islamaumaroc

أدب المقاومة والتجمع في الأدب العربي الحديث

  دعوة الحق

57 العدد

ليس أدل على أصالة نظرية الوحدة العربية الشاملة من استجابة الأدب العربي المعاصر كله فترة من الزمن لمقاومة النفوذ الأجنبي من البصرة على الخليج العربي إلى الدار البيضاء على المحيط الأطلسي
وقد بدأ ذلك منذ عام 1830 عندما احتلت الجزائر، وكانت قد سبقت ذلك محاولات لاحتلال مصر 1799 بواسطة الحملة الفرنسية (نابليون)، و1807 بواسطة الحملة البريطانية (فريزر)، ولم يمض بعد ذلك أكثر من ربع قرن حتى سقطت الجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي وتوالت البلاد العربية، ولم تلبث أن أسفرت الحرب العالمية الأولى عن خطة شاملة تم بها احتلال أجزاء المنطقة كلها ما عدا الحجاز واليمن، وهنا بدأت مقاومة كان للآداب شعرا ونثرا وقصة وللصحافة وللكتاب أثرهما البعيد في هذه المعركة.
قام الأدب العربي في هذه المرحلة الضخمة بدوره كاملا، فهو فضلا عن أنه استجاب للتطور وتمثل مختلف الألوان التي عاشها الأدب العربي في تاريخه الطويل، قد ابتدع (الأدب الوطني) الذي حمل لواء المقاومة للاستعمار والاستبداد وطغيان الحكام والأمراء، ونادى بالتجمع والوحدة، وكشف عن أصالة الأمة العربية وقدرتها على المقاومة، وكان هذا الأدب نشيد الثورات المتوالية التي لم تتوقف في خلال قرن وربع قرن، وكان الصوت المدوي الذي يهز القلوب ويدفع الجموع إلى الاستشهاد والفداء.
وعندما نستعرض هذه الصورة لقرن وربع قرن من أدب المقاومة والتجمع نجد أن هناك عوامل موحدة تنتظم المنطقة كلها: إيمان بالحق الطبيعي في الحرية، إصرار على المقاومة، صيحات عالية مدوية للتجمع، قلوب تخفق وتتلاقى من أنحاء الوطن العربي تستطيع بإيمانها أن تقاوم كل حلقات الإرهاب التي قام بها الاستعمار، وحركات التغريب وأساليب التمزيق ومؤامرات التضليل، كان الشعر ينفث السحر ويهز القلوب ويدعم الروابط، كانت الأمة العربية تتنادى من المحيط إلى الخليج وتتجاوب.
ولعل الأدب العربي لم يتأثر بحدث كما تأثر بمأساة فلسطين وحرب التحرير الجزائرية، فصور في الأولى حقيقة الغدر الغربي وحمل صورة الحقد والثأر. وعبأ الشعور.
وكان مفتاح اليقظة التي شملت العرب، والينبوع الذي تفجرت منه عواطف الكتاب والأدباء، ووحيا وإلهاما للشعراء، وقد صور هذا الأدب أكثر أثرين خلفتهما النكبة: وهما ضياع فلسطين والنازحين، كما رسم صورة الشوق والحنين بذكر الوطن، وأبرز صورة « العودة » والإيمان بها، والإعداد لها.
وكان أدب معركة التحرير الجزائرية عنوانا على الإيمان بحق الجزائر في الحياة، ودفاعا عن روحها وتصويرا لبطولتها القوية في المقاومة والاستشهاد، وهو أدب اشترك فيه كل قطر عربي وامتزجت فيه صورة فلسطين المضيعة، بالجزائر التي تصمد في المقاومة والحرب وتقدم الشهداء والضحايا.
فإذا تساءلنا ماذا يمكن أن يعطينا هذا الأدب في خلال قرن وربع قرن من الزمان، وجدنا أنه يعطينا صورة عقل «الأمة العربية» وعاطفتها في أدق مرحلة من مراحل كفاحها وصراعها وإثبات شخصيتها.
