islamaumaroc

الفولكلور -3-

  دعوة الحق

58 العدد

في الحلقة الماضية، وأثناء حديثنا عن أنواع الفولكلور وما يضم من ألوان، فرقنا بين ثلاثة أنواع قسمنا إليها مادته، وهي :
الفنون الشعبية
التقاليد والمعتقدات الشعبية
الأدب الشعبي
وتحدثنا عن النوعين الأولين وقلنا أننا سنتناول النوع الثالث في مقال خاص يكون خاتمة لهذا البحث العجالي الذي لم نقصد منه غير وضع خطوط عريضة لعل غيرنا من الباحثين أن يستعين بها دراسات مفصلة. وقبل أن نبدأ الحديث عن هذا اللون من الفولكلور نشير إلى ما سبق أن لاحظنا من أن العلماء في فرنسا وإيطاليا كانوا يطلقون « الأدب الشعبي » على « الفولكلور » وأن بعض أدباء البلاد العربية يرفضون استعمال اللفظ الدخيل ويفضلون اصطلاح « الأدب الشعبي » دلالة عليه. وانتهينا إلى المقصود من الأدب الشعبي ليس الفولكلور كله وإنما فرع منه يعني به مجموعة الفنون الشعبية التي تتخذ اللفظ وسيلة للتعبير. ومع ذلك فحول هذا المصطلح من الغموض والخلاف ما يجعلنا غير مقتنعين بتفسيره على هذا النحو، وما يدفعنا إلى التساؤل والبحث عن ماهيته، محاولة الوصول إلى تعريفه على نحو أشد وضوحا وأكثر اقتناعا.

فما المقصود بالأدب الشعبي؟
تقول طائفة من العلماء أنه ذلك اللون من الأدب الذي لا يعرف مؤلفه والذي تتوارثه الأجيال عن طريق الرواية الشفوية على أن تكون لغة عامية غير فصيحة. وهذا هو الرأي السائد.
ونرى جماعة أخرى أنه الأدب الصادر عن الشعب المصبر عن مشاعره لا فرق بين أن تكون لغته عامية أو فصيحة. ويرفع لواء هذا الرأي بعض علماء الفولكور الروس الذين يعتبرون كتابات مكسيم جوركي من صميم هذا اللون بالرغم من أنها لم تكتب بلهجة دارجة.
وتذهب طائفة ثالثة إلى أنه الأدب العامي سواء كان قديما أو حديثا، مكتوبا أو مرويا، مجهول القائل أو معلومة. وتذهب هذه الطائفة كذلك إلى أنه لا ينبغي إنكار دور الأفراد في إنشاء الأدب الشعبي وأن هذا الدور لا ينفي عنه الصفة الجماعية.
أما غير هؤلاء من الباحثين فيرون أنه أدب القرية ويضعون مقابله أدب المدينة الذي قد لا يخلو من بعض الألوان الشعبية.
هذه هي زبدة الآراء التي انتهى العلماء إليها في تحديد مفهوم الأدب الشعبي، فبأي شيء نخرج منها وماذا عسانا نختار؟
في اعتقادنا أنها متكاملة يتمم بعضها بعضا، وإنه لا فرق في الأدب الشعبي أن يكون قديما أو حديثا.
مسجلا في الصحف أو مرويا بالشفاه، صادرا عن فرد أو منقولا عن جماعة، كل ما يشترط فيه أن يكون معبرا عن ذوق الشعب ومشاعره مصورا لعقليته ومستوى حياته مميزا لشخصيته وعبقريته. وظننا أننا نشك كثيرا في اعتبار الأدب الفصيح من اللون الشعبي حتى ولو كان متوفرا على كل الشروط، إذ ليس سببا أن كورساكوف مثلا استلهم الأغاني والألحان الشعبية الروسية أو أن شكسبير استغل الأساطير ومظاهر السحر السكنلندية ليعتبر إنتاجهما شعبيا، فالبون هائل بين التراث الشعبي واستغلال هذا التراث، وقد سبق أن أوضحنا في الجزء الأول من هذا البحث أن الرغبة في الإبداع الفني واستنفاذ الطاقات القديمة وما نتج عنهما من تحول نظر الأدباء والفنانين إلى حياة الشعب وآثاره على أن يجدوا فيها ما يستوحون منه مادة إنتاجهم، كانت عاملا من عوامل إحياء الفولكلور وازدهار دراسته.
