islamaumaroc

أنت وأنا: شعر بول جيرالدي، ترجمة نقولا فياض

  دعوة الحق

55 العدد

تلطف الصديق الأديب الاستاذ أحمد عويدات فبعث لي بهذا الكتاب مع مجموعة أخرى، حدثتك عن إحدها في مجلة « النصر » التي كانت تصدر بتطوان، وهو كتاب « وحل في جبين الشمس » للأستاذ سمير تنير، وحدثتك عن آخر في جريدة الحسنى الأسبوعية وهو كتاب « أضواء » للأستاذ نبيل فريد شامي، وأود اليوم أن أحدثك عن « أنت وأنا » هذه الغادة الفرنسية الحسناء لبول جيرالدي التي قدمها أخيرا لقراء العربية مترجم بحيرة لامارتين الدكتور نقولا فياض.
على أنني أحب قبل الخوض في الحديث عنها أن أقدم لذلك بمقدمة أحسبها أنا شديدة الصلة، وثيقة الوشيجة ب « أنت وأنا » وقد يحسبها غيري من مستهلكي الكلمة وعشاقها بعيدة البعد كله، ونائية النأي جميعه عن « أنت وأنا ».
إذا كانت العملية الشعرية التي يعانيها الإنسان الفنان، أي الإنسان المستجيب ـ إيجابيا ـ لهتافات العاطفة والطبيعة أو غيرهما ثم « تمثيل » لذلك « المؤثر »، أو بعبارة غير هذه : إذا كانت العلمية الشريعة « حملا » « لمؤثر » من طرف الإنسان الفنان ثم « وضع » لذلك الحمل فإنه من العبث الذي ما بعده عبث أن يفكر إنسان ـ حتى ولو كان فنانا ـ في أن يتبنى « وليدا » « حمل » به غيره وعانى ما عاناه لحظات « وضعه »، ويحاول أن يجعله يحيا ضمن « مخلوقات » ينكرها وتنكره، وفي بيئة بعيدة عنه بعده عنها.
وأغلب الظن أنك لن تنكر هذا القول إذا علمت أن المؤثر ـ سواء كان مصدره عاطفة أو طبيعة أو غيرهما ذلك الذي يبث تأثيره في الإنسان المستجيب له يعطي لذلك التأثير حياة جياشة بالحركة، حافلة بالظلال، مفعمة بالإيحاءات، وليس في وسع ألفاظ وطاقة كلمات أن (تشكل هذا التأثير) ـ في عبارة الأستاذ خيري ضامن ـ وتضعه مخلوقا فنيا ذا روعة وإشراقة غير ألفاظ المؤثر ـ بالفتح ـ وكلماته، وهذه الحقيقة تسلمنا إلى حقيقة أخرى هي أنه متى غيرت هذه الألفاظ ـ أي ألفاظ المؤثر بالفتح ـ وكلماته ذهبت روعة التأثير أو المخلوق الفني وتلاشت إشراقته ولكي لا أتهم بالغموض في القول والركاكة في التعبير أبادرك بعبارة أخرى لعلها تشرح ما تقدمها من عبارات، هي أن مقدمات العملية الشعرية وحوافزها وأطوار تكوينها النفسية والزمنية والمجتمعية أيضا، ولحظات وضعها كل ذلك يترك خطوطا وملامح وظلال وإيحاءات في الأثر القصيدي، وهو بالتالي يتقلص، ويكاد يتلاشى تماما ويضمحل عندما يعمد أحد إلى نقل الأثر القصيدي من لغته إلى لغة أخرى، ومن هنا تكون عملية الترجمة الأدبية بالخصوص والشعرية بالأخص أمرا عسيرا جدا إن لم نقل مستحيلا، وهذا هو ما دفع باللورد بيرون أن يقول : (من أكبر المصائب على المؤلف أن يترجم إلى لغة أجنبية)، ودفع قبله بأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ إلى أن يقول في كتابه (الحيوان » : (الشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه، وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه، والكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي حول عن موزون الشعر). كما تحدث عن ذلك أبو حيان التوحيدي في كتابه ( الإمتاع والمؤانسة) والصلاح الصفدي، وكثير من نقاد الأدب المحدثين.