ذلك أن هذه الفترة، منذ بدأ الاستعمار يغزو العالم العربي سنة 1830 حتى اليوم، تمثل إحدى الملاحم الضخمة التي خاضتها الأمة العربية في مقاومة مطامع المغيرين الذين كانوا يتطلعون دائما إلى هذه المنطقة ليضعوا أيديهم عليها.
وهي حلقة من حلقات الصراع بين العرب وخصومهم، سبقتها ثلاث ملاحم ضخمة مع التتار والصليبيين والعثمانيين. ومن كل ملحمة من هذه الملاحم، كانت الأمة العربية تقاوم بكل قوتها معتزة بشخصيتها وتاريخها وموقعها وتراثها الثقافي ومكانتها الروحية.
ولقد كانت هذه الملحمة الرابعة (الاستعمار الغربي الحديث) من أضخم هذه الملاحم من غير شك، نظرا لتضخم السلطان العسكري للغرب الذي اكتشف البخار ودخل دور الصناعة الحديثة باختراعه وكشوفه وسلطانه المادي في الوقت الذي غفل فيه العرب عن القوة فاكتسحوا بالغدر والخيانة والمؤامرة.
وقد صور الأدب هذه المؤامرة الضخمة وكشف عن طريق النثر والشعر والمقال والقصيدة والصحيفة والكتابة والخطابة، عن عمليات الإبادة التي قام بها الاستعمار في ليبيا والجزائر وفلسطين، وكان القوة الدافقة التي تجمع الجموع وتدفع المجاهدين إلى الصفوف الأولى.
تستطيع هذه الصورة أن تعطينا عددا من الحقائق التي تكشف عن جوهر الأمة العربية، فقد كان الأدب (شعره ونثره) هو ديوان العرب، وكانت اللغة العربية هي قوام هذه الرابطة الضخمة رابطة القومية العربية على العصور.
وقد حاول الاستعمار في تجربة ضخمة، حشد لها كل قواه، وجند كل إمكانياته وعلمائه، القضاء على هذه اللغة وإبدالها باللهجات المحلية سعيا وراء جعلها لغات إقليمية، ولكن دون جدوى، فقد ذهبت جهوده أدراج الرياح، وبقيت الأمة العربية ملتفة حول سارية عالية لا سبيل إلى تحطيمها، وظلت (اللغة العربية) التي كانت قد ضعفت في أواخر العهد العثماني تنمو من جديد وتنصقل وتتطور على ألسنة الشعراء وأقلام الكتاب ترسل الصيحات المدوية فتعبئ المشاعر وتحفز الهمم، وكانت العربية شرارة الثورات المتوالية التي انفجرت في العالم العربي، وتوالت وتتابعت ولم تتوقف، وكانت زاد الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للفكرة العربية.
وقد كان أبرز مظاهر الأدب العربي الحديث في هذه الفترة: هذا اللون الوطني_ ولا أقول السياسي_ الذي أطلقنا عليه «المقاومة والتجمع» فقد ساد هذا اللون وطغى، واتسع نطاقه، وكان أبرز الألوان وأقواها وأشدها أصالة، وحملته الصحافة في الأغلب فكانت رسالته وحمله الكتاب، ونقلت هذه الآثار من الأوطان المضيق عليها إلى غيرها ممن كانت أكثر حرية، بل انتقل الأدباء أنفسهم وهاجروا من مناطق الظلم، ولم يقف أمرهم عند هذا بل قدموا الضحايا من أهل العلم وسجناء ومهاجرين ومشردين.
ويمثل هذا الأدب جانبا ضخما من أهم جوانب الأدب العربي في قرن وربع قرن يكشف عن صدق الإحساس وأصالة العاطفة ووضوح روح المحبة والأخوة والتلاقي.
