islamaumaroc

أرض البرجونثالث (تر.م.ع.مكي)

  دعوة الحق

58 العدد

أنطونيو ماتشادو Antonio Machado وأخوه مانويل Manuel يعتبران من أعظم شعراء إسبانيا في العصر الحديث، وقد ولد أنطونيو في إشبيلية في سنة 1875، ولكنه سرعان ما انتقل مع أبويه إلى مدريد حيث قضى الشطر الأعظم من شبابه
وقد كان أدباء عصره يتجهون بأبصارهم إلى فرنسا وثقافتها وآدبها، وهكذا نرى ماتشادو يرحل إلى باريس في سنة 1899 لأول مرة، وهناك يتصل بالأوساط الأدبية الفرنسية والأجنبية فيتعرف على أناتول فرانس وعلى القصصي الإنجليزي الكبير أوسكار وايلد، وفي رحلة أخرى له إلى باريس يتعرف على الأديب الأمريكي روبين داربو Roben Darbo شاعر نيكاراجوا بل شاعر العالم الإسباني كله في أوائل القرن العشرين (1867 ـ 1816) أبرز شعراء الإسبانية ممن ينتمون إلى ذلك الجيل المعروف باسم جيل 1898 والذي كان ثمرة لما أصاب إسبانيا في تلك السنة من كوارث سياسية واجتماعية كان لها أثر بالغ في خلق اتجاه أدبي ثوري هو المعروف باسم « الاتجاه التجديدي ».
وفي سنة 1907 يستقر ماتشادو في مدينة سرية soria في (منطقة قشتالة) حيث يتولى منصب أستاذ للغة الفرنسية ببعض معاهدها، وبها يتزوج ويخلد إلى حياة عائلية نحوا من خمس سنوات وقد تعلق أنطونيو ماتشادوا بمنطقة قشتالة هذه وكرس لها جانبا كبيرا من انتاجه، واعتبرها وطنه الأول كما يقول في بعض قصائده، وكثيرا ما كان يجوب أنحاء هذا الإقليم الجبلي الوعر ويطالع قرأه التي تكاد تخفيها أشجار الحور والصنوبر) على حد قوله، ويكثر التطواف في منطقة منابع نهر الدويره El Duero التي كانت فيما مضى من الزمان ميدان ذلك الصراع العنيف بين الإسلام والمسيحية على عهد عبد الرحمن الناصر والمنصورين أبي عامر، والتي ولدت على صخورها الجرداء الصلبة إمارة قشتالة مهد الدولة الإسبانية المسيحية.
وقد كان لطبيعة قشتالة وبيئتها وعادات أهلها أعظم الأثر على إنتاج أنطونيو ماتشادو الأدبي، بل إننا نجده يخصص لها ديوانا مفردا هو « ريف قشتالة » الذي نشره سنة 1912 وأودعه تجاربه النفسية ومشاهداته في هذا الإقليم الذي يمكن أن يعتبر أما لإسبانيا ومهدا للغتها وثقافتها.
وقد امتدت حياة ماتشادو حتى أدرك الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939) وتوفي في نهايتها بعد أن رأى بعينيه كيف تتحول إسبانيا كلها إلى « أرض البرجونثالث » : يقتل الابن فيها أباه والأخ أخاه، كما يصور لنا في هذه القصة التي صاغها شعرا ونثرا، والتي نقدم في الصفحات التالية ترجمة عربية لها لأول مرة.
كانت صبيحة يوم من طليعة شهر أكتوبر، وكنت قد عزمت على زيارة منابع نهر الدويرة الذي يشق شبه الجزيرة حتى تنتهي أمواهه غربا إلى المحيط، فانتظمت في سلك المسافرين بالعربة التي تقطع الطريق من سربة إلى برغش متوجها إلى قرية تيدونس في منتصف الطريق بين البلدين، واتخذت مقعدي قريبا من السائق بين رفيقين أحدهما مهاجر عاد من المكسيك إلى قريته الصغيرة التي تكاد تخفيها أشجار الصنوبر، والآخر مزارع كهل كان عائدا من برشلونة بعد أن ودع ابنين له كانا عائدا من برشلونة بعد    أن ودع ابنين له كان قد استقلا المركب إلى الأرجنتين، والواقع أن الراحل عبر هذه السهوب المترامية في أعالي قشتالة لا يكاد يمضي في طريقه حتى يلتقي بمن يحدثه قليلا أو كثيرا عن بلاد المهجر فيما وراء البحار.
ومضت العربة بنا في طريق برغش الواسع تاركين إلى يسارنا الطريق الموصل إلى أوسما (وخشمة)، وقد حفت بجانبيه أشجار الحور الأسود التي بدأت أوراقها تضرب إلى الصفرة المذهبة تحت أشعة شمس الخريف، وخلفنا وراء ظهورنا سرية المنصوفة المتقاتلة التي ظلت قرونا طويلة محرسا من محارس قشتالة، وبابا تنطلق منه الجيوش النصرانية لقتال ممالك الإسلام في الأندلس. معبرا نفذ منه (السيد القمبيطور) إلى بلاد المسلمين حينما توجه إلى منفاه.. وتقدمنا نحن متجهين إلى النهر، نهر الدوبره الذي يحيط بسربة كأنه قوس أحكم الرامي تصويبه.