والأدب الشعبي بعد هذا غني بما يحوي من ألوان وفنون حاولنا حصرها في هذه الأنواع الخمسة:
الأمثال
الأحاجي
القصص
الأشعار
المرددات
فالأمثال ـ المثول أو المثلات ـ هي تلك العبارات الموجزة المركزة المستخلصة من تجارب أجيال عركت الحياة طويلا فاستطاعت أن تقتبس من أسرارها حكما هي نتيجة بحث حثيث عن معرفة حقيقة الإنسان والحياة. ومن النمادج لهذه الأمثال :
اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة
القرد الشارف ما تيتعلمش الشطيح
الجمل ما تيشوفش حدبته تيشوف غير حدبة الناس
ولعل أهم ما يلاحظ على الأمثال أن معاليها وما تحوي من حكم تكاد أن تتفق وتتشابه عند سائر الأمم والشعوب، والسبب في هذا أنها نتيجة تجارب إنسانية، والإنسان في تجربته للحياة يكاد أن يكون واحدا. كذلك يلاحظ أن بعض أمثالنا إن لم نقل أغلبها تقترب في ألفاظها من الأمثال العربية الفصيحة. وقد يعزى هذا إلى أنها اعتمدت في نشأتها على الأمثال الفصيحة، ربما يكون لهذا التعليل بعض الصواب، ولكن دون أن ننسى حقيقة ثابتة وهي أن لكل شعب أمثالا تنبع من بيئته نتيجة تجارب محلية. فقولنا مثلا :
كلامكم قولوه وعاودوه يا البرابر
من عهد بني مرين وبني وطاس ما بقوا ناس دليل مؤكد لهذه الحقيقة. ومن هذا القبيل أمثال لا شك في أنها تعبير صادق عما آلت إليه البلاد إثر وقوع الاحتلال وعما كان يحسه الناس كقولنا :
جا من مورنا وشرا دار
الدار دار بونا وعبيد با يطردونا
أما الأحاجي ـ المحاجيات أو الحجايات ـ أو الفوازير كما يسمونها في الشرق، فهي تلك الألغاز التي تملأ ذهن الأمهات والجدات والتي يقصد بها إلى تسلية الصغار وشحذ أذهانهم وتدريب ذكائهم منذ النشأة الأولى على التفكير وإمعان النظر في المشكلات، وهي في أغلبها صور جميلة وتشبيهات دقيقة ربما يعجز الكبار عن حل رموزها. ومن أحاجي والدتي حفظها الله :
ـ قبتنا خضرا مبنية بالقدرة سكانها عبيد ومفاتيحها من حديد؟
(وهي الدلاحة أي البتيخ الأحمر)
ـ حاجيتك على اللي تبيتو متعانقين ويصبحوا متفارقين؟
(وهما دفنا أبواب الغرب (البيوت) في الدور القديمة)
ـ حاجيتك على طبيقنا نقي ما يكل فيه لا سلطان ولا فقيه؟
(وهو شهر رمضان المعظم)
وأما القصص ـ الحكايات، الخرافات، الخرايف ـ وهو في معظمه عربي إسلامي، فتصوير لحياة العرب وإحداتهم وللإسلام وفتوحاته وممهداته بل تصوير للتاريخ كما كان يفهمه الشعب أو كما كان يلقنه له الحكام. ولا بدع فقد كان هذا القصص وسيلة لتثقيف الجماهير وإلهاب حماسها. ومن منا لم يسمع قصة سيدنا على وعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وبني هلال ولم يلتهب شعوره لما تسجله من معارك خلدت بطولات عربية إسلامية وما تردده من أصداء جاهلية سبقت الإسلام ولكنها مع ذلك تنبيء به وتدعو له. فعنترة وسيف وهما مضرب المثل في الشجاعة بطلان جاهليان يبشران بالإسلام ويكافحان من أجل انتشاره. وإذا كان سيف يسعى وراء مهر شامة الذي هو جوهرة سليمان التي لا توجد إلا في مملكة الجان فإن عنترة يسعى وراء مهر عبلة هو ألف من النوق العصافير التي لا توجد إلا في العراق. وكما يدخل سيف مملكة الجان ونحل به مآزق وأزمات يدخل عنترة العراق لينير حربا مع النعمان بن المنذر. ويؤثر عنترة بعد ذلك فينتقل القتال إلى الدولة البيزنطية حيث النزاع بين العرب والفرس، ومنها إلى الحروب الصليبية حيث القتال بين الإسلام والنصرانية أو بين الحرية والاستعمار. وبعكس سيرة سيف التي تمثل الخلاف بين الساميين والحاميين فإن سيرة عنترة تمثل الصفاء بين الجنسين، فهي عرض شيق للقبائل العربية وعاداتها ونزاعاتها وما كانت تسعى إليه لمحو الفوارق الجنسية. أما الهلالية وتدور حوادثها الرئيسية في شمال إفريقيا، فتصور الصراع بين العرب والإسلام من جهة والبربر والوتنية من جهة أخرى. فبعد الحديث عن نسب الهلاليين وذريتهم وظهورهم في الجزيرة العربية تحدثنا القصة عن خروجهم إلى شمال إفريقيا، وتسمى هذه الحلقة بالتغريبة، لتصور لنا حملة تعريب البلاد ونشر الإسلام فيها. وبالرغم من أن قصة الهلاليين أكثر القصص التصاقا بالمغرب فهي على ما نعرف أقلها شيوعا وانتشارا. ولا شك أن هناك أسباب عملت على هذه الظاهرة نرجو أن نكتشف لنا عنها أبحاث أخرى تكون أكثر عمقا وتفصيلا.
