islamaumaroc

ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد -2-

  دعوة الحق

57 العدد

الإسلام في مواجهة المشكلات الجديدة
1 -  التعسف في فهم النصوص
إن المسلمين حين واجهوا الحضارة الغربية في هذا العصر وقفوا مواقف مختلفة وصادفوا أحوالا  متنوعة. ففي حين أن بعضهم قاس الإسلام بمقاييس غيره وقومه بقيم استعارها من أنظمة أخرى وهي غير مسلم بها نرى فريقا آخر يتعسف في فهم النصوص، ويتعثر في فهم مدلولات الألفاظ، ومثال ذلك من ينكر مبدأ الضرائب المالية بحجة أنه ليس في الإسلام ضرائب وإنما فيه الزكاة، ولو كان هذا المنكر دقيقا خبيرا لقال : أن الضريبة مال تستوفيه الدولة من الناس وتجبيه منهم بطريقة معينة أو نسبة محدودة. ولو نظرنا إلى موقف الإسلام حينئذ من الضريبة لوجدنا أنه يقر أنواعا منها وينكر أنواعا، فالزكاة نفسها ضريبة مالية وكذلك الخراج والجزية مثلا. ولو طرحنا هذا السؤال، هل يجوز لولي الأمر أن يفرض على الناس ضرائب لم يرد عليها نص شرعي ؟ لكان الجواب أن في الإسلام قاعدة قررها الحديث الوارد في صحيح الترمذي وهو قوله عليه السلام ((في المال حق سوى الزكاة))، ولم يحدد الحديث هذا الحق فإذا اقتضت مصلحة المجتمع إنفاق المال ولم يكن في بيت المال ما يكفي، وكانت هذه المصلحة ضرورية كالدفاع عن أرض المسلمين، أو كفاية الفقراء الذين لم تكفهم أموال الزكاة، فلولى الأمر أن يفرض في أموال القادرين ما يسد تلك الحاجة الضرورية تطبيقا لهذا المبدأ. وعلى هذا فليس مبدأ فرض الضريبة في ذاته منكرا، ولكن لو فرض الحاكم ضريبة مالية لا مسوغ لها أو تتضمن ظلما لفئة من الناس لكان بذلك مرتكبا ظلما لا يقبله الإسلام. ولا عبرة لكون لفظ الضريبة حديثا غير قديم، ولا يستدل من حداثتها على أن مدلولها لم يكن معروفا، بل الأمر على عكس ذلك إذ أن مدلولها وهو (فرض ولي الأمر فريضة في مال الرعية) كان معروفا وتدخل الزكاة تحت هذا المعنى الواسع، ولكن الزكاة هي الحد الأدنى الذي لابد منه، وإذا تأملنا الحديث القائل (في المال حق سوى الزكاة)، والحديث الآخر الذي رواه مسلم في صححيه : عن أبي سعد الخدري، قال : بينما نحن في سفر مع النبي (ص)، إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله (ص) من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا انه لا حق لأحد منا في فضل)). أقول إذا تأملنا في هذين الحديثين عرفنا أن لولى الأمر كما بين الفقهاء أن يأخذ حين اقتضاء الضرورة وتحقيق المصلحة العامة من أموال الناس الزائدة عن حاجاتهم الأصلية ما تقتضيه تلك الضرورة وتحقق به المصلحة. ويفهم من هذا الحديث أن تملك ما يزيد عن الحاجة إنما هو في المفهوم الإسلامي نوع من التملك يمكن أن يحدده ولي الأمر بحدود الضرورة والمصلحة العامة. وأما تقدير الضرورة والمصلحة فليس كيفيا ولا خاضعا لأهواء، وإنما يجب أن يستأنس فيه بأهداف الشرع المستنبطة من نصوصه ويقتصر فيه على حد الضرورة ولا يتعداها.
وقد ذكر الفقهاء أحوال لولي الأمر فيها أن يأخذ من أموال الأغنياء أو من فضول أموال الناس ما تسد به الحاجة الضرورية.
2-   تطبيق قواعد الشريعة على الأحوال الجديدة
        وقد تحدث للناس أحوال وتقع لهم وقائع تقتضي حكما جديدا يبني على مبادئ الشريعة ويستنبط من أهداف نصوصها ومن قواعدها العامة وغايتها. ومثال ذلك في عصرنا نظام العمل، فقد يقول قائل أن العامل بالنسبة إلى رب العمل أجير تنطبق عليه أحكام الإجارة في كتب الفقه، والعقد الذي يكون بينه وبين رب العمل هو الذي ينبغي أن يطبق ما دام مستوفيا لشروطه، وليس لكم أن تفرضوا على رب العمل أو على العمال أي شرط آخر كتجديد الأجر أو ساعات العمل أو غير ذلك.
ولو نظرنا إلى هذه المسألة بروح الشريعة لوجدنا أن هذا الاعتراض سطحي جدا ومردود، وينطوي على جهل بظروف المشكلة وبروح الشريعة في آن واحد. ذلك أن العامل قد يكون مضطرا بسبب حاجته لقبول الأجرة المعروضة عليه، وقد تكون دون ما يستحق من أجر، وتشتد الحال إذا كان رب العمل واحدا أو جماعة متفقين على أن لا يدفعوا للعمال إلا أجرا ضئيلا طمعا في الربح الكثير مستغلين شدة حاجة العمال الطالبين للعمل. وقد يرهق رب العمل عماله بالعمل الطويل الشاق كما كان يحدث في أوروبا في أوائل عهد الصناعة الآلية. وفي مثل هذه الحال يستطيع أن يتحكم قليل من أصحاب المال والنفوذ في آلاف من العمال الفقراء غير أولي النفوذ.