وكان المهاجر العائد من المكسيك يحدثني عن مدينة فيراكروث، غير أن سمعي كان يتتبع حديث المزارع الكهل مع سائق العربة، وكان يدور حول جريمة لم يمض على وقوعها إلا القليل، جريمة ذهبت ضحيتها فتاة راعية عثروا على جثتها يوما بين شجر الصنوبر ممزقة بطعنات خنجر، وكان قاتلها لم يكتف بما ارتكب حتى انتهك حرمة الجسد الميت، وكان المزارع في حديثه يرجج الاتهام الموجه إلى تاجر غني من تجار الماشية في قرية مجاورة كانت الشرطة قد قبضت عليه وأودعته سجن سربة منهما بارتكاب تلك الجريمة البشعة، غير أن المزارع الكهل كان يبدي شكوكه في قدرة العدالة على الاقتصاص منه إذ أن الضحية لم تكن إلا فتاة فقيرة، أقبلت أتسمع ذلك الحوار الدائر بين الرجلين، والناس في العادة لا حديث لهم في المدن الصغيرة إلا عن ألعاب التسلية والسياسة : أما في المدن الكبيرة فإن حديثهم لا يتجاوز الكلام عن الفن والأدب المكشوف، وأما في القرى والبوادي فالناس لا يهمهم إلا أعمالهم اليومية أو الكلام عن الجرائم.. اليومية أيضا.. واتصل الحديث بيني وبين رفيقي المزارع الكهل :
ـ أمبعد أنت سفرك؟
ـ إلى كوفاليدا يا سيدي، وأنت؟
ـ هذا هو طريقي أيضا، فأنا أريد الصعود إلى أوربيون، ثم أسير محاذيا وأدى الدويره، أما في طريق العودة فإنني سأهبط إلى مفترق الطرق في سالتاابنبس، ومنها إلى بنوبا.
ـ أعانك الله على رحلتك حين تصعد إلى أوربيون، فالجو في هذه الجبال ينذر الآن بعاصفة.
ووصلنا أخيرا إلى نيدونس، فهبط المزارع من العربة وهبطت معه، وودعنا المهاجر القادم من المكسيك، وكان عازما على مواصلة السفر بالعربة إلى سان أيوناردو، أما نحن فقد اتخذنا طريق بنوبا على صهوتي جوادين.
وأنا أذكر أنه لم تسمح لي فرصة الحديث مع المزارعين ألا توجه تفكيري إلى مدى ما تحيط به حكمة هؤلاء الرجال وعلمهم مما نجهله نحن، ثم في قلة اهتمامهم بما نعلمه نحن مما يجهلون.
وكان الكهل يتقدمني في السير واجما صامتا، فأهل هذه البقاع يتميزون بالجد والصرامة، لا يتحدث الرجل منها إلا مجيبا على سؤال، فإذا فعل فإن إجابته تتسم بالإجمال والاقتضاب، وإذا لم يرقه السؤال فإنه لا يكاد يولي محدثه شرف الرد عليه، وهو لا يفيض إلا إذا سئل عما يحسن معرفته أو إذا تحدث عن الأرض وفلاحتها وما تتطلبه من أعمال.
وعدت أرجع بصري في القرية التي مررنا عليها وخلفناها من ورائنا، وكان أبرز ما فيها صومعة كنيستها العالية التي اتخذت طيور الحجل من قمتها مستقرا لأعشاشها، وهي منتصبة تطل على عدة بيوت مبنية من الطين، وعلى الطريق الرئيسي الذي يشق القرية بيت ريفي حديث بناه أحد المهاجرين العائدين من بلاد المهجر، وعليه مسحة من الترف والنعمة تبدو في السور الحديدي الذي يحيط به والحديقة الصغيرة التي تحف جنباته، فإذا خرجت من القرية بدت لك سلسلة من الصخور الجرداء الرمادية اللون تتخللها شقوق كبيرة تضرب إلى الحمرة.
ومضينا في السير نحو ساعتين، حتى وصلنا إلى قرية مويدار التي تقع في منتصف الطريق بين تيدونس وبنوبا، ولم نغادر القرية بخطوات حتى اجتزنا قنطرة خشبية صغيرة تعترض مجرى الدويره.
وأشار رفيقي المزارع إلى اليمين وقال :
ـ هذا الطريق الجانبي يوصل إلى أرض البرجونثالث : حقول فسيحة كانت فيما مضى أجود ما في هذه البقعة وأخصبها، أما الآن فقد حلت عليها اللعنة..
فتساءلت في فضول :
ـ البرجونثالث هو اسم صاحب هذه الأرض أليس كذلك؟
ـ البرجونثالث كان من أغنى زراع هذه الناحية، أما الآن فلم يعد هنا أحد من عشيرته يحمل هذا الاسم، لم يبق ما يذكر بالبرجونثالث، إلا اسمه يطلق على القرية التي كان يقيم فيها وعلى الحقول المحيطة بها، ولو أنك اخترقت مروج هذه القرية لوصلت إلى بنوبا قبل أن نفعل فيما لو اتبعت الطريق الآهل المسلوك، غير أنها في الشتاء غير مأمونة، وذلك أن البرد والجوع يحملان الذئاب على الخروج من الغابات المجاورة باحثة عن صيد لها في هذه النواحي، وما أكثر ما يسمع مواؤها المسعور إذا ما اقتربت من حقول البرجونثالث التي كانت فيما مضى كثيرة الزرع وأصبحت اليوم قفرا خرابا.. وأما حديث البرجونثالث فقد قصه علي منذ صغري أحد الرعاة هنا، وأنا أعرف أن بعضهم قد سطره على الورق، وإن الشعراء العمي كثيرا ما يتفنون به في أرض برلانجا.
ورجوت المزارع الكهل أن يقض على ذلك الحديث، قلبي الرجل رغبتي ومضى يقول :
حينما توفي والد البرجونثالث كان لا يزال صبيا بعد، ولكنه ورث عنه أرضا طيبة ومالا ليس بالقليل، فقد كانت له دار كبيرة تحف بها مزرعة وبروج نحل، ومرجان واسعان جيدا المرعى، وحقول للقمح والذرة، وعدد وافر من أشجار البلوط غير بعيد عن القرية، وعدة بغال للحرث، ومائة شاة، وعدد من الكلاب الأصلية التي تستخدم في الصيد أو حراسة الماشية.
