islamaumaroc

الحياد وعدم التبعية في إفريقيا وآسيا

  دعوة الحق

57 العدد

يتصور الكثيرون في عالم اليوم بأن معطيات الحرب القائمة بين الهند والصين وهما من دول باندونغ وبلغراد وأحدهما اعتبرت  منذ سنوات زعيمة للعالم الثالث، وبأن زيارة الماريشال تيتو إلى موسكو، وميلاد حياد اللاووس الذي يعد مخلوقا عجيبا في عالم الحياد، لأنه إلى التسكيني السياسي والاضطرار الوطني أقرب منه لإلى أي شيء آخر...
يتصور الكثيرون أن كل ذلك- بالإضافة إلى المرونة التي باتت من التي كانت غداءا فكريا لسكان قارتي آسيا وإفريقيا.
فهل يخرج العالم الثالث بعد هذه التجارب وهو حقيق بدوره التاريخي الذي يؤهله للوقوف بين المعسكرين وخدمة التطور الإنساني والحضارة البشرية ؟
ثم هل كلمة ((الحياد)) في حد ذاتها تحمل الجدية التي تبرر وتضمن الكفاح من أجل ما ترمي إليه ؟


الحيــاد وعــدم التبعيــة
 لقد ظهرت كلمة الحياد بشتى حدودها ومراميها في مؤتمر باندونغ الأول الذي عقد في أبريل سنة 1955، وقد تولدت تلك المعاني من إعلان بعض الدول التي كانت تقول ((بالتعايش السلمي)) عن عزمها على الوقوف في الحياد بين المعسكرين المتحاربين من جهة وقدرتها على التكتل لمنع وقوع الحروب، واستعدادها للمساهمة في خدمة التقدم البشري.
وكانت في طليعة تلك الدول : الهند ومصر واندونيسيا.
وبمرور السنين ظهرت بعض الدول التي تنادي بهذه السياسة في أشكال وإيديولوجيات متعددة تتصل بتطورها ومصالحها وتتناسب مع كل شعب وكل بيئة ومنطقة.
وهكذا أصبح تفسير معنى الحياد من الصعوبة بمكان، خاصة عند الذين يقولون بسياسة ((الحياد الإيجابي))، ولتسهيل تفسير هذه الكلمات أصبحت كلمة عدم الانحياز تشيع أكثر من غيرها وتقول بها أكثرية الشعوب.
ولا زال تفسير معاني الحياد وعدم الإنجاز وعدم التبعية يقتضي دراسة أقوال وتصرفات وظروف الشخصيات التي تنادي بها، تلك الدراسة التي تتصل خاصة باتجاهات وبتوجيهات تلك الشخصيات في السياسة العالمية.
 يمكن القول بأن الدور الذي لعبته الهند منذ عام 1949 إلى أن انكمشت منذ سنتين هو الذي أعطى لهذه الفلسفة قيمتها الحقيقية في الميدان الدولي، كما أن اتصال هذه الفلسفة بالنضال من اجل الحرية والسلام زادها اعتبارا في أنظار مختلف الشعوب.

1)  ((الحياد الإيجابي)) عند جمال عبد الناصر
     لقد جاءت سياسة الحياد هند جمال عبد الناصر كنتيجة لمحاربته لمظاهر الانحياز التي كانت بعض الدول العربية تأخذ بها، ويظن عبد الناصر بأن عدم الانحياز هي السياسة التي يجب أن تكون راسخة في الوطن العربي لأنها الضمانة الوحيدة للتطور القومي. لأن الانحياز يفقد القومية أولى خصائصها وهي الحرية التي تدفع إلى التطور، ويقضي على كل نزعة تحررية، ويجعل العرب لا يقومون بواجبهم التاريخي في تطوير البشرية.
ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هذه السياسة اصطبغت أول الأمر بكراهية شديدة للغرب، والاستعمار، ووجدت سندها الوحيد في الدول الشرقية مما جعل النقد يتجه بشدة إلى جمال عبد الناصر.
على أن اجتماع عبد الناصر المتكرر بتيتو ونهرو (وخاصة في مؤتمر بيروني 1956) أثر على فهمه لهذا الحياد، على الرغم من الحرب التي شنتها فرنسا وانجلترا وإسرائيل على مصر، وهذا التأثير كان فوضويا ومضطربا.
وقد صرح عبد الناصر بعد هذه الاتصالات :
((لعل اعتناق مصر لسياسة الحياد الإيجابي والابتعاد عن التكتلات وإتباع سياسة عدم الانحياز، كل ذلك تأييد ايجابي مثمر لفكرة التعايش الإيجابي))
وهكذا اختلطت معاني الحياد عند جمال عبد الناصر حتى أصبح يقولها جملة في خطبه، على أن الجديد فيها هو كلمة ((التعايش الإيجابي)).
ولكن عبد الناصر أراد أن يتأيد حياده الإيجابي بتطور الوضع الداخلي ولذلك بدأ يصرح ((بأن توطيده قوة الحياد في الشرق الأوسط يجب تنبع منه، ولذلك يجب القضاء على أعوان الاستعمار : الأقطار والاحتكار وسيطرة رأسمال على الحكم)).
ولكن يظهر أن فكرة الحياد قد استقرت وتوضحت قليلا عند عبد الناصر فقد قال في شتنبر 1960 : ((إن الدول الكبرى لا تملك وحدها كلمة السلام أو الحرب، وإنما الجنس البشري كله، مستمدا الحق من تضحيات شعوبه على اختلافها من اجل صنع الحضارة ودفع التطور ومن تطلع الشعوب كلها إلى الأمن. إننا فيما يتعلق بالسلام ننحاز ولا نحايد إننا ننحاز إلى جانب السلام وضد الحرب)).