فهل نتركهم في فقرهم وسوء حالهم ؟ إن الإسلام يعالج هذه القضية وذلك بأن يعطي الفقراء من العمال من بيت المال إذا كان فقرهم غير ناشئ عن ظلم من استخدمهم في العمل. وإذا لم يكن في بيت المال من أموال الزكاة ما يسد هذه الحاجة، فرض على الأغنياء فريضة من أموالهم ليردها على الفقراء. وأما إذا كان الفقر ناشئا عن ظلم هؤلاء العمال كإعطائهم من الأجر دون ما يستحقون ودون ما تقتضيه العدالة في توزيع الربح وأخذ صاحب العمل الأرباح الفاحشة فأن لولى الأمر أن يتدخل في الأمر ويفرض الأجر العادل. وهذا يدخل في باب التسعير، وهو تسعير للأعمال كتسعير السلع والبضائع وقد نص أكثر الفقهاء على جواز التسعير في أحوال منها احتكار الأقوات وبيعها بسعر جائر. والأعمال كالسلع في هذا الحكم(1) وقد ورد في الحديث (أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، وفي الحديث الآخر الوارد في صحيح البخاري :(ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته، من أعطى بي ثم غدر، ومن باع حرا وأكل ثمنه، ومن استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره)) ولا شك أن المقصود من أجره العادل الذي يستحقه، لا الأجر الجائر الذي يأخذه بالرضي الظاهر مع السخط القلبي لشدة الحاجة. وقد ورد في أحاديث أخرى النهي عن تكليف الصبيان الكسب لئلا يلجؤوا إلى السرقة وعن تكليف الإماء كذلك(2) كما ورد النهي عن تكليف الخدم من العمل ما يغلبهم(3).
ومن المعلوم أن لولي الأمر أن يقيد المباح أو أن يأمر به إذا كان في ذلك مصلحة عامة، وفي هذا كله ما يصلح أن يكون أساسا وقاعدة لنظام العمل تصان به حقوق الناس سواء أكانوا عمالا أو أصحاب أموال لأنه كما يمكن أن يظلم أصحاب الأموالالعمال يمكن أن يقع العكس كذلك بأن يطغى العمال بسبب كثرتهم وشدة ضغطهم وتسلطهم في بعض الأحيان على الحكام فيطالبوا بما ليس من حقهم وإن كانت الحالة الأولى هي الأكثر شيوعا ووقوعا. فوظيفة ولي الأمر في الشريعة الإسلامية إقامة العدل، وإلزام كل إنسان حده، وإعطاء كل ما يستحق وفقا لقواعد الشريعة التي روعيت فيها في الأصل مصالح الناس وحقوقهم وإنصاف بعضهم من بعض. ولا يقال أن هذا من باب التشريع ولا يجوز لولي الأمر أن يسرع لأن الله وحده هو المشرع، فإن هذا كلام مبني على المغالطة لأن لفظ التشريع أصبح له معنى اصطلاحي جديد، وليس هو في الحقيقة في الأحوال التي ذكرناها من تحديد الأجور أو ساعات العمل أو ما يشبه ذلك من التقييدات إلا تطبيقا لقواعد الشريعة وتنفيذا لأحكامها من باب السياسة الشرعية، ومما أجازه الشارع لولي الأمر تحقيقا لإقامة العدل بين الناس. وتسمية الناس له تشريعا ا تجعله ممنوعا سواء أكانت هذه التسمية صحيحة أم خاطئة، فالعبرة بما يدل عليه اللفظ ويحكم الإسلام فيه.

3 -   مصطلحات وتصنيفات جديدة:
فإن من الأحوال التي يقع فيها الالتباس والخطأ استعمال ألفاظ إصلاحية جديدة أو تصنيف الأشياء تصنيفا جديدا.
فإن استعمال الألفاظ والمصطلحات الجديدة قد يجر إلى نتائج خطيرة، ويؤدي إلى انحراف وإلى إدخال مفاهيم غريبة قد يكون مجرد اصطلاح في التسمية ولا مانع منه مطلقا في هذه الحالة كما لو جمعنا أحكام الزواج والطلاق والنفقة والوصية والميراث في باب واحد وسميناه الأحوال الشخصية أو أحكام الأسرة، أو جمعنا الأحكام المتعلقة بعلاقات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول تحت عنوان العلاقات الخارجية أم القانون الدولي دون أن نغير شيئا من تلك الأحكام، فإننا لا نكون بذلك قد أحدثنا  خللا أو تشويها في أحكام الإسلام ومفاهيمه. ومثل هذه المصطلحات استحدثت في العصور الإسلامية السابقة وكثير من مصطلحات الفقهاء قد نشأت في عصر متأخر عن صدر الإسلام. ومع ذلك كله فإن هذه العملية قد لا تكون مبرأة من العيوب والآفاق فإن فصل بعض المسائل عن غيرها ووضعها تحت عنوان خاص قد يؤدي إلى انقطاع صلتها بغيرها أو إلى إخفاء هذه الصلة التي قد تكون مقصودة في ذاتها. ومثال ذلك لفظ (العقيدة)، فإني لم أصادف هذه الكلمة في نصوص و الكتاب والسنة وأرى أنها مستحدثة في العصر العباسي لهذا المعنى الذي استعملت فيه، واللفظ المستعمل في القرآن والحديث هو الإيمان. وقد استعمل لفظ العقيدة أجيال من أئمة المسلمين وعلمائهم بمعنى الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بالدين أن يصدقها ويقبلها أي يعتقدها، واستعمال السلف من العلماء والأئمة دليل على الجواز، ومع ذلك فإن هذا الاستعمال يتضمن فصل العنصر العقلي الذي هو مضمون العقيدة عن العنصر النفسي مع أن كليهما مجموع في لفظ الإيمان المستعمل في القرآن والحديث. وكذلك جميع أبحاث العقيدة في علم سمي علم الكلام يتضمن تخصيص الأبحاث العقلية من العقيدة وأفرادها دون الجانب القلبي أو النفسي الذي أفرد له علم آخر. أن جمع أصول الإيمان ومسائل الاعتقاد في باب واحد تحت اسم العقيدة عمل صحيح سليم، واستحدث لفظ العقيدة لا يدل على استحداث مضمونها ولا يغير منه شيئا بل أنه يفيد حصر قضايا الاعتقاد بتمييزها من غيرها ويزيدها تنويرا وإيضاحا، ولكنه ينطوي في الوقت نفسه على عملية فصل تلك الوحدة الحيوية  الشاملة التي يحيط بها لفظ الإيمان وتشمل على عنصري العقل والعاطفة أو القلب وعلى انفصال الاتجاه العقلي عن الاتجاه النفسي القلبي.