وفي الوقت الذي كان فيه الاستعمار فيه يضغط على الحدود المصطنعة أو يدفع المذاهب التغريبية في محاولة للحياة، ويوجه صنائعه من حكام الأقطار ليضاعف من قسوة التجزئة، ويضع بذور الفتنة والشقاق بين قطر وقطر، كانت قصيدة واحدة تحمل معنى الأخوة العربية والمقاومة والتجمع كافية لأن تجعل هذه السدود كلها تنهار، وهذه الحصون كلها تتحطم، فقد تهتز لها القلوب فتجري على الألسنة وتتناقلها الركبان، فإذا أردنا أن نصور التيارات الفكرية التي كانت تضطرم في المنطقة فلا شك أن الدعوة الوهابية كانت منارا قويا للحركة الفكرية، وكانت مقدمة لرسالة جمال الذين الأفغاني وما تلاها من حركات فكرية حملت رسالة الآداب والثقافة في المهدية السودانية، والسنوسية الليبية، وخير الدين التونسية، والألوسية العراقية، ودعوة الكواكبي في مصر وسوريا، وابن باديس في الجزائر ودعوة محمد عبده في مصر وهي تمثل الدعوة إلى الحرية والمقاومة للاستبداد الهادفة إلى العودة إلى المنابع الأولى للعقيدة.
وكان الشعر بالطبع أبرز من النثر أثرا، فقد هاجم شعراء العراق والشام الاستبداد العثماني، ثم اتجه الشعر إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في مختلف أنحاء الوطن العربي، وقد كان الوجود السياسي للعرب سبيله الأدب كتابة وشعرا وخطابة، فلم يكن العرب بمدافعين عن وجودهم إلا باللغة العربية في مقالات وقصائد ومطبوعات أثارت نوازع الحمية العربية وأطلقت الألسنة والأقلام.
وقد قاوم الشعر العربي مقاومة فعالة ودعا إلى التجمع، واضطر الشعراء إلى أن يكسبوا سخط الحاكمين وعداوتهم، ومن هؤلاء الزهاوي والرصافي في العراق، كما هاجر من أجل ذلك الكاظمي من العراق إلى مصر، وفي الشام فؤاد الخطيب وشفيق جبري، واليازجي من قبل وشكيب أرسلان الذي اضطره الاستعمار إلى الهجرة.
المعركة في المغرب العربي
وقد ارتقت لغة الكتابة بعد التحرر من سلطان الأتراك واستهدف الأدب العرب القومية العربية والوحدة الإسلامية، وأفاد الأدب العربي من الأساليب الحديثة في الأدبين الفرنسي والإنجليزي.
وكان إعلان الدستور العثماني 1908 في العراق والشام والحجاز إعلانا لتطور الأدب العربي من الأسلوب التقليدي إلى دعوة الحرية ومهاجمة الاستبداد مع الحماسة وذكر البطولة والإشادة بالأمجاد والدعوة إلى النضال، وكما أنشأ طاهر الجزائري المدارس العربية في الشام أنشأ عبد الحميد بن باديس المدارس العربية في الجزائر، لمقاومة التيار الفرنسي الذي كان يحمل سموم التغريب.
وقد حمل الاستعمار معه مؤامرة التجنيس والتجزئة، والفصل بين عنصري الأمة، العرب والبربر والإدماج، وحاول في كل واحدة من هذه المؤامرات ما وسعته المحاولة.
فعل ذلك في تونس ومراكش والجزائر والشام، وفعلت ذلك إيطاليا في ليبيا، وانجلترا في مصر والسودان وفلسطين والعراق، وقد رفض البربر الذين كانوا قد امتزجوا مع العرب هذا الاتجاه وتمسكوا بوحدتهم مع العرب، وسقطت سياسة الإدماج، بعد أن عجزت سياسة التجنيس، وكانت سياسة التغريب أكثر فشلا.