2)   التعايش السلمي والحياد عند نهرو :
     وفي أول الأمر اقترنت فكرة نهرو المثالية بإنشاء قوة ثالثة تستمد روحها من تعاليم غاندي. أي تنشد السلام وعدم العنف والتعاون الواسع. 
وتقوم فكرة نهرو على :
1) السلم عن طريق كسب صداقة جميع الشعوب
2) تحرير الشعوب المغلوبة
3) صيانة الحريات.
4) القضاء على التمييز العنصري.
5) تكوين رقعة حيادية لا هي كتلة ولا هي جبهة بل منطقة لا تريد الحرب، ومن ناحيتها الإيجابية تستهدف السلام وتعمل من اجله عن طريق التعاون الوثيق بين الدول)).
ومن هذه الخطوط استمد نهرو المبادئ الخمسة التي أصبحت تعرف باسم ((الباتشيلا)) وهي :
1) الاحترام المتبادل بين الدول لأراضي كل منها 
2) عدم الاعتداء
3) عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
4) المساواة بين الدول وتبادل النفع فبما بينها
5) التعايش السلمي.
وهذه السياسية سواء في النطاق المحلي أو العالمي كانت تفرضها أوضاع الهند وموقعها الجغرافي وحاجتها إلى المعونة من جميع الجهات. ولذلك سموا حياد الهند بكونه(الحياد التجاري)، أي انه لا يمنع تعامل الهند مع الشرق والغرب وتلقي المساعدات منهما.

  3 )   التعيش السلمي الإيجابي عند تيتو :
ينادي تيتو بالتعايش السلمي الإيجابي وهو يجمع بصورة ذكية اتجاه نهرو وعبد الناصر، ويستجيب لوضعية يوغوسلافيا كدولة شيوعية تتلقى العون من الغرب.
ويفسر تيتو فكرته بقوله :
((ليس أعني بالتعايش الإيجابي أن تترك الحرية لجميع الدول ذات النظم المختلفة لتمارس حياتها فحسب، بل لابد أن تتآزر كلها في سبيل الخير العام، وأن تحاول أن تحل مشكلاتها بطرق سلمية)).
وقد ساعد  هذا التوجيه على اقتراب يوغوسلافيا من دول كثيرة محايدة مما ركز مكانتها الدولية وأبعدها عن الأخطار الخارجية وسمح لها بمقاونة الاستعمار والأحلاف، ثم الاستفادة من الغرب (أمريكا) دون أن تثير ضدها حنق الدول الشيوعية.

4)  الحياد المجرد عند سوكارنو :
يفسر سوكارنو رأيه في الحياد بقوله :
((إن سياستنا الخارجية ليست فقط لتوحيد القوى الوطنية والقوى الدولية ضد الاستعمار إنما تهدف أيضا إلى كسب صداقة جميع الشعوب، وهي تتفق مع تعاليم ((بانشاسيلا)) كما أن سياستنا  الخارجية تهدف إلى المساهمة في تحقيق السلم العالمي)).
وسياسة سوكارنو يعرفها هو نفسه ((بالسياسة المستقلة)) ولكنه يقول في كثير من المناسبات بأن بلاده لا يمكنها أن تتفرج على الصراع العالمي، ولذلك فهي تسلك سياسة((الاستقلال الإيجابي)) وعدم الإنحياز.
والمبادئ الخمسة التي تقوم عليها فلسفة الحكم في اندونيسيا هي :
1) الإيمان بالله
2) الإنسانية
3) القومية الأندنيسية
4) سيادة الشعب
5) العدالة الاجتماعية.
أما في المحيط الخارجي، فعلى الرغم من المشاكل المحيطة بالبلاد (الثورات وقضية أيريان العربية وبور ينو، وتهديد استراليا) فإن سوكارنو يتشبث بروح باندونغ القائمة على الحياد المجرد والتعاون مع جميع الدول.