وتعلق الفتى بصبية جميلة من قرية غير بعيدة من أرض برلانجا، ولم يمض عام واحد حتى اتخذها زوجا له، وكانت بولونيا ـ وهذا هو اسم الصبية ـ واحدة من إخوات ثلاث، بنات مزارع من عائلة يدعونها « ببري ايبانيت » وكانت كبرى إخواتها وأجملهم، أما أسرتها فقد كانت واسعة الثروة فيما مضى، ولكنها في ذلك الوقت كانت متوسطة الحال، لا إلى فقر ولا إلى ثراء.
وما زال الناس هنا حتى الآن يتحدثون عن الفخامة التي احتفل بها في زفاف البرجونثالث في قرية عروسه أولا ثم في القرية التي كانت تحمل اسمه، كان هناك عازفون على القيتارة وضاربون للأعواد وهازجون بالنايات وقارعون للطبول وراقصة على طريقة أهل أرغون ومطلقون للصواريخ على ما جرت به عادة أهل هذه البقاع الممتدة من أوربيون حيث يولد نهر الدويره حتى يختفي مجراه هناك على مقربة من برغش، ما زالوا يذكرون الولائم المقامة بمناسبة زواج البرجونثالث، وما زالوا يشيدون بروعتها وبهائها، فالشعب هنا لا ينسى أبدا ما يرى له بريق وما يسمع له دوي مهما تطاول به الزمن.
وعاش البرجونثالث سعيدا بين زوجة محبة مخلصة وبسطة من المال عليه مغدقة، وأنجبت له امرأته ثلاث أبناء، فوكل إلى أكبرهم العناية بالمزارع وبأبراج النحل، وعهد للأوسط بأمر الماشية. وأما الأصغر فاته وجه به أوسما (وخشمة) لكي يقبل على العلم، وذلك أنه كان قد نذره لخدمة الكنيسة.
ما أكثر ما يجري في عروق المزارعين من دم قابيل قاتل أخيه، وما أسرع ما تشتعل جذوة الجد بين الإخوة بعضهم والبعض على عرض من أعراض الدنيا الزائلة، ولم تكن دار البرجونثالث في ذلك بدعا، فقد تسللت إليها ثعابين الحسد منذ أن تزوج ولداه من امرأتين حملتا معهما إلى دار الرجل الطيب نوازع الشر والشقاق، لا ما كان يؤمله من امتلاء الدار وكثرة الولد، لم يكن للخبيثتين هم إلا الإرث الذي سيقدر لهما بعد موت البرجونثالث، وكانتا لا*** وبطرهما لا تكادان تحسان بما هما فيه من نعمة ويسارـ بل نغص الطمع عليهما لذة الحياة وحرمهما من كل شعور بالمتعة والطمأنينة.
وأما أصغر الإخوة فإن المصير الذي كان يريده له أبوه بين جدران الدير لم يكن يروق له، فقد كان يؤثر العيون النجل على ترديد الصلوات ومعاناة لغة اللاتين، فما لبث في يوم من الأيام أن خلع عنه مسوح الرهبنة، وقد صح عزمه على ألا يعود إليها بعد، وانطلق من الدير عائدا إلى دار أبويه معلنا إليهما أنه راغب في ركوب البحر إلى بلاد المجر, إذ أنه كان دائما يحلم بجوب الأرضين وخوض البحار والتملي بمطالعة آفاق جديدة غريبة.
وما أكثر ما بكت أمه، أما أبوه ـ وقد عجز عن أن يثنيه عن عزمه ـ فإنه باع قطعة جزلة من جيد أرضه، وأعطاه من المال ما قدر أن يكون نصيبه من تركته لو حلت به المنية، وقال له وهو يودعه:
ـ خذ هذا المال يا بني فهو حقك، واذهب إلى حيث تريد، كان الله معك أينما توجهت، واعلم أن لك على أية حال نصيبا في كسرة خبز وسقف يؤويك في هذه الدار طالما كان أبوك حيا، أما إذا مت فإن كل هذا سيصبح من نصيب أخويك.
الشيب قد وخط سوالف البرجونثالث وأسبغ عليها لون الفضة، والزمن كتب على جبينه سطور التجاعيد ولو أن أكتافه ظلت قوية مفتولة، ورأسه ما زال منتصبا شامخا.
وفي صباح يوم من أيام الخريف يخرج البرجونثالث من داره وحيدا، لم يصطحب معه كلاب صيده، ولم يعلق على ظهره بندقيته، ولم يتزود بما اعتاد الصيادون أن يتزودوا به حينما يخرجون إلى مثل ذلك من أمرهم، مضى البرجونثالث في طريقه طويلا تظلله أشجار الجوز المصفرة التي تحف بشاطئ النهر، وأدركه التعب بعد أن بلغ عينا تسح بالماء في وسط خميلة كثيفة، وتوقف الكهل هناك ليجفف العرق المتصبب من جبينه ويبلل حنجرته برشفات من ماء العين، ثم توسد ذراعه واستلقى على العشب الأخضر..
ونظر البرجونثالث إلى السماء العريضة في وحدته وكأنه يخاطب الله قائلا :
« حمدا لك يا رب، لقد باركت في هذه الأرض التي تشقها وترويها يداي، فلم يخل منها بفضلك خبز على مائدتي، ولا امرأة طيبة في فراشي، ولا بنون أقوياء انحدروا من صلبي، بنعمتك يا رب أصبحت أرضي تغص ببيض الشياه، وامتلأت مناحلي بطيب الشهد، فاللهم أورعني أن أشكر نعمتك، فأنا أعرف مدى ما غمرتني به من فضلك، وحمدا لك قبل أن تقضي إرادتك بأن تزيل عني النعمة، وترفع الرحمة ».
وأقبل الرجل على صلواته وابتهاله حتى أخذته سنة من النوم، فقد كانت ظلال الأغصان المتماوجة وخرير الماء المنبعث من جوف الصخر كأنما تهيب به : « ثم أيها الرجل الطيب.. ثم واخلد إلى السكون».
واستغرق البرجونثالث في النوم. ولكن نومه لم يكن على ما كان يشتهي من سكينة ودعة، فقد تتابعت على ذهنه صور متلاحقة مما يرى النائمون في أحلامهم.
