islamaumaroc

أفق الكلمة والمفهوم -2-

  دعوة الحق

57 العدد

صناف التعابير:
إن بين المعنى والتعبير عن هذا المعنى فروقا : التعبير المادي، والمعنى من طبيعة التصورات الذهنية (العقلية)، التعبير شيء خاص والمعنى عام، أي أنه يرمي دائما إلى الشمول، التعبير حسي، أما المعنى فيرمي إلى التجرد، لأنه مجموعة مفاهيم. فالتعبير، وان اختلفت صورته، يسبح في عالم محدود، أما المعنى فعالم مفتوح، أو قابل للتفتح: ان الإشارة محدودة في حين أن المعنى يرمي إلى ما لا يحصر.
يظهر مما تقدم أن علاقات العالم الداخلي النفساني والعالم الخارجي تتجسم في التعابير المختلفة، توجد بوجودها وتنعدم بانعدامها، إنها شرط وعلة لها، وبما أن الموضوع والذات، أي المفعول والفاعل، يلتقيان في الشعور الفردي ليتحققا، كان لزاما على الدراسات النفسانية أن تبدأ بالتعرف على حقيقة ((التعبير)) وأصنافه.
فاللغة، مثلا، فن تقني (لأن لها نماذج وقواعد متفق عليها، ولكن حقيقتها تندمج في حقيقة تاريخية : التاريخ الفكري والنفساني والصناعي والجغرافي للأمة، أو للأمم المتكلمة بهذه اللغة، ونقصد هنا بالتاريخ الماضي طبعا، ولكنه ماض يسترسل في الحاضر مع التأكد بأن الحاضر لا ينحصر في الحال، بل هو ما يعبر عنه النحويون ((بالمضارع)) أي الحال والمستقبل، لأن ما يقوم به الإنسان في الحاضر إنما هو انجاز لما يريد أن يكون عليه –ما-بعد- الحاضر، فالمستقبل ليس مرادفا للـ (بعيد) كما أن الـ (حاضر) ليس منحصر في ما قد (حضر) فحاضر ليس وصفا لحالة، بل اسم فاعل، أي أنه الزمن الذي يقع فيه فعل فعليا. فالحاضر يختلف عن الماضي لأن الماضي قد انتهى كحركة مباشرة ولم يبق إلا في إشارة أو في ذاكرة، ويخالف أيضا المستقبل، لان المستقبل يصوب اتجاهه نحو الأمام يتقمص الآمال.
فالمتكلم يغير اللغة، ولكنه يخضع لأسسها ومصطلحاتها كي يفهم، فالكلام أداة للتفاهم، لا غاية في ذاته، إن المتكلم يرمي، من وراء الكلام، أن يفهم المستمع انه يريد تواصلا.
لكن، خلاف لما يمكن أن نظنه أن الإنسان الأول لم يتكلم ليعبر عن مفاهيم وأفكار، ولم يتكلم لأنه كان له شيء يجب أن يقال، بل، على العكس، لقد فهم وفكر وافهم لأنه تحدث، حيث أن ما راج في خاطره قبل أن يتكلم لم يكن مكيفا في شكل أولي يرمي إلى قصد، واتى له أن يقصد الإفهام قبل أن يحصل عنده فهم هو نفسه ؟ ان التفكير واللغة وجهان لواقع واحد، أن الجد الأول للإنسانية لم يعبر عما فكر فيه لأنه كان يفكر، بل فكر لأنه تكلم، وهو لم يتحدث إلا بعد أن انتهى من الحركة، فللأفعال (أي ما يقابل الأسماء) الأسبقية، المكان الأول، وحتى في لغة الأطفال، تدل جل الكلمات على معنى الفعل : بابا = أريد الأكل ديدي = أتألم من الوجع، فالأفعال آخر ما يضيع من الذاكرة، أن اللعب، وهو عمل جماعي من أول الحركات التي يقوم بها الطفل، فكل لعب، في الحقيقة، ملاعبة، وأداة اللعب، بالنسبة للصبي، غالبا ما يكون هو من يلعب معه من أقرانه، أو من الكبار (فالطفلة تريد أن ترضع أمها، وتقوم بدور الجدة نحو أبيها).
فالاتصال الأول بين الصبي وعالم الأحياء هو الثدي، وعند الفطام نلهيه بثدي لا لبن له، أو بأشياء جامدة تشبه الثدي، فاللعب عالم مصطنع بين الواقع واللاواقع، أي حركات رامزة، يتعدى الرمز عند الطفل دور الوساطة ويصبح غاية –في- ذاته، نعني لأن   الرمز يتركز في الشعور كأنه هو الواقع، ويصير الواقع شيئا أجنبيا.
وللعب صور أخرى كالميل إلى الهجوم، وتقليد الكبار وكل هذه الأعمال تعابير عن الاندفاع نحو الحياة الجماعية.

