islamaumaroc

نظرات في البيان والتبيين للجاحظ -2-

  دعوة الحق

57 العدد

3) الأسلوب:
يقابل البحث في الجزء الأول من البيان والتبيين عقبة كؤود إذا حاول أن يستشف ملامح الأسلوب الجاحظي، وهذا العمران من أن «الجاحظ في البيان والتبيين يكثر من الشواهد ويقلل من قواعـــــد(1) بيد أن هذا العائق الهام لا يحول دون التماس بعض السمات، وسأستعيد من أستاذي الدكتور شوقي ضيف تقسيمه لأسلوب الجاحظ لنطبقه على المؤلف الذي نحن بصدد دراسته(2).

1 -  الواقعية : وقد برزت في خصائص ثلاث
أ   -  اهتمامه وأمانته في ذكر الحقائق سواء كانت له أم عليه،وسواء كانت ظاهرة أم مبتذلة.
ب  -  محاولته اختيار الألفاظ التي تناسب الموضوع غلوا منه في التمسك بالواقعية.
ج  -  قلة اكثراته بالتنميق والبديع إلا ما جاء عفو الخاطر.
ونجد الخاصية الأولى بادية في البيان والتبيين وان كانت مبتسرة مثل استشهاده بقول امرأة عربية جفاها زوجها إذ ولدت بنتا رابعة، وكان اسم زوجها أبا حمزة:
مــا لأبـي حمزة لا يأتيها                يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البـنـينـا                   تالله ما ذلك فـي أيدينـا
وإنما نأخذ ما أعطـيـنا                    ونحن كالأرض لزرعينا
                ننبت ما قد زرعـوه فـينـا (3)
ويقول عن عدم ايراده خطباء العرب متسلسلين حسب العصور:«ولكني لما عجزت عن تنظيمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة(4)»، فيقر بتقصيره في سماحة العلماء وتواضعهم.
أما الخاصية الثانية فقد أوردنا ما يكفي للتدليل على حث الجاحظ المستمر في انتقاء الألفاظ وقلة التكلف والبعد عن الاستكراه والافتعال، وقد ارتأى أن من يحيدون عن هذه الخاصية يتنكبون سبيل البلاغة والجودة.
وتتجلى الخاصية الثالثة في اقتصاد أبي عمرو في الحديث وضئال احتفاله بالمحسنات اللفظية وشتى ضروب البديع، وقد يكون من البداهة أن الخاصية الثانية والثالثة متداخلتان، لأن الذي يحرص على ذكر اللفظ الموائم للمعنى لا يتجاوزه إلى اطناب هو بالتبعية بعيد عن التزويق وتلون البديع.

2-  الإستطراد : تعد هذه الظاهرة من أجلى الظواهر في الأسلوب الجاحظي، والاستطراد الذي يعنينا هنا استطراد في صلب الموضوع مثل قوله: «المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وشريكه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره(5)». وأمثلة كثيرة أخرى نجد أبى عمرو فيها حائما حول معنى واحد يشبعه تقليبا وتلوينا، وكثيرا ما أفصح من أنه يجنح إلى هذا المنحى للترويح عن القارئ.

3 - التلوين الصوتي:
تكسب الاستطرادات أسلوب الجاحظ تداعيا في المعاني يجعله سهلا رقراقا كما أن اختياره للألفاظ وتمرسه الطويل باللغة وأساليب العرب وبراعته في استعمال الجمل الواضحة أضفى على كتابته سهولة وموسيقى تطرب الأذان وتلمس شفاف الفؤاد، ويزعم الدكتور طه حسين أن السهولة والانسجام الصوتي لم يكن خاصية في أسلوب الجاحظ وحده :«فنحن عندما نقرأ نثرا كنثر الجاحظ لا نحس عسرا في فهمه بل نجد يسرا ومرونة، وفوق هذه المرونة واليسر كسب النثر خصلة أخرى هي الموسيقى(6)».

4- التلوين العقلي:
في الجزأين الثاني والثالث يتضح التلوين العقلي أكثر من الجزء الأول ولكن بعض الشواهد القليلة الموجودة تنهض نهوضا ما لتعزيز هذه الخاصية، فمثلا الشاهد التالي وفيه تبدو عقلية الجاحظ المنظمة المحللة الخصبة، يقول:«إذا سمعتموني أذكر العوام فإني لست اعني الفلاحين والحشوة الصناع والباعة، ولست أعني الاكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار، ولست اعني من الأمم مثل الببر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل الزنج وأمثال الزنج وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب والفرس والهند والروم، والباقون همج وأشباه الهمج، وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وديننا وأخلاقنا فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا، على أن الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا(7).
ونجد مثل هذا التلوين في مواضع أخرى مثل الحديث المفصل عن اللثغة وأنواعها، والدلالات وأنواعها مثل العقد والإشارة والخط...
والجاحظ بأسلوبه الرائع ذي الخصائص المنصوص عليها أثري اللغة العربية بالكثير من الوليدات المبتكرة والجمل المحكمة الجزلة، يقول الأستاذ توفيق الحكيم:
«والحق أن الجاحظ وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام هو الأستاذ لأكثر رجال القلم في الأدب العربي المعاصر، لأنه رفع علم التجديد وعلم الكتاب،وعرف أن الأسلوب أداة التعبير والتقويم عن النفس والفكر لاوشى من اللغو، ولا بضاعة من زخرف يراد بها اللهو(8).

