islamaumaroc

مسؤولية الفرد في الإسلام

  دعوة الحق

55 العدد

 إن الإسلام دين شرعه الله واختاره ليكون دستورا للعالمين. يقول تعالى : « إن الدين عند الله الإسلام »، فهو لذلك دين مثالي في تنظيماته كافة، لن نجد له مثيلا في تناسق تشريعاته، وانسجام تعاليمه، وتساندها جميعا لخدمة الهدف العظيم الذي وضعت له. فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالندب إلى إكرام الضيف، والبشاشة في وجوه الإخوان، وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير،  هذه الأمور وغيرها تعاليم متساندة ـ على تفاوت مقاماتها عند الله ـ في خدمة الغاية الجليلة التي من أجلها بعث الله الرسل، وأنزل معهم الكتب.
والفرق بين الإسلام وبقية الملل والأديان، إنه دين جعل نصب عينيه أن يوجد الأمة الموحدة الجهات، الموثقة العرى، المتكافلة على الشر، المتكافلة للخير، ليتوصل من ذلك إلى تأمين أكبر قسط من السعادة والطمأنينة للبشرية.
ولذلك فإن الإسلام ينظر إلى اتباعه نظرة واحدة من حيث وجوب تحملهم المسؤولية، لخدمة الفكرة الإسلامية التي هي إيجاد المجتمع السليم من الآفات على اختلافها، وتأمين السعادة إلى أبعد قدر من مقدرات الإمكانية الإنسانية. ومن هذا المعين برز الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ».
وعلى ضوء تلك الفكرة وهذا الحديث، نستطيع أن نقول أن المسؤول عن المصلحة العامة في الإسلام ليس هو الزعيم كزعيم فقط، وليس هو المجتمع كمجموعة موحدة فحسب، وليس هم رؤساء المراكز الهامة في الدولة، كالولاة والقضاة، ومدراء الشرطة وقادة الجيوش وغيرهم، بل إن الفرد، كذات له كيانه وأثره في المجتمع، يصح أن يعتبر مسؤولا بالنسبة للمصلحة العامة، بل مسؤولا خطيرا وخطيرا جدا، بالنسبة لهذه المصلحة. إذ منه يتخرج الزعماء والقادة، والقضاة والولاة وغيرهم، بل منه يتكون المجتمع الذي هو في الحقيقة ليس إلا فردا مضافا إلى فرد..
ولكن العجيب في أمر هذا الدين، دين الإسلام العظيم، أنه جعل عنايته التشريعية من الدقة والانسجام بمثل ما هو عليه وضع الفرد كفرد، وكعضو مندمج في جماعة. ولذلك كانت نظمه الاجتماعية سليمة من أي عيب، خالية من أي نقص، موسومة بالكمال.
فالفرد في نظر الإسلام هو المجتمع الإسلامي جزء من كل يكمله، ويكتمل به، ويعطيه ويأخذ منه، ويحميه ويحتمي به، ولا نستطيع مطلقا أن نجد في التشريع الإسلامي انفصالا بين مسؤولية الفرد نحو المجتمع، ومسؤولية المجتمع نحو الفرد، لأن هاتين المسؤوليتين هما أولى وسائل الإسلام في الإصلاح العام، وفي التكافل الاجتماعي الواسع النطاق. وقد أكد الإسلام معانيهما في نفس الفرد بوجه عام كما ثبتها في نفسية الجماعة وأرساها في ضميرها فقال للفرد :
« أنت على ثغرة من ثغرة الإسلام فلا يؤتين من قبلك ». وقال للجماعة : « إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم »، « المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ». وضرب مثلا رائعا لوصاية الجماعة على الفرد ومسؤوليتها إزاء جناياته وأخطائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفاس فقالوا له : « ما تصنع؟ » قال : « هو مكاني أصنع فيه ما أشاء. فإن أخذوا على يده نجا ونجوا معه وإن تركوه هلك وهلكوا ». كما ضرب مثلا رائعا عن مسؤولية الفرد تجاه الجماعة يوم قام أبو بكر في خطبة من خطبه وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : « أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية :
" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، وإنكم تضعونها على غير موضعها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :ٍإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه ».