وحاولت فرنسا إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية، فلما عجزت حاولت إحلال الفكر الغربي المنحرف محل الفكر العربي، ثم دعت إلى بعث أمة مغربية تقوم على فكرة الجنس البربري ثم حاولت تشويه رسالة الإسلام واتهمته بأنه يتنافى مع العلم والترقي.
ثم عمدت إلى القضاء على كل مقومات النهوض بالأمة، ولكن «الأدب العربي» الذي حملته الصحافة كان أداة قوية للقضاء على هذه المؤامرات جميعا، فقد تعالت الصيحات من كل أنحاء الشمال الإفريقي تقول: «نريد إنسانيتنا لا إنسانية الآخرين» وإننا «لا نعتبر أنفسنا أحرارا إلا إذا حررنا فكرنا من اللغة الأجنبية، وحررنا كلماتنا من الدلالات الأجنبية».
وبالرغم من القيود التي فرضها الاستعمار الفرنسي على الثقافة العربية فإن الشمال الإفريقي كله قد سبق إلى توجيه الثقافة العربية عمليا عندما بعث بأبنائه شطر الأزهر، في الوقت الذي قصر فيه المشرق على الالتقاء بالمغرب، وقاومت جمعية العلماء في قسنطينة ووهران الثقافة الفرنسية مقاومة جبارة، وكان ابن باديس والإبراهيمي والعقبى وبيوضي أقوى عقبة وقفت في وجه مؤامرات التغريب.
ودليل ذلك أن فرنسا قاومت تعليم اللغة العربية في الجزائر 126 عاما مقاومة عنيفة، لا يوجد الآن في الجزائر من يتكلم اللغة العربية أكثر من عشرة في المائة من العرب.
وقد اضطر مفكرو الغرب إلى الاعتراف بفشلهم في القضاء على الوحدة بين أجزاء المغرب الثلاثة، ولم تفلح كل الوسائل الفرنسية في تحويل أذواق الجزائريين عن اللون العربي الخالص.
وقامت الزوايا والكتاتيب بأخطر مهمة في تاريخ اللغة العربية وهي حفظها من اللهجات، وحاولت فرنسا أن تجعل من المثقفين الذين تعلموا في فرنسا علماء لها، وأنصارا لثقافتها ولكنها فشلت أيضا، فقد تكشف لهؤلاء انهيار القيم الإنسانية في نظر الاستعمار الفرنسي فاندفعوا إلى صفوف المجاهدين لمقاومة ثقافة فرنسا التي تطمع في (تغريب العرب).
وكانت الصحافة في تونس والجزائر ومراكش (المغرب) وليبيا، والصحف السورية أيضا، عماد هذه المقاومة تحمل المقالة والشعر، وبذلك أفلتت الشخصية العربية من محاولة القضاء عليها بالرغم من جميع  وسائل القمع، وباتت أهداف الأدب العربي واضحة بأنها الدعوة إلى الوحدة الوطنية، والتحرر من الأفكار الاستعمارية.
وكما شارك الشعر العربي في الجزائر وتونس ومراكش وليبيا في معارك الجزائر، ووقف الأدب العربي كله وراء ثوار الجزائر يؤجج عواطفهم، ورجع إلى الأمة العربية محمد ديب ومولود معمري ومولود فرعون، من كتاب الجزائر الذين تأثروا بفرنسا في أول الأمر، والذين ما زالوا يكتبون بالفرنسية. يقول محمد ديب: «نحن معشر الرجال في جبالنا هذه يجب أن تقف البلاد بأسرها وتبصق احتقارها في وجوه الطغاة»، وقد تأثر المغرب العربي كله بجمال الدين الأفغاني والعروة الوثقى، وكان قباد والزيتونة والصادقية والخلدونية في تونس أدوات القوة الفكرية التي حملت دعوة المقاومة للتغريب والاستعمار كله.
