islamaumaroc

نحو تحديد محتوى ثقافتنا القومية بين الماضي والحاضر-1-

  دعوة الحق

55 العدد

يوضع علينا مشكل إيجاد ثقافة قومية بقدر ما نشعر بنفسنا كشعب له روح جماعية ووعي جماعي وشخصية وطنية ذات إرادة وميول ومطامح، فالثقافة القومية هي التي تستطيع أن تعبر عن محتوى تلك الروح الجماعية وعن محركات تلك الشخصية التي تجعل منا شعبا له مزاياه وملامحه الخاصة التي تعرف به وسط الشعوب.

عناصر المشكلة :
وقد أصبح، منذ سنوات عديدة محط الأنظار لدى حملة الأفلام في هاته البلاد، وخصصت له أعداد ممتازة من مجلات مختلفة، واتجه له الاهتمام بالخصوص في هذه الأيام التي نحاول فيها خلق مغرب جديد ناهض.. والواقع أنه موضوع الساعة في الأوساط الثقافية، لأن بلادنا لازال مظهرها الفكري والثقافي، بصفة عامة، في غير المستوى الذي يليق بها، فلا البحث العلمي والأدبي، ولا تأليف الكتب ونشرها، ولا الإنتاج في ميدان الفنون الجميلة بصفة عامة، مما يجعلنا حاليا في مقام التباهي والافتخار بين الدول.
وتلك حقيقة يجب أن نكون مقتنعين بها إذا أردنا أن نبني نهضتنا الثقافية على أسس متينة، فمحاسبة النفس والنقد الذاتي هما خير ما نرتكز عليه في بداية العمل.
والنقد الذاتي ليس المراد منه هنا لطم الخدود والتحسر على ما فات، وإنما يعني أن ندرس، من جهة، الوضع الثقافي الذي نعيش فيه، ومن جهة أخرى، النظريات المختلفة التي تروج عند ناشئة الكتاب المغاربة في هذا الموضوع حتى نفحصها على ضوء حقائقنا الاجتماعية وأهداف أمتنا ونستخلص صحيحها من سقيمها، فمن بين هذه النظريات ما جاء ارتجالا وبدون تفكير طويل، بحيث كانت وليدة اندفاع يخشى معه الوقوع في كثير من المزالق، ومن بينها نظريات تظهر صحيحة لأول وهلة، ولكنها عندما توضع على محك النقد يفتضح تصدعها، وهنالك نظريات لم تحاول أن تتفهم أهمية الموضوع وظلت تتدحرج وسط السطحيات، وهنالك نظريات أخرى فيها الغث والسمين، ودراسة كل هذه النظريات هي التي ستساعدنا على توضيح طريقنا واجتناب الهفوات والانحرافات في مفهوم المراد من ثقافتنا القومية.
    وهنا تعترضنا مشكلة منهاجية : هل يجب أن ندرس، أولا، وضعنا الثقافي وما برز في شأنه من نظريات مختلفة؟ أم هل يجب البدء بتحديد المبادئ الأساسية المأخوذة عن تجارب الأمم وعلم الاجتماع لإنارة الموضوع من كل جوانبه، ثم العودة إلى آراء كتابنا الناشئين لغربلتها والنظر إليها بالمقاييس الجديدة التي استخلصناها من دراستنا العامة؟.
والمشكلة الحقيقة إنما هي شكلية، فمهما كانت نقطة بدايتنا، فسنصل إلى حقيقة واحدة، ولكنه يظهر من الأفيد أن نبين، أولا، بعض المبادئ والمفاهيم ونعرف بالإطار الذي يطرح فيه الموضوع.
الثقافة القومية لا تنبني على تراث الأجداد وحده، بل إن عنصرها الحيوي يكمن في إنتاج الجيل:
والموضوع يقتضي منا قبل كل شيء، أن نوضح فكرتنا عن محتوى تلك الثقافة القومية حتى نجتنب كثيرا من الأخطاء التي نقع فيها عند مرحلة البناء، فكثير من الباحثين عندنا يظنون أنهم حلوا المشكل حينما بينوا أن عناصر ثقافتنا المغربية موجودة وأنها مشخصة في تراثنا المحلي من علم وأدب وفن وفولكلور وتقاليد وما إلى ذلك. 
حقا، إن لنا تراثا ثقافيا قد نجد فيه دواعي للفخر والاعتزاز، ولكن، هل معنى هذا أن لنا اليوم ثقافة قومية، بكل معنى الكلمة؟ إن هؤلاء الباحثين عندما نطلب منهم أن يدلونا على ثقافتنا الوطنية يكتفون في جوابهم بأن يعرضوا علينا ما خلفه الأجداد، ولكن، هل تراث الأجداد، مهما بلغت قيمته يملأ الفراغ العقلي الذي يعيش فيه مجتمعنا؟ وهل حاجيات أجدادنا، لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية المادية، هي حاجياتنا اليوم. وهل مداركهم هي مداركنا؟.
    اللهم إلا إذا اعتبرنا الثقافة القومية كجسد ميت ينبغي أن ننبش عنه في القبور، وحينئذ يحق لنا أن نتساءل هل وقفت ملكة التفكير والإنتاج والاجتهاد في القرون المنصرمة؟ وهل انحبست ينابيع الوحي والإلهام عن أبناء جيلنا فأصبحوا لا يمكنهم أن يجدوا غداءهم العقلي إلا في ما تبقى لنا من آثار العصور الخوالي؟
