islamaumaroc

حكم المرتد في الإسلام

  دعوة الحق

57 العدد

(1)قبل بضع سنين جاء رجلان من بلاد فارس التي تعرف حكومتها في هذا الزمان بإيران، فاستقر أحدهما في تطوان، واتخذ له مركزا يدعو فيه إلى البهائية ويحاول نشرها في شمال المغرب. واستقر الآخر في مدينة مكناس، واستأجر قصرا جميلا تحيط به مزرعة، واخذ يغري الصبيان والسفهاء من الشبان بالطعن في الإسلام والدخول في البهائية، وأخذ يعمل لهم المآدب وينفق الأموال الكثيرة مما جعل الناس يعتقدون أن الحكومة الإيرانية كانت تمده بالمال. واخبرني ثقة عندي كان متصلا بسفير إيران في الرباط، أعني السفير السابق، أنه كان متضجرا من وجود ذلك الداعية البهائي، لأنه يسيء إلى العلاقة بين الشعب المغربي والحكومة الإيرانية وشعبها. إلا أن ذلك السفير لم يلبث أن استبدل بغيره، واشتد استياء الناس في جميع أنحاء المغرب حين رأوا أولئك السفهاء المأجورين يشتمون نبيهم ويطعنون في دينهم لأجل أكلة يأكلونها أو نزهة يتمتعون بها من ذلك الداعية، هذا ما حدث في هذه الناحية. وأما في ناحية الشمال فإن تحمل الناس للاهانات التي صدرت من داعية الشمال والطغام والملتفين به كان أقل من احتمال أهل الجنوب فرفعوا الشكاوي المتكررة إلى عامل تطوان فدعا ذلك الإيراني وزجره وهدده، فذهب إلى ناحية الناضور في قلب الريف المغربي، وأهل الريف معروفون بتمسكهم بالدين ومحافظتهم على العقائد، ومنهم كان جيش الأمير محمد بن عبد الكريم البطل المشهور، فاخذ ذلك الداعية يبث سمومه في سفهائهم، فثار الناس وضجوا ورفعوا أمرهم إلى الحكام فطردوا ذلك الداعية وحاكموا من أصر على إتباعه من السفهاء وحاكموا عليهم بالإعدام.ولم أطلع على الحكم ومستنده، ولكني سأجيب بما تقتضييه الشريعة الإسلامية ويتحتم على كل حاكم مسلم أن يحكم به. تم أذيل ذلك بحكم القانون العالمي الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان ولا يزال العمل جاريا به في  كل مكان. قال الله تعالى في سورة الأنعام (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون 151) وقال تعالى في سورة الإسراء (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق 142) قال الإمام ابن كثير في تفسير آية الأنعام التي تقدم ذكرها، وقوله تعالى، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. وهذا مما نص تبارك وتعالى عن النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال، قال رسول الله (ص) (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى الثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وفي لفظ لمسلم، و(والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم) وذكره. قال الأعمش، فحدثت به إبراهيم فحدثني عن الأسود عن عائشة بمثله. وروى أبو داود والنسائي عن عائشة، أن رسول (ص) قال، لايحل دم أمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال، زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض) وهذا لفظ النسائي. وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه قال وهو محصور، سمعت رسول الله (ص) يقول:
لا يحل دم أمريء مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ولا قتلت نفسا فبم تقتلونني) رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي هذا حديث حسن. وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب. فروى البخاري عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص) مرفوعا (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال ( من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وان ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفا) رواه ابن ماجة والترميذي، وقال حسن صحيح.
