islamaumaroc

عقيدة القضاء والقدر

  دعوة الحق

58 العدد

إن للعقائد سلطانا على الأعمال البدنية ـ فما يكون في الأعمال من صلاح أو فساد ـ فمرجعه فساد العقيدة وصلاحها ـ ورب عقيدة واحدة تأخذ بأطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى، ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس، ورب أصل من أصول الخير، وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو تبليغ مبدأ يقع فيها الاشتباه على فهم السامع فيلتبس عليه بما ليس من قبيلها وتصادف عنده بعض الصفات الرديئة والاعتقادات الباطلة فيعلق بها عند الاعتقاد شيء مما تصادفه، وفي كلا الحالتين يتغير وجهها ويختلف أثرها، وربما تتبعها عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم، أو على سوء الاستعداد فتنشأ عنها أعمال غير صالحة، والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل، ومن مثل هذا الانحراف في الفهم يقع التحريف والتبديل في بعض أصول الأديان غالبا بل هو علة البدع في كل دين، وكثيرا ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع، وقبائح الأعمال حتى أفضى ممن ابتلاهم الله به إلى الهلاك وبئس المصير.
وهذا يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان، أو عقيدة من العقائد الحق ـ استنادا إلى أعمال بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة.
فتلك عقيدة القضاء والقدر التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية قد كثر فيها لغط المغفلين من الأجانب ـ كالإفرنج ـ وظنوا بها الظنون، وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة، وحكمت فيهم الضعف والضعة، ورموا المسلمين بصفات حاصرين علتها في الاعتقاد بالقدر ـ فقالوا إن المسلمين في فقر وفاقة، وتأخر في القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم، وقد نشأ فيهم فساد الأخلاق ـ كالكلب والخيانة والتحاقد والتباغض وتفرقت كلمتهم، وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة، وغفلوا عما يضربهم وما ينفعهم بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون وكأنهم من حظيرة عجماوات الحيوان يكدون في جهد، ولا ينافسون غيرهم في فضيلة ـ ولكن رضوا بكل عارض واستعدوا لقبول كل حادث، وركنوا إلى السكون في زوايا بيوتهم، يسرحون في مرعاهم، لم يعودون إلى مأواهم ـ امراؤهم في المجموع يقطعون أوقاتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات ـ وعليهم حقوق وواجبات تستغرق في أدائها إعصارهم، ولا يؤدون شيئا منها يصرفون أموالهم سرفا وتبذيرا حتى لا يدخل في حسابها شيء يعود على ملتهم بجدوى ومنفعة.
يتخاذلون ويتنافرون وينيطون المصالح العمومية بمصالحهم الخاصة ـ فشملهم الخوف، وعمهم الجبن والخور ـ وقعدوا عن الحركة وكل ما يلحق بأممهم عزة ومضاء شوكة، مخالفين تعاليم الدين الحنيف بل الذين نحت سلطتهم يتقدمون ويباهونهم بما يكسبون وإذا أصاب قوما من إخوانهم مصيبة، أو عدت عليهم عادية لا تراهم يسعون في تخفيف مصابهم، ولا ينبعثون لمناصرهم وليست لهم جمعيات ملية لا جهرية ولا سرية يكون من مقاصدها إحياء الغيرة، وتنبيه الحمية ومساعدة الضعفاء وحفظ الحق من بغي الأقوياء وتسليط الأجانب، هكذا تسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وزعموا أن لا منشأ لها إلا اعتقادهم بالقضاء والقدر وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية، وحكموا بأن المسلمين لو داموا على هذه العقيدة ـ لن تقوم لهم قائمة، ولن يعتزوا ولن يعيدوا مجدا وينالوا حقا وبالطبع يعجزون عن دفع الضيم والظلم، ولا يزال بهم الضعف فاعلا أفاعيله في نفوسهم راكسا من طباعهم حتى يفضي بهم في النهاية إلى الفناء.
ويعتقد أولئك أنه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبرية ـ القائلين بأن الإنسان مجبور في جميع أفعاله ما يأتي منها وما يذر، وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القدر يرون أنفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح، كيف شاءت، ومتى رسخ في نفوس قوم أنه لا اختيار لهم في قول ولا عمل، ولا حركة ولا سكون، وإنما جميع ذلك بقوة جابرة، وقدرة قاسرة ـ فلا ريت تتعطل قواهم، ويفقدون تمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب وما كان أجدرهم بعدها أن يحالوا من عالم الوجود إلى عالم العدم.