والجواب على هذه التساؤلات يظهر لنا في الحين بصورة تلقائية : إننا مهما عشنا مع آثار الماضي ومهما أعجبنا بمحاسنها، فلن يغنينا ذلك عن الرجوع إلى ما ينتجه أبناء جيلنا، وقد يحدث للبعض أن يكرهوا عصرهم وينفروا منه ويفروا من مجتمعهم ليلتجئوا ولو بفكرهم إلى عصور التاريخ الغابرة حيث يجدون أنفسهم، ولكن هذه العداوة التي يحملون لعصرهم تخلق لهم، بالرغم عنهم، رابطة قوية من الجيل الذي ينتمون إليه، إننا مع مجتمعنا نعيش بالعقل والقلب معا ونجد أنفسنا في موقف مزدوج متناقض، موقف الحكم والخصم، ولكننا مع أجيال الماضي ومجتمعاته لا نشعر إلا برابطة هادئة وادعة، رابطة تخلصت من حرارة الأهواء الجامحة وصارت كتلك الرابطة التي تجمع بين صديقين يعيش كل منهما في بلدة ويتبادلان رسائل التعاطف والإخاء، فنحن ننظر إلى آثارهم بعين ملؤها الإعجاب والإكبار، ولكن فيها أيضا شيء من التسامح والتجاوز، مدركين أن العالم منذ عهدهم تطور وسار أشواطا بعيدة في طريق التقدم.
فالثقافة القومية لا تنحصر في تراث الماضي، وإنما هي، قبل كل شيء، كائن حي، كائن ينمو ويتسع كل يوم بما ينضاف إليه من اكتشافات ومكاسب جديدة.
فهي من حيث الكم تضم مجموع الجهود الفردية التي يقوم بها الكتاب والفنانون والعلماء في بلد ما وعصر ما، وهي من حيث المحتوى تعبر عن سائر التيارات المذهبية والجمالية التي تسري في المجتمع وتتصارع فيما بينها وتعكس في صور مختلفة مشاغل الجيل واهتماماته.
    وهذا ما يتضح لنا ببعض الأمثلة التاريخية.
مثال من تاريخ الحياة الفكرية في العصر العباسي:
    لنقف، مثلا، في تاريخ العباسيين عند عهد المأمون، فسنجد أن مشكلة خلق القرآن أثارت في الرأي العام ضجة كادت تؤول في بعض الأحيان إلى فتنة، وقد تسببت في اضطهاد عدد كبير من العلماء رفضوا أن يجاروا المأمون في عقيدته فيقولوا بخلق القرآن، ونشأ عن كل ذلك جدال ومناظرات لا زالت بعض آثارها في كتب التاريخ.
     والملاحظ في شأن هاته المشكلة أن لها جانبين :
جانب عقلي وآخر عاطفي، فالجانب العقلي هو الذي يتمثل في النقاش المحتدم الذي كان يملأ مجالس الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة ورجال الدولة، حيث كان كل فريق يدافع عن فكرته بالحجج المختلفة، معتقدا أنها هي الحقيقة، وأما الجانب العاطفي فهو يتمثل في تلك المواقف الحماسية التي تظهر بها العامة عندما تريد الإعراب عن عقيدتها والدفاع عنها، فالشعور الديني يغمر العقل في هذا المقام ويخلق قوة جماعية موجهة نحو غاية واحدة، ولذلك فإن هاته القضية كادت تخلق حربا مدنية.
ذلك نموذج من المشاكل الحية التي يكون لها أثر عميق في الحياة العقلية، فمشكلة خلق القرآن بما أحدثته من أصداء عاطفية وعقلية في المجتمع العربي استطاعت أن تخرج بالفكر العربي من طور الركود والجمود إلى طور اليقظة والحركة وأن تدفع بالعلماء النابهين إلى البحث والتنقيب، ومثل هذه المشاكل العامة التي تعرض في تاريخ الأمم وتشغل الرأي العام، سواء أكانت دينية أم سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية هي التي تمد الثقافة القومية بروح جديدة ودم جديد، كما تساهم في تعميق شخصيتها وإبراز ملامحها.
إلا أن كل مشكلة من هذا النوع لها ارتباط وثيق بالعصر والمجتمع اللذين برزت فيهما، نحن، حينما نريد أن نعيد لمشكلة خلق القرآن حياتها وأهميتها في مجتمعنا، نجد ذلك مستحيلا، إنها ماتت بالنسبة إلينا وأصبحت بعيدة كل البعد عن مشاغل أبناء جيلنا ولم تعد إلا حادثا تاريخيا ننظر إليه من زاوية خاصة، وإذا ما نظرنا إليها من الناحية الفكرية، مشكلة فلسفية عادية تنظر إليها بمنظار العقل الهادئ الرصين.
فنحن، في هذا العصر وفي مجتمعنا، لنا أيضا مشاكلنا التي تشغلنا وتستفز أهواءنا وتثير الجدال الحاد في مختلف أنديتنا، وهي التي تواجهنا في حياتنا اليومية، إنها عنوان على التطور الذي حققناه منذ العصر العباسي وما تلاه من عصور، إنها مشاكلنا الطبيعية، مشاكل جيلنا.