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت  زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ». فهذا الحديث وإن لم يكن في ظاهر عبارته قد نص على وجود المسؤولية على الفرد تجاه المجموع البشري الذي يكتنفه بالشكل الصريح المباشر، غير أنه قد قرر مبدأ المسؤولية على الفرد لقاء ما يحوطه من الناس، كثيرين كانوا أو قليلين، بشكل يتكافأ مع ظرفه، ومهمته الموكولة إليه، وكفاءاته التي يمتاز بها.
وهذه المسؤولية التي قررها الإسلام على الفرد تكون تارة مسؤولية شخصية يرجع أثرها عليه لا على غيره من أبناء نوعه، كالسعي والعمل في كسب المال وطلب العلم، وطورا تكون مسؤولية اجتماعية يتصل أثرها بمن حوله من أبناء جنسه، وذلك كالتعاون وبذل المساعدة للآخرين المشاركين له في المجتمع.
فمسؤولية الفرد إذن تتشعب إلى شعبتين : مسؤولية تجاه نفسه وأخرى تجاه مجتمعه. ويمكن القول بأن مسؤولية الفرد نحو نفسه قد تتسع بحيث تصبح مسؤولية نحو مجتمعه، كما أن مسؤوليته نحو المجتمع قد تضيق بحيث تكون أيضا مسؤولية نحو شخصه بالذات. فطلب العلم وإن كان الفرد مسؤولا عنه لنفسه لما وراءه من مصلحة شخصية، إلا أنه أيضا مسؤول عنه تجاه مجتمعه لأن من مصلحة هذا المجتمع أن يكون الفرد فيه متعلما لا جاهلا.
والتعاون مع المجتمع وإن كان الفرد مسؤولا عنه اجتماعيا، إلا أنه أيضا مسؤول عنه لنفسه بالذات لما يترتب على تعاونه مع أبناء مجتمعه من حمل أبناء مجتمعه أيضا على التعاون معه.

مسؤولية الفرد الشخصية :
إن الله تعالى قد كرم الإنسان ورفع قدره على جميع أنواع الخلق : « ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ». وكان من مقتضى هذا التكريم إن وهبه العقل الذي جعله فيه مناطا للتكليف بالأوامر والنواهي والحدود. ولقد تحمل الإنسان مهمته وتقبل المسؤولية فقال تعالى في ذلك : « إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.. » وكان من أوائل مظاهر المسؤولية الشخصية مسؤولية الفرد عن نفسه وبدنه. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : « نفسك مطيتك فأرفق بها ». وفيه يوجب الإسلام على الفرد الرفق بنفسه بحيث لا يحملها ما لا تطيق، ويعالجها بالراحة والدواء إذا ما أصابها ضيق أو نزل بها مرض، وذلك ليتمكن من الوصول إلى أغراضه ومصالحه. وفي هذا المعنى ورد أيضا عنه صلى الله عليه وسلم « إن لبدنك عليك حقا ». فعلى الفرد توفير الطعام لنفسه، والشراب والمسكن والملبس، وعليه أيضا أن لا ينهك بدنه بالعمل فوق الطاقة والسهر المضنى، وإن لا يزجه في مالك الضنك والهلاك، وأن يحافظ عليه بحيث يبقى قويا صحيحا، سليما من العيوب والآفات.