5)  الحياد ((الغامض)) عند نكرومة :
فلسفة نكرومة فيما يتعلق بالحياد لا تظهر إلا على مظهر واحد وهو اجتماعه بزعماء الحياد في العالم. والتصريح الوحيد الذي يمكن أن يكون متصلا بهذا الموضوع هو الذي فاه به نكرومة في الأمم المتحدة يوم 23/9/1960 حيث قال :
((وفيما يتعلق بالسياسة الدولية يجب.
1) على الدول الكبرى الذرية أن تتخلى عن قواعدها الذرية في إفريقيا كبداية للجهود التي تبذلها لتحقيق نزع الأسلحة النووية.
2) على الدول الإفريقية أن تتجنب المحالفات مع الدول الكبرى ((ولا شك أن وقوع غانا ضمن إطار مجموعة تابعة لفرنسا وقربها من نيجريا زميلتها في الدومنيون، وتنافس الزعامة بين القادة الأفارقة قد دفعت بنكرومة إلى البحث عن مجال حيوي واسع للعمل، وهذا ما جعل اتجاهه لا يظهر بوضوح إن لم يكن متصفا ببعض الاضطراب والتناقض خاصة عندما يتطرق الحديث عن موضوع الاستعمار بأنواعه.

6) الحياد والتعايش والشخصية الإفريقية عند سكوتوري
أراد سكوتوري أن يجعل من الحياد فلسفة وإيديولوجية وسلوكا والتزاما. ولعله أكثر قادة الحياد حديثا وتعميقا لهذه المفاهيم.
يقول تــوري :
((أن الدول المحايدة تريد أن تكون بمنحى عن المنازعات التي قسمت العالم إلى كتلتين متعارضتين كل منهما منطوية على نفسها مغلقة داخل إطار من المنطق الخاص)).
 ((لقد كان التاريخ حتى يومنا هذا تاريخ أشخاص، وأصبح الآن يدور حول الفكر الإنساني)).
((إن كلا الكتلتين تعتبر أصدقاء أعدائها أعداء لها، وترفض بإصرار وعناد أن تدرك أن كل شعب يرى لزاما عليه لكي ينمو ويتقدم أن يرتبط بعلاقات مع جميع الشعوب)).
((ولكن لكل شعب طبيعته وخصائصه المميزة ومن ثم يجب أن يكون كل شعب قادرا على التعبير عن فكره وأن يساهم بنصيبه في الثقافة الإنسانية))
((فالحياد هو معارضة لنظم الإدماج، ورفض صريح للتنازل عن الحرية)).
((والحياد هو حقيقة تاريخية نابغة عن الضرورات الواقعية تهيئ للدول الصغرى الفرص والإمكانيات التي تسير لها تأكيد شخصيتها والاضطلاع بدورها في ميدان التقدم الوطني والإنساني على أساس من الشخصية المستقلة الأصلية والسيادة القومية)).
ويؤمن سيكوتوري-لمبررات كثيرة –بالشخصية الأفريقية التي لا يمكنها أن تظهر وتنمو وتتكامل إلا في نطاق الحياد التام والسلام والحرية.

7)   ((الحياد السلبي)) عند السودان :
يميل السودان منذ ثورته العسكرية الأخيرة إلى العزلة الدولية شيئا فشيئا، وان كان مركزه الإستراتيجي الهام يهيئه ليقوم بدور حاسم في معركة الحرية. فالسودان هو مفتاح إفريقيا الشرقية والجنوبية والوسطى، وعلى حدوده يقع كل المستعمرات التي لا زالت في إفريقيا ويشترك مع الكونغو بحدود مشتركة طولها 650 كلمترا. والأسباب في ابتعاد السودان وعزلته هي :
1) انهماكه في البناء الداخلي (المشاريع الإنمائية الكبرى)
2) إيمانه بدور الأمم المتحدة.
3) اعتباره أن المؤتمرات مضيعة للوقت.
4) اتساع رقعته وخوفه من الثورات الداخلية الممونة من الخارج.
5) وجود قبائل مشتركة بينه وبين جيرانه قابلة للثورة
ولأجل هذا فإن السودان يرغب في أن يتعاون مع الجميع ويهادن الجميع ولا يرتبط بأي احد. وقد رفض أن تمر من أرضه المعونة المصرية لحكومة كيزانكا في ستانلفيل، ولم يسمح للهيئات التحريرية الإفريقية بالعمل في أرضه، ولا يقدم آية معونة أو يسمح بها للمناطق المجاورة.
وهو بهذا يسلك سياسة ((التعايش السلمي والحياة السلبي)).