وهنالك حالة ثانية يكون فيها للتعبير أو اللفظ خطورة بالغة وتأثير عميق وتغيير للمفاهيم أو إدخال لمفاهيم جديدة غريبة عن الأصل. ذلك أن نقل الألفاظ من عقيدة إلى عقيدة ومن مذهب أو نظام إلى مذهب أو نظام آخر يجر معه ملابساتها والمفاهيم المتصلة بها في تلك البيئة التي كانت فيها. ان ألفاظ الديمقراطية والاشتراكية والحرية مثلا نشأت وعاشت في أجواء وبيئات معينة واقترنت بمفاهيم ونظريات خاصة فإذا استعملناها حين نعبر عن نظام الإسلام ومفاهيمه نتعرض إذا لم نتصف بالدقة والوعي الإسلامي السليم لخطر إدخال مفاهيم غريبة أو إحداث انحراف في الاتجاه كما سنبين ذلك بوضوح وتفصيل.
ومن أمثلة هذه التعابير التي دخلت في لغتنا ونقلناها من اللغات الأجنبية ونقلنا معها ضمنا النظرة التي تحملها، يكتبها كبارنا ويتعلمها صغارنا في المدرسة منذ السنين، الأولى، قولهم مثلا أن الطبيعة أعطت سورية مناخا صالحا ومنحت سواحلها أمطارا كثيرة، أو قولهم على سبيل المجاز تبعا لذلك غضبت الطبيعة فبخلت بالأمطار وحركت أمواج البحر.. ان هذه التعابير وليدة نظرة القرن الثامن عشر في أوروبا حين أحلوا الطبيعة محل الله فألهوها وأنكروا وجود الله، وهي نظرة الحادية واضحة وترديد هذه التعابير على مسامع المبتدئين هو تلقين ضمني لنظرية الإلحاد وإشاعتها بين لناس إشاعة لا شعورية. ومن هذا القبيل أيضا استعمال أوصاف البطولة والنبوغ العبقرية للأنبياء. وليست أريد من هذا نفي هذه الصفات عن الأنبياء ولكنني أرى أن كثرة ترديدها والاكتفاء بها إحلال لمفهوم البطولة والنبوغ والعبقرية محل مفهوم الوحي والنبوة مع أن النبي أسمى بكثير وأرقى طبيعة ونوعا من النبوغ والبطولة والعبقرية وإن كانت لا تنافيها بل قد تتدرج هذه الصفات فيها فإن هذه الصفات قد يتميز بها أفراد من البشر ممن حولهم من الناس كشدة الذكاء ولكنها على كل حال صفات بشرية عادية أما مفهوم النبوة فمبني على اتصال إنسان اختاره الله من البشر اتصالا لا نعرف كيفيته وكنهه.

أيمان جديدة !
ومن هذا الباب أيضا استعمال هذا التعبير الذي تبدأ به بعض الاحتفالات باسم الله والوطن أو باسم الله والشعب أو الله والعروبة أو قول القائل اقسم بالله والوطن أو اقسم بالله وبالشرف أو بالقومية.. أن هذه التعابير منبثقة في الأصل وفي البيئة الأوروبية التي جاءتنا منها عن تأليه هذه القيم (الوطن، الشعب، القومية..) أو تعظيمها تعظيما يبلغ حد التقديس ووضعها مع الله في مستوى واحد. في حين أن الإسلام يرى في ذلك كله اتجاها وثنيا فالله هو وحده القيمة العليا المطلقة التي لا تدانيها قيمة وكل ما سواه من القيم المحبوبة أو العزيزة أو المعظمة فرعية وثانوية بالنسبة إليه مهما بلغت منزلتها فلا يجوز أن تقرن معه. ومن أمثلة ذلك أيضا استعمال لفظ الإيمان في غير مجال العقيدة على سبيل التوزيع والتجوز كقول القائل أومن بالوحدة أو القومية أو بالشعب. فإن هذه الكلمة وإن كان معناها اللغوي التصديق بوجه عام قد خصصت للتصديق بالعقائد الدينية الأساسية فتقول أومن بالله واليوم الآخر والنبوات فاستعمالها في هذه المواطن الأخرى منبثق عن تلك النظرة التي شرحناها والتي تنطوي على تأليه تلك القيم وإقامة أصنام جديدة في هذا العصر، والتعبير السليم الذي ينسجم مع النظرة الإسلامية هو أن تقول أومن بالله وأحب وطني وأثق بالشعب وأتمسك بالوحدة أو أتوق إليها وأسعى لتحقيقها.
هاتان حالتان ذكرناهما، الحالة الأولى تكون فيها الألفاظ اصطلاحا جديدا فحسب ولا يتضمن أي فكرة جديدة فيجوز استعمالها، ومثلنا لذلك بالأحوال الشخصية مع ما أوردناه من ملاحظات على ذلك، والحالة الثانية هي أن يكون في استعمال الألفاظ والتعابير الجديدة أو المنقولة إدخالا لمفاهيم جديدة وانطواء على نظرات أجنبية مختلفة تصل أحيانا إلى حد الانحراف الأساسي عن الاتجاه الأصيل.
وهنالك حالة ثالثة هي أدق هذه الأحوال وأخطرها وهي نقل المفاهيم والأفكار من مذهب إلى مذهب ومن نظام إلى نظام، فلكل مذهب ديني أو اجتماعي كالإسلام والمسيحية والشيوعية والديمقراطية تصنيف للمفاهيم والقيم، ويقابل كل واحد منها تعبير يدل عليه ومصطلح لغوي يفيده،  ولذلك فأنت مضطر حينما تنقل المفاهيم والأحكام الإسلامية إلى أصحاب المذاهب الأخرى وإلى الذين عاشوا في بيئة تلك الأنظمة والمذاهب ولم يعرفوا إلا مفاهيمها وتصنيفاتها أن تستعمل ألفاظهم ومصطلحاتهم لتنقل إليهم مفاهيم الإسلام ونظمه ولتمكنهم من تصوره.
لاشك أن هذه العملية خطرا إذا قام بها أناس لا يملكون الوعي الكافي والمقدرة على فهم المذهبين وتصور العقليتين والوقوف في الموقفين.