ولتأكيد هذا المعنى في نفس الفرد المسلم جاء قوله صلى الله عليه وسلم : « أحسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا شامة في الناس ». وكما أن الفرد مسؤول عن بدنه، مسؤول أيضا عن عقله وفكره. ولذلك وجب عليه أن لا يضيع نشاطهما ويبعثر جهودهما، ويجعلهما في غير ما ينفعه وينفع الناس أو يصلحه ويصلحهم. فهذا الكون قائم بين يديه، يدله اختلاف مظاهره ودقة صنعه، وما فيه من جمال وروعة وسعة، على عظمة الخالق، وحكمة الصانع، وقدرة المصور، فلا يصح أن يمر عليها جميعها مر الغافل المغمور، الذي لا يشغل بها فكره، ويستنتج منها ما يزيده إيمانا بالله، وإجلالا له، وذلا بين يديه، وتسليما لأوامره، وانقيادا لتوجيهاته. قال تعالى : « أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟ » وقال : « فاعتبروا يا أولي الأبصار » وقال  : « إنما يتذكروا أولوا الألباب ».
والعقل كالجسد، فإذا كان الأخير يتضرر بالمطاعم والمشارب الفاسدة، فكذلك العقل يتضرر بالآراء الزائفة والأفكار الإلحادية الطائشة، ويسوء أيضا بالاتجاهات الأدبية الماجنة، التي تجني عليه أكثر مما تجني له. ولذلك كان على الفرد أن يختار لعقله وفكره ومشاعره أحسن الغذاء من الكتب والمجلات والنشرات، والأحاديث الإذاعية والمحاضرات وكان مسؤولا عن أي انحراف يقع منه، أو شذوذ يصيبه، وعليه الرجوع به إلى الطريق المستقيم، والجادة التي سار عليها المرسلون، والذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين. ولذلك فقد شجع الإسلام الفرد المسلم على طلب العلم  وحضه عليه فقال صلى الله عليه وسلم « طلب العلم فريضة على كل مسلم ». وقال تعالى : « هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ » وقال وقال أيضا : « وقل رب زدني علما » وقال صلى الله عليه وسلم : « من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم ». وقال صلى الله عليه وسلم مكرما أهل العلم : « أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء » وقال : « إن مثل العلماء كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة ».
    والفرد إلى جانب ما سبق، مسؤول عن أخلاقه وعاداته وآدابه. ولذلك فهو مطالب بتخير ما يتحلى به من الآداب، ودرس ما يختاره من الأخلاق والعادات لأنها في الحقيقة صورته الصادقة التي تعرف به الناس، وتكشف عن جوهره وذاته. فعلى الفرد أن يجمل نفسه بالحياء والصبر والشجاعة، والكرم والنجدة، وما شابه ذلك من الفضائل، وأن يباعد بينها وبين المجون والجبن، والحمق والشح وغيرها، وإن يبعث في نفسه النشاط والحركة وأن لا يركن إلى الكسل والخمول.. وعلى كل حال عليه أن يحاول دائما كي يكون من نفسه الشخص المثالي في آدابه وأخلاقه وعاداته، بحيث يكون قدوة صالحة للناس، وعنصرا نافعا لمن حوله منهم.
   إلى هذا الحد تكون قد تعرفت أيها الأخ الكريم على بعض مسؤولياتك الشخصية، وتبينت ما يطلب منك نحو ذاتك لتدنو قدر الطاقة من الكمال، وتبعد ما أمكن عن النقص. وبقي أن تتعرف على مسؤوليتك الاجتماعية وسأشعبها هنا إلى ثلاث مسؤوليات : مسؤولية تجاه أسرتك، مسؤولية تجاه مجتمعك، ومسؤولية تجاه دولتك.
    مسؤولية الفرد نحو أسرته :
 من طبيعة الحياة أن الفرد يكون دائما وأبدا عضوا في أسرة، تضم على الأغلب عددا من الأفراد، تختلف أوصافهم ومقاماتهم. منهم الأب والأم والزوج والزوجة والأولاد وما يتفرع عنهم.