أما الصلاح الصفدي فبرى أن للترجمة من لغة إلى أخرى طريقتين لا ثالثة لهما :
الأولى هي طريقة يوحنا ابن البطريق وغيره، وهذه الطريقة في الترجمة طريقة عقيمة ورديئة، وذلك لأنها تلتزم (الحرفية) في الترجمة، ومن شأن الترجمة الحرفية دائما أن تمسح الأثر المنقول وتذهب بروعته وحسنة، وتوقع المترجم في ركاكة أسلوب لا تتصور وغرابة تعبير لا توصف.
والطريقة الثانية ـ في رأي الصفدي ـ هي طريقة حنين بن اسحاق والجوهري وغيرهما، وهذه الطريقة تمتاز عن الأخرى بأنها لا تلتزم الحرفية وتستند إلى التعريب بحيث يأخذ المترجم الجملة أو العبارة أو الفقرة من اللغة الأجنبية ويقرأها فيحصل معناها في ذهنه ثم يعبر عنها بلغته، ويشهد على جودة هذه الطريقة وروعتها ما عربه حنين بن إسحاق من كتب الطب والمنطق الطبيعي والمنطق الإلهي.
وحق أكيد أن الذين يعتمدون على الترجمة الحرفية في نقل الأثر الأدبي من لغته إلى اللغة العربية إنما يقدمون لقرائها هيكله ـ أي الأثر الأدبي ـ بدون لحم ولا دم.. ولا إحساس.
أما الذين يقرأون الشعر الأجنبي ويتذوقونه، ويجترون التجربة النفسية التي مرت بصاحبه اجترارا فيه من الصدق والحرارة والأيجابية حظ كبير فهؤلاء يمكنهم ـ على شريطة أن يكونوا ممن يجيدون لغتهم الأم ويعرفون أسرارها ـ أن يقدموا لنا أثرا أدبيا ليس يخلو من التلوين والتظليل والإيحاءات الموسيقى التي كان (يزخر) بها في لغته الأصلية.
ومن هؤلاء مترجم رائعة جيرالدي « أنت وأنا » الدكتور نقولا فياض ذي الريشة الساحرة التي ما فتئت ـ منذ عرف صاحبها عطاء الحرف ويسأله الكلمة ـ تنفخ معرض الكتاب العربي بكثير من معطياتها مثل : « الخداع والحب » و « حول سرير الإمبراطور » و « ريف الأقحوان » و« بعد الأصيل » و« دنيا وأديان ».
وهو بالإضافة إلى ذلك مترجم قدير، يجيد اللغتين : العربية والفرنسية إجادة لا سبيل إلى إنكارها.. « وأنت وأنا » هي آخر أثر أدبي ـ فيما أعلم ـ نقله من الفرنسية إلى العربية، وقد ترجمه ـ نطما ـ ولذلك فأنت تجدد مضطرا ـ أحيانا ـ إلى الإتيان بزيادات قد لا تجدها في النص الفرنسي، ولكنها زيادات تحصل من كلام الشاعر، وهي لا تضعف قوله، بل بخلاف ذلك تفسره تفسيرا موافقا كما يقول الدكتور فياض نفسه، ويبقى المعنى العام قائما، ولكن القالب يختلف.
و « أنت وأنا » قصائد غنية بالصور الخضراء، تبرزها كلمات ندية الوقع، تستحم بضياء العاطفة، والعاطفة على حد قول صواب لبودلير هي سكرة القلب ومن سكرة القلب هذه طفحت « أنت وأنا « بنغم عذب، ولفظ رائق، اثنين من أعياد العطاء الأدبي.. الرائع.
استمع إلى « بوح » فهي أغنية حلوة صغيرة، كلماتها لن تهرم، ومعانيها لن تموت :
أحبك يا أمي حتى الجنون
أحبك حبا يفوق الظنون فهل تعلمين؟
أحبك.. هذا كلام معاد
وما كان يوما يؤدي المراد
ولكن أحبك.. كيف العمل
أحبك.. والحب غير الغزل
فهل تشعرين؟
وهل من سبيل لأن تكشفي
مجاهل نفسي وأن تعرفي
فما في الحروف بيان يفي..
أفتش، أبحث عن قافية
تغذي الأمل
فليس صحيحا بأن القبل
هي الكافية
أحس على الصدر عبئا ثقيلا
وكم أتمنى الحديث طويلا
لأشبع روحي وأروي الغليل
فإن الحياة حياة الكلام
تفرج عن كرية المستهام
أريد الكلام، أريد، أريد
ولكن لو انقاد لي خاطري
وجئت بملحمة الشاعر
   فهل كان ذلك أغنى لسانا؟
ـ أجيبي ـ وهل كان أجلي بيانا؟
من أن أضمك نحو صدري
وأبث في أذنيك سري
وأقول في نثر ولف
وأعيد ألفا بعد ألف:
يا أمي، أنت مناي، أنت
أنــت...