ومثال ذلك لو أردنا في بيئة السوفييت الشيوعية أو البيئة الأمريكية الديمقراطية أن ننقل إليهم مفاهيم الإسلام ونظراته في الحياة بحيث نجعلهم  يتصورون نظامه وأحكامه وفلسفته، فلا يمكننا بادئ الأمر أن نستعمل تصنيفنا الفقهي المعروف للأحكام على عبارات ومعاملات، وتقسيمنا المعاملات إلى أبوابها المعروفة وتصنيفات علماء الكلام والعقيدة ونخاطب بها أناسا لهم مصطلحات أخرى وتصنيف آخر للوجود والقيم وللأعمال البشرية وللأنظمة الاجتماعية، فينبغي أن نفهم تصنيفاتهم وتقسيماتهم ومقولاتهم ومفاهيمهم ثم نحاول عن طريق فهمهم هذا وعلى أسلوبهم أن ننقل إليهم مفاهيم النظام الإسلامي وقد يؤدي ذلك إلى تجزئة المفهوم إلى مفهومين أو دمج المفهومين في مفهوم  واحد وكأننا نحاول بذلك أن نصب الإسلام في قوالب جديدة دون أن نغير مادته.

الديمقراطية الاشتراكية
ليس الخطأ ولا الخطر الكبير في هذه العملية، وإنما الخطر الكبير أن نأتي إلى مذهب معروف كالاشتراكية سواء قصدنا ما يسميه الماركسيون بالاشتراكية العلمية على حد تعبيرهم أو قصدنا مذهبا بعينه من المذاهب الاشتراكية المحددة أو على الديمقراطية باعتبارها مذهبا شاملا له فلسفته ثم نزعم أن تلك الاشتراكية أو هذه الديمقراطية هي من الإسلام أو أن الإسلام يحتويها ويشتمل عليها. لا جرم أن في هذا القول تشويها للإسلام، وإفسادا لمفاهيمه، وإذابة له في غيره وإهدارا لشخصيته ومخالفة للحقيقة أيضا. ولكن هل معنى هذا أنه ليس هنالك أي نقطة التقاء بين اشتراكية الاشتراكيين وديمقراطية الديمقراطيين والإسلام ؟.

الديمقراطية
إن الديمقراطية في روحها وعند أصحابها نزعة تقابل الاستبداد الفردي واحتكار طبقة أو أسرة الحكم والسيادة، وكانت فعلا في تاريخ أوروبا رد فعل لاستبداد ملوك الطاغين والأسر الحاكمة والطبقات المستعلية المتميزة ورجال الدين المستأثرين بالنفوذ، فهي في مقابل ذلك كله إشراك الشعب أو أكبر عدد منه في الحكم، أو على الأصح في تفويض فريق منه بممارسة الحكم، وبعد هذا تختلف الشعوب في أنظمتها وفي طريقة الوصول إلى هذه الغاية وأسلوب تحقيقها. فهل يجوز أن نقول بعد هذا أن الإسلام ينافي الديمقراطية ويعارضها ؟ ألا يفهم من هذا أنه يقف حينئذ في الصف المقابل صف الاستبداد الفردي والاستئثار وانه لا يحفل بالشعب ولا يهتم به ؟. أليس في ذلك تشويه للإسلام أو إعطاء صورة قبيحة لأناس لم يعرفوا إلا هذين اللونين من أنظمة الحكم: الديمقراطي والاستبدادي ؟
ولكننا في مقابل ذلك لا نستطيع أن نقول أن الإسلام ديمقراطي دون تحفظ وعلى الإطلاق، وليس من حقنا ذلك. فإن الديمقراطية باعتبارها نظاما سياسيا في أوروبا اقترنت بأفكار ومفاهيم عن الإنسان والمجتمع وانبثقت عن فلسفة لا يقبلها الإسلام وقد تتعارض مع فلسفته ونظرته في كثير من نقاطها. فالديمقراطية مبنية على فكرة أساسية هي أن الفرد هو الأصل في الدولة وهي إنما خلقت لصلحته وهو حر حرية مطلقة في تصرفاته سواء في فعاليته الاقتصادية أو الخلقية أو الفكرية، والدولة مهمتها مقصورة على تنسيق حريات الأفراد حتى لا تتصادم. إن هذه الفلسفة تختلف عن نظرة الإسلام اختلافا كبيرا فهي تؤدي إلى المساواة بين الإيمان والإلحاد في مجال الفكر، وبين الإباحية والتقيد في مجال السلوك الخلقي، وبين الرأسمالية المترفة الطاغية، والتقييد لمصلحة الجماعة. والإسلام لا يقبل التسوية بين هذه الاتجاهات ولا يمنح الحرية المطلقة التي تؤدي إلى البطل والرذيلة والظلم. ويختلف الإسلام كذلك عن الديمقراطية في نقطة أخرى أساسية : ذلك أن الشعب في الإسلام وإن كانت مصلحته وسعادته هي هدف تشريعه، وكان الناس فيه على اختلافهم متساوين أمام الحق، وكانت الشورى ومسؤولية الحاكم هي الأساس في الحكم، لكن المرجع النهائي هو الله وحده وهو مصدر السلطة، وإرادته المتجلية في القرآن كتابه المنزل هي الحاكمة، وما الديمقراطية فالشعب فيها هو مصدر السلطة وإرادته مطلقة وهي الحكم النهائي. نعم إذا أريد بمصدر السلطة أنه هو المرجع في تفويض السلطة إلى الحاكم وان الحاكم يتسلم السلطة من الشعب لا من نفسه ولا بحكم الوراثة ولا من الله مباشرة فتلك نظرة الإسلام كذلك(4) ، ولكن الحكم الفاصل بين أفراد الشعب حكاما ومحكومين حين الاختلاف وميزان الترجيح ومعيار الصحة إنما هو كتاب الله الذي حدد المعالم ورسم الطريق لأن الشعب نفسه يخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، ولكن الناس مع ذلك أي أفراد الشعب عامة هم الرقباء على الحاكم ولكن فرد منهم بالنسبة إلى الحاكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصارحة بالحق والوقوف أمام الظلم، وليس الحاكم هو المرجع في تفسير مبادئ القرآن وفهم نصوصه بل المرجع في ذلك العلماء المختصون من أفراد الشعب عامة دون تقييد بالموظفين منهم أو الرسميين، وقد رد الإمام علي رضي الله عنه مغالطة الخوارج حين قالوا لا حكم إلا لله، لا حكم إلا للقرآن، مجيبا إياهم انه للقرآن من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال(5)، أي انه لابد من إنسان يمارس الحكم، ولا من حكم البشر ومن مراقبة الناس لهذا الحاكم ومن أناس يفهمون القرآن ومقاصده ويطبقون أحكامه.