وتختلف مسؤولية الفرد تجاه أسرته باختلاف مهمته فيها. فإذا كان عازبا يرغب في الزواج، كان عليه أن يحسن اختيار عشيرته، بحيث تكون من ذوات العقل والدين والتربية الفاضلة، لأنه إذا استكملت المرأة هذه الشروط، انقلب المنزل الذي تشرف عليه فردوسا للرجل، والمنبت الخصب لذريته. وما أروع قول حافظ إبراهيم في هذا الموضوع :
الأم أستاذ الأساتذة الأولى
      شغلت مئاثرهم مدى الآفاق
الأم روض إن تعهده الحيا
      بالري أورق أيما ايراق
فضلا عن المرأة كانت بذلك لزوجها ملاذا لقلبه، وملجأ له من عواصف الحياة، وبلسما لجراحه. ولذلك فقد أمتن بعض حكماء العرب على أولاده بمثل هذا الأمر فقال :
وأول إحساني إليكم تخيري
      لماجدة الأعراق باد عفافها 
وإذا كان زوجا أو أبا، كان عليه أن يشمر عن ساعد الجد ويندفع للعمل والكسب، واستثمار أتعابه وكفاءاته، وجمع محاصيلها لوضعها تحت تصرف أفراد أسرته، لتبذل في مصالحهم، وتصرف لقضاء حاجاتهم، فيهنأوا ويسعدوا، ويكون بعد ذلك قدوة صالحة ومثالا يحتذى في قوله ومقاله وسلوكه فيحسن معاملة أهله وعياله، ويرفق بهم، ويتجنب الغلظة عليهم، ويقدم لهم دائما ما يسرهم. قال صلى الله عليه وسلم : « خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحسنون إليهم، ولا يظلمونهم »، وقال أيضا: « مشيك إلى المسجد، وانصرافك إلى أهلك  في الأجر سواء ».
وإذا كانت زوجة فعليها أن تتفرغ لما خلقت له أصالة : من إدارة البيت، وإحسان ترتيبه وفرشه، وإتقان مظهره وتنظيفه، واختيار الأطعمة النافعة والشهية للأسرة، وتهيئة كافة الأجواء التي تدخل على أفرادها السرور، والقيام بواجباتها نحو زوجها وأولادها على الشكل اللائق، ونحو زوجها بالذات من طاعته فيما لا معصية فيه، واستشارته فيما تريد إجراءه من الأعمال والترتيبات المنزلية الهامة، وإن تختار في محادثته أرق الألفاظ وأجمل التعبيرات، وأن لا تسمح للأمور التافهة أن تدفعها أحيانا لتعكير صفو حياة الأسرة وتكدير رائق عيشها، ثم نحو أولادها بأن تكون حدوبة عليهم، رحيمة بهم، شديدة الغيرة على مصالحهم، حازمة في الإشراف عليهم وتوجيههم..
هذا فيما يتعلق بمسؤولية كل من الزوجين تجاه الآخر وتجاه الأسرة بوجه عام. أما مسؤوليتهما تجاه أولادهما من الجهة التربوية والتعليمية، وهما وجهتان هامتان في حياة الأفراد وعلى الخصوص في حياة الناشئة، فقد حتم الإسلام على الأبوين تزويد الأولاد بخير العلم وأفضل التربية. قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا  قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ». وقال صلى الله عليه وسلم : « أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، فإن أولادكم هدية الله إليكم ». وقال أيضا : حق الولد على الوالد أن يعلمه السباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا حلالا طيبا ». ذلك لما كانت هذه الأمور هي أهم ما يلقى على عاتق الرجال. أما اليوم فقد تغيرت الظروف، وتبدلت معالم الحياة كما تبدلت العلوم واتسعت، لذلك فإن على الآباء والأمهات إعداد أولادهم إعدادا كاملا للحياة التي يقبلون عليها، وتزيدهم بكافة العلوم والثقافات والآداب التي يرون أن حياتهم مفتقرة إليها، إذا لم يكن فيها ما يتنافى مع الدين، أو يتضارب مع المصلحة العامة، ويرى الشارع أن عمل الوالدين في هذا الحقل عمل تعبدي ينتهي بهما إلى رضوان الله، ثم النعيم المقيم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة.. »
وأما مسؤولية الأبناء نحو الآباء والأمهات، فهي متنوعة ولا تكاد تقل في شيء من ناحية الأهمية عن مسؤولية الآباء نحو أبنائهم.. فقد جعل الإسلام من أعظم الكبائر عقوق الوالدين، وجعل الإحسان إليهما واجبا على المرء في الدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، وجعل رضاه تعالى من رضاهما، وسخطه من سخطهما، فضلا عن أنه نهى عن الإساءة إلى الأبوين ولو كانت أبسط الإساءات وأتفهها، فقال تعالى : « ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.. »
     مسؤولية الفرد نحو المجتمع: ولم يشأ الإسلام أن يجعل مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه محصورة بمجتمعه المسلم، بل جعلها مسؤولية موسعة بحيث تتوجه نحو جميع أفراد المجتمع الواحد، من أية ملة أو فئة كانوا، لا فرق بين المسلم وغير المسلم.