الأدوات منبع التفكير والتعبير:
إن أول أداة للتعبير اخترعها الإنسان هي الآلة مثل الحجرة والعصا وهذه الأدوات، إن هي إلا أفعال مجسمة، فالمعول شيء مشترك بين الإنسان والحيوان، يقلع الشامبانزي غصنا من الشجرة ليستعمله كما يستعمل الإنسان العصا، لكن الفرق هنا هو أن القرد يستعمل آلته في الحالة الحاضرة، في حين أن الإنسان يخلق بينه وبين الآلة صلات : يملكها فيقول : هي لي، هي لك، هي لنا، فيذخرها، ثم ينقحها ويطورها، ومن هنا يكسبها معاني جديدة، وكرد فعل لذلك، تكسبه هي بدورها، كلمات جديدة (أفعال وأسماء) فهناك إذن، دياليكتيك للتطور الإنساني في علاقاته بالأدوات : يؤثر بها ثم فيها، وهي بدورها تؤثر فيه، فالإنسان يتطور بقدر ما يطور أدوات العمل، (أدوات الانتقال) غيرت نظريتنا في المسافات، هذه السرعة التي اكتسبتها الآلات قربت منا كل أصناف المعرفة، في أي بقعة من بقاع الدنيا كانت (الصحف والإذاعة والتلفزيون والسينما والطباعة).
نعم، يمتاز الإنسان عن الحيوان في علاقاته بالآلات كونه يستعملها، وقد استعملها أمس ويستعملها الآن، ويحتفظ بها لما بعد.
وبمجرد ما أصبحت الآلة مصاحبة للإنسان، أي متصلة بالتاريخ، تكونت حولها عادات جماعية : نعني أعرافا تقنية تتوارثها الأجيال (صنع الآلة وكيفية استعمالها وإصلاحها) والاستعمال مجموعة عمليات تنشأ عنها نتائج يرجوها العامل لفائدته مباشرة، أو للمبادلة، أي الآلة أول واسطة بين الإنسان والعالم، بين الإنسان والمجتمع. فاللغة لا تنتعش، إذن إلا في البيئات الفنية بالآلات، بالأشياء المصنوعة والمكتشفة، لأن كل لغة، إنما هي أدوات حضرية. إن الجد الأول للإنسان قد استعمل العصا في الصيد وقلد الصوت الحيوان، ثم تلفظ بمسميات للعصا، وللصيد، وللصوت، والطير. فالحياة تدور حول إشباع الحاجات، هذا الإشباع يدفع إلى العمل، والعمل إلى اكتشاف الآلات أو إلى صنعها ثم ترقيتها.
هكذا تكثر الاتصالات المجتمعية حول أعمال مشتركة، فتتجلى مختلف التعابير من علامات، وإشارات، ولغات، ورموز (ويكون ظهور ذلك على الترتيب السابق).
من هذا التحليل نصل إلى أصل المعرفة، واصل الأحداث التاريخية، واصل المجتمع الإنساني، وبالتالي هنا يبدأ التفكير الفلسفي.
إن الفلسفة، بطبيعة وظيفتها، تشتغل بمعرفة الإنسان والعالم وعلاقاتهما، فهي تبحث فيهما، والبحث حديث، والحديث نقاش كلامي.
مـا هـو الكلام ؟
الكلام بناء : الإنسان هو الحيوان الذي يتكلم، أي يصنع العالم بالألفاظ، فتصبح كل لفظة أما مفتاحا لفهم أو أداة مواصلة واتجاه، وأما تحديد لسلوك فردي أو جماعي، فالكلمات كالأوراق النقدية والأسلحة أو الخاتم السحري في يد الإنسان : يكفيه أن بنطق ليحدث سيئا في شعوره ورد فعل في شعور الآخرين، ومن هذا التجاوب الشعوري ينتج صدى يحرك الطبيعة الخارجية، فالكلام خلاق : أن الكلمة الواحدة تحدث أحيانا إصلاحا، وإذا لم يتسبب عنها شيء محسوس عند المتكلم، ربما حصل ذلك عند المستمتعين، أو عند متكلم آخر، مرة أخرى، فالكلمة كالدهر الذي يحتفظ بقيمته التداولية، سواء انتقل إلى بائع إلى مشتري أو لم ينتقل : (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة...)
فالبحث في الكلمات، من حيث تركيبها المادي ومدلولاتها المحسوسة وآثارها النفسانية، يلتقي في ميدان واحد مع كل بحث يدور حول الإنسان وحول المعرفة، ومن هنا كان التأمل في اللغة فلسفة وعملا، وبما أن اللغة حركات وعلامات وإشارات ورموز، اتخذتها الفلسفة واتخذها العلم أداة للتعبير.
هكذا، نرى أن اللغة، في نفس الوقت، مادة للبحث وأداة له، إذ أنها تأمل ينعكس على ذاته، ومن هنا جاءت صعوبة الحديث عن اللغة، وضرورة هذا الحديث جاءت تشغل جوانبه، رغم وحدة مراميه.
اللغة ليست شيئا خاصا بفرد، بل ملكا مشتركا أنه (بين) : بين المرء وشعوره، بين الشعور كحالات وإحساسات، وبين أبرازها كأحداث، بين المعنويات والماديات، بين الـ (أنا) والآخرين، بين الإنسان والعالم.. اللغة هي الواسطة العظمى والصغرى، في الغياب وفي الحضور، فيما كان وفيما هو كائن وفيما سيكون. اللغة تعبير الـ (أنا) ونداء للآخرين، أي دعوة ودعاء، فالمرء يعطي (كلمة الشرف) أي أن الكلام يلزمه أمام نفسه وأمام المجتمع، يقيد سلوكه ويفرض عليه مسؤولية، ورجل (لا كلمة له) رجل ينقصه الضمير، نعني أن إنسانيته غير كاملة، فالكلام يرتفع من حركة التعبير إلى مستوى العناصر الأنطولوجية، ربما استطعنا أن نقول : الإنسان جسم، وروح، ولغة.
نرتفع الآن إلى مستوى آخر، هو مستوى الأخلاق : فالإنسان يتدرج من كائن (متكلم) إلى كائن (له كلمة)، (يفي بالعهد)، و(بالكلمة)، وقولنا (الكلمة دين عليه) معناه أن الطابع الشخصي للسلوك الفردي، من الناحية الأخلاقية، هو المحافظة على (الكلمة) في حين أن الخيانة والغدر في عدم المحافظة على (الكلمة)، و(ذو الكلمة) هو أيضا ذو (السلطة) ما دامت الكلمة قوة تخول صاحبها أن يتصرف في الكائنات : (إن من البيان لسحرا).
يعرف السفسطائي غورغياس أن الكلام قوة بفضلها تقع التحولات : فالذي يستطيع أن يقنع، بكلام مبين، لا محالة واصل إلى رتبة الكمال، والقوة الإقناعية فطرية عند الخطيب الموهوب، بها يستطيع أن يخرج إخراجا قويما ما في الكلمات من سحر. الفيلسوف اليوناني يرى أن الحقيقة مرادفة لقوة التعبير، كما أن الحكمة في البيان، فعلى هذا أن إنسانيتنا تكتمل بفضل قوتنا على التعبير ما دامت قوة الإفصاح، البيان، تكسب المرأ قدرة يتدرج بها نحو الكمال(1).