وخلاصة القول أننا إذا اعتبرنا الديمقراطية مذهبا اجتماعيا قائما بذاته فليس لنا أن نقول أنها من الإسلام أو أن الإسلام يقبلها ويستسيغها ويتضمنها، إذ هما مذهبان مختلفان في أصولهما وجذورهما أو فلسفتهما ونتائج تطبيقهما. ولكننا إذا نظرنا إليها على أنها اتجاه يحارب الفردية والاستبداد والاستئثار والتمييز ويسعى في سبيل مصلحة جمهرة الشعب ويشركه في الحكم وفي مراقبة الحكام وسؤالهم عن أعمالهم ومحاسبتهم عليه، فالإسلام ذو نزعة ديمقراطية بهذا المعنى بلا جدال أو أن للإسلام ديمقراطية الخاصة، أي نظامه الذي يمنع استبداد الحكام واستئثارهم ويمكن الشعب من مراقبتهم ومحاسبتهم

الإشتراكية:
مثال آخر من هذا الباب هو مثال الاشتراكية فقد راج استعمال هذا التعبير في الرأي العام واستعمله عدد من الباحثين للدلالة على ما في الإسلام من عدالة شاملة لأفراد المجتمع لا تخص فئة من الناس دون غيرهم. وكان هذا الاستعمال موضوع خلاف شديد بين المجيزين والمانعين. وما قلناه عن الديمقراطية ينطبق على الاشتراكية، فإذا فهمنا من الاشتراكية مذهب شامل له فلسفته ومفاهيمه ونظامه الاقتصادي كالشيوعية التي هي أحد أشكال الاشتراكية، فإن الإسلام شيء، والاشتراكية شيء آخر، ولا يمكن أن يقال بهذا المعنى أن الاشتراكية من الإسلام، لأنهما في هذه الحال مذهبان مختلفان لكل منهما مبادئه وأسسه. ولكن للاشتراكية معنى آخر وقد أصبح رائجا منتشرا في العالم، وهو إشراك جميع أفراد الشعب في المنافع والمصالح وعدم استئثار فئة من الناس بالمنفعة، وتدخل الدولة في تقييد الفعاليات الاقتصادية كتحديد حقوق الملكية وثمارها تقييدا يؤدي إلى العدالة في توزيع الثروة وإلى تكافؤ الفرص بين الناس بحيث يعيشون على مستوى من الحياة يؤمن لهم الحاجات الإنسانية المادية والمعنوية. هذا هو المعنى الشامل لأنواع الاشتراكيات وإن اختلفت أساليبها في الوصول إلى هذه الأهداف. والاشتراكية بهذه المعنى ليست مذهبا كاملا، وإنما هي اتجاه نشأ في مقابلة طغيان الرأسمالية في أوروبا واستئثار أصحاب رؤوس الأموال نتيجة الأخذ بالمذهب الحر في الاقتصاد الذي يعطي للأفراد الحرية المطلقة في المجال الاقتصادي ولا يسمح للدولة أن تتدخل ولو أدى ذلك إلى طغيان طبقة على طبقة أو إلى نشوء طبقة فقيرة محرومة. والاشتراكية بهذا المعنى لا منافاة بينها وبين الإسلام، بل إن الإسلام على طريقته الخاصة يتجه في هذا الاتجاه المؤدي إلى تعميم النفع، وإقامة العدالة، وإنصاف الناس، بل يجيز تدخل الدولة في فعاليات الأفراد الاقتصادية وغير الاقتصادية إذا اقتضت الضرورة أو المصلحة العامة ذلك(6). نعم أن للإسلام أسلوبه وطريقته الخاصة به في التنظيم الاقتصادي ولكننا إذا صنفنا المذاهب صنفين احدهما مبني على مصلحة الفرد وحريته المطلقة وهو المذهب الفردي، والآخر مبنى على مصلحة الجماعة أو المجتمع كله وهو المذهب الجماعي أو الاجتماعي، فالإسلام يدخل في النصف الثاني وهذا الاتجاه تدل عليه في اللغات الأوربية كلمةSocialiste   وترجمتها الدقيقة إلى العربية: الاجتماعية، ولكنها ترجمت فى أوائل هذا العصر بالاشتراكية وهي ترجمة صالحة أيضا بالمنافع والفوائد، وهي المادة التي منها (ش ر ك) وتفيد المعنى المقصود من اشتراك أفراد المجتمع بالمنافع والفوائد، وهي المادة منها الشركة والاشتراك وصيغت بإضافة ياء النسب وتاء الاسمية للدلالة على المذهب كالامامية والمالكية. ان القول بان الإسلام يخالف هذا الاتجاه الذي اصطلح على تسميته بالاتجاه الاشتراكي معناه في عرف الناس العام أن الإسلام يؤيد الظلم الرأسمالي والاستئثار والطغيان. ذلك أن قوام الاشتراكية وجوهرها وعنصرها الأساسي جواز تدخل الدولة في تقييد فعالية الأفراد الاقتصادية وتقييد الملكية وما ينهج عنها من حقوق لمصلحة المجتمع منعا للظلم وإنصافا للناس وإشاعة للرحمة والخير بين الناس، هذا هو الصميم من جوهر الاشتراكية، وما وراء ذلك من التفصيل كالتأميم أو غيره أمور مختلف عليها بين أصحاب هذا الاتجاه. والإسلام كما قلنا يقول بالتدخل، ومن ذلك منع الدولة للاحتكار وإلزامها تجار الأقوات أن يبيعوا بسعر عادل أيام المجاعة، وأخذها من أموال الأغنياء مالا غير الزكاة إذا كانت الدولة في حالة حرب للدفاع عن حوزة المسلمين أو كان في الناس فقراء ولم تكفهم الزكاة أو غير ذلك من الحاجات. وقد أتينا بهذه الأمثلة لأنها كانت معروفة ولها ذكر في كتب الفقهاء والأمر ليس مقصورا عليها ولا محصورا فيها وإنما هي للتمثيل فقط ولبيان أن الإسلام يقول بتدخل أولى الأمر أي الدولة لإحقاق الحق، بل للرحمة بالضعفاء ولو كان ذلك فوق العدل وأكثر من العدل. فالقول بأنه ليس في الإسلام اشتراكية ينطوي على جهل بحقيقة الاشتراكية وعلى قصور في فهم الإسلام وتعاليمه وأهدافه وبعد عن معرفة أحكامه المتعلقة بهذا الموضوع. ولا يتصور بحال من الأحوال أن تؤدي أحكام الإسلام إلى موت فريق من الناس جوعا أو وقوعهم فريسة للبؤس والفقر والمرض، وتنعم فريق آخر من الناس في الوقت نفسه بالملاذ والطيبات والكماليات، لان هذا مخالف لأهداف الإسلام الواضحة في الكتاب والسنة في مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم ((المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، وقوله ((إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل موضعه بفأس، فقالوا له : ما تصنع، قال : هو مكاني اصنع فيه ما شئت. فان اخذوا على يده نجا ونجوا، وان تركوه هلكو وهلكوا، وحديث الأشاعرة المتقدم ذكره. ومن المعلوم الثابت أن نظام الإسلام لا يقبل أن يكون في المجتمع من يموت جوعا أو يحتاج مهما يكن دينه إذا كان تابعا لدولته ولذلك كان الخلفاء الراشدون يخصصون من بيت المال ما يسد الفقراء من الكتابيين غير المسلمين كما كانوا يسدون حاجة الفقراء من المسلمين.