وكان الثعالبي وعلي باش حمية والبشير صفر صحفيين حملوا أقلاما مؤمنة صادقة دافعت عن الأمجاد العربية ودعت إلى المقاومة والتجمع.
وقد تأثر المفكرون في أقطار الشمال الإفريقي بالأدب في مصر وآثار جمال الدين الأفغاني ومصطفى كامل والمويلحي وحافظ وشوقي، وهبت في وقت واحد محاولات لإحياء التاريخ العربي القومي، وتجمعت الأمة بعد أن تفرقت ودعمت كيانها القومي ثم تداخلت عناصرها، فإن ما حدث في الجزائر حدث مثله في تونس.
تجاوب المشرق مع المغرب
ونشر الثعالبي مقالات وطنية نارية هاجم فيها فرنسا -وهو التونسي- في صحف مصر وسوريا والعراق والحجاز والهند، وكانت هذه المقالات تترجم إلى الفرنسية وتنشر في صحف تونس، كما نشرت في صحف مصر مقالات نارية وقصائد من العراق وسوريا في مهاجمة الاستبداد العثماني، وترابطت الأفكار والأقطار فكان للرصافي شاعر العراق في تونس مكان مرموق. وكان لشوقي في الشام ولحافظ في لبنان مكانة بارزة.
وتعد مسألة التجنيس من أبرز القضايا الفكرية في تاريخها الطويل، وكان للصحافة في تونس أكبر أثر في توسيع دائرة الحركة الفكرية، وكان للجمعية الخلدونية آثارها في التجاوب مع الشرق العربي في جميع أحداثه ومواقفه، فقد احتفلت بشوقي وحافظ وعززت مواقف جهاد فلسطين، وضرب دمشق بالقنابل وأحداث مصر والعراق.
وكان قوام الأدب العربي في هذه المرحلة الإيمان بالحياة والأرض والحرية، وأبان الإنتاج الفكري عن عمق الإيمان بالوطن، وبرزت معه صورة التطلع للمستقبل بروح الأمل والتفاؤل، وتأكيد الروابط بين أقطاره مع تأكيد الوحدة العربية الكبرى، وكما ذهب شكيب أرسلان من لبنان فأقام في جنيف، ذهب الثعالبي من تونس إلى مصر، والبشير السعدادي من ليبيا إلى دمشق، وكانت مصر بالنسبة لليبيا مركزا لمقاومة الإيطاليين.
وكانت من قبل بالنسبة لسوريا مقر الجمعيات السرية لمقاومة العثمانيين، وقد تجاوبت مصر وسوريا وتونس وفلسطين، وحملت صحافتها لواء الدفاع عن ليبيا وكشفت جرائم  الاستعمار الإيطالي، وفي الوقت الذي أوصد الاستعمار الإيطالي أبواب ليبيا عن الكتب والصحف العربية كان الشباب الليبي نفسه يندفع ليربط نفسه بالفكر العربي مهاجرا، وقد فرضت ليبيا تعلم اللغة الإيطالية وقاومت اللغة العربية حتى أنها أودعت السجن مجموعة من الشباب كانت تقرأ كتاب (العبرات) للمنفلوطي.
كما أن صحف الاستعمار أخذت تذيع الأفكار المدمرة للعقل العربي، فضلا عن أنها أشعلت النيران في المكتبات العربية الضخمة، وساقت الجماهير لتشاهد وأد ثقافتها، ولكن هذا لم يطفئ جذوة النضال ضد المستعمر، بل زادها اشتعالا، ومن وراء صفوف الحرب كانت القصيدة العربية الليبية تهز المجاهدين وتدفعهم إلى الاستشهاد. وساهم الشعر الليبي في بث الوعي العربي، ولم تشغله معركته الوطنية عن الدعوى للوحدة الكبرى.