نفهم مما تقدم أمورا، أولها أنه يحرم قتل المسلم، إلا إذا ارتكب واحدة من الثلاثة، إذا زنى بعد إحصان، أي بعد أن تزوج، وقتل نفسا عمدا، أو خرج من دين الإسلام وفارق جماعة المسلمين. ثانيها، أن هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، إلا الرجم فإنه ثبت بالسنة والإجماع، ولا يوجد في القرآن. وقد رجم النبي (ص) الزانين والزانيات المحصنين من المسلمين ومن اليهود لما رفعوا الأمر إليه وحكموه، كما جاء في صحيح البخاري أن يهوديا زنى بيهودية، يعني وكانا محصنين، فرفع اليهود أمرهما إلى النبي (ص) فسألهم النبي عن عقوبة الزاني المحصن فقالوا نفضحهم، أي الزناة ويجلدون. قال عبد الله بن سلام، كذبتهم أن في التوراة الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام، ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله (ص) فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. وقولهم، نفضحهم، تفصيل فضيحتهم، أنهم كانوا يحممون وجه الزاني والزانية، أي يسودنهما بالفحم ويركبونهما على حمارين مقلوبين ظهورهما إلى جهة رأس الحمارين ويطوفون في الأسواق ويجلدونهما. وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من ملوك المسلمين وحكامهم، كلهم ساروا على هذه الشريعة التي شرعها الله في دينه الحق وانزلها على أنبيائه. وقد حكم بالرجم في مكة شرفها الله على رجل وامرأة سنة 1957 بالتاريخ المسيحي وكنت حاجا في تلك السنة فعلمت أن ذلك الرجل كان أصله من اليمن والمرأة أصلها من الهند، وكلاهما من سكان مكة اعترفا أمام القاضي بالزنى وكانا قد أحصنا، وكانا يعلمان أنهما سيرجمان فلم يمنعهما ذلك من الإقرار. وبعد حكم القاضي النهائي استؤذن الملك سعود في تنفيذ الحكم فأذن به، وقال القاضي للرجال الذين ذهبوا بهما إلى محل الرجم اتركوا لهما دائما فسحة للهرب إن شاءا أن يهربا، وأخبرا بذلك فلم يهربا ونفذ فيهم الحكم. فأنكر ذلك بعض الحجاج الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه. وإنما ذكرت هذه القصة ليعلم أن الرجم في الإسلام أمر مجمع عليه من زمان النبي إلى يومنا هذا.
وأما حكم من قتل نفسا بغير حق متعمدا فهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ولا حاجة إلى ذكر أدلته، ولم يزل معمولا به في جميع الشرائع والقوانين إلى هذا الزمان، فبدأ بعض المتهوكين يدعون إلى ترك القصاص واستبداله بعقاب آخر ولم ينجحوا إلا قليلا في بعض الدول. ونقول في حقهم كذبوا وصدق الله العظيم إذ يقول: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)، فكل من يدعو للإبقاء على القاتل المتعمد زاعما أن ذلك من الرحمة فهو أجهل من حمار أهله.
وقوله، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض) ينبغي أن نفكر قي هذه العبارة فإن فيها سر المسألة. رجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض. إذن فكل خارج من الإسلام فهو ناقض للعهد محارب لجماعة المسلمين، وهذه جريمة يعاقب عليها بواحد من ثلاثة، القتل، أو الصلب، وهو شر منه، أو النفي. ومصداق ذلك في كتاب الله في سورة المائدة رقم33 (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
ولما كان الإسلام لا يفرق بين الدولة والدين، فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من خرج من الإسلام خائنا الخيانة العظمة، ناقضا للعهد ،محاربا لدولته وشعبه، فهو يستحق القتل، قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية، المحاربة هي المضادة والمخالفة. وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل. وروى البخاري ومسلم عن انس بن مالك أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله (ص) فقال، ألا تخرجوا مع راعينا في ابله فتصيبوا من أبوالها وألبانها، فقلوا بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فقتلوا الراعي وطردوا الإبل فبلغ ذلك رسول الله (ص) فبعث في آثرهم فأدركوا، فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. وهذا لفظ مسلم.