هكذا ظنت طائفة من النصرانية وانتحل مذهبها كثيرون من ضعفاء العقول ـ إنه لظن كاذب وخطأ وأهم وافتراء على الله والمسلمين ـ فقد لا يوجد اليوم مسلم يدين بالحنيفة السمحة سنيا كان أو شيعيا أو زيديا أو وهابيا أو خارجيا يرى مذهب الجبر المحض، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزءا اختياريا في أعمالهم يدعى الكسب وهو مناط الثواب والعقاب عند الجميع، وإنهم محاسبون بما وهبهم الله من هذا الجزء الاختياري ومطالبون بامتثال الأوامر، واجتناب جميع النواهي، وإن هذا النوع من الاختبار هو مورد التكليف الشرعي وبه تتم الحكمة والعدل.
ومعلوم أنه كان بين المسلمين طائفة تسمى الجبرية ـ ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل والمضغ وبين أن يتحرك برعدة البرد وزمهرير قره ومذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة، نعم انقرض أصحاب هذا المذهب أواخر القرن الرابع الهجري ولم يبق لهم أثر.
وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد كما ظنه الواهمون من ضعفاء الفكر.
إن الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع بل نرشد إليه الفطرة، ويسهل على كل من له فكر سليم أن يلتفت إلى كل حادث له سبب يقارنه في الزمان، وإنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه، ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها، وإن لكان منها مدخلا ظاهرا فيما بعده بتقدير العزيز العليم، وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة، وليست الإرادة إلا أثرا من آثار الإدراك، والإدراك انفعال النفس بما يعرض على الحواس وشعورها بما أودع في الفطرة من الحاجات فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله فضلا عن عاقل، وإن مبدأ هذه الأسباب التي ترى في الظاهر مؤثرة إنما هي بيد مدبر الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته وجعل كل حادث تابعا لشبهه كأنه جزء له خصوصا في العالم الإنساني.
ولو فرض أن هناك جاهلا ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع العالم فليس في إمكانه أن يتملص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية، والتأثيرات الدهرية في الإرادات البشرية فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنها الله في خلقه؟
هذه حقيقة يعترف بها طلاب الحقائق فضلا عن الواصلين من أبناء الثقافة، وأن بعضا من حكماء الأجانب وعلماء الساعة منهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء، وأطالوا البيان في إثباتها.
ولا نذهب بعيدا ما دام للتاريخ علم عني بالبحث فيه العلماء من كل أمة باحثين عن سير الأمم في صعودها وهبوطها وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان وما يتبع ذلك كله من نشأ الأمم وتكون الدول أو فناء بعضها واندراس أثره، هذا فن التاريخ الذي عد من أجل الفنون الأدبية وأكبرها فائدة بني البحث فيه على الاعتقاد بالقضاء والقدر والإذعان بأن قوى البشر في فيضة مدبر للكائنات ومصرف للحادث ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع ولا ضعف قوي.
ولا انهدم مجد، ولا تقوض سلطان.
 الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا نجرد عن شناعة الجبر تتبعه صفات الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة، ويبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود، وتنشق منها مرائر الثمور هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال، ويحليها بحلى الجود والسماح ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها بل يحملها على بذل الأرواح والتخلي عن نصرة  المادة كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة، الذي يعتقد أن الأجل محدود، والرزق مكفول والأشياء بيد الله يصرفها كما يشاء كيف يرهب الحوادث في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمنه أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه ذلك، وكيف يخشى الفقر ممن ينفق من ماله في تعزيز الحق وتشييد المجد على حسب الأوامر الإلهية وأصول الاجتماعيات البشرية لقد امتدح الله جلت قدرته المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحق:
(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم)
اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ـ فأدهشوا العقول وحيروا الألباب بما دوخوا من دول وقهروا من أمم، وامتدت سلطتهم من بلاد (بيربني) وجبالها الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا إلى تخوم الصين مع فلة العدد والعدة وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة.
