islamaumaroc

نظرات حول كتاب صبح الأعشى للقلقشندي.-1-

  دعوة الحق

57 العدد

بعد انهيار الدولة العباسية ببغداد سنة 656هـ على يد هولاكو، وبعد  استيلاء التتار على معالم الثقافة العربية بالعراق، تأسست دولة المماليك بمصر والشام وعمل ملوكها على نشر الثقافة الإسلامية والمحافظة على قوة اللغة العربية، فأسسوا دولة المماليك بمصر والشام وعمل ملوكها على نشر الثقافة الإسلامية والمحافظة على قوة اللغة العربية، فأسسوا مدارس مختلفة، وشجعوا الحركات العلمية، وأكرموا الوافدين عليهم من جميع الأقطار، وربطوا العلاقات بينهم وبين ملوك المغرب، فكان كثير من العلماء ينتقلون من المغرب إلى المشرق عاملين على إثبات الألفة بين عامة المسلمين.
ولقد أدت عناية المماليك بالعلم إلى ازدهار ظهر أثره في المؤلفات التي خلدها التاريخ لرجال كان همهم نشر الثقافة الإسلامية، والمحافظة على اللغة العربية، وكان يظهر على هاته المؤلفات طابع الموسوعية التي تعتبر علامة للنشاط الثقافي العام حينذاك، ومن أهم هاته الكتب كتاب ((صبح الأعشى في كتابة الأنشا))، لأبي العباس أحمد القلقشبندي المصري، المولود سنة 756هـ والمتوفى سنة 821هـ.
صبح الأعشى هذا كتاب يحتوي على أربعة عشر مجلدا تشتمل على ما يقرب من سبعة آلاف صفحة، وهو كتاب رائع من الكتب التي لا يستغني عنها الأديب، أو المؤرخ، أو عالم الدراسات الاجتماعية، أو المتهم بالنظم الإدارية والانقلابات السياسية، لأنه كتاب حوى من كل فن طرفا، مع سلاسة في الأسلوب، وروعة بهاته التسمية لأنه يعتبره نورا يهتدي به الكتاب إلى معرفة صناعتهم، ومرشدا لهم يقوون به ملكاتهم، ويوسعون بمحتواه ثقافتهم، ويصعدون بسببه مدارج الرقي.
فالأعشى في اللغة هو ذلك المصاب بمرض في عينيه يفقد بسببه الرؤية إذا انعدمت أشعة الشمس، فهو يرى نهارا ولا يبصر ليلا.
سبحان  من  قسم  الحظو         ظ  فلا  عتاب  ولا  ملامـة
أعمـى  واعشى  ثم  ذو         بصـر   وزرقاء    اليمامـة
ولا ريب أن الأعشى لا ينتظر للفرجة عنه وإبعاد الظلمة عن عينيه غير الصباح، فإذا كان هذا الكتاب بمثابة الصبح للأعشى، فمعنى ذلك أن الكتاب لن يوفقوا في خطتهم إلا إذا درسوه، ولن يبدعوا في صناعتهم إذا لم يجعلوه رائدا ومنارا.
والمراد بكتابة الإنشاء، كتابة ديوانها، وهو ديوان كان يتولى متقلده مهام جسيمة ترجع إلى تنظيم المراسلات العامة، سواء منها الصادرات والواردات، والعمل على تنظيم البريد، والاهتمام بشؤون الجواسيس والعيون. ولا ريب أن الاهتمام بمثل هذه الأمور يتطلب من الكاتب أن يكون قوي الملاحظة، حاد الذكاء ذا خبرة عامة ومرونة سياسية، لأنه الواسطة بين ملكه وبين باقي الملوك في الأرض، وقد يؤدي إهماله لواجبه أو جهله بصناعته إلى قيام حروب وخلق عداوات وحزازات، فمن المعلوم أن الرسائل صورة لمرسليها، وان لهجاتها تختلف باختلاف المرسل إليهم، فهي تحتاج تارة إلى المراوغة، وأحيانا إلى الوضوح، وآونة إلى الشدة، وتحتاج في بعض الظروف إلى الاحتمال والتورية والتعويض، فكان من الواجب على الكاتب أن يتعلم صناعته ويسعى في تكميلها، ويستغل تجاربه الخاصة حتى يضفي عليها من ذلك قوة ويبعث فيها الحياة.