شــرح الحــديــث :
قوله، ألا تخرجوا مع راعينا في ابله، بينت الروايات الأخرى أن أولئك الرجال الثمانية الذين جاءوا إلى النبي من قبيلة عكل أظهروا له الرغبة في الإسلام فاسلموا وبايعوا النبي، وكانوا مرضى، منتفخة بطونهم من داء البطن فاجتووا المدينة، أي استوخموا هواءها ورأوه رديئا لا يوافق صحتهم، وشكوا على النبي (ص) ذلك فأذن لهم في الخروج من المدينة إلى الأرض ذات هواء طيب وبعث معهم لقاحا وراعيها، وفي رواية وراعيها، واللقاح هي النوق الحلائب ذات الألبان. وأمرهم أن يشربوا من أبالها وألبانها. إنما شربوا من أبوالها، لان العرب تعتمد أن بول الإبل يشفي من داء البطن. فلما صحت أجسامهم وخمصت بطونهم، أي ذهب ما بها من الانتفاخ سمروا أعين الرعاة، أي ادخلوا فيها المسامير حتى عميت. وفي رواية، ادخلوا فيها الشوك، ثم قتلوا الرعاة وساقوا الإبل، فلما بلغ الخبر النبي (ص) أمر مناديا أن ينادي يا خيل الله اركبي، فركب عشرون فارسا وساروا في طلبهم فأدركوهم وجاءوا بهم إلى النبي (ص) فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، أي إدخال المسامير فيها، والقو في الشمس وبقوا كذلك حتى ماتوا. وهؤلاء تعددت جرائمهم، خرجوا من الإسلام ونقضوا العهد وقتلوا النفوس البريئة التي كانت تحمل إليهم اللبن وتخدمهم ونهبوا الإبل، فكان جزاؤهم شديدا ليكونوا عبرة لغيرهم من الأعداء الغادرين. والجزاء من جنس العمل. واختلف العلماء في أنواع العقاب المذكورة في الآية. فقال كثير منهم، الخيار في ذلك أمام المسلمين، أي الخليفة أو نائبه، إن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم بعد قتلهم،وإن شاء اكتفى بنفيهم. وقال آخرون، ان كانوا مرتدين عن الإسلام أو قاتلين أنفسا بريئة فلا بد من قتلهم. وان كانوا لصوصا اقتصروا على نهب المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي تقطع يد من جانب ورجل من الجانب الآخر.وإن لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل أخافوا الناس وبثوا الفزع ينفون من الأرض، أي من أرضهم مدة من الزمان كافية لتأديبهم.