المسافة بين المعنى والتعبير :
لنتساءل الآن : هل التعبير اللفظي يعوق التفاهم أم لا ؟ فمثلا : إحساسي شيء خاص بي، فإذا عبرت عنه كما يعبر الجميع لن أفي بخاصياته، وإذا اخترت عبارات مختلفة مخالفة للعهود، ضاع ما أتوخاه من إفهام غيري مشاعري.
هنا يتدخل الفن (الصور الشعرية، والاستعارات، والنثر الفني) فتتكون إلى جانب اللغة العامة تعابير خاصة، ويحصل بين المجموع تكتمل يثري اللغة، وطبعا يشعبها، أن الفن نفسه الشعري والنثري لا يكفي للتغلب على ما يبعد الشقة بين المفهوم والتعابير عنها، فالعبارات، دائما، دون المعبر عنه، لان التعبير أداة غير لاصقة بماهية الشيء، فلابد من تكثير الإصلاحات وتحسين الفنون الكلامية، في تعاون مسترسل مباشر مع الفنون الأخرى (الموسيقى، مثلا، في الشعر..) ومن هنا تظهر لنا أهمية الشعراء والكتاب في رقي اللغات. نقصد برقي مسايرة اللغة لنضج الوعي الإنساني، فالإنسان كائن حي يمشي دائما إلى الأمام، ومشيه يتكيف في أشغاله اليومية المتعاقبة، لا يعرف الوقوف عن السير : كل يوم هو في مرحلة، ولابد لكل مرحلة من تعابير جديدة وإلا اختلطت المراحل، فتشابهت النتائج، مما يرغم الركب على الوقوف، وأن انقطاع الشعوب عن السير موت لها .