ورأى البرجونثالث كان صوتا بعيدا عميقا بخاطبه، ولمحت عيناه مرقاة من نور نازلة من السماء إلى حيث اضطجع جنباه، وكأنها تلك التي تراءت ليعقوب عليه السلام في نومه، ولعل الأمر لم يكن يخرج عن بعض أشعة شمس الأصيل، وهي تتخلل أوراق الخميلة التي كانت تظلله.
وليس من السهل على أحد أن يؤول ما يراه النائمون من تلك الرؤى التي تقتحم مخادع أفكارنا ومشاعرنا، فتفرق بين مجموعها وتدس بينها ذكريات مندثرة ومخاوف وأوهاما مستقبلة، هناك كثيرون ممن يزعمون لأنفسهم القدرة على تأويل الأحلام، ولكنهم كثيرا ما يخطئون وقليلا ما يصيبون، ولا سيما إذا تعلق الأمر بهذه الأحلام المزعجة التي تجثم على فؤاد النائم وتقض مضجعه، إذ أن الغالب عليها هو أنها صور منعكسة من ذكريات ماضية تتناولها بالتشكيل والصياغة يد خرفاء مرتعشة.. يد تلك الشخصية التي لا نراها وإن كانت تربض في أعماق نفوسنا جميعا : الخوف.
وكان البرجونثالث يحس كما لو أنه عاد إلى أيام طفولته، وكأنه بالموقد الذي تنبعث منه السنة اللهيب والسعادة، وحول النار انتظم أبواه وإخوته، ويد أبيع المغضنة تداعب الحطب المتوهج الأشقر بينما أقبلت أمه على دعائها وبين أصابعها مسبحة سوداء، وعلى الحائط الذي سوده الدخان قد اتخذت مكانها تلك الفأس المتألقة التي كان العجوز يستخدمها في تكسير أعقاب الشجر.
 ومضى البرجونثالث يطوي على صهوة أحلامه طريق الزمن : ها هو الآن في غضارة الشباب في أصيل يوم من أيام الصيف، والمرج الأخضر يمتد بين عينيه، وأشعة الشمس المنحدرة إلى المغيب تصبغ بلونها البرتقالي قمم أشجار القسطل، والبرجونثالث في ظل الشجر يرفع قنينته الجلدية إلى فيه، فينصب منها النبيذ الأحمر إلى حنجرته اليابسة، ومن حوله أسرة بيري ايبانيت : الأبوان والفتيات الثلاث، وحفيف الريح بين الأغصان وعلى العشب الضارب إلى الصفرة يعزف لحنا في صفرة الذهب وصفاء البلور، كما لو أن النجوم وهي ما زالت في أكنافها الخفية أقبلت تهدي الأرض أغنية سماوية قبل أن تطلع من مشارقها على المروج الخضر.
وفجأة سادت الظلال صورة الحلم، كما لو أن الساحرات اللاتي يغزلن خيوط الأحلام قد وقعت إليهن لفافة من الخيوط السود، فإذا بالبرجونثالث يرى الفراغ وقد ساده الظلام، وإن كان بصيص من النور الشاحب ما زال هناك في قاع الصورة، وبدا البيت مهجورا، والموقد مطفأ خامد الجمرات، ولكن الفأس اللامعة المتوهجة ما زالت في مكانها على الحائط.
ثم تلوثت الصورة مرة أخرى في بطء وتتشاتل، فالنور يتسلل مرة أخرى فيملأ الفراغ المظلم، وها هو ذا يرى ثلاثة أطفال يلعبون على باب الدار، وأمهم تراقبهم عن كتب وفي يديها لوب تخيطه، وعلى فمها ابتسامة تشرق بين حين وآخر، وأصغر الأطفال يبتعد قليلا، بينما يظل أخواه منصرفين لبعض شأنهما، ثم لا يلبث أن يحط بينهما غراب أسود لامع الريش نافذ النظرات.
وتسائلهم أمهم :
  ـ ماذا تفعلون يا بني؟
وينظر الأطفال بعضهم إلى بعض ولا يحيرون جوابا وتعود الأم للكلام:
ـ اصعدوا إلى الجبل، والتولي بحزمة من الحطب.
وينطلق الأطفال، ولكن أصغرهم يظل في مكانه لم يلتفت بوجهه إلى أمه، وهي تناديه فيعود إلى حيث كانت جالسة، بينما ينطلق أخواه إلى الجبل.
ومرة أخرى يبدو البيت.. البيت المهجور، والموقد الخامد الجمرات، وعلى الحائط ما زالت الفأس اللامعة المتوهجة.
ويعود الصبيان من الجبل، وعلى ظهرها حزم الحطب والتبن، والبرجونثالث يحد النظر إليهما فيتبين فيهما ابنيه الكبيرين، وها هو ذا يرى الأم تشعل القنديل، والولد الأكبر يلقي في الموقد بالحطب وأخشاب الجدوع، وينفخ في النار، ويسمع للخشب صرير، ولكن النار لا تكاد تشتعل حتى تخمد وتنطفئ، وتظل دار البرجونثالث باردة لا يسري إليها الدفء، وفي ضوء القنديل الخافت تلمع صفحة الفأس المتوهجة وهي متدلية على الحائط، ولكنها تبدو الآن كما لو كانت تقطر دما.
ـ ابناه، إن النار لا تشتعل في الموقد، فالحطب مازال مبللا بالماء.
ويأتي الابن الأوسط، وينفخ في الحطب معالجا إشعال النار بدوره، ولكن الموقد يظل باردا خامد الجمرات.
ثم يتقدم الأصغر، فيلقي على النار بحفنة من التبن، ولا ينفخ فيها حتى تنطلق ألسنة اللهيب الأحمر تشع الدفء في المكان، وتبتسم الأم في غبطة، ويأخذ الأب ابنه بين ذراعيه، ويجلسه على ركبته إلى يمين الموقد:
ـ بارك الله فيك يا بني، فأنت أو ولدي وأقربهم إلى قلبي وإن كنت آخرهم ميلادا وأصغرهم عمرا، لتكونن والله خير من انحدر من صلب أبيك، فقد ساق الله الدفء إلى هذه الدار على يديك.