ولما كان القلقشندى من الذين برعوا في كتابة الإنشاء على حداثة سنه، ورأى أنها صنعة تحتاج إلى تعهد وعناية، ورأى أن المؤلفين الذين كتبوا في تحليلها قد اختلفت مقاصدهم في التصنيف، وتباينت  مواردهم في الجمع والتأليف، وأن أهم الكتب التي ألفت فيها كتاب ((التعريف بالمصطلح الشريف)) للقمر الشهابي أحمد بن فضل الله العدوي العمري، وكتاب (تثقيف التعريف) لابن ناظر الجيش، ورأى أن هذين الكتابين لا يفيان بالمقصود رغم عناية مؤلفيهما بوضعهما، دعته همته إلى عدم الاكتفاء بهما، وإلى العمل على تأليف كتاب يكون جامعا لمقاصدهما، مع إتمام ما غفلا عنه، ولم يشرع في ذلك من أول وهلة، بل ألف أول الأمر مقامة تشتمل على جملة من صناعة الإنشاء سماها (بالكواكب الدرية في المناقب البدرية) (1)ووجهها لتقريظ المقر البدري صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية آنذاك ، ثم عمد إلى شرحها وتحليلها فكانت النتيجة أن قدم لنا كتاب (صبح الإعشى في كتابة الإنشاء).
وكان يعتبر تأليفه لهذا الكتاب أمرا ضروريا رغم ما ألف من الكتب قبله فهو يقول (2) : (وكيفما كان فالانتصار على معرفة المصطلح قصور، والإضراب عن تعرف أصول الصنعة ضعف همة وفتور، والمقلد لا يوصف بالاجتهاد، وشتان بين من يعرف الحكم عن دليل ومن جمد على التقليد.
ولم أر عيــوب  الناس  شيئــا
                     كنقص  القادريـن  على  التمــام
وقد ثبت في العقول أن البناء لا يقوم على غير أساس، والفرع لا ينبت إلا على أصل، والثمر لا يجتني من غير غراس.. فهو في هذا النص لا ينكر فضل المتقدمين، ولكنه يرى أن الاقتصار على ما ألفوه يعتبر تعطيلا للهمم وأماتة للقرائح، وما ألطف استدلاله ببيت المتنبي ذلك البيت الشعري الذي يعد بحق دستورا للطامحين والكادحين.
ولما ألف كتابه سار فيه على منهاج خاص، ووضع له تصميما حدد به الموضوعات التي سيهتم بدراستها وبناء على مقدمة وعشر مقالات وخاتمة.
أما المقدمة فخصها لمبادئ يجب تقديمها قبل الخوض في كتابة الإنشاء (ج. 1 ص 35).
وأما المقالات ففصلها كما يأتي:
المقالة الأولى: فيما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العلمية والعملية (ج 1 ص 140)
المقال الثاني: في المسالك والممالك (ج 2 ص 227)
المقال الثالث : في ذكر أمور تشترك فيها أنواع المكاتبات والولايات وغيرهما من ذكر الأسماء والكنى، وكيفية تعيين صاحب ديوان الإنشاء القصص والمربعات ونحوها على كتاب الإنشاء، ومقادير قطع الورق وما يناسب كل مقدار منها من الأقلام، ومقادير البياض في وأل الدرج وحاشيته وبعد ما بين السطور في الكتابات وبيان المستندات التي يصدر عنها ما يكتب من ديوان الإنشاء وكتابة الملخصات وبيان الفواتح والخواتم (ج 5 ص 423).
فهي مقالة تعلم الكاتب ما يحتاج إليه من النظم المتعلقة بالمكاتبات الإدارية والمصطلحات الخاصة التي لا يستغنى عنها في رسائله.
المقالة الرابعة: في المكاتبات (ج 6 ص 274).
المقالة الخامسة: في الولايات (ج 9 ص 252)
المقالة السادسة : في الوصايا الدينية والمسامحات والاطلاقات والطرخانيات (3) وتحويل السنين والتذاكر وذكر نسخ من ذلك (ج 13 ص 2)
المقالة السابعة : في الإقطاعات والمقاطعات (ج 13 ص 104).
المقالة الثامنة: في الإيمان (ج 13 ص 200).
المقالة التاسعة : في عقود الصلح والفسوخ الواردة على ذلك (ج 13 ص 321).
المقالة العاشرة : في فنون من الكتابة يتداولها الكتاب ويتنافسون في عملها ليس لها تعلق بكتابة الدواوين السلطانية ولا غيرها (ج 14 ص 110).