وأضاف العهد (الجغبوبي) إلى الأزهر والزيتونة والقرويين مزيدا من طلاب الثقافة، وفشلت محاولة ايطاليا في سحق اللغة العربية وإفنائها وإلغاء تراثها في ليبيا، ولم تستطيع ثلاثون عاما من مقام اللغة الإيطالية في ليبيا أن توهن من اللغة العربية أو تضعف مكانتها.
 وفي السودان ومصر جرت المحاولات لعزلهما، ولكن الفكر العربي ارتبط بين مصر والسودان من ناحية وارتبط بين البربر والعرب في السودان، فأصبح من العسير أن تمزق قوة قد امتزجت، ولقد لقي السودان من عنف الاستعمار البريطاني مثل ما لقيت مصر، ولذلك قاوم في ثورات متتالية، وقد انبعثت في أنحاء السودان بعثات بيكر وغردوب وجي وكازاتي تعمل على استئصال جذور الوحدة، ومنع الامتزاج بالقوة، مقاومة كل زعماء العرب السودانيين الذين يحملون اللغة العربية إلى مختلف الأنحاء، وقد جرى قتلهم وطردهم إلى منطقة البحيرات، وتجمعت كل هذه الاضطهادات في إطار ثورة ضخمة تحمل علم المقاومة العربية وتمثل رد فعل حقيقي عنيف ضد أعمال الإبادة والتجزئة.
وكانت المهدية، كالسنوسية معاصرتها والوهابية من قبل، حركة سياسية فكرية تهدف إلى المقاومة والتجمع حتى أن المهدي كان يطمع في أن يفتدي (عرابي) المحكوم عليه بالنفي بغردون، ولم تستطع الثقافة الإنجليزية التي حاول الإنجليز إقرارها القضاء على الثقافة العربية واللغة العربية بالذات، واستطاع السودان أن يستوحي سلالاته وقبائله وماضيه وتراثه، دون أن يؤثر ذلك في روابطه العربية، وتأكد أن العناصر البشرية فيه قد امتزجت إلى درجة يستحيل معها الاحتفاظ بفكرة البقاء العنصري، وكذلك حدث في تونس وليبيا ومراكش والجزائر.  
وساهم الأدب السوداني بشعره ونثره في أحداث الأمة العربية مساهمة فعالة وتجاوب مع الأمة العربية، وبدا فيه عمق الروابط بين مصر والسودان: وحدة الدين واللغة والمصالح المشتركة والمقاومة لكل أسباب الاحتلال.
  وحمل الشعر السوداني كراهية الاستعمار الغربي واستمرار المقاومة وبروز العامل الوطني الذي التقت فيه الأجناس السودانية، وفشلت مؤامرات القضاء على اللغة العربية في السودان، وفي الجزيرة العربية كانت المقاومة واضحة في الأدب اليمني وأدب الخليج، وكان للبترول أثره الاجتماعي والفكري البعيد المدى حيث بدأت المجتمعات تأخذ صورة جديدة في بناء مجموعات ضخمة من المباني مع إدخال مظاهر الحضارة الغربية وبعض مخترعاتها النافعة.
وفي اليمن أدب يحمل معنى المحافظة على الاستقلال والمقاومة لكل ما هو من شأنه أن يؤثر في الحرية، وفي عمان والبحرين وقطر أدب يقطر دما، ويصور البطولة والفداء.
وفي الحجاز أدب فيه الإحساس بالبكاء على المجد العربي القديم والدعوة إلى اليقظة والاتجاه نحو المعالي.
وفي الكويت أدب فيه قلق فكري وتطلع إلى الغد.
وفي لبنان أدب تمتزج فيه المدرسة اليازجية والريحانية المنطلقة الشاعرية، «والأرض» هي أقوى أبطال القصة اللبنانية و«الهجرة» أهم موضوعاتها.
وفي سوريا أدب فيه إيمان عميق بالقومية العربية والوحدة، وفيه تطلع إلى الآفاق البعيدة، وأبرز مظاهر الإيمان بالحرية والعروبة.