ومن متانة الحبكة وروعة الأسلوب تجد عفوية شامخة وبساطة رائعة تضفي على شعر « أنت وأنا » جمالا دفافا ليس إلى تصويره من سبيل، وهذه (غبرة) دليل محسوس على ذلك، أقرأها ثم أعد قراءتها، وتأمل كلماتها، فستجدها (غيرة) حقا، صاحبها قد استبدت به الغيرة، فهو قد أصبح كثيب النفس حزينها، لأن حبيبته قد بعدت عنه إذ انتقلت إلى سهول الريف تمرح فيها وتلهو بينما فكره يطير شوقا إليها ويهز روحه الوجد فيبكي وملء رأسه رسمها الحلو، الجميل، وفي لحظة من الشوق العنيف الذي يسبب له ضيقا وصداعا يتمنى أن تبيت حبيبته، ولو قليلا، على قليل من هذا الضيق والصداع اللذين يعاني منهما ما يعانيه.. بعيدا عنها.
استمع إلى « غيرة ».. فهي حتما ستأخذ بمجامع قلبك :
أنا والله غيران
كثيب النفس، ولهان
وأنت بعيدة عني
وبعض البعد نسيان
أنت في الريف تمرحين وفكري
كل يوم يطير شوقا إليك
عندك الأهل، لا يسليك منهم
أحد، مع ذا أغار عليك
أن روحي سكري وقد هزها
الوجد فأبكي والضحك في ناظريك
واخضرار الربيع في صفحة
الأفق وفوق الربى وفي عينيك
رسمك الحلو ملء رأسي كأني
لم أزل حالما على ساعديك
أنت ذا اليوم فوق كل جمال
من بعيد أرى سنى مقلتيك
وعلى الرأس قبعة تنفذ
الشمس ابتساما منها على وجنتيك
جو باريس زاد قلبي ظمأ
قد حرمت الرحيق من شفتيك
لم أكن في الغرام عمري
كما أنا اليوم في صراع
وكم تمنيت في التباعي
بأن تكوني على التباع
لا تحسبي ذاك كرها
فالكره ما كان من طباعي
لكن صبري على النوى لم
يكن لدى بمستطاع
أبيت أشكو ولا معين
فلا لساني ولا يراعي
وصرت أرجو لضيق صدري
وطول همي وقصر باعي
بأن تبيتي، ولولا قليلا
على قليل من الصداع...
ثم أستمع إلى هذه القطعة المسماة ب (حنو..) إنها معرض أخاذ لسرعة الخفقة، والتهاب الأحاسيس وثورة العواطف:
حدثيني، أن الحديث مدامي
لا تكوني بخيلة في الكلام
أتحبينني؟ دعي الشغل، خلي
عنك هذا إذا، تعالي أمامي
اجلسي جانبي هنا، لا تخافي
ليس يؤذي الثياب ضيق المقام
أبعدي هذه الوسائد عنا
لتظلي جميل الهندام
آه، لو تعرفين مبلغ حبي
آه.. لو تسيرين ـ غور هيامي
أنظري، أنظري، ألم تنبئك
عيناي عن مدى أحلامي؟
أنني قد وهبت كل حياتي
لك، ما في دمي وما في عظامي
هل سمعت وهل فهمت؟ أجيبي
أن حبي هذا المساء جنون
كل ما فيه فتنة والتهاب
كل ما فيه رقة وحنين
إن سمعت وإن فهمت فحسبي
منك هذا، وكل صعب يهون
* * *
قربي رأسك للنور، دعيني
أضع الكف على هذا الجبين
أهتدي منه إلى السر المصون
إن في عينيك تاريخ فتوني
هل صحيح ذاك، قولي هل صحيح؟
أي نعم، ما كذبت فيك ظنوني
آه من حبي لك، حبي لك
كم أود اليوم أن أوجعك..
وبعد :
فهذه كلمة قصيرة عن « أنت وأنا »، الحسناء الباريسية التي انفلتت ـ كما ينفلت النور من الأفق الغافي ـ من قلم بول جيرالدي.. ولو لم يكن للدكتور نقولا فياض فضل في دنيا التأليف والترجمة غير تقديمه هذه الحسناء لقراء العربية لكفاه ذلك فضلا.. وأغناه عن كل فضل غيره.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here