ولم يبق هذا الاتجاه كلاما عاما ومواعظ أخلاقية، بل فصله الفقهاء أحكاما تنفذ ويعمل بها الحكام ويستفيد منها الناس ويجدها الباحث مفرقة في كتب الفقه في أبواب عديدة كما يجدها في القواعد العامة، والصقها بموضوعنا الضرر يزال، ولا ضرر ولا ضرار، ويتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، ومثلوا لها بوجوب نقض الحائط المملوك الذي مال إلى طريق عامة دفعا للضرر العام. ومن هذا الباب جواز الحجر على البالغ العاقل الحر في ثلاثة مواضع عند أبي حنيفة المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، وعلى السفيه مطلقا عند الصاحبين دفعا للضرر العام(7) وليس الحجر إلا تقييد حرية المحجور عليه في أمور هي الأصل من حقه شرعا دفعا للضرر الذي يمكن أن يلحقه هو أو أسرته أو المجتمع العام، ويذهب ابن تيمية إلى أبعد من هذا فيستنتج من كون بعض الصناعات كالطب والنجارة ضروريا جواز إجبار أصحابها والمختصين بها على العمل إذا امتنعوا وكان الناس بحاجة إلى صناعتهم ويعطون أجر المثل (8)
ونضيف إلى ما تقدم للدلالة على أن الاشتراكية لا يراد بها دوما مذهب كامل حتى تتنافى مع الإسلام ويمتنع وصفه بها، بل في كثير من الأحيان على اتجاه عام ونزعة تشترك فيها مذاهب مختلفة أنه نشأت في أوروبا أحزاب تحت اسم الاشتراكية ولو كانت الاشتراكية مذهب قائم بنفسه لما أمكن أن تجتمع مع المسيحية في شعار واحد وأن تكون وصفا لها. ومع كل ما ذكرنا من وجود نزعة توافق الديمقراطية والاشتراكية في الإسلام فإننا لا نرى أن نجعل هذه الشعارات هي الشعارات البارزة وهذه العناوين هي عناوين مجتمعاتنا ودولنا التي نلخص  بها نهضتنا ونصف بها حضارتنا، لأنها حينئذ تكون عناوين خاطئة وتلخيصا مشوها إذ تشير إلى بعض صفات الحضارة الإسلامية وتهمل صفات ومقومات أخرى أهم منها. إننا نغفل حين نفعل ذلك عن مبدأ أساسي خطير هو أن للأنظمة السياسية والاقتصادية في كل بلد وفي كل حضارة أسسا إعتقادية تبني عليها، وليست هذه إلا مظاهر خارجية لعقيدة أو فلسفة تؤمن بها تلك الحضارة وتقوم عليها، وليست هذه الأنظمة إلا تعبيرا سياسيا أو اقتصاديا لتلك الفلسفة وتلك الحضارة. فاتخاذ الاشتراكية عنوانا لحضارة، وصفة بارزة مميزة لدولة مبنى على فلسفة تعبير الإنتاج محور الحياة، والمادة أصل الوجود، وليس العلم والعقل إلا خادمين للإنتاج وتحسين مستوى الحياة المادي، وليس الفرد الإنساني إلا جزءا من هذه الآلة الضخمة هي المجتمع ممثلا في الدولة يخضع لأوامرها ويبقى حتى في مأكله ومشربه ومسكنه وفيما يسمع من أخبار أو يقرأ من كتب وصحف تحت رقابتها الشديدة. إن وراء هذه الأنظمة عقائد انبثقت عنها ومفاهيم ونظرات في الحياة تتصل بها اتصال الفروع بالجذور، ولذلك فإننا نجعل هذه الشعارات عنوانا وحيدا لنهضتنا ونكررها وحدها على مسامع الجمهور، إنما نعلن ضمنا أننا ندين بتلك العقائد، ونأخذ بتلك النظرات والمفاهيم في الحياة، وأننا بنتيجة ذلك نتخلى عن مفاهيمنا وعقائدنا ونظرتنا إلى الحياة المستمدة من ديننا وتراثنا الحضاري أو على الأقل نغفلها ونهملها، وفرق كبير بين أن نتخذ من التشريعات ما يكفل العدالة في توزيع الثروة وما يكفل حياة العاجزين عن كسب ما يكفيهم، وبين أن نجعل عنوان نهضتنا الأول وصفتها الأبرز هي الاشتراكية وبذلك نجر الناس إلى أن يجعلوا هدفهم الأول في الحياة رفع مستوى الحياة المادية وتحسين المعيشة، دون أن يكون لرفع مستوى الأخلاق وللقيم الخلقية والروحية أي مكان في حياتهم في نظامهم فنترك بذلك الفراغ لشتى العقائد الإلحادية والمذاهب المادية والإباحية. إن ثورة الإسلام الاجتماعية شاملة، تبدأ من عقيدة الإيمان بالله والمساواة بين الناس أمامه، لأنهم من أصل واحد وهم عباده، وتنبثق عن هذه العقيدة ومعانيها ثورةو اجتماعية غايتها إقامة العدالة بين الناس وتحقيقها من الناحية الاقتصادية، بحيث لا يعيش فريق في البذخ والترف، وآخرون في الشقاء والحرمان، بل أن تأخذ الدولة من أموال الأغنياء ما يسد به حاجة الفقراء والعاجزين عن الكسب، فللناس حقوق في المال ولو كان خاصا.