ذلك لأن فلسفة الإسلام الاجتماعية تهدف إلى إقامة المجتمع السعيد، وتوفير أسباب الهناءة والطمأنينة لجميع الناس على السواء، فلا يصح من الناحية المنهجية أن يقال أن الإسلام يدعو إلى تحسين العلاقات بين المسلم والمسلم فقط، ويجعل المسلم مسؤولا عن مصلحة إخوانه في الدين فحسب.
     ويؤيد هذا ما ذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعريف المسلم بقوله : « المسلم من سلم الناس من لسانه ويده »، إذ جعل مسؤولية الفرد المسلم منعكسة على جميع أفراد المجتمع، قاطعا النظر عن عقائدهم وألوانهم واتجاهاتهم. على أنه يجب أن يكون حاضرا في الذهن، أن تحمل المسؤولية تجاه الآخرين من أبناء المجتمع كإحسان معاملتهم مثلا، ومنع الأذى عنهم، وبذل الخير لهم، ليس معناه الخنوع والذل والتنازل عن الحقوق المشروعة، لأن فيه إضاعة لغايات الشرائع وإفسادا للمجتمع نفسه.
والإسلام كدين اجتماعي من الطراز الأول، إذا كان قد فرض الفرائض من صلاة وزكاة، وصوم وحج، فإنما فرضها لتكون عاملا طيبا في تزكية النفس البشرية، وإحياء الضمير الإنساني، اللذين بهما يجد المجتمع ما يتطلع إليه من أمن وسلام وتعاون مثمر.
وعلى ضوء هذه النزعة الاجتماعية في الإسلام، كان من أهم أصوله نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جعلها رب العزة في الدرجة الثانية بعد الإيمان فقال : « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ». وقال صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ». وقال : « لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم بذنوبكم من لا يخافكم ولا يرحمكم ». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصاية من الفرد على المجتمع، ومسؤولية واضحة المعالم، بها يتأكد لدى الفرد أن المجتمع منه وهو بعضه، وأن هذه البعضية من كل الطرفين تجاه الآخر، تحمله على أن ينظر على أنه كيان هام بالنسبة إليه، لا يفرط بمصالحه، ولا يتأخر ببذل وسعه في سبيل راحته ومصلحته وسعادته.

مسؤولية الفرد تجاه الدولة :
وكما يجب أن يكون الفرد عنصرا منتجا بالنسبة للمجتمع، ينبغي أن يكون بالنسبة للدولة التي تحميه، وتصون مصالحه وأغراضه وحاجاته، والتي انبثقت عنه وبرضاه، فلا يجوز مطلقا أن يستبيح أموالها بغير حق ولا شرعه، كما لا يجوز البتة أن يهدر مصالحها وأموالها ومراكز إداراتها، ولا أن يسمح لأحد بذلك، ولو كلفه ماله كله وحياته أن اقتضى الأمر. فإذا كان الفرد واليا أو أميرا عاما أو مسؤولا عن بعض الشؤون، فما أشد ما حمله الإسلام من مسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه.