مثال من تاريخ الآداب المقارنة :
ولنأخذ مثالا ثانيا من تاريخ آدابنا العربية، إن الكاتب العربي الذي وقع الإجماع على تبريزه في فن النثر هو الجاحظ، فلا زلنا إلى اليوم نقرأ الجاحظ بشوق متزايد ونستطيب بكيفية خاصة نثره العربي الصراح فهو ينقلنا من نكتة لاذعة إلى نادرة غريبة، إلى عبارة رشيقة جذابة ويجعلنا رويدا مأخوذين لسحر أدبه الفياض.
ومع ذلك، فنحن نقرأه كما نقرأ غيره من كتابنا القدامى في جانب والعبارة في جانب آخر، فالأفكار والمعلومات التي يوردها الجاحظ لم تعد تهمنا لأنها في غالب الأحيان لا تتناسب مع مستوانا الفكري اليوم، وأما التعبير، فلا زال مفعوله قويا في نفوسنا.
ولنسأل نفوسنا ونحن نتصفح البيان والتبيين وكتاب الحيوان مثلا هل الذي يهمنا هو الأفكار أم هو التعبير، وهنالك ميدان بين فيه الجاحظ مهارته إلا وهو التصوير كما يظهر ذلك من خلال صفحات البخيل، والواقع أن الجاحظ عندما رسم لنا صورة بل صورا عن البخيل في عصره فقد خط لنا بريشته الخفيفة ملامح البخيل كما يظهر في كل زمان ومكان.
إلا أن هذا لا يعني أن تصوير البخيل قد انتهى عند حد الجاحظ، بل أن تاريخ الآداب العالمية يبين أن الموضوع ظل معروضا باستمرار على أقلام الكتاب العباقرة، فهذا « موليير » أتى بالعجب العجاب، كما هو معلوم، في روايته « البخيل » وكان مجددا مبدعا، وسر نجاحه هو أنه صور لنا البخيل كما كان يظهر في عصره أي في القرن السابع عشر بالمجتمع الفرنسي، فبخيله، وإن كان صورة أزلية للبخيل، مرتبط، مع ذلك، بوقت معين ومجتمع معين.
ويأتي « بلزاك » بعد موليير بقرنين فيخط لنا في روايته « أوجيني جراندي » وجها جديدا للبخيل استوحى ملامحه من المجتمع الذي كان يعيش فيه، ومن المعلوم أن بلزاك ركز طموحه في تصوير مجمتعه بما فيه من خير وشر، ولكنه في الوقت الذي يقصر همه على تصوير مجتمعه يرتفع بنا أيضا، وهذا سر عبقريته، إلى حيث نرى الإنسان في مظاهره الأزلية، تلك المظاهر التي شغلت الفلاسفة والأخلاقيين والشعراء والكتاب منذ أن نطق سقراط بكلمته الشهيرة : « أعرف نفسك بنفسك ».
من هذا المثال الأخير الذي استقيناه من المقارنة بين الأدب العربي والأدب الفرنسي تتضح أمامنا عدة حقائق :
1) إن الجاحظ كمفكر معتزلي وكعالم يلم بالثقافة العامة لعصره لا يهمنا اليوم كما يهمنا الجاحظ الكاتب، الفنان، المصور الذي ترك لنا لوحات من مشاهد لازالت تحتفظ بجدتها إلى اليوم.
2) إن نجاح الجاحظ وغيره من الكتاب في ميدان تصوير الإنسان يعزى إلى كونهم لم يروا الإنسان كفكرة مجردة عن الزمان والمكان، بل انهم تناولوه كمخلوق من لحم ودم يعيش في زمان معين وبيئة معينة.
3) إن الموضوع الواحد قد يعالج مرارا في عصور مختلفة دون أن ينضب معينه ودون أن يفقد طرافته وجاذبيته.