اشتراكيــة الإســلام:
هذه الاشتراكية ليست غايتها المال وتوزيعه إنها فرع لثورة روحية خلقية وهدفها إرضاء الله بتحقيق العدل بين عباده والإحسان إليهم في نظام خاص فهي مسبوقة ومقترنة بدعوة خلقية روحية. إنها إذن لا تصلح أن تكون العنوان الشامل المعبر عن نظام الإسلام ودولته وحضارته ولكن في الإسلام من جهة أخرى ما يقابلها ويحقق الأهداف المشروعة منها. إن المهم في كل هذا أن نحفظ للإسلام خصائصه وذاتيته بحيث لا يلتبس بغيره وأن نعرف بعد ذلك كيف ننقله للآخرين بحسب مفاهيمهم الشائعة ونميز ما بينه وبين المذاهب الأخرى من موافقات ومفارقات.

تصحيـح المفاهيـم
إن عملية تصحيح المفاهيم المشوهة استمرت في جميع العصور الإسلامية فكان كل تشويه للحياة الإسلامية أو للمفاهيم السلامية يصاحبه ويقابله أو يتبعه تصحيح يعيد الأمر إلى نصابه. فكان حماة العقيدة الإسلامية من العلماء في كل عصر يردون المفاهيم الداخلية والأفكار المدسوسة والانحرافات الحادثة. والفت مؤلفات كثيرة في مختلف العصور لبيان البدع المستحدثة في الدين وإنكارها والرد عليها. وقد قسموا الأمور المستحدثة أو المبتدعة إلى أقسام، فأما ما كان منها متعلقا بالعادات كأنواع الأطعمة والاشربة والألبسة وأساليب العمران وما إلى ذلك فليست من باب البدع المنكرة في شيء، اللهم إلا أن تكون مما يدخل تحت نص شرعي يتضمن الأمر بفعل أو النهي عنه، وما سوى ذلك متروك للناس كاستعمال الآلات والأدوات المستحدثة كآلات الحراثة أو الصناعة أو وسائل النقل والمواصلات وغير ذلك مما تتجدد أشكاله وأنواعه في شتى مرافق الحياة، فهذا لا يطلق عليه لفظ البدعة بالمعنى المذموم بل هو على عكس ذلك مما يحمد ويستوجب شكر الله لما فيه من الخير لبني البشر. ومن المستحدثات المبتدعة ما يتعلق بأمر العقيدة، وهو أخطرها أثرا وأسواها نتيجة، وهذا النوع لا يقتصر في رأينا على العقيدة بالمعنى الضيق لهذه الكلمة كما كان يفهم منها، بل يتناول جميع الأفكار والاتجاهات الأساسية والمبادئ العامة للإسلام ومفاهيمه في جميع آفاق الحياة،. والنوع الثالث من المستحدثات المبتدعة يتعلق بالعبادات، والقاعدة في العبادات أنها توقيفية أي يوقف فيها عند النص لا يزاد فيها ولا ينقص.
إن هذا التصحيح يجري في كل عصر على يد العلماء وأئمة الإسلام الذين كانوا يتنبهون للانحرافات والتشويهات في بعض العصور فيقبض الله لذلك من المجددين من يضطلعون بعبء هذا التجديد برد الدخيل وتصحيح الأفكار وتقويم الاعوجاج وإعادة العقائد والمفاهيم على أصلها من الكتاب والسنة. ومن هؤلاء المجددين الكبار شيخ الإسلام ابن تيمية ابن هذا البلد والذي تضم أرض الجامعة رفاته وهو من أعظم العقول الإسلامية التي برزت في تاريخ الإسلام، وكان متعدد نواحي الجهاد واهم صفحات جهاده عمله في صد الهجمات والانحرافات عن الإسلام وعقائده أمام العقلية اليونانية والاتجاهات الباطنية وتصحيحه للمفاهيم وإعادتها إلى أصلها من الكتاب والسنة والاستعانة بفهم الجيل الأول من الصحابة سواء في الميدان الفقه أو العقائد أو العبادات.
نحن اليوم اشد ما نكون حاجة إلى هذا التصحيح سواء أكان يتناول الجوانب التي تأثرنا فيها بالفكر الأوربي، أو التي تأثرنا فيها بعقلية الشرق في العصر الماضي والتي هي مزيج من العقلية الإسلامية والعقلية اليونانية والفارسية والهندية وغيرها مما سبق الإسلام، ذلك المزيج الذي تردى في أشكال ضيقة جامدة مختلطة مضطربة. نحن في حاجة إلى بعث لأصول الإسلام وإلى عودة إلى مصادره الأولى وإلى ما فهمته أجيال من العلماء من الفهوم الصحيحة في كل عصر ولاسيما فهم الجيل الأول من الصحابة الذي حفظت لنا كتب الحديث والفقه الشيء الكثير منه،لنفهم في ضوئها وفي ظروف مشكلاتنا القائمة نصوص الكتاب والسنة. نحن في حاجة إلى أن نبني تفكيرنا من جديد، ونتخلى عن كثير من الأفكار التي ظنناها من البديهيات واستسلمنا لها وربينا عليها في تعليمنا الابتدائي والثانوي والجامعي سواء في حياتنا الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية. إنها عملية ضخمة ولكنها ضرورية وجذرية أساسية. وحياتنا ومساهمتنا الفعالة في ميدان الحضارة الإنسانية متوقفة عليها. فالبشرية اليوم أمام مذاهب عديدة وفي كل مذهب منها جانب من الحق مقترن بجانب من الباطل، في كل منها محاسن ومساوئ ولا يصلح واحد منها لحل المشكلات الإنسانية حلا أساسيا موحدا منسجما. والإسلام هو الذي يستطيع أن يجمع بين الرقي المادي والخلقي الروحي في تناسق وانسجام، وان يقيم للتشريع الظاهري وللأنظمة الاجتماعية أساس في النفس والضمير، وان يجعل للروح التي تهذب وتنمي فعالياتها سندا ماديا واقعيا ويفسح للفرد المجال أن يرقي ماديا وروحيا، ولكن في إطار اجتماعي غير استبدادي أو تحكمي قسري، ويجعل الحياة وحدة لا تتجزأ، تتصل جوانبها المتعددة من السياسة والاقتصاد إلى الأخلاق والعبادة، ومن العقيدة إلى التشريع، وتنسجم جميعا في هذه الوحدة الحيوية من غير تداخل ولا التباس. وإذا كانت المذاهب المختلفة من دينية واجتماعية يرمي كل منها إلى هدف حيوي هام، كالعدالة الاجتماعية أو الحياة الروحية أو حرية الفرد الإنساني، فان الإسلام جمع هذه الأهداف جميعها ونسقها وأقام التوازن فيما بينها وربطها جميعا بقوة تجمعها وهي الله الخالق.