واكفهر وجه الأخوين، وعلتهما وجمة وشحوب كشحوب الموت، ورآهما البرجونثالث في حلمه وهما يترويان إلى ركن من أركان البيت، والفأس في يد أكبرهما تشع لمعانا هائلا رهيبا ويمضي البرجونثالث في حمله الطويل المتثاقل، وهو مضطجع بين يدي العين التي ينبجس منها الماء، وكانت الشمس قد غابت وطواها الأفق، وبدا المرج وقد حفته زرقة قائمة، ولكن الظلام المتراكب لا يلبت أن تنفذ فيه أشعة هادئة، ويطل من أقصى الأفق قمر هائل ناصع البياض.
البرجونثالث ما زال مخلدا إلى غفوته، وماء العين تنحدر من الصخر الأصم، وله خرير رتيب متتابع كأنه بعيد على المسامع قصة حزينة قديمة: قصة الجريمة في الحقل.. جريمة كل يوم.
ولدا البرجونثالث يتخذان طريقهما إلى حيث كان أبوهما راقدا بجوار العين التي يتفجر منها الماء وهما يسيران في صمت، وظلهما يسبقهما في ضوء القمر الباهت مستطيلا ممتدا على المرج كأنه شبح أسود، وعلى جبين البرجونثالث سحابة مظلمة تضطرب بين حاجبيه كأنها أثر خلفته فاس ماضية أعملها ضاربها في جدع شجرة.
ويحس الرجل وهو ماض في حلمه الطويل كان ابنيه يتقدمان لقتله، ويفيق من نومه في تثاقل ليرى كيف يتحول الحلم إلى حقيقة..
ميتة بشعة تلك التي أوقعها ابنا السوء بأبيهما الكهل وهو إلى جوار العين التي يعول منها الماء، ميتة بشعة كفلتها لهما ضربة فأس مزقت عنق الرجل وأربع طعنات بالسكين في صدره، الفأس التي أورثها البرجونثالث ولديه والتي طالما كسر بها حطب موقده واستعان بها على بث الدفء في بيته هي عينها التي أجنز بها ابناه عنقه الغليظ الممتلئ، والسكين التي طالما أعملها الأب البر في قسمة الخبز على بنيه والمجتمعين على مائدته هي ذاتها التي غاصت في ذلك القلب النبيل، لقد كان البرجونثالث أبا عطوفا على بنيه وجارا كريما يعم بالبر كل من نزل به أو اعتفى معروفه، وحق له أن يبكيه كل من ألم به من طارق وابن سبيل.
ويتلبث ولدا البرجونثالث قليلا لا يعرفان ما يفعلان بجسد أبيهما الميت، وأخيرا يجرانه إلى مستنقع هناك، ثم يمضيان به إلى واد مظلم تحف به الحشائش المثكاتفة وأشجار الصنوبر المتراكبة، ثم يحملانه إلى البحيرة السوداء.. بحيرة ليس لها قاع يحيط بها سور عال من الصخور الرمادية الضاربة إلى الخضرة، وعلى قمم تلك الصخور مرابض للصقور والعقبان، ولم يكن أحد من أهل هذه الجهات ليجرؤ على الاقتراب من تلك البحيرة المظلمة الموحشة حتى في أشد أيام العام إشراقا وصفاء..
ويربط فتيا السوء إلى قدمي أبيهما حجرا ثقيلا ثم يرسلان به ينحدر على جنبات الصخور إلى قاع البحيرة.. البحيرة التي ليس لها قاع..
ويعود ابنا البرجونثالث عبر الوادي المظلم إلى حيث المستنقع آخذين سبيلهما بين الحشائش المتكاثفة، وأشجار الصنوبر المتراكبة، وكان لماء المستنقع هدير واصطخاب، ولكنهما يمضيان في صمت، وفي ءاذانهما وقر من هدير الماء واصطخابه.
ويحس بهما في الغابة ذئبان جائعان كانا يبحثان عن صيد، فلا يكاد الذئبان يطلعان عليهما حتى يمتلئا منهما رعبا ويوليا فرارا.. ويمضي الفتيان في طريقهما ويهمان بعبور النهر، فإذا بمجرى النهر يتحسر عنه الماء ويتخذ له مسربا آخر، ويخترقان الغابة، فإذا بالشجر والحشائش والصخور تنحاز عن طريقهما وتفسح لهما كأنما تتجنب أن تحتك بهما ثياب القاتلين الراهبين.. قاتلي أبيهما.
ودنا الفتيان مع العين التي كان أبوهما مضطجعا إلى جوارها، وكان الماء المنبثق منها مازال يرجع تلك القصة الحزينة القديمة، ولكنها لم تكد تسمع وطأ أقدامهما حتى كف الماء عن الخرير، وانقطع الحديث الحزين، ومازالت العين صامتة ساكنة حتى ابتعد عنها الفتيان وطواهما الظلام، وهناك عاد الماء إلى الخرير، ووصل ما كان قطعه من الحديث الحزين المعاد.
ـ 6 ـ
وهكذا ورث ولدا السوء عن أبيهما ما خلف ثروة ومال في ذلك اليوم من أيام الخريف، ورثا الكهل الصريع الذي خرج في صباح ذلك اليوم ولم يعد.