ذكر أحاديث آخري في هذا المعنى
قال الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم، في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم ص. 86 أخرج مسلم عن عائشة مثل حديث ابن مسعود. أي قول النبي (ص) لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث إلى آخره وقد تقدم. وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عثمان عن النبي (ص)، لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس، وفي رواية للنسائي، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل. وقد روي هذا المعنى عن النبي (ص) من رواية ابن عباس وأبي هريرة وانس بن مالك وغيرهم. وقد أطال ابن رجب في تفاصيل الأقسام الثلاثة المذكورة في حديث ابن مسعود، ونقل نصوصا كثيرة من الأحاديث المرفوعة إلى النبي والموقوفة على الصحابة، وذكر كذلك اختلاف الأئمة في بعض المسائل التي ورد فيها الحكم بالقتل على أنواع أخرى من المجرمين، كالجاسوس المسلم يتجسس على إخوانه المسلمين لأعداء الدين، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن زنى بامرأة من محارمه، وتارك الصلاة، والساحر، واللص وغيرهم، ولم انقل شيئا من ذلك، لأنه خارج عن موضوع السؤال. ثم قال ابن رجب في ص. 91. وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة، فمعناه الإرتداد عن دين الإسلام، ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه، قد ترك بذلك دينه. وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يعمل من الدين بالضرورة، كالصلاة وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين. ومضى إلى أن قال : ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك كان حكمه حكم المنافقين، وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة. وقد حكي ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة.
قال محمد تقي الدين الهلالي مملي هذه المقالة : المراد بالداعية البدع فيما تقدم من يدعو إلى القول بخلق القرآن، وإنكار عذاب القبر، وإنكار شفاعة النبي يوم القيامة، والقول بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، ونحو ذلك مما اختلف فيه المتكلمون من الطوائف الإسلامية. والصحيح عند المحققين أن تلك العقائد لا تخرج المسلم عن الدين ولا تلحقه بالمرتدين. ولكن إذا كان الداعية إلى مثل تلك البدع محكوما عليه بالقتل عندهم، فكيف تكون الحال في من يعتقد أن رسالة محمد قد نسخت وأبطلت بظهور الباب والبهاء. وينكر جميع فرائض الإسلام وينكر قيام الساعة الذي تكرر ذكره في القرآن، ويزعم أن المراد بذلك ساعة قيام البهاء مؤسس البهائية إلى غير ذلك من الكفر الصريح الذي لا يختلف فيه أحد من المسلمين.
وقال الإمام ابن قدامة في كتاب المغنى المجلد 8، ص123. كتاب المرتد. المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال الله تعالى :(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال النبي (ص) من بدل دينه فاقتلوه، واجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد.وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد، وغيرهم ولم ينكر ذلك فكان إجماعا.
وقد أطال ابن قدامة في هذا الموضوع وذكر تفاصيل أقوال العلماء في استتابة المرتد أو قتله بدون استتابة. ولم أر حاجة إلى نقل ذلك،  فليراجعه من شاءه. وكذلك الإمام أبو محمد ابن حزم في المجلد 11 في المسألة رقم 2195 ص188 من كتاب المحلى له. وهذا الحكم مذكور بتفصيل في كتب التفسير والحديث وشروحها. وفيما ذكرته كفاية لكل مسلم مخلص في إسلامه.
وأما غير المسلمين فلما معهم كلام آخر، نقول لهم: ما ترون فيهن خرج من صفوفكم وانضم إلى أعدائكم ما حكمه، فسيقولون، إننا نفرق بين الدين والدولة مقتدين بما جاء في الإنجيل (اعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر). ومن الكلمات الجارية مجرى المثل السائر (الدين لله والوطن للجميع)، فمن خرج من صفوف شعبه ودولته والتحق بصفوف أعدائها يكون مرتكبا للخيانة العظمى ويستحق القتل. وأما من خرج من ديننا إلى دين آخر أو إلى غير دين فليس عليه جناح ولا يستحق عقابا. قلنا، لكم دينكم ولنا ديننا. أما نحن فلا نفرق بين الدين والدولة أبدا، فكل شيء عندنا لله، وليس لقيصر شيء، بل قيصر نفسه هو لله. وقولهم: الدين لله والوطن للجميع، إن كان معناه حفظ حقوق المواطنين المشروعة كيما كان دينهم فالإسلام يقول به ويعطي كل ذي حق حقه، ولا إكراه في الدين، إن كان معناه أن حق الله محصور في الدعاء بين جدران الكنيسة، ولا حق له فيما يحاوله المسلم ويزاوله من أمور دنياه، فلا حلال ولا حرام إلا ما حلله أو حرمه القانون الوضعي، ولا واجب إلا ما أوجبه القانون الذي وضعه أناس يجوز عليهم الخطأ والزلل وإتباع الهوى، فالإسلام يرد هذا القول ويراه في غاية الفساد، فالدين لله والوطن لله وسكانه لله، ويجب الحكم بينهم بما أنزل الله، وهو القرآن وبيانه من كلام رسوله الله. ولو آمنا بذلك القول لم يبق لنا إسلام ولا إيمان، فإن مقتضى ذلك أن من سب الله أو أحد أنبيائه لا شيء عليه، ومن سب الملك أو رئيس الجمهورية، بل من سب أي مواطن، وان كان في أسفل سافلين يكون قد ارتكب حراما يعاقب عليه. وعلى هذا يكون حق أي مواطن أعظم من حق الله، ومنزلة أي مواطن أعظم من منزلة جميع أنبياء الله، فأي دين يبقى مع هذه العقيدة الفاسدة المتناقضة، وماذا يبقى من المقدسات والعقائد التي لأجلها يحيا المسلم أو يموت. قال الله تعالى في سورة الممتحنة رقم4: (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والدين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دوم الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده)، وقد كان معنا في إذاعة برلين رجل انجليزي اسمه جورج، وكان يلقب على سبيل المداعبة (لورد) (هو هو) كان يذيع الأخبار من تلك الإذاعة باللغة الإنجليزية.وبعد انتهاء الحرب سمعنا أنه حكم عليه بالقتل من قبل محكمة بريطانية واعتبر اشتغاله في برلين في زمان الحرب خيانة لوطنه يستحق عليها القتل. وكم قتلت حكومة الجنرال ديكول السابقة التي أنشئت بعد انتهاء الحرب من مواطنيها المتعاونين مع حكومة الاحتلال الألمانية. ومنهم الزعيم الفرنسي لافال).
إذا كان الإنسان حرا في عقيدته الدينية، له أن يخرج من دين إلى دين، ولو فعل ذلك في كل يوم مرارا فلا حرج عليه، وله أن يطعن في كل دين خرج منه، فلما لا يجوز له أن يخرج من عقيدة سياسية إلى أخرى مثلها؟. وما هو ذنب (لافال) ومن قتل معه إذا اعتقدوا أن (النازية)، أي الاشتراكية الوطنية التي كان عليها حزب هتلر أصلح للشعب الفرنسي واجمع لشمله وقواه، وخصوصا في ذلك الزمان، من فوضى الأحزاب التي كانت ضاربة أطنابها في فرنسا وسببت لها شقاء كثير؟. أظن أن الجواب عن هذه الأسئلة المحرجة ليس من السهولة بمكان على من يريد الإنصاف ويلتزم المنطق.