8) الحبشة والطوغو  :
تنادي كل من الحبشة والطوغو بسياسة الاستقلال الخارجي فيما يتعلق بالصراع بين المعسكرين ولكن تعاونهما مع الغرب (وأمريكا خاصة) واضح في الميادين الأخرى.
فالحبشة هي مستعمرة أمريكية بصفة غير معلن عنها، كما أن الطوغو ينسق سياسته مع ليبريا في نطاق التعاون الواسع مع أمريكا (وكانت تلك هي زبدة سياسة الرئيس السابق سلفانوس أولامبيو).
وتحرص كل من الحبشة والطوغو على تلقي العون من المعسكر الشرقي، وذلك لإبعاد الشبهة عنهما، وهكذا أصبح للصين مصالح مهمة في الحبشة وخاصة في الميدان الاجتماعي.
ولعل حضور غانا في مؤتمر الدار البيضاء وعدم حضور ليبريا هو الذي أخر الطوغو عن المشاركة، أما اشتراكها في مؤتمر منروفيا فيرجع إلى عوامل داخلية محضة وتأثير الرئيس تويمان  ورغبة الطوغو في الخروج من عزلتها لأنها لم تشترك في كتلة الدار البيضاء أو كتلة برازافيل.

9)   ((الحياد الدفاعي)) عند كوبا وأفغانستان والكامبودج
بينما يجثم الخطر الخطر الأمريكي على جزيرة كوبا القريبة من سواحل الولايات المتحدة الأمريكية، تقع أفغانستان في أخطر موقع بالنسبة للإتحاد السوفيتي وتحيط بها مناطق متشيعة في إيران.
وإذا كانت كوبا قد أعلنت عن قيام الجمهورية الديمقراطية الشعبية بعد فشل الهجوم عليها ووسعت صلاتها بالمعسكر الشرقي فإنها وصلت إلى مرحلة ((الحياد الدفاعي)) الذي اجتازته مصر في سنة 1955 عند عقد صفقات الأسلحة مع الروس والتشيكيين.
أما الأفغان فإنهم يتشبثون بحيادهم لأنه ضمان حريتهم واستمرار نظامهم على الرغم من تعاونهم الواسع مع الإتحاد السوفيتي، وقبولهم لجميع الإعانات الغير مشروطة بشروط.
وتعقد الأفغان آمالها في الإسلام والتعايش السلمي على الأمم المتحدة. والحاجة إلى الحياد في مملكة الكامبودج شبيهة تماما بالحاجة إليها في كوبا وأفغانستان.

10) الحيــاد الأسيــوي
الحياد في آسيا يختلف نتيجة للظروف في هذه القارة-عن مفهوم الحياد في إفريقيا، لان القارة الأسيوية تخلصت من الاستعمار نهائيا ودخلت ميدان الحرب الباردة منذ أعوام، ولأن علائقها الاستعمارية مع الغرب ومع الشرق كانت متشابهة إلى حد كبير.
ووقوع جنوب آسيا تحت رحمة الشيوعيين، ووجود حلفين غربيين في هذه المنطقة وهما ((حلف جنوب شرقي آسيا))، والحلف المركزي ((يجعل الحياد يأخذ شكله العملي المادي المباشر.
وهذه الظروف لا توجد في إفريقيا على هذا النحو
ومن ثم كانت الفكرة الحيادية تتصف بلون خاص يمكن ملاحظته كما يلي(
- حياد بين المعسكرين المتناحرين.
- التعايش والتعاون مع الجميع.
- مبادئ عدم التدخل في شؤون الغير الداخلية المبادئ الخمسة)
- إقامة توازن بين المنح والإعانات الأجنبية