وأما الخاتمة : فذكر فيها أمور تتعلق بديوان الإنشاء غير أمور الكتابة، كالكلام عن البريد ومطارات الحمام الرسائلي، وأبراجه، والمناور، والمحرقات (ج 14 ص 366).
ومن آكد ما يجب التنبيه إليه أن المؤلف قد استطاع أن يحلل تصميمه تحليلا أظهر فيه قوته العلمية وثقافته العامة، وعمل جهد إمكانه على إظهار الاتجاهات المختلفة في النظم الإسلامية والتقاليد التي يسير عليها الملوك في شتى الأقطار، وأكثر من النماذج المختلفة للرسائل حتى إذا حاول أي كاتب أن يقلدها استطاع ذلك، وبين أسس البلاغة وكيف يجب على الكاتب استغلال القرآن والحديث والنصوص الأدبية العامة من شعر ونثر في مكاتباته.
ورغم اطلاعه كان يصرخ أحيانا بعدم وصول علمه إلى معرفة بعض الأشياء، وبذلك سما في عين قرائه وأبعدوه عن الكذب والاختلاق، حينما كان يتحدث عن مدينة قليوب بمصر (4) قال : (وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة ولم يتحرر لي طولها وعرضها غير أنها من القاهرة في جهة الشمال على نحو فرسخ ونصف من القاهرة، وحينما كان يتحدث عن ملوك الفرنج بالأندلس قال : (وأما ملوك الفرنج به فعلى ترتيب سائر ممالك الفرنج مما هو غير معلوم لنا).(5)
 يجب أن نعلم أن الكتاب رغم حرصهم على سلامة ما يكتبون فقد يقعون في بعض الأخطاء سهوا وغفلة، وذلك مثل ما وقع لمؤلفنا حين تحدثه عن الدواة الإدريسية بالمغرب، فهو قد ذكر أن الأدارسة يرجع نسبهم إلى إدريس الأكبر بن حسن المثلث (6)، بن حسن المثنى، ابن الحسن السبط، بن علي بن أبي طاب رضي الله عنهم، مع أن مؤسس الدولة هو إدريس بن عبد الله ابن الحسن المثنى، وليس يوجد من المؤرخين من ذكر ما سار عليه القلقشندي وأنا على يقين بأن هذا الخطأ إنما وقع عن غفلة فقط، وإلا فإننا نرى المؤلف نفسه حين التحدث عن أحد الملوك الذين توجهوا إلى تلمسان من المغرب يقول عنه : (إنه من عقب سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده) (*)فهو قد صرح باسم عبد الله هنا.
وإني لا أريد أن أودع القراء قبل أن أظهر لهم أن الكتاب قد أكثر فيه المؤلف من التقسيمات فهو يذكر أن هاته المقالة تحتوي مثلا على بابين، وفي كل باب ثلاثة فصول أو أربعة، وفي كل فصل خمسة جمل، وفي كل جملة أنواع، وفي كل نوع مهايع وهكذا مما يصعب على القارئ حصره، وقد وقع للمؤلف نفسه اضطراب حين تحليل أقسامه، فكان يزيد أحيانا عما وعد وينقص طورا مما ذكر فإنه مثلا حينما كان يتحدث عن الحجاز ذكر أن لها ثلاثة (7) قواعد ولكنه عند التحليل لم يذكر إلا مكة والمدينة، كما أنه حين تحدته عن مملكة توران (8) ذكر ما يدخل في هذه المملكة من الأقاليم فقال إنها سبعة (9) ولكنه عند التفصيل لم يذكر إلا أربعة وهي ما وراء النهر وتركستان وطخارستان وبذخشان.
كما أننا رأينا حين التحدث عما يكتب في متن العهود قال وفي ذلك ثلاثة  مذاهب ولكنه عند العد ذكر خمسة، وقد يشير في بعض الأحيان إلى أن الشيء الفلاني قد ينقسم إلى عدة أقسام ولكنه عند التحليل يقتصر على ذكر قسم واحد كما وقع له مثلا حينما كان يتحدث عن الوظائف الدينية بالديار المصرية فقسمها على طبقتين وقال : (الطبقة الأولى أصحاب التقاليد ممن يكتب له بالجناب العالي، وتشتمل على عدة وظائف : الوظيفة الأولى : القضاء ولم يذكر غيرها .