فقد ورد في تحميل الأمير مسؤولية  اختيار الأعوان له في الحكم : « أيما رجل استعمل رجلا على عشرة وقد علم أن في العشرة من هو أفضل منه غش الله والرسول وجماعة المسلمين ». وورد في وجوب نصيحة الوالي للمسلمين: « أيما وال ولي شيئا من أمر أمتي فلم ينصح لهم ويجتهد لهم كنصيحته وجهده لنفسه، كبه الله على وجهه يوم القيامة في النار ».
وقال أيضا : « أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وبجماعة المسلمين أن يعظم كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر عالمهم، وأن لا يضربهم فيذلهم، ولا يوحشهم فيكفرهم، وأن لا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم وشد ما حذر الإسلام وتخوف من الولاة الظالمين الذين يسلكون بالناس مسالك الضلال، فإن انقادوا إليهم أوردهم موارد الهلكة، وإن نفروا منهم وأبوا متابعتهم، اعلموا فيهم السيف والظلم. فقال صلى الله عليه وسلم : « لست أخاف على أمتي غوغاء تقتلهم ولا عدوا يجتاحهم، ولكني أخاف عليهم أئمة مضلين إن أطاعوهم فتنوهم وإن عصوهم قتلوهم ».
    هذا إذا كان الفرد واليا، فإن كان عاديا وجب عليه أن ينصح لدولته وأمرائها، وأن يطيعهم فيما لا معصية فيه ولا إثم. قال تعالى : « يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ».
وقال صلى الله عليه وسلم : « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ». ولكن الإسلام قد جعل هذه الطاعة غير مطلقة، بل مشروطة بعدم معصية الله، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : « السمع حق على المرء فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية. فإذا آثر الحاكم نفسه وتلاعب بمصالح الأمة، وجب على كل مسلم نصحه ومنعه من التمادي في باطله. أما إذا لم يتيسر للأمة ذلك، فالإسلام يأمر بالصبر والتجمع حتى يتأتى الظرف المناسب لإبعاده عن مكان الولاية، وينصح في مثل هذه الأمور أن لا يلجأ أولو الأمر إلى عوام الناس، لما في ذلك من خطر شنيع على مصالح الدولة، بل أن يعالج أهل الحل والعقد في البلد، والأئمة المخلصين، والرجال العاملين، الأمر بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن تأتى ذلك فيه، وإلا وجب عليهم توضيح الحقائق للناس، ووضع المناهج السليمة للوصول إلى الهدف المطلوب.
وإلى هنا يغلب على ظني أني استطعت قدر الإمكان مع الإيجاز المطلوب، أن أوضح مسؤولية الفرد تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، وأظن أنه قد وضح جليا لكل ذي بصيرة، إن كل فرد في أي مجتمع كان، دعامة هامة بالنسبة إليه، لا يستهان به مطلقا، بل يجب أن يعتني به العناية الفائقة، بحيث يمكنه ذلك من القيام بواجبه على الوجه الأكمل.
وقد نجح الإسلام في تثبيت هذه المسؤولية في نفس الأفراد من الصحابة والتابعين، ومن سبقهم بإحسان دهرا مديدا. وكان من آثارهم الأمثال النادرة في صلاح الأمراء والعلماء والرجال العاديين.
إذا كان كل من هؤلاء يشعر بالمسؤولية نحو غيره من أبناء المجتمع الشعور الفعال الذي يتجه به لمجتمع كبير إلى أن يكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى..
وسأكتفي بإيراد موقفين عظيمين من مواقف العلماء يبينان مبلغ ما كان السلف يشعرون به من مسؤولية تجاه المجتمع الكبير.