11)الحيــاد الأفريقــي
وعلى الرغم من أن الحياد سواء في آسيا أو إفريقيا تقتضيه ظروف التشبث بالحرية والسيادة والتعايش والسلام من أجل إقامة اقتصاد ومجتمع متطور فإن الحياد الإفريقي له لونه الخاص أو سيكون له لونه الخاص في المستقبل وذلك يرجع إلى الظروف الآتية :
- الكراهية النامية ضد الاستعمار بأشكاله المتعددة
- شيوع الروح الثورية التحريرية المتطرفة
- شيوع فكرة الوحدة التي لا يمكن أن تقوم ما دام هناك توجيه استعماري وحرب باردة في إفريقيا.
- رد الفعل الطبيعي عند السود ضد البيض وإحساسهم بشخصيتهم الإفريقية.
- قوة المنظمات التقدمية (السياسية والنقابية) في البلاد المحايدة.
الخصائص المشتركة للحياد العالمي
    إن دراستنا لمظاهر الحياد في آسيا وإفريقيا وفي بعض دول أوروبا وأمريكا الجنوبية تقودنا إلى إبداء الملاحظات الآتية:
1) إن مفهوم الحياد يختلف من بلد إلى بلد تبعا لظروفه الخاصة.
2) إن مفهوم الحياد يختلف وفي نفس البلد من سنة إلى سنة أخرى.
3) إن معاني الحياد الإيجابي وعدم التبعية... الخ لا زالت غامضة وقابلة للاجتهاد.
4) إنه لا يمكن أن نقول بوجود دول محايدة إلا بقدر ما نقول بوجود أقطاب محايدين.
5) إن الجانب المحايد لم يتعاون لحد الآن بقدر الذي يكفي لفرض وجوده كما أنه-من اجل ذلك أيضاـ لم يفكر في إيجاد القوة الثالثة التي كان يفكر فيها نهرو.
6) إن الحياد أصبح في الواقع شيئا مجردا واقتصرت كثير من الدول على الأخذ بمظهر (التعاون الحر)

12)أســس قيام الحياد العالمــي
لقد مرت تجربة الحياد بمعناها الفلسفي بتطورات كثيرة منذ القرون الوسطى، وبعد الحرب الأخيرة، وبعد ظهور معسكرين متطاحنين وجدت بعض الدول أن من مصلحتها أن تبتعد عن هذا الصراع لتحافظ على حريتها وأمنها وتضمن تطورها وشخصيتها، وكانت الهند هي السباقة لذلك.
ولقد استطاعت الهند بمثالية دعوتها أن تكتب النجاح لهذه الفكرة التي بدأ بعض القادة كتيتو وناصر والمغفور له محمد الخامس رحمه الله يأخذون بها.
غير أن فكرة الحياد لها مظهران:
- مظهر متطرف (الحياد الإيجابي)
- ومظهر معتدل (عدم التبعية)
 وبين هذين المظهرين توجد فكرة وسطى وهي (عدم الانحياز)
وهذه الأشكال موجودة في جميع القارات على أنواع متعددة.
ومن الصعب أن يتحدث الآن في الدول المختلفة عن الدور الإنساني والثقافي للجانب المحايد، كما انه من الصعب أن يتحدث عن القوة الثالثة.
ولذلك فإن نظرية الحياد كما يفهمها عبد الناصر لا يمكن أن تلقى الإجماع من الإفريقيين، خاصة ولها اتصال بالناحية العنصرية (القومية العربية)
أما الحياد كما يفهمه تيتو فقد بدا أن تأييده موجود في إفريقيا وحتى في آسيا، لأنه يضرب خاصة على نغمة التعاون الحر وعدم التدخل.
ولم يفسر المغرب لحد الساعة ماذا يريده بعدم التبعية إلا ما يظهر من المعنى اللغوي لهذه الكلمة، أما المبادئ الأخرى للحياد فهي تظهر في تصرفات المغرب لا في تنهيجه وشعاراته.
ويظهر أن محاولة وضع مبادئ عامة تدخل تحت هذه الكلمة سيستفيد منها الجانب المحايد الذي ننخرط فيه.
فالمسطرة الحيادية التي يمكنها أن تشمل آسيا وإفريقيا إذا ما تم هذا التكميل يمكن أجمالها في الفقرتين الآتيتين:
فعدم التبعية يقصد بها الابتعاد عن الأحلاف والتكتلات، وعدم الارتباط بتخطيط استراتيجي وعدم السماح باستعمال الأراضي لإقامة القواعد أو في أغراض هجومية أو استكشافية أو دفاعية.
ويقصد بها كذلك عدم التبعية الاقتصادية أو المذهبية أو الفكرية.
والتعايش الإيجابي : يعني أن تتحرك الحرية لجميع الأقطار ذات النظم المتباينة لتعيش الحياة التي تختارها، وتتآزر في سبيل الخير العام وتحل مشاكلها بالطرق السلمية، وتبتعد عن التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
وهذا التعايش يضمن الحق لكل دولة في أن تسهم بنصبيها في تقدم البشرية ويخلق في العلاقات الدولية ما يطمئن العالم على مصيره.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here