وفي اليوم التالي عثر بعض أهل القرية على أزار البرجونثالث إلى جوار العين، وعلى خيط من الدماء متوجه إلى المستنقع، غير أنه لم يجرؤ أحد على توجيه الاتهام إلى بني الرجل بقتله، فالفلاحون في العادة يخشون بأس القوي، ولم يحاول أحد أن يتحرى الأمر منقبا عن أثر القتيل في جوف البحيرة، فما كان مثل ذلك البحث ليعود بأي طائل، إذ أن البحيرة السوداء لا تعيد إلى سطح الماء ما تبتلع مياهها، بل أن أحد أولئك الباعة المتجولين الذين يهيمون في تلك الجهات خاض في ذلك الأمر وجهر بما كان الناس يتسارون به من قتل الفتيين لأبيهما الكهل، فكان نصيب البائع أن زجا به في السجن بعد أن لفقا به تهمة مصطنعة جمعا لها عددا من شهود الزور المأجورين، وانتهى الأمر إلى أن حكم عليه بالإعدام، فشنق في سجن سربة.
إن نزعات الشر في نفوس الناس متأصلة عميقة، هي أشبه ما تكون بمياه البحيرة السوداء.. ليس لها قاع..
وماتت أم الفتيان الثلاثة بعد ذلك بشهور، ويقول الذين رأوها مسجاة على سرير الموت أنها كانت تغطي وجهها بيديها، وقد تصلبت أصابعها الباردة كأنها كانت تخشى النظر إلى مشهد هائل فظيع.
شمس الربيع الدافئة تشرق على الحقول الخضر، والطيور تخرج فراخها الصغار من أوكارها في أعالي الشجر تعلمها الطيران في سماء شهر مايو الصافية، والحجل تتوتب مرحة بين سنابل القمح الغضة، وشجر الحور المصطف على جانبي الطريق وعلى ضعاف النهر قد ضرب لونه إلى الخضرة، وأشجار البرقوق قد انتشرت فيها الأزهار البيضاء.
وأرض البرجونثالث كأنها تبتسم لصاحبيها الجديدين اللذين ورتاها عن أبيهما الصريع، فالشجر والنبات يبشر فيها بمحصول وافر وخير كثير.
وأقبل الصيف، وكان عاما مخصبا فاض خيره على الشقيين، وألهتهما النعمة الجديدة عن ذكر جريمتهما، فالخطايا لا تثقل ضمير مرتكبها إلا إذا خشى عقاب الله أو الناس، فإذا كان من ذلك بمأمن وإذا ابتسم له الحظ فإنه يأكل خبزه في رضا كأنما هو خير أودعه الله كل بركته.
ولكن الشره إذا كان له في العادة مخالب تعرف كيف تسطو وتنهش، فإن يده عاجزة خرقاء لا تعمل، وقد مضى العام الأول بخيره ونعمته، فتمتع بع ابنا البرجونثالث ما وسعهما المتاع، ولكن الصيف التالي لم يكد يقبل حتى تبدلت الحال، وبدت الأرض كما لو عادت عابسة مقطبة في وجهي صاحبيها، فحقول القمح كان بها من الزنابق البيض والأعشاب أكثر مما كانا يؤملان أن يريا فيها من السنابل الشقر، أما الفاكهة فقد قتلها الصقيع وهي بعد غصة لينة، وعشرات الماشية ورؤوس الغنم كانت تتناثر جنتها الميتة بين يوم وآخر دون أن يعرف أحد لذلك سببا إلا ما كان يتردد على ألسنة الناس من أن ساحرة نفثت فيها رقية أو ألقت عليها دعوة مستجابة.
ومضى ذلك العام، وأتى الذي يليه، فكان أسوأ وأنكد: لقد أصابت اللعنة تلك الحقول، وكلما تضاءلت ثروة ابني البرجونثالث تزايد الشقاق بين امرأتيهما حتى كانتا لا تكفان عن النزاع والخصام، وولدت كل منهما ولدين، ولكن الحياة لم تقدر لهذه الذرية، فقد سممت الكراهية لبن أميهما، فقضى على الأطفال بالموت، وهم بعد في سن الرضاع..
كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وابنا البرجونثالث وامرأتاهما ملتفون حول الموقد الذي كانت جمراته الخامدة تلفظ آخر أنفسها، ولم يكن لديهم حطب يشعلونه ولا كان بوسعهم في تلك الساعة أن يخرجوا لاقتطاعه، وكانت الريح القارسة تتسلل من خلال ثقوب الأبواب والشرع وتصب سياطها الباردة على جلود الحاضرين، وكانت مسامعهم تسنك بحفيف الريح في داخل المدخنة ويتهاوى الثلج الذي تتقاذفه أعاصير الجليد في الخارج، وكانوا ينظرون في انكسار وصمت إلى جمرات الموقد المحتضرة.
وبينما هم كذلك إذ تعالت طرقات على باب الدار.. ويصيب الحاضرين ذعر مفاجئ، ويتوجه الأكبر إلى أخيه فيقول :
ـ ترى من الطارق علينا في مثل هذه الساعة؟ قم فانظر من ذا يكون؟
ولكن الجميع يظلون مشدودين إلى مقاعدهم دون أن يجرأ أحدهم على فتح باب الدار. وتتردد الطرقات على الباب :
   ـ افتحوا. أنا أخوكم..
ويهتف الجميع في صوت واحد :
ـ إنه ميجيل، لنفتح له.
وما فتحوا الباب حتى بدا لهم شخص ميجيل أصغر أبناء البرجونثالث وقد التف في عباءة ثقيلة قد غطته طبقة سميكة من ذرات الثلج البيضاء.
وعانق ميجيل أخويه ثم جلس أمام الموقد، وسادت فترة ضمت طويلة، وكانت الدموع تترقرق في عيني ميجيل، وأخوه يتجنبان التقاء نظره بنظرهما لقد غادر ميجيل هذه الدار وهو ما زال صبيا بعد، وهو يعود الآن إليها من بلاد المهجر بعد أن أصاب ثروة واسعة، وكان قد بلغه خبر موت أبيه وأمه، إلا أنه ما كان ليتطرق إليه الشك في أخويه.