وأنا أرى أن سبب هذا الاضطراب يرجع من حين لآخر ما كتب، وهذا هو السبب في كون القلقشندي كان يأتي ببعض الروايات المختلفة لبعض الأشعار والأمثال من غير أن ينتبه إلى ذلك أو أن ينبه عليه، فهو مثلا ذكر مرة قول أحد الشعراء في هجاء كاتب هكذا  :
حمـار في الكتـابة يـدعيهـا
                   كـدعـوى آل حـرب في زيــاد
فدع عنك الكتابـة لسـت منـها
                   ولـو غـرقـت ثيابـك في المـداد
ولكنه ذكر مرة أخرى هذين البيتين برواية تختلف عنهما وبإضافة بيت آخر فقال: دخـيـل في الكتـابة يـدعيهـا
                   كدعـوى آل حــرب في زيــاد
يشبـه ثـوبــه للمحـو فيـه
                   إذا أبصـرتـه ثــوب الــحداد
فدع عنـك الكتابـة لست منـها
                   ولـو لطخـت وجهـك بالمــداد
وان غفلة المؤلف قد تسببت بعض الهفوات التي لا تخفي على الذين يدرسون هذا الكتاب مثل تعبيره بياء النسب مثلا في موضع ذكر ياء النداء وذلك حين تحدثه عن المكاتبات وأنواعها فقال : (ومنها أن تفتح المكاتبة بالخطاب، أما مع حذف ياء النسب، أو مع إثباتها) . أما مع حذفها فكما كتب أبو المطرف المثنى:
سيدي ومفخري، وعصمتي، ووزيري، وركني، وذخيرتي، وعتادي، أبقاك الله ناهجا سبل المكارم والمعالي. وأما مع إثباتها كتب أبو المطرف بن الدباغ إلى بعض الأدباء عند وروده على بلاده :
يا مولاي وسيدي، العظيم شأنه وأمره، العالي صيته وذكره، ومن أبقاه الله في عز لا تنفصم عراه، وحرز لا يستباح حماه.. الخ.
ومن تتبع دراسة الكتاب فسيجد فيه الكثير من هاته الاضطرابات ولكنها لا تؤثر في وضعه لكونها لا تخفى عن القراء.
وبعد، فإني قد قدمت صورة لهذا الكتاب ولم يبق على إلا أن أقدم في حين آخر بعض محتويات، وبذلك سأحقق غاية طالما كنت أدعو إليها، وهي وجوب تقريب هاته الكتب المطولة إلى طلاب الأدب، وأن لا ندعها في إطار ضيق لا يتجاوز المختصين من الأدباء.
إن العمل على شيوع الثقافة من أهم ما يجب أن يدعو إليه أدباء العرب اليوم، لأن لغتنا لا يمكن أن تحيا بمجرد الدعوة إلى التجديد مع نسيان ما خلده العرب من قبل، ولكنها في حاجة أيضا إلى الارتباط بما ألف في الماضي والعمل على الاستفادة منه.
 إن كتب الأدب القديمة تعتبر بحق كتبا ثقافية عامة لا تقتصر على دراسة الشعر والنثر، ولكنها تعمل على تقريب كثير من الحقائق العلمية وتدرس كثيرا من النظريات الفلسفية، وتتعرض لبعض المصطلحات العلمية وتسجل بعض الأحداث التاريخية، وتصور بعض مظاهر حضارتنا فما علينا إلا أن نقربها للقراء فنوجد رابطة متينة بين الحاضر والماضي فإلى اللقاء.


(1) اقرأ هذه المقالة بالجزء الرابع عشر من كتاب صبح الأعشى صفحة 112 طبع دار الكتب المصرية.
(2) صبح الأعشى الجزء الأول : ص : 8.
(3) الطرخانيات : مكاتبات خاصة توجه إلى أشخاص عجزوا عن مسايرة وظيفتهم لكبر سنهم فيخبرون  بواسطتها أن عطايا الملك لا تزول عنهم رغم عجزهم.
(4) الجزء الثالث من صبح الأعشى، ص : 403 ومدينة قليوب هاته هي مركز عمالة القليوبية التي توجد بها ((قلقشندة)) المدينة التي ينسب إليها مؤلفنا.
(5) الجزء الخامس من صبح الأعشى صفحة 272
(6) نفس الجزء : صفحة 180.
(7) نفس الجزء : صفحة 183.
(8) نفس المصدر الجزء الرابع صفحة 248.
(9) توران كلمة إيرانية تطلق على البلاد الواقع شمال يشرقي إيران، أطلقت أيضا على بلاد لبترك ومنها اشتقت كلمة ((بانتورانيسم)) وهو جماعة تركيا الفتاة الذين حاولوا توحيد عناصر
الدولة و ((تتريكها)) في بدء القرن العشرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here