الثقافة بين الماضي والحاضر : النسبية الثقافية :
هذان المثالان المختلفان في نوعهما، واللذان أخذنا أولهما من تاريخ الحياة الفكرية في العصر العباسي، وثانيهما من تاريخ الأدب المقارن، يبينان لنا أن الثقافة الحية هي تلك التي ترتبط بعصرها ومجتمعها لتتجاوب معهما وتعبر عنهما، وليست هي التي تحاول أن تخرج عن الزمان والمكان ولا التي تريد الرجوع إلى الماضي، وتلك حقيقة أولية تساعدنا على توضيح المفهوم من الثقافة القومية، ويمكن أن نبرز، في مجهود أول نحو تحديد تلك الثقافة، النقطتين التاليتين :
أولا : ان الثقافة القومية تحتوي على عنصرين أحدهما يربطنا بالماضي والآخر بالحاضر، فعنصر الماضي يتمثل في التراث الثقافي الذي يكون بالنسبة إلينا إحدى ركائزنا التاريخية الأساسية، ولكنه عنصر تبقى له قيمة تاريخية وفكرية مجردة ولا يلعب أي دور مباشر في حياتنا اليومية وفي مشاغل جيلنا، وأما عنصر الحاضر، فهي الثقافة الحية، الثقافة التي ينشئها الجيل وتتفاعل مع اهتماماته وآماله وآلامه وتوضح له حقائق العصر والمجتمع، وفي هذا النطاق يظهر بالخصوص ابتكار العباقرة وغوص النبغاء ووثبات الأحرار، ويتجلى التقدم الذي يحققه كل جيل، وهكذا، فإن لكل من تراث الماضي وإنتاج الحاضر دوره الخاص في الحياة الثقافية لدى كل مجتمع، وسنعود لهاته المسألة بشيء من التفصيل.
ثانيا : ان محتوى كل ثقافة قومية غير مستقر وهو في تحول دائم تبعا لتطور المجتمع، وهذا ما يجعل الأفكار التي تغذيه أو التي تتولد عنه ليست إلا ذات قيمة نسبية، فهنالك مشاكل وأفكار كانت تحتل الطليعة في عهد من العهود انتقلت في وقت آخر إلى المؤخرة إن لم تمت وتقبر بالمرة.
فمسألة نسبية القيمة الثقافية قلما يعيرها الباحثون عندنا ما هي جديرة به من الاهتمام، مع أن هاته النسبية هي التي يمكننا بفضلها أن نميز بين العناصر الأساسية والعناصر الثانوية في هذا الموضوع المتشعب.
وهكذا، فإن أولئك الباحثين حينما يريدون أن يحددوا ثقافتنا القومية ومحتواها يخلطون الماضي والحاضر بطريقة فوضوية ويتجاهلون عامل الزمان، ولا يدخلون بطريقة فوضوية ويتجاهلون عامل الزمان، ولا يدخلون في حسابهم كثيرا من الأحداث التاريخية العظيمة التي قلبت اتجاهنا رأسا على عقب، مثل اتصالنا العنيف والطويل بأوربا وما نتج عن ذلك من تحولات جذرية في مجتمعنا وحياتنا اليومية وسائر مفاهيمنا.
وعلى أساس هذين النقطتين اللتين استخلصناهما من التحليل السالف، يمكننا أن نشرع في البحث عن محتوى ثقافتنا القومية.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here