وعلى الضوء الهزيل الخافت الذي كان ينبعث من جمرات الموقد الميتة بدت صورة ميجيل ومعالم وجهه.. كانت بشرته السمراء قد ازدادت سمرة بما لوحتها شمس أمريكا المحرقة، وقسمات وجهه النحيف الصلبة قد أيبسها العمل المتواصل : سمة تطبعها أرض المهجر دائما على وجوه من يستقرون فيها باذلين من الجهد ما يكتسبون به مالا وثروة، ولكن عينيه الكبيرتين كان يلمع فيهما بريق الشباب، وقد تهدلت على جبينه العريض المشدود خصل رقيقة من القسطلي، كان ميجيل أجمل إخوته مظهرا وأكثرهم وسامة، فقد كان بعيب وجه الأكبر حاجبان غليظان يرسمان خطا كثيفا من الشعر يخترق جبينيه فوق عينيه، وأما الأوسط فقد زادته ذمامة عيناه الصغيرتان اللتان تلتمعان ببريق قلق ينم على الجبن والمكر والقسوة.
وظل ميجيل صامتا ساهما بينما كان أخواه يحدان النظر إلى صدره الذي توهجت عليه سلسلة غليظة من خالص الذهب.. وقطع الأكبر حبل الصمت العميق :
ـ أتنوي الحياة معنا هنا؟
وأجاب ميجيل :
ـ ذلك إذا شئتم.. سيصل متاعي غدا.
وتمتم الأخ الأوسط في لهجة لا تخلو من الحقد
هذا هو شأن الدنيا، يبتسم الحظ لقوم فيمضون صعدا إلى الجاه والثروة، ويعبس لآخرين فينحدرون إلى حضيض الفقر والحاجة، ولك في أمرنا عبرة : تعود أنت مثقلا بالذهب، ونحن كما ترى لا نملك حتى قليلا من الحطب نستدفئ به.
وكانت الريح في الخارج تكاد تقتلع الأبواب والنوافذ، وصفيرها يدوي في المدخنة كأنه رغد قطيع من الذئاب، وكان البرد ينفذ إلى العظام فتسري إليها رعدة قاتلة.
وكان ميجيل يهم بالكلام حينما قطعت عليه الحديث طرقات متتابعة على الباب، ونظر الفتى إلى أخويه كأنه يسألهم عمن يمكن أن يكون في مثل تلك الساعة المتأخرة، أما هذان فقد كانا يتبادلان النظر وقد استولى عليها الذعر والفزع.
وتكررت الطرقات على الباب، فقام ميجيل وفتح ولم يكن هناك أحد.. لم ير الفتى إلا فراغ الليلة المظلم، وصكت وجهه موجة من الهواء البارد ألقت على وجهه رذاذا متناثرا من الثلج.. لم ير ميجيل أحدا، ولكن بدا له كأن شيخا يختفي بعيدا في الظلام تحت ذرات الثلج البيضاء المتساقطة.
وهم ميجيل بإغلاق الباب والعودة إلى حيث كان، ولكنه لم يكد يفعل حتى لمحت عيناه فجأة على عتبة الباب كومة من الحطب بين قدميه، وفي هذه اللحظة اشتعلت في البرجونثالث نار متوهجة لم تشتعل قبل ذلك أبدا في الموقد الخامد الجمرات.
 كان ميجيل قد عاد من بلاد المهجر ذا وقر وثروة، وإن لم تكن بقدر ما صور لأخويه شرههما وشهوتهما إلى المال، وعزم الفتى على أن يستقر في تلك القرية حيث رأت عيناه النور لأول مرة، ولكنه كان يعلم أن الأرض التي كانت لأبيه قد ءالت كلها إلى أخويه، وهكذا عرض على هذين أن يشتري قطعة من أرضهما ناقدا إياهما ثمنا لم تكن تساويه، وقبل الأخوان، وتمت المبايعة، وبدأ ميجيل في فلاحة الأرض التي حلت عليها اللعنة.
وأعاد الذهب البهجة والفرح إلى قلبي الأخوين بعد ظلام وانقباض، ولكن عودة المال إلى أيديهما صرفتهما عن العناية بالأرض، وأخذا ينفقان في سرف على ملاهيهما ولذاتهما، حتى أضاعا الجانب الأكبر مما غنماه من صفقتهما الرابحة، ولم يمض العام حتى رأيا ألا مفر من أن يعودا إلى فلاحة أرضهما والعمل فيها كما يفعل الناس.
أما ميجيل فقد كان يشتغل بأرضه من مطلع الشمس حتى مغيبها، كان لا يالوا جهدا في حرث تلك الأرض التي طالما أضر بها الإهمال، وكان يجتهد في تنظيفها من وحشي الأعشاب، وفي ريها بعد أن يبسها الجذب وقلة العناية، وهكذا عاد إلى تلك الأرض رواؤها وخصبها، وحفلت مرة أخرى بسنابل القمح الممتلئة الشقراء، بينما ظلت أرض أخويه كما كانت مقفرة قاحلة، وكان أخواه ينظران إلى تلك الحياة الجديدة التي دبت في أرض ميجيل وملء قلبيهما الغل والحسد وملء عيونهما الرغبة في المزيد من المال، وعاد ميجيل إلى شراء ما باقي من أرضهما ونقدهما الثمن مضاعفا كما فعل من قبل.
عادت أرض البرجونثالث إلى ابنه الأصغر ميجيل، وعادت معه إلى الحقول الملعونة ما كان المزارع العجوز قد أفاض عليها من الخير والخصب، أما الأخوان الكبيران فإنهما لم يريا أيديهما مملوءة بالمال حتى عادا إلى ما كانا فيه من الإنفاق عن يمين وعن شمال، وما زالا حتى أدت بهما الخمر والمقامرة واللذات مرة أخرى إلى الفقر والإفلاس.
كان أخوا ميجيل قد قضيا يومهما في قرية مجاورة كانت تحتفل بموسمها السنوي، وكانا قد أسرفا في الطعام والشراب، طيلة ذلك اليوم، فلما أقبل المساء اتخذا طريقهما عائدين إلى قريتهما، وكان الأكبر مقطب الوجه، وقد تقارب ما بين حاجبيه الغليظتين، وتحت جبينه الضيق تختمر فكرة هائلة رهيبة.