- وإحساسهم بشخصيتهم الإفريقية.
- قوة المنظمات التقدمية (السياسية والنقابية) في بلاد المحايدة.
الخصائص المشتركة للحياد العالمي
    إن دراستنا لمظاهر الحياد في آسيا وإفريقيا وفي بعض دول أوروبا وأمريكا الجنوبية تقودنا إلى إبداء الملاحظات الآتية :
1) إن مفهوم الحياد يختلف من بلد إلى بلد تبعا لظروفه الخاصة.
2) إن مفهوم الحياد يختلف وفي نفس البلد من سنة إلى سنة أخرى.
3) إن معاني الحياد الإيجابي وعدم التبعية... الخ لا زالت غامضة وقابلة للاجتهاد.
4) إنه لا يمكن أن نقول بوجود دول محايدة إلا بقدر ما نقول بوجود أقطاب محايدين.
5) إن الجانب المحايد لم يتعاون لحد الآن بقدر الذي يكفي لفرض وجوده كما أنه-من اجل ذلك يفكر فيها نهرو.
6) إن الحياد أصبح في الواقع شيئا مجردا واقتصرت كثير من الدول على الأخذ بمظهر (التعاون الحر)
أســس قيام الحياد العالمــي
لقد مرت تجربة الحياد بمعناها الفلسفي بتطورات كثيرة منذ القرون الوسطى، وبعد الحرب الأخيرة، وبعد ظهور معسكرين متطاحنين وجدت بعض الدول أن
من مصلحتها أن تبتعد عن هذا الصراع لتحافظ على حريتها وأمنها وتضمن تطورها وشخصيتها، وكانت الهند هي السباقة لذلك.
ولقد استطاعت الهند بمثالية دعوتها أن تكتب النجاح لهذه الفكرة التي بدأ بعض القادة كتيتو وناصر والمغفور له محمد الخامس رحمه الله يأخذون بها.
غير أن فكرة الحياد لها مظهران :
- مظهر متطرف (الحياد الإيجابي)
- ومظهر معتدل (عدم التبعية)
 وبين هذين المظهرين توجد فكرة وسطى وهي (عدم الانحياز)
وهذه الأشكال موجودة في جميع القارات على أنواع متعددة.
ومن الصعب أن يتحدث الآن في الدول المختلفة عن الدور الإنساني والثقافي للجانب المحايد، كما انه من الصعب أن يتحدث عن القوة الثالثة.
ولذلك فإن نظرية الحياد كما يفهمها عبد الناصر لا يمكن أن تلقى الإجماع من الإفريقيين، خاصة ولها اتصال بالناحية العنصرية (القومية العربية)
أما الحياد كما يفهمه تيتو فقد بدا أن تأييده موجود في إفريقيا وحتى في آسيا، لأنه يضرب خاصة على نغمة التعاون الحر وعدم التدخل.
ولم يفسر المغرب لحد السعة ماذا يريده بعدم التبعية إلا ما يظهر من المعنى اللغوي لهذه الكلمة، أما المبادئ الأخرى للحياد فهي تظهر في تصرفات المغرب لا في تنهيجه وشعاراته.
ويظهر أن محاولة وضع مبادئ عامة تدخل تحت هذه الكلمة سيستفيد منها الجانب المحايد الذي ننخرط فيه.
فالمسطرة الحيادية التي يمكنها أن تشمل آسيا وإفريقيا إذا ما تم هذا التكميل يمكن أجمالها في الفقرتين الآتيتين :
فعدم التبعية يقصد بها الابتعاد عن الأحلاف والتكتلات، وعدم الارتباط بتخطيط استراتيجي وعدم السماح باستعمال الأراضي لإقامة القواعد أو في أغراض هجومية أو استكشافية أو دفاعية.
ويقصد بها كذلك عدم التبعية الاقتصادية أو المذهبية أو الفكرية.
والتعايش الإيجابي : يعني أن تتحرك الحرية لجميع الأقطار ذات النظم المتباينة لتعيش الحياة التي تختارها، وتتآزر في سبيل الخير العام وتحل مشاكلها بالطرق السليمة، وتبتعد عن التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
وهذا التعايش يضمن الحق لكل دولة في أن تسهم بنصبيها في تقدم البشرية ويخلق في العلاقات الدولية ما يطمئن العالم على مصيره.

(1) راجع بحثا مفصلا في التسعير وأقوال المذهب فيه في كتاب الحسبة لابن تيمية أو في كتاب الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية.
(2) تسير لابن قيم الجوزية.
(3) تيسير الوصول ج 3 ص 84
(4) هذا هو رأي أهل السنة انظر بحقنا (الدولة عند ابن تيمية) ص 18.
(5) نهج البلاغة من كلام له في التحكيم.
(6) راجع في رسالتنا الدولة عند ابن تيمية بحث وظيفة الدولة الاقتصادية وفيه تلخيص لآراء المذاهب في الموضوع ص 38.
(7) راجع القواعد العامة في كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ولا سيما قاعدة الضرر يزال.
(8) راجع رسالتنا الدولة عند ابن تيمية ص 93 – 40 وهذا ما يسمى عند الغربيين تعميم العمل أو اعتباره أمرا اجتماعيا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here