أرغموا الملوك، وأذلوا القياصرة والأكاسرة في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، أن هذا الشيء يعد بطبعه من خوارق العادات، دمروا بلادا ودكوا أطوادا ورفعوا فوق الأرض أرضانانية  من القسطل وطبقة أخرى من النقع، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم، وأقاموا مكانها جبالا وتلالا من رؤوس النابذين لسلطانهم وأرجفوا كل قلب، وأرعدوا كل فريضة، وما كان قائدهم وسائقهم إلى كل هذا سوى الاعتقاد بالقضاء والقدر.
هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يقص بها القضاء، ويضيق بها بسبط الغبراء، فكشفوا عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم.
بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق، وانقضت شهبها على الحيارى في ميادين الحروب من أهل المغرب، وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون في سبيل إعلاء كلمتهم لا يخشون فقرا ولا يخافون فاقة، هذا الاعتقاد هو الذي سهل عليهم حمل أولادهم ونسائهم، ومن يكون في حجورهم إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم كأنما يسيرون إلى الحدائق والرياض، وكأنهم أخذوا لأنفسهم بالتوكل على الله أمانا من كل غادرة، وأحاطوها من الاعتماد عليه بحصن يصونهم من كل طارفة، وكان نساؤهم وأولادهم يتولون سقاية الجيوش وخدمتها فيما تحتاج إليه لا يفترق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلا يحمل السلاح، ولا نأخذ النساء رهبة وتغشي الأولاد مهابة، هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع بهم إلى حد كان اسمهم أثناءه يذيب القلوب، ويبدد أفلاذ الأكباد حتى كانوا نيصرون بالرعب بقذف به قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش من الرهبة قبل أن يشيعوا بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم وقبل أن تصل تخومهم أطراف جحافلهم.
فمن بداية تاريخ الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير نبت في أواسط الطبقات ثم رقى بهمته في أعلى الأوج فذللت له الصعاب، وخضعت له الرقاب وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى العجب، ويبعث الفكر على طلب السبب إلا وكان معتقدا بالقضاء والقدر.
فالإنسان حريص على حياته، شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلة، ولكن لا يهون عليه اقتحام المخاطر، وخوض المهالك، ومصارعة المنايا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر، وركون نفسه إلى المقدر كائن وليس هناك أثر لهول المظاهر، أثبت لنا التاريخ الأمين ـ أن كورش الفارسي (كيخسرو) الذي عد أول فاتح عرفه تاريخ الأقدمين ـ ما تسنى له الظفر في انتصاراته إلا لأنه كان مؤمنا في اعتقاد قاطع بالقضاء والقدر فكان لهذا الاعتقاد لا يهوله هول ولا توهن عزيمته شدة، وإن اسكندر الأكبر اليوناني كان مما رسخت في نفسه هذه العقيدة ـ عقيدة القضاء والقدر.
وهذا جنيكيز خان التتري صاحب الفتوحات الشهيرة كان هو نفسه من رجال هذا الاعتقاد بل نابليون الأول ـ بونابرت الفرنسي من أشد الناس تمسكا بعقيدة القضاء، وهي التي كانت تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير الكثير فنهيا له الظفر ونال بغيته من النصر.
 فأنعم به من اعتقاد يطهر النفوس الإنسانية من رذيلة الجبن، وهو عائق للمتدنس به عن بلوغ الكمال في طبقته أيا كانت.
ولسنا ننكر أن هذه العقيدة قد خالطها في نفوس بعض العامة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر.
وربما كان هذا سببا في رزينتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها في الأعصر الأخيرة، ورجاؤنا في الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة مما طرأ عليها من لواحق البدع مذكرين العامة بسنن السلف الصالح، وما كانوا يعملون في هذا السبيل من أعمال صادقة طهرت النفوس من رجس الخرافات والتضليل أمثال أبي حامد الغزالي ممن بان التوكل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في العمل لا في البطالة والكسل، (أعقلها وتوكل) وما أمرنا الله أن نهمل فروضنا وننبذ ما أوجب علينا بحجة التوكل عليه، فتلك حجة المارقين عن الدين، ولا برقاب أحد من أهل الدين الإسلامي الحنيف في أن الدفاع عن الملة في هذه الأوقات صار من الفروض العينية على كل مؤمن مكلف، وليس بين المسلمين وبين الالتفات إلى عقائدهم ألحق التي تجمع كلمتهم وترد إليهم عزيمتهم وتنهض غيرتهم لاسترداد شأنهم الأول إلا دعوة خير من علمائهم، وأن جميع ذلك موكول إلى ذمتهم.