الخلاصة: 
نستنتج، مما سبق، أن تاريخ اللغة، في تقلباتها، ليس إلا انعكاسا لتاريخ الأمة، فلا أمة بدون لغة ولا حياة لأية لغة يحجر على مستهلكيها أن يجتهدوا ليبدعوا فيها، إنه من الجنون ومن العقوق للغتنا العربية أن نؤمر بتقليد تعابير المعلقات. كانت لغة الجاهلية لغة راقية، بالنسبة لعصرها، لكنها أصبحت لغة الجمود بالنسبة لنا، لأن أفقها الحضاري العام ضيق (أطلال بكاء، فخر، رثاء، هجو، إنها لغة فقيرة من المفاهيم المعنوية العليا، فليست كثرة المفردات المادية (حصان، أسد، سيف..) إلا دليلا آخر على هذا الجمود وهذا الفقر، أما لغة القرآن، فلغة التقدمية لغة الوثبة إلى الأمام، لما فيها من تراكيب ومفردات جديدة ولكثرة القصص والصور والرموز، لقد هيأت الجو للثقافة الثورية التي عرفها الإسلام على عهد المعتزلة والعباسيين، في عصر المأمون الذهبي، ثم أتت لغة المقامات وشعر المناسبات، فوقفت اللغة العربية عن السير، وضيق عليها الخناق اللغويون والنحويون فأغلقت أمامها الطرق، وأمست لغة الانحطاط، ثم بدأت النهضة الأخيرة بفضل انبثاق الوعي العربي الجديد، والاحتكاك بالمغرب، فأخذنا نعرب ونهدم الأوثان الموروثة، مقتدين بما فعله العباسيون ببغداد، والأمويون بالأندلس، وقد صح منهم العزم على التجديد فوفقوا.
إن النهضة العربية قد دخلت اليوم مرحلة حاسمة من معركتها المباركة، فإرادتنا قوية مثل إرادة الأجداد المجددين، وحبنا للغة والثقافة العربيتين وتعلقنا بهما لا يقلان عن حبهم وتعلقهم.


(1) غورجياس على صواب فيما أبرزه من سلطان للكلام المبين، لكنه قد اخطأ عند ما حاول أن يستنتج من ذلك إقرار (نسبية الحقيقة) بمعنى أن الحقيقة تتكيف مع الصيغ التعبيرية : فالذي يحسن صياغة الكلام يمكنه أن يغير المعتقدات والمشاعر...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here