وأما مجموعة ألف ليلة وليلة فأشهر من أن يتحدث عنها. فهي قصة الشعوب الإسلامية بكافة طبقاتها ومختلف ألوان حياتها، بالإضافة إلى ما تصوره من علاقات المسلمين بغيرهم من الأجناس وأصحاب الديانات الأخرى. وقد شاعت خرافاتها لدى الكبار والصغار وأصبحت مدار السمر في البيوت حيث تتصدى الأم أو الجدة لحكايتها في كثير من الإغراء والتشويق.
وقد كدنا ننسى نوادر جحا وما تصور من مآزق وأزمات تعرض لها في إقامته وتنقلاته ولكنه خرج منها بسلوك ذكي وأقوال ساخرة حكيمة هي عصارة تجارب في مختلف البيئات التي حل بها. فهو في هذا البلد أو ذاك وهو في السوق والبيت وهو مع ولده وزوجته وهو مع الناس وحمار، مع كل هؤلاء وفي أي مكان، يبدو جحا شخصية عربية شعبية مثالا للرجل الذي خالط الناس والحياة في كل زمان ومكان؟ وقد يبدو في بعض حكاياته وكأنه مغفل يلعب به ويسخر منه، ولكنه في الواقع نوع من السلوك يلجأ إليه سرعان ما يكشف عن خطة حكيمة.
ثن تصل إلى الإشعار وهي من أغزر أنواع التراث الشعبي إن لم تكن أغزره بالفعل، فنجد أنفسنا أمام خضم مختلفة أشكاله وألوانه، يحار الباحث في تبويبه ورده لأصوله. ومحاولة منا في هذا المضمار قسمنا الأشعار إلى الفنون الآتية :
الملحون
الأغنية
العروبي
الموال
فالملحون ـ وهو من اللحن سواء بمعناه الغنائي أو اللغوي ـ أهم هذه الأنواع وأقدمها. ولعله كما سبق أن أشرنا إليه (1) أثر من آثار الموشحات والأزجال أو هو استمرار لظهورها في المغرب.
فابن خلدون في مقدمته يذهب إلى أن أهل الأمصار بالمغرب قد استحدثوا فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية وسموه « عروض البلد » وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير.
وقد نظم قطعة على طريقة الموشح لم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلا قليلا، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل، واختلفت أسماؤهم باختلاف ازدواجهم وملاحظتهم فيها.
يقول ابن عمير في مطلع قصيدته :
أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام
       على الغصن في البساتين قريب الصباح
ومن ملعبة الكفيف المكناسي الزرهوني يصف فيها هزيمة أبي الحسن المريني في القيروان.
سبحان مالك خواطر الأمرا
      ونواصيها في كل حين وزمان
إن طعناه عطفهم لنا قرأ
      وإن عصيناه عاقب بكل هوان
وممن برعوا في هذا اللون من الشعر غير المعرب ابن خبازة والحسن السبتي وغيرهما من الأسماء التي ظلت مجهولة لا ندري عنها شيئا.
كل هذا سبق أن ذكرناه وقلنا أن الملحون الذي لا زال يعيش بيننا حتى الآن ليس غير استمرار لعروض البلد ومرحلة من مراحل تطوره سواء في الشكل أو المضمون. والأسف شديد أن ذخيرة هذا العلم الموهوب ثم تسجل بعد يحتفظ بها الأشياخ (2) في صدورهم باعتزاز يضنون بها حتى على الدارس والباحث. ومع ذلك فقد حفظت لنا أسماء بعض الشعراء الأعلام كعبد العزيز المغراوي والتهامي المدغري والمصمودي وادريس الحنش وقدور العلمي، كما حفظت لنا قصائد (3) لا زال الناس يرددون بعضها كالحراز والعرصة والنحلة والتوسل والخادم مع الحرة وغيرها من القصائد التي أصبحت نموذجا ينسج المنشؤون عليه.