وقد قاوم الأدب الشامي صراع اللغة التركية كما قاوم صراع الثقافة الفرنسية.
واصطبغ الأدب العراقي بصبغة التمرد على الحياة، والضجر من الطبيعة، والتأفف من الناس، وكما وسم بالثورة وسم بالسخط.
وقد نافح الأدب العراقي عن الحرية، كما نافحت الصحافة العراقية وقدما ضحاياهم من كتاب وشعراء للسجن والقتل والتشريد.
وقد قاسى الأدب العراقي كثيرا، فقد كانت الصراحة في الأدب والتعبير تلقى جزائها ثمنا غاليا فادحا من المطاردة والحرمان.
أما الأدب العربي في مصر فقد قاوم طغيان أسرة محمد علي وخديويها، وكانت ثورة عرابي والاحتلال ودنشواي وثورة 1919 أحداثا ضخمة تأثر بها الأدب العربي. وقد شرد كتاب مصر ونفوا وسجنوا وقاسوا الإرهاب. 
وكانت كلمات جمال الدين الأفغاني، ومصطفى كامل، وعبد الله نديم، وعبد الرحمان الكواكبي، وعبد العزيز جاويش تهز الشرق كله، وقد هزت أشعار شوقي وحافظ والبارودي ضمير الأمة العربية.
وقد هاجمت الأمة العربية الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي بصحافة مصر وكتابها، وامتزجت عوامل الفكر والثقافة والأداب بين مصر وسوريا، وكان للسوريين أثر واضح في صحافتها وأدبها.
  وهكذا صور الأدب العربي معركة المقاومة والتجمع، صور أدب فلسطين: أدب الدم والثأر، وصور أدب المغاربة الأشداء، وصور الجزيرة العربية بصحرائها ووهادها وجبالها، وصور هجرة السوريين واللبنانيين من وجه الظلم والمجاعة والاضطهاد إلى أمريكا وإقامتهم هناك يصنعون المجد والثورة. فكان أدبهم هناك ذا حنين، وصيحة إيمان بالعروبة، ودعوة إلى التحرير، وكان لمجزرة سطيف بالجزائر وميسلون بالشام، ودنشوان بمصر رنين في الأدب.
وظهر الشعر الاجتماعي يدعو إلى تحرير المرأة ويطالب بالعدالة الاجتماعية، وبالرغم من أن الأدب ظهر في مصر وفي لبنان وفي السودان، وفي أجزاء كثيرة من العالم العربي يحمل الدعوة إلى الوطنية الضيقة ويفاخر بالأمجاد الفرعونية أو الفينيقية أو غيرها، فإن ذلك أصبح على مرور الزمن إيمانا بأن الأدب الوطني قد يستمد من مجده الفرعي قوة على الدعوة للمجد العربي الأصيل
وأنه حين يمجد رقعته الضيقة إنما ينظر إليها على أنها جزء من الوطن العربي الكبير
ولا شك أن عظمة لبنان هي عظمة للعرب، وأن شجاعة سوريا جزء من الشخصية العربية، وأن امتزاج الأجناس في تونس ومراكش والسودان هي حقيقة قائمة وراء الإيمان القوي بالأمة العربية
وكذلك لم يعرف الأدب العربي في هذه الفترة العزلة والانكماش ولم يعرف السلبية، وإنما أمدته هجمات الاستعمار ومؤامرات التغريب ودعوات الانفصالية والتجنيس والتجزئة قوة على أن يحيا ويعمق ويتسع، فاستفاد من الأدبين الفرنسي والإنجليزي في الأسلوب والمعنى وفي العرض والأداء، وامتص منهما ما زاده قوة في نفس الوقت الذي ظلت ملامحه الحقيقية واضحة لم يضعفها الامتصاص.
