنه تمنى أن لو عم الإسلام الذي نقله المغاربة إلى إسبانيا إذ ذاك كل أقطار أروبا وأنقذها كما أنقذ إسبانيا من ظلمات القرون الوسطى كما قال، ولقد عقد هذا العلامة المنصف من كتابه « حضارة العرب » فصلا طويلا تحدث فيه عن مبلغ الفضل الذي تدين به الحضارة الغربية الحاضرة للحضارة الأندلسية في جميع ميادين مختلف العلوم والفنون التي نقلها الغربيون عن لغة العرب يوم ذاك، ثم ختم كلامه متحدثا عن المغاربة الذين كانوا واسطة لنقل هذه الحضارة إلى إسبانيا قائلا : « إن العرب مدنوا البرابرة الذين فضوا على دولة الرومان، وأنهم فتحوا لأوربا باب المعارف العلمية والأدبية والفلسفية التي كانت تجهلها.
7) المغرب والحضارة الغربية :
وكما أن الحضارة الغربية الحالية اعتمدت إبان نهضتها في القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين على عاملي الأحياء والاقتباس، وإحياء تراثها الهيليني الروماني القديم والاقتباس من حضارة أخرى كان لها تأثيرها الفعال في استمرار الحركة الإنسانية الذاتية في سيرها التحضري، هي الحضارة الإسلامية، فكذلك وحدو القدة بالقدة، اعتمدت الحضارة الإسلامية في بعثها الجديد في القرن التاسع عشر الميلادي على إحياء تراثها الإسلامي الأصيل، وعلى الاقتباس من حضارة جديدة اكتملت نموها، وأصبح لها من الحلول والقوة على شعوب الأرض القاصرة ما جعلها محل اعتبار للاقتباس والتقليد من الناهضين القاصرين المستيقظين من غفواتهم السابقة، هذه الحضارة الجديدة هي الحضارة الغربية التي غزت بجيوشها وأساطيلها وفنونها أراضي المسلمين وغير المسلمين، وأصبح لها بحكم الغلبة والسيطرة والعشرة والتداخل من التأثير على حيوياتهم الفردية والجماعية المادية والروحية ما هز أركان مجتمعاتهم هزا في الجوهر وفي العرض.
ولقد حاول المغرب ـ كما حاولت كثير من الشعوب الإسلامية ـ أن يقتبس من علوم الغرب وفنونه ما يتقي به شر سيطرته قبل أن يجلب عليه بحيله ورجله. فكما أرسلت مصر وغير مصر من شعوب آسيا والشرق بعثاتها الطلابية إلى كثير من مختلف العواصم الأروبية لتلقي الفنون والعلوم الجديدة كذلك أرسل المغرب في عهد السلطان الحسن الأول كثيرا من البعثات الطلابية إلى كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا لتلقي علوم الغرب وفنونه، غير أن أمر الله كان قدرا مقدورا فلقد شاءت سنة الله التي ليس لها تبديل، أن تذيقنا من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلنا نرجع، ولقد كانت الجملة القدرية التي أثبتها السلطان الحسن الأول في إحدى رسائله إلى الحكومة الإيطالية في موضوع الامتناع عن شراء بعض السفن الحربية قائلا : « ليس للعبد اختيار مع مولاه » كانت هذه الجملة معبرة أحسن تعبير عن كون الأحوال في المغرب إذ ذاك لم تساعد هذا الملك على ما أراده لبلاده من يقظة ونهوض تقية شر الأطماع الاستعمارية التي فضرت فاها لابتلاعه يوم ذاك، فلقد كان وعدا مفعولا أن تجوس جيوش فرنسا خلال هذه الديار،  ولقد كان من الطبيعي أن تحل المدينة بحلول فرنسا هذه الديار، كما كان من الطبيعي أن تجلب هذه المدينة معها أكثر من مذهب. وأكثر من تيار فكري، وأكثر من عادة غريبة عن تقاليدنا وأخلاقنا، ولقد كان من الطبيعي كذلك أن يكون في بعض الأفكار وبعض هذه العادات وبعض هذه التقاليد الجديدة ما هو عنصر أساسي لإقامة كل حضارة من الحضارات الإنسانية المنشأة على هذه الأرض في مختلف الأمكان، وبعضها الآخر طفيليات تلازم الحضارات كما تلازم الميكروبات الأجسام الحية، بعض هذه العادات وبعض هذه التيارات الفكرية قد أتت به هذه المدنية إلى هذه الديار بطريقة العفو والتلقائية على أساس أنه طبع من طبائعها، وتقليد من تقاليدها يرحل معها حيث رحلت، ويحل معها حيث حلت، وبعضها الآخر قد حضر تحضيرا، وأعد إعدادا قصديا من قبل ساسة هذه الحضارة وحكامها ومفكريها على أساس أن يكون « أفيونا » تقضي الحكمة الاستعمارية أن تطعم به عقلية إنسان هذه الديار المغلوب على أمره، ليصبح ذلك الإنسان يريده إنسان هذه الحضارة أن يكون، على كيفه، وعلى حسب ما تقتضيه أغراضه وطبيعته الغالبة.