أما ما زعموه في المسلمين من الانحطاط والتأخر فليس منشؤه هذه العقيدة (ولا سواها من باقي العقائد الإسلامية) نعم حدث للمسلمين بعد نشأتهم نشوة من الظفر، ونمل من العز والغلب، وفاجأهم وهم على تلك الحال ـ صدمتان قويتان : 1) صدمة من طرف الشرق وهي غارة التتر من جيليزخان وأحفاده، 2) صدمة من جهة الغرب ـ وهي زحف الأمم الأروبية بأسرها على ديارهم، وإن الصدمة في حال النشوة تذهب بالرأي وتوجب الدهشة والسبات بحكم الطبيعة وبعد ذلك تداولتهم حكومات متنوعة ووسد الأمر فيهم إلى غير أهله ممن لا يحسن سياسة وكان الحكام والأمراء منغمسين في جرائم الفساد وميعة الأخلاق وانحلالها، فكان ذلك بالطبع مجلبة للشقاء والبلاء، وذلك ما فتح الطريق لتمكين الضعف من نفوسهم، وقصرت أنظار الكثير منهم على ملاحظات الجزيئات وأخذ كل بناصية الأخر يطلب له الضرر، ويلتمس له السوء من كل باب لا لعلة صحيحة ولا داع قوي، وجعلوا ذلك كله ثمرة الحياة ـ قال الأمر بهم إلى الضعف والانحلال مؤدبا بطبيعة الحال ما عليه .
والحق أن هذه الملة لن تموت ما دامت هذه العقائد، أخذت مأخذها من قلوبهم، ورسومها تلوح في أذهانهم، وحقائقها متداولة بين العلماء الراسخين منهم على الأخص، وكلما عرض عليها من الأمراض النفسية والاعتلال العقلي، فلا بد أن تدفعه قوة العقائد الحق، ويعود الأمر كما بدا وينشطوا من عقالهم، ويذهبوا مذاهب الحكمة والتبصر في إنقاذ بلادهم، وإرهاب الأمم الطامعة فيهم وإيقافهم عند حدها، وما ذلك ببعيد.
والتاريخ وحوادثه المسجلة شرقا وغربا تؤيد هذه الحقيقة على طول الخط ـ فهؤلاء العثمانيون الذين نهضوا بعد تلك الصدمات القوية (حروب التتر، والحروب الصليبية) وساقوا الجيش إلى أرجاء العالم، واتسعت لهم ميادين الفتوحات، ودوخوا البلاد، وأرغموا ألوف الملوك، ودانت لسلطاتهم الدول الإفرنجية حتى كان السلطان العثماني يلقب بين الدول بالسلطان الأكبر.
وهؤلاء المرابطون الكماة بعد ما استغاث بهم إخوانهم أبناء الفردوس المفقود عند ما تكالب عليهم العدو وأحاط بهم من كل جانب ـ لبوا النداء. وفلوا شوكة المناوئين، وأعادوا للإسلام قوته وجدته بتلك العقيدة الفطرية التي تجلى إيمانها الصادق في نفوس رجال الموحدين، كان الانتصار في غزوة الأرك الحاسمة بنفس الأندلس. كما كان مثلها على عهد الأشراف السعديين يوقعه « وادي المخازن ».
إنها لعقيدة راسخة دعامتها ـ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف.
نعم ما دامت الأمم الإسلامية تنظر إلى أمثال هؤلاء الأمجاد المسلمين بعين ملؤها العزة والكرامة وتجعل نصب أعينها صبح مساء ما كانوا عليه طوال حقب مضت كلها شرفا وانتصارا إلا وهي صلة وصل لذلك المجد الشامخ والتراث الخالد ـ تراث الشهامة والأقدام والفوز في كل ميدان خلده التاريخ الذهبي لأبناء الإسلام الأول الذين ملأت نفوسهم عقيدة القضاء والقدر.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here