مستند الحكم على بعض المغاربة الداعين إلى البهائية
أخبرني احد العلماء الثقات أن المحكمة التي حكمت على أولئك المغاربة لم تكن شرعية إسلامية، وإنما كانت من المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية. ومستندها هو أن دعوتهم أخلت بالأمن العام، فليطمئن أعداء الإسلام ولن يراعوا، فإن المحاكم الإسلامية في بلاد الإسلام ويا للأسف، لا يستطيع أن تحكم بالقتل على أي مجرم، لان ذلك ليس من اختصاصها. ولو بقيت للمحاكم الإسلامية حقوقها لما صارت لدول الاستعمار والاستعباد هذه الغزة وهذه الصولة.

هل يحكم الإسلام على كل كافر بالقتل؟
ربما يتوهم متوهم أن الإسلام إذا حكم على كل من كفر به بمثل ذلك، فدفعا لهذا التوهم أقول، أن الناس ينقسمون في نظر الإسلام إلى قسمين، مسلمين وغير مسلمين. فأما المسلمون فلا يقتل أحد منهم إلا بحق من حقوق الإسلام، وقد تقدم ذكرها. وأما غير المسلمين فينقسمون إلى قسمين،  قسم لهم عهد أو ذمة، وهم المعاهدون والمصالحون والمستأمنون، وقسم المحاربون في وقت محاربتهم للإسلام. فالقسم الأول يحرم الإسلام دمائهم وأموالهم كما يحرم دماء المسلمين وأموالهم. وقد تقدمت الأحاديث صريحة في ذلك في أول هذه المقالة فتأملها. وأما المحارب للإسلام فيجب على كل مسلم أن يبذل كل ما في وسعه في قتاله على قواعد وأسس معلومة، منها عدم قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة، إذا لم يشاركوا في القتال. ومنها عدم الإجهاز على الجريح، بل يجب أن يعالج ويكرم مثواه كما فعل الملك صلاح الدين في الحروب الصليبية بالملك(رشا) الإنجليزي الملقب بلقب الأسد، وقصته مذكورة في الحروب الصليبية ذكرها المؤرخون من الإنجليز وغيرهم. ولكني أعترف أن أكثر المسلمين قد جهلوا شريعة الإسلام وصاروا أبعد الناس عنها، فدعواهم وأقوالهم في واد وأعمالهم في واد آخر، فيجب على النصف أن يفرق بين الإسلام وما يفعله المدعون له، ويحتج بالإسلام على المسلمين.          

 (1) جاءني السؤال التالي من احد تلامذتي الذين يدرسون في بريطانيا، وهو السيد عصام الآلوسي. وهذا نصه : لقد أوردت الصحف البريطانية في الأسابيع الأخيرة أخبارا عن بعض أفراد الطائفة البهائية في المغرب ، والحكم على بعض منهم بالإعدام من قبل المحاكم الإسلامية. ولم تذكر الصحف كل الأسباب الداعية إلى هذه المحاكمات، مما جعل كثيرا من الأسئلة تدور في أذهان الطلبة المسلمين وغير المسلمين هنا. وأرجو أن أمكن أن تكتبوا لنا هذه عن هذه المحاكمات من الوجهتين، القانونية والشرعية، وموقف الإسلام من أمثال هذه الطوائف، لكي نقرأه على الطلاب المسلمين، والذين يجتمعون في المركز الإسلامي أسبوعيا. وإذا أحببتم فنترجمه إلى الإنجليزية ونحاول نشره هنا، وخاصة في مجلة  Muslin News International


                                        

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here