وبذلك لم يتحقق لدعاة التغريب من العرب مطمعهم في أن ينتقل من العربية إلى العامية، أو من الأصالة إلى الركاكة، أو يتنكر لأمجاده ويزدريها، أو يستجيب للقومية الضيقة وينفر من التجمع، وسافرت البعثات متوالية من القاهرة ومن تونس ومن لبنان ومن أنحاء العالم العربي إلى أوربا وعادت دون أن يغير ذلك من فهمها سوى أفراد قلائل كشفهم العرب ونبذوهم، بل إن الذين ذهبوا إلى أقصى الأرض وعاشوا في قلب التيار الغربي لم يستطع هذا التيار أن يطويهم.
يقول الشاعر القروي في مهجره عن الوطن العربي(أمتي. إذا اقتطع ذئاب الاستعمار منه قطعة فكأنما أكلوا جوارحي. وإذا أهدروا عربيا في لبنان أو تطوان فكأنما شربوا نخبة من دمي، وكان كل بلد قوي من بلادي ساعدي مفتولا، وكل شعب خامل زندي مشلولا، بل ما أعد ذاتي إلا خلية في جسد أمتي أنا وحدي من سبعين مليونا من العرب كل واحد منهم أنا. فينبغي أن أحبهم سبعين مليون ضعف حبي لنفسي. من افتداهم فكأنما أحياني سبعين مليون مرة ومن خانهم فكأنما قتلني مثلها).
وهكذا غلبت قوة الأدب العربي الأصيلة على التيارات الضالة التي ما تزال تتردد في خفوت، ويحملها علماء للغرب من العرب يدعون لها بأسلوب أو بآخر، ولكن ليس في حماسة ما كان في الماضي ولا قوته، ونحن نثق بأنه لم يعد ممكنا بعد أن بلغ عمق دعوة الوحدة في الأدب ما بلغ أن تستطيع هذه المذاهب التغريبية أن تنتصر أو تجد سوقا رائجة .
ولكن الأدب العربي مع ذلك يجب أن يظل من اليقظة بحيث يواصل معركة المقاومة التي لم تنته ويضرم نارها.
وصدق الرصافي إذ يقول: «إننا أمة تدرأ الضيم ولا تستكين قط لوال أو لغاصب».
وأمكن خلال هذه الفترة أن تدحض نظريات كثيرة كانت متألقة في أول القرن، فلم يعد صدقا ما قيل من أن النهضة العربية مستقاة من الثورة الفرنسية.
      وقد مضى عهد الخداع الذي بكى فيه شعراء العرب بأحاسيس انهيار بعض الدول الأجنبية ولم تعد كلمة أوربا ذات مكانة في النفس بعد مجازر الاستعمار في الوطن العربي.
   وجملة القول أن الأدب العربي المعاصر قد ساده خلال فترة المقاومة والتجمع اتجاهان واضحان التجديد في الأسلوب والموضوع، والتطور مع روح العصر ومقتضيات الزمن، والمحافظة على القديم والتمسك بالتراث العربي واحتذائه وبعثه، وقد كانت الحرية هي أبرز دعوات الأدب العربي المعاصر.
   وفي كل قطر عربي ظهرت أناشيد كتبتها الأيدي التي قاست الجراح. وكانت معركة مقاومة استبداد عبد الحميد، وإسماعيل وتوفيق وعباس، ودعاة الطورانية من الاتحاديين هي أبرز معاركنا ثم كانت معركة فلسطين والجزائر.
   وقد كان طابع الأدب في أول القرن مزيجا من التشاؤم والشكوى والدموع والبكاء على الأمجاد ولكنه لم يلبث أن اكتسب الإيجابية والأصالة ودخل المعركة في قوة حمل دعوة المقاومة والتجمع وأعلن ثورة على الظلم والطغيان وعلى الاستعمار و أعوانه. ولا شك أن معركة فلسطين وحدت العرب وكانت بعيدة الأثر في أدبهم وتاريخهم كله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here