وبالرغم من شعبية الملحون فإنه لم يكن يعيش مع طبقة العامة من الناس فحسب، وإنما كان يعيش كذلك في بيئات خاصة كبيئة الصوفية الذين كانوا ينشدون قصائده في حلقات الذكر. ومن الأمثلة على ذلك قصيدة للحراق يقول في أولها :
جـــاد علــى برضـــاه
الحبيب اللي حبيت               زارني وهم لي بالوصال
حيــن شـرق نـور بهـا            هشفت حالي من ألقيت
حاط بي وقهرني بالفصال         كلي في الحق فناه
وأما الأغنية ـ ونقصد بها الأغنية الشعبية أو ما يطلق عليه الغناية ـ فنكاد تكون من الملحون لولا أن شكلها أضعف بناء وألفاظها أقل تهذيبا. والظاهر أن لها في كل بيئة ما يميزها، فخصائص الأغنية في مدينة أو قرية معينة هي غير خصائصها في مدينة أو قرية أخرى بل قد تختلف التسميات وتتشعب الأنواع من مكان إلى آخر، ومن طبقة إلى أخرى من الناس. ولسنا ندري إذا كانت هذه الأغنية التي تسمعنا الإذاعة إياها ممثلة بحق لألوان هذا الفن الشعبي كما يعيش في مختلف المناطق وعند كل الجماعات.
وكالأغنية نجد العروبي أو المزوكي يتخذ أشكالا تختلف باختلاف البيئات المحلية. وأهم ما نعرف منه ذلك اللون الذي تنشده نساء المدن حين يطنن. وللطيش موسم خاص هو أيام عيد الأضحى حيث تعلق المطيشة ـ أو المرجيحة كما يسمونها في الشرق ـ ويركبها البنات كل بدورها وتتصدى الأم أو الجدة لتطييشهن مغنية على كل واحدة. فهي تستهل مثلا بهذه المقدمة :
آنا نا نا نا والمحبوب اللي هويت
يبقــى ديــمـا قــدامــي
وتأخذ في ذكر أوصاف الطائشة ومحاسنها ثم تختم بذكر اسمها كأن نقول مثلا :
هـاذك هــي « فـلانة »
المضوية على قلبي وعياني
ويأخذ الجميع أثر ذلك في الولاويل والزغاريد إلى أن تركب طائشة ثانية فتستأنف المغنية الإنشاد.
وأما الموال فمن الفنون التي لا يختص بها بلد دون آخر من بلدان الأمة العربية. وهو في كل منها يتميز بخصائص تحدد شكله وطابعه وإنشاده. فالموال في الشرق عامة يستهل بـ « باليل يا عين » في حين أنه في المغرب كالعروبي يفتح بـ « أنا نا نا نا.. » والموال العربي بعد هذا واحد أو يكاد أن يكون، فهو في الغالب بضعة أشطار من الشعر العامي تحكى في إيجاز حالة أو قصة لا يلبث المغني أن ينتقل منها إلى إنشاد قصيدته. وظننا أن الموال لم يكن في أول الأمر مقدمة للأغنيات وإنما كان فنا مستقلا بذاته ينشد وحده ويكتفي بسماعه. وللموال بعد هذا قصة تحكي ميلاده ونشأته. ففي كتب الأدب والتاريخ أن الرشيد حين حذر الشعراء من رثاء البرامكة أثر النكبة التي أنزل بهم. لجأ الناس إلى الشعر العامي يعبرون به عما يكنون نجوهم. وفي هذه الكتب كذلك أن جارية جعفر البرمكي رثته بقصيدة كانت تردد أثر كل بيت منها « وأموالياه » وإن هذا كان سبب تسمية هذا الفن بالموال وربما بداية ظهوره.
وتصل أخيرا إلى المرددات وهي تلك المقطوعات القصيرة التي قد لا تتعدى الشطرين والثلاثة والتي تؤلفها الجماهير وترددها في مختلف المناسبات. وقد كنا نود إلحاقها بالأشعار لولا أنها لم تسرق بعد إلى مرتبتها شكلا ومضمونا. والمناسبات أكثر من أن تحصي عددا، ومع ذلك فمن الممكن حصر أهمها كالأفراح والمآتم والوطنيات.