تعليق عام على الكتاب :
لا شك أن الخلط والتهويش الذي ينضح بهما الجزء الأول من البيان والتبيين يسترعيان الانتباه ويدفعان إلى التساؤل والاستفهام، ولكننا لا نقدر على نكران أن الجاحظ «جمع فيه طائفة من القواعد تعطينا فكرة طيبة عن تصور العرب للبيان في القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث، ويمكننا على الأقل من رسم فكرة تقريبية عن نشأة البيان العربي وإن لم تحدد تاريخ هذه النشأة (9)، لكن التساؤل عن هذا الاضطراب المنهجي يظل قائما لأنه ليس أول كتاب ألفه الجاحظ :«فالبيان والتبيين من أواخر حديث الجاحظ(10)».
ولعل هذا الاضطراب يعزي إلى أن الجاحظ لم يكتب الكتاب إنما املاه على أحد الوراقين حين أصيب بالفالج، ألا فاي تبرير ممكن لهذا التكرار المتوتر للشواهد والتناقض في بعضها مثل قصيدة سلمة بن حرشب في قتال عبس ذبيان إذ أوردها ثانية منسوبة إلى سلمة بن الحارث الأيادي؟
أما الحقيقة فهي أن الجاحظ فطن إلى هذا الاضطراب وحاول الاعتذار عنه في غير موضع، يقول في مطلع باب البيان :«وكان من الحق أن يكون هذا الباب في أول الكتاب ولكنا أخرناه لبعض التدبير*»ويقول في الرد على الشعوبية :«سنذكره في الجزء الثاني كما سنذكر فيه كلام معاوية ويزيد وعبد المالك* إذن فالجاحظ كان واعيا باضطرابه في المنهاج، هذا الاضطراب الذي ربما كان عائدا إلى عدم وضع خطة سابقة للتأليف، إذ من العسير كل العسر أن نؤلف ولا مصادر تعيننا غير ما وعته الذاكرة وخباه الشعور.
ومن أبرز الاستنتاجات المستقاة من الكتاب ظاهرة «الشك» فإذا أورد حديثا مبوبا على لسان ثابت بن قيس بن شماس قال:«وأخذت هذا الحديث من رجل يصنع الكلام فأنا أتهمه*. وإذا أخذ عن معاصر قال :رأيته أو سمعته، فإن لم يتحقق من أمر صدره بقوله :ظن فلان أو زعم فلان. لكن ظاهرة الشك لا تجعلنا نغلو غلو الأستاذ شفيق جبري الزاعم بأن الفيلسوف الفرنسي ديكارت تأثر بالجاحظ في وضعه لمنهاجه الرياضي(11).
وإذا كان الجاحظ متحمسا للعرب منتصرا لهم فهو لا ينسى أبناء جلدته فيقول :«أنه ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا انفع، ولا آنق، ولا ألذ في الاستماع، ولا أشد اتصال بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء والعلماء(12).
ونحن لا نستغرب لتأليف كتاب في البيان لدى العرب وهم المشهورون بالفصاحة والطلاقة، ولا نستغرب إذا لمسنا هذه الحماسة المتدفقة للعرب والدفاع عنهم إذا عرفنا أن الجاحظ ألف كتابه للرد على الذين فتنوا بالخطابة اليونانية بعد ترجمة كتاب أرسطو عنها، فالجاحظ بمؤلفه هذا إنما يدافع عن نفسه وبني أرومته بأن قومه أعظم شأنا وأرقى لغة من غيرهم.
وللكتاب بعد هذا كله سجل حافل بأخبار العرب وأقوالهم، وعاداتهم وأوصافهم، لذلك لا غرو إذا عد البيان والتبيين نبعا أصيلا ومرجعا هاما للأدب العربي.



(1) امراء البيان ص 428.
(2) الفن ومذاهبه في النثر العربي.
(3) البيان ص : 210 و 322.
(4) البيان ص : 98.
(5) من حديث الشعر والنثر ص 63.
(6) البيان 160.
(7) فن الآداب 68.
(8) بلاغة العرب وهو بحث بالفرنسية ص 5.
(9) دائرة المعارف الإسلامية ج 6 ص 28.
(10)100* 399* 372
(11)  الجاحظ لشفيق الجبري 211.
(12) البيان 171.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here