روى التاريخ أن الأمام الأوزاعي رضي الله عنه لم يخش من الخليفة العباسي عند ما سأله : « ما ترى فيما صنعت من إزالة أولئك الظلمة (يعني الأمويين) عن البلاد والعباد؟ أجهاد هو أم لا » فقال له الأوزاعي « إنما الأعمال بالنيات ». فضرب الخليفة الأرض بخيزرانته ثم رفع رأسه وقال : « يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟ ». فأورد له الأوزاغي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ». فضرب الخليفة الأرض بالخيزرانة أشد من الأول ثم قال : « يا أوزاعي ما تقول في أموالهم أحلال هي أم حرام؟" فقال:" إن كانت  في أيديهم حراما فهي حرام عليك،وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي ».
    ومن أروع أمثلة الجرأة في حمل المسؤولية ضد الباطل، والخضوع للحق، ما روي عن العالم الكبير أبي منذر بن سعيد البلوطي والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر لدين الله. فقد أقبل الخليفة على بناء « الزهراء » وأشرف عليها بنفسه حتى شغله ذلك عن شهود ثلاث جمع متواليات. فاشتد ذلك على القاضي أبي المنذر، وهو خطيب المسجد، ورأى لزاما عليه أن يخرج نفسه من إثم التقصير فيما أوجب الله على العلماء من الصدع بأمر الله والنصيحة للناس. وذات مرة علم أن الخليفة سيشهد الجمعة فأعد خطبة بليغة واعتلى المنبر والخليفة حاضر، والمسجد عامر بالمصلين وابتدأ خطبته بقوله تعالى في سورة الشعراٍء : « أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلذون؟ وإذا بطشتم بطشتم جبارين.. إلى قوله تعالى.. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.. » ثم مضى وتلا قوله تعالى بعد كلام مسهب بليغ: « أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟ » وعلم الخليفة أنه المقصود فبكى وندم على تفريطه، ولكنه مع ذلك غضب لغلط التقريع الذي وجهه الخطيب إليه فقال لولده بعد خروجه : « والله يا بني ما عنى بهذه الخطبة غيري.. ولقد كاد يقر عني بعصاه ». فقال له ابنه : « فما الذي يمنعك من عزله عن الخطابة والقضاء؟ » فقال له الخليفة : « ويحك يا بني !! أمثل ابن سعيد في فضله وعلمه أعزله لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟! هذا ما لا يكون أبدا..
هذا الموقف العظيم من الطرفين في تحمل المسؤولية الشخصية، والجرأة في الحق والخضوع له، غيض من فيض وافر من الأخبار المأثورة عن مبلغ تقدير الأولين لمسؤوليتهم الفردية نحو الآخرين. حتى روي عن عمر بن عبد العزيز أن زوجته جاءته ذات ليلة بعد أن قام ليله وأصبح صائما فقالت له: « يا أمير المؤمنين لشد ما كان منك ما رأيت الليلة؟ » فقال : « أجل إني قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها، فذكرت الغريب الضائع والفقير المحتاج، والأسير المقهور، فعلمت أن الله تعالى سألني عنهم، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر، ولا يقوم لي مع محمد حجة فخفت على نفسي. ثم قالت : والله إن كان عمر ليكون في المكان الذي ينتهي إليه سرور الرجل مع أهله، فيذكر الشيء من أمر الله فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع في الماء، ثم يرتفع بكاؤه حتى أطرح اللحاف عني وعنه. ثم يقول والله لوددت لو كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد ما بين المشرقين.

أيها القارئ الكريم :
تلك هي مسؤوليتك نحو نفسك وأسرتك ومجتمعك ودولتك.. وهذه أماثيل قليلة من تحمل أفراد السلف الصالح لمسؤوليتهم الشخصية تجاه البلاد والعباد. وهذه وتلك كافية كما اعتقد لأن تحملك على الأقل أن تسهر على كفاءاتك ومؤهلاتك لتفيد منها جميعها مجتمعك الصغير والكبير الفائدة التي لابد منها لتكون عنصرا فعالا وعضوا منتجا خيرا وركنا قويا والله الموقف لما فيه الخير.

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here