ففي الأفراح تدخل المواسم والأعياد والأعراس وغيرها من المناسبات الخاصة. ولكل منها لون أو ألوان من المرددات تتغنى بها الجماعة طربا وحبورا. وهذه مطالع بعض المرددات الخاصة بالأفراح :
موسم شعبانة : اللا منانة
أجي تكوني بنتي
ونديرو شعبانة
بالخوخ والرمانة
والساقية تسقيني
شهر رمضان المعظم : عودة أكلت رمضان
بالخوخ والرمان
الأعراس : أداها وداها والله ما خلاها
أداها وداها وداها سيد الرجال
وفي المآتم وخاصة لدى البوادي تجلس النادبات يبكين الفقيد ويعددن محاسنه وما ستصبح عليه الأسرة بدونه. وقد تمثل هذا اللون في الأغنية الحزينة التي أذيعت أثر موت المغفور له محمد الخامس والتي أولها :
ما شاء الله أسيدي يوسف الحبيب
أما الوطنيات فتتمثل في تلك العبارات والأهازيج التي كان يرددها الناس في أيام الكفاح وعند إعلان الاستقلال والتي كانت صدى لمعركة التحرير كقولهم تمجيدا للدار البيضاء التي كانت مركز الفداء :
تساريت كل البلدان
بحال كازا ما كان
تم اولاد الوطن
يحضر ويجود الله
أو كقولهم تهكما على العميل ابن عرفة :
اللا هنية
جانا الملك بلا نوية
ما بين الصبح والعشية
وكقولهم فرحا ببزوغ فجر الاستقلال وحثا على العمل ببناء هذا الاستقلال والمحافظة عليه :
أيها الرجال
هذا وقت العمل
استعدوا للنضال
يحيا الاستقلال
كذلك لا نريد ونحن نتحدث في هذا المضمار أن نغفل عن بعض المرددات الخاصة كالأنشودات التي تغنيها الأمهات وهن يرقصن أطفالهن أو يداعبنهم، وكالأهازيج التي يرددها العمال للتنشيط والترفيه عن أنفسهم أثناء العمل، وكالأدعية التي يتسول بها الفقراء وغير هذه من المرددات التي لن نطيل بذكرها.
وبعد فهذه لقطات من أدبنا الشعبي الذي يندب حظه في زوايا الإهمال والنسيان، والأمل كبير في أن تعيره الدولة اهتمامها وتعمل على تكوين باحثين متخصصين يتصلون بالشعب في المدن والقرى والبيوت والأسواق والمجالس العامة والخاصة يسجلون أفكاره وقصصه وأمثاله وأغانيه وعاداته وعواطفه وطاقاته ومختلف ألوان حياته، ويدرسون في موضوعية ومناهج هذا التراث الذي لا زال حيا على لسان الشعب وفي قلبه وتقاليده ومعتقداته وفنونه معبرا أصدق تعبير عن شخصيته وعبقريته. على أننا لا نريد فقط أن نجمع تراثنا الشعبي لنحميه من الضياع ونحفظ له صفته الفولكلورية لنرى فيه ماضينا المجيد، وإنما نريد أن يكون هذا التراث أساسا يطوره الأدباء والفنانون ويخلقون منه شيئا جديدا يعني بالفنية وقيمها.
كذلك نريد أن يهتم بالفنان الشعبي لينهض بفنه ويأخذ مكانه في ميدان الأدب. وما من شك في أن هذا النهوض مرتبط بوجود النقاد الشعبيين الذين يدرسون تراث الشعب مزودين بثقافة شعبية هائلة إلى جانب ثقافة فنية وتجربة نقدية. حقا إنه مضى وقت لم يكن يهتم فيه بالفنان الشعبي وإنما كان يهتم بالنص على أنه نتاج مشترك بين عامة الشعب، ولكننا اليوم لا نريد أن ندرس الآثار الشعبية على أساس أنها حصيلة القيم الحضارية والفنية القديمة فقط، وإنما كذلك على أساس فنيتها أي بدراسة النص وصاحبه.

(1) القسم الثاني من بحث الموشحات ـ مجلة دعوة الحق ـ السنة الخامسة ـ العدد الثالث.
(2) هذا هو الإسم الذي يطلق على أصحاب الملحون منشئين ومنشدين
(3) القصائد هو الإسم الذي تعرف به مقطوعات الملحون

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here