ونحن الآن تجاه هذه الأفكار جميعها وبعد أن حلت ديارنا هذه المدينة التي أتت بها، وقضى الأقوام الذين أتوا بها بين ظهرانينا كسادة حاكمين، وساسة مسيطرين، ما شاء الله أن يفضوا بهذه الصفة من السنوات، ولا يزالون الآن يعيشون بين ظهرانينا كمدربين ومعلمين نتلقى عنهم وبلغتهم ما قضت ظروف الاحتلال والحاجة أن نتلقى، نحن بهذه الصفة ـ سواء من حيث تأصل طبيعة الأخذ والمحاكاة، فالتقليد في الطبيعة البشرية أو من حيث نفوذ الواقع الذي يقتضيه تطور مجريات الأحوال عند مثل هذا التدخل، وهذا التلاحم بين جماعات وأفراد أو شعوب من ذوي حضرات مختلفة ـ أقول من حيث هذه الاعتبارات كلها لم يبق لنا أي اختيار في رفض مبدأ الأخذ والاقتباس من بعض هذه العادات والتيارات الفكرية. غير أن هناك حقيقة أثبتتها السنن الاجتماعية للهيئة البشرية إثبات حقيقة الإبداع والاقتباس فيها هذه الحقيقة الاجتماعية الثابتة، هي أن من طبع التقاليد الموروثة أن تستعصي عن التخلخل والتغير حتى تثبت التجربة أن التقاليد التي تريد أن تنسخها هي أقيد لحفظ الهيئة الاجتماعية، ولتطور الحضارات وترقيها، ولقد أشار العلامة الإنجليزي كارل ببرسون إلى ثبوت هذه الصفة للجماعات البشرية حين قال : « إن من أقوى المؤثرات التي تحفظ الثبات الاجتماعي وتحول دون تخلخله تلك الصفة التي نبغضها، صفة الجمود على القديم، لا بل نقول بأن العداء الصارخ الذي تقاتل به الجماعات الإنسانية كل الفكرات الجديدة لمن أخص تلك المؤثرات، وإن هذه الصفات بمثابة الكور المتلظية نبراته والذي بدونه لا نستطيع أن نفصل بين المعدن الصحيح والفضلات الزائفة، وهي التي تحمي الجسم الاجتماعي من أن يترك معرضا لتغيرات تجريبية فجائية قد تكون غير مفيدة آنا أو بالغة أقصى الضرر آنا آخر ». ورسوخ هذه الصفة في الكيان الاجتماعي الإنساني هي التي حملت أحد رجال الدين والعلم في بريطانيا هو الدكتور كاربنتر على أن يضع التقاليد المسيحية في مكانتها الراسخة بين التيارات المذهبية التي أتت المذاهب الجديدة في الغرب المسيحي حين يقول : « إنني إذا ما كنت اشتراكيا بدافع من اعتبارات مسيحية فكم أكون غبيا حين أقول أن المسيحية هي الاشتراكية، هذا إلى أن الاشتراكية على مر الأزمان فلا عجب أن ينبثق منه في الغد شيء أفضل من الاشتراكية، وهنا أعاني من ارتباطي بمذهب سياسي أمسى عتيقا بال...
وبالرغم من أن دعاة الثورة في روسيا قد خطوا المذهب الماركسي أساس انقلابهم فإن هذه الحقيقة الثابتة حقيقة احتفاظ الشعوب بتقاليدها ...... هي التي جعلت لينين نبي الاشتراكية في روسيا ... مخاطبا مستمعيه قائلا : « وأعتقد أن واجب الاشتراكيين الروس أن يقوموا بدراسة النظرية الماركسية دراسة مستقلة، لأنها نظرية عامة يمكن أن نطبق في انجلترا مثلا بطريقة تختلف عنها في فرنسا، وفي فرنسا عنها في ألمانيا، ومختلفة عنها في روسيا » . ومن هنا يكون صحيحا ما لاحظه الأستاذ مالك بن نبي عن منبت الأسس الأولى للفكرة الشيوعية حين قال : « إن مؤلفات ماركس وانجلز تخفي في الواقع التكوين الحقيقي للظاهرة الشيوعية، وهذه لا يمكن أن تفسر إذا ما ضربنا صفحا عن الحضارة المسيحية تلك التي تكون عند تحللها سطح التربة الخصيب حيث استمدت الفكرة الماركسية حيويتها ».
نستطيع أن نقول إذن إزاء هذه الأقوال المؤسسة على أحكام مجربة في الحقول الاجتماعية، إن التقاليد المغربية الإسلامية الأصيلة العريقة في مأمن من ضرر أولئك الذين يحاولون أن ينسخوها جملة وهم بأصول النسخ جاهلون، وإنها بطبيعتها غير قابلة للنسخ إلا على أساس سنة الله القائلة : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها » لذلك فعلى الذين يريدون أن يجددوا لهذه الأمة حضارتها أن يعلموا أن في الحضارات قديمها وحديثها أعراضا، وفي الحضارات قديمها وحديثها جواهر، وطبيعة الاقتباس كطبيعة الإبداع في الأمم والجماعات سنة اجتماعية لا مفر منها، غير أن الذين يريدون أن يقتبسوا الجوهر دون العرض أو قبل العرض، هم أولئك الذين أدركوا المعنى الصحيح للسنة الاجتماعية، وأصبحوا يقدرون المسئولية التطورية لمجتمعهم حق قدرها، إنهم في هذه الحالة يفكرون بالعقل الناضج، ويدللون على نضج فكره البناء في نفوسهم ويريدون أن يرفعوا لحضارتهم صرحا أعز وأطول، أما الذين يريدون أن يقتبسوا الأعراض دون الجواهر ويطمعون (الأفايين) دون الفيتامنات،   فذلك دليل على أنهم لم يبلغوا بعد سن الرشد في عهد التطور الصاعد، إننا في الوقت الذي يجب أن .... بأنفسنا أن ننشد مع القطامي قوله :
ومن تكن الحضارة أعجبنه
          فأي رجال بادية ترانا
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here