وتوجه بالحديث إلى أخيه:
ـ كيف تفسر إقبال الحظ على ميجيل؟ فها أنت ذا ترى الأرض تغمره بالخير والثروة بينما تضن علينا نحن بكسرة خبز.
وتمتم الأصغر في صوت لا يكاد يبين :
ـ ضرب من ضروب السحر، وفنون من رقي الشياطين.
ومضى الأخوان في طريقهما صامتين حتى اقتربا من حقول أخيهما الأصغر، فخطر لهما أن يطلعا عليهما من أعلى السور، وبدا الحقل وقد اكتظت أشجاره بالثمار، وهناك بين أحواض الورد تبينا شخص رجل منحن على الأرض منصرف إلى معالجتها.. وقال الأكبر:
أنظر إليه، ها هو ذا هناك لا يكف عن العمل في ظلام الليل، ثم أقبلا يصيحان بأخيهما:
ـ ميجيل.. ميجيل..
ولكن الرجل الذي كان يباشر عمله في الأرض لم يلتفت إليهما وكأنه لم يسمع نداءهما. وبقي منكبا على الأرض يشذب هذه الأغصان أو يقتلع تلك الحشائش، وأنعم الأخوان النظر، فهالتهما رؤية شيء غريب : هالة من النور تحيط بشخص ذلك الرجل الذي ظل مقبلا على عمله، ولكنهما نسيا ذلك إلى اسرافهما في الشراب إذ لم يكن من الغريب أن تضطرب الصور وتختلط في نظر الثمل، وليت الفتيان يتأملان، وما كانت لحظة حتى انتصب ذلك الرجل واقفا، واتجهت خطواته إلى حيث كانا واقفين دون أن يبدو عليه أنه رءاهما، وكأنه كان متجها إلى ركن ءاخر من أركان الحقل يواصل العمل فيه، ودنا ذلك الشخص منهما، فشخصا بأبصارهما إليه، لم يكن ميجيل، وإنما هما يتبينان فيه صورة أبيهما، البرجونثالث نفسه يعمل في أرض ابنه ميجيل بعد أن لفظته مياه البحيرة السوداء.. البحيرة التي ليس لها قاع..
واستيقظ الأخوان في اليوم التالي، ولم يذكرا من حديث الأمس إلا أنهما أكثر من النبيذ، فتراءت لهما ما اعتاد السكارى أن يروه من تهاويل غريبة وصور مزعجة،  ولم يلقيا بالا إلى ذلك، وأقبلا على شأنهما من الإسراف في المتعة وإنفاق المال عن يمين وعن شمال، بينما مضى أخوهما الأصغر في فلاحة أرضه والعناية بها، والله يزيده من الخير ويضاعف له من الثمرات.

ومن جديد يشعر الأخوان بدم قابيل يسري في عروقهما، وكانت ذكرى جريمتهما الأولى تحثهما وتدفعهما دفعا إلى ارتكاب جريمة ثانية.
واستقر عزمهما في النهاية على قتل أخيهما، ولم يترددوا في إنفاذ ما عقدا عليه النية، فاقتحما عليه ناعورة الماء ذات يوم وخنقاه فيها، ولم تمض على ذلك أيام حتى بدت جيفة طافية على ظهر الماء.
وبكى الشقيان أخاهما بدموع زائفة حتى يبعدا عنهما شكوك أهل القرية الذين لم يكن أحد منهم يكن لهما أي شعور بالود أو الصداقة، ومع ذلك لم يخل الأمر من تهامس بعض الناس هناك باتهامهما بتلك الجريمة، غير أنه لم يستطع أحد أن يقدم على ذلك الاتهام دليلا أو قرينة.
ومرة أخرى عادت أرض البرجونثالث إلى الأخوين المجرمين.
وفي صيف تلك السنة امتلأ بيتهما بالرخاء والنعمة، فقد حصدا من تلك الأرض ما كان أودعها أخوهما ميجيل من الجهد والعمل، ولكن الأرض الملعونة عادت عليهما في السنة التالية بما عودتهما من الشح والتقتير، ورجعت إلى سنتها من القحط والجفاف.
ها هو ذا الأخ الأكبر منحن علة محراثه يشق الأرض في إعياء ونصب، وهو يتوقف ليسترد أنفاسه ويجفف العرق المتصبب من جبينه، ويرجع النظر فيما شق من الأرض، فيهوله أن يرى الأرض تنطبق عليه من جديد، وتنسد الشقوق كأن لم تكن.
والأخ الأوسط قائم في الحديقة التي كانت أشجارها مثقلة بالفاكهة والثمر لم يعد فيها الآن إلا وحشي الأعشاب، وهو يعالج اجراء الماء في جداولها بفأسه، ولكنه يرى والفزع يغشى عينيه أن الأرض لا يتفجر منها الماء، وإنما ينبثق منها جدول من الدم، ويقف الفتى متهالكا على الفأس ويردد بصره في ذلك المشهد الهائل الغريب، ويتصبب العرق البارد على جبينه المحموم.
وفي اليوم التالي يجتمع الأخوان كأنهما على موعد ويتخذان طريقهما في صمت إلى البحيرة السوداء مخترقين مروج الحشائش وخمائل الصنوبر.
ويدنو على صوت مسيرهما ذئبان كانا هناك، فلا يكادان ينظران إليهما حتى يمتلئا منهما رعبا، ويوليا فرارا.
ويطلع الفتيان على صفحة البحيرة، ويعلو صياحهما:
ـ أبتاه...
ويتردد الصدى من أغوار الصخور التي تحف البحيرة:
ـ أبتاه.. أبتاه.. أبتاه..
ولا تكاد الصخور تصمت عن ترديد النداء حتى تكون قد التفتهما مياه البحيرة السوداء.. البحيرة التي ليس لها قاع..


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here