islamaumaroc

لغة المغرب العربية

  دعوة الحق

55 العدد

لا يحسبن القارئ مقالي هذا بحثا علميا في اللهجات واللغات، ولا تحليلا للأصوات والنبرات ومدلولاتها واختلافها باختلاف المناطق والأجواء، ولا دراسة اجتماعية لتأثير البيئة والمحيط والناس والعادات والتقاليد في اللهجات واللغات والأصوات والنبرات، كما يفعل اللغويون من العلماء في هذا العصر، وإنما هي نظرات وخواطر قد تصلح لتكون أساسا لهذه الدراسة الاجتماعية وذلك البحث العلمي التحليلي.
فالمغرب منذ الفتح الإسلامي، واستقرار أمر الدولة فيه، هجر، عن طواعية واختيار، لغته « الأم » أو لغاته « الأم » ليتخذ من لغة الفاتحين لغة « وحدته » الجديدة، ورمز « دولته » الناشئة، ولا ندري بأية سرعة سريعة فشت لغة العرب في هذه الأقوام البربرية حتى استطاعت ـ في وقت قصير من الزمن ـ أن تفهم عن العرب لغتها وأمثالها ومواعظها وخطبها، وكتابه المبين « القرءان » كما لا ندري بأية سرعة سريعة برع طارق بن زياد في لغة العرب حتى خطب خطبته الرائعة الشهيرة بعدوة الأندليس في جموع بربرية اللغة والأمثال والتقاليد، مع أنه إن كان من الممكن أن يتعلم فرد أو بضعة أفراد لغة ما في القليل من الأيام، فإن اعتناق أمة ـ بأجمعها ـ أو جيش ـ بأكمله ـ للغة جديدة تلزمه أياما وآمادا ليست بالقصيرة على كل حال.
والتواريخ، إذ تروي لنا هذه الروايات « المتواترة » عن انتشار لغة العرب في أنحاء المغرب ليست ـ فيما أرى ـ محل شبهة أو شك أو تدليس.
والمنطق الإنساني السليم، إذ يضع نقط استفهام أو استغراب أو تعجب من سرعة انتشار لغة العرب في أنحاء مغربنا الحبيب في ذلك الوقت القصير من الزمن، ليس من الأغراض أو الشعوبية في شيء.
وليس من شأني، ها هنا، أن أوفق بين الأمرين، وإنما يكفيني أن أقرر ـ مع المقررين ـ أن المغرب ـ بعد الفتح ـ قد استعرب دينا ولغة وعادات وتقاليد، وأقبل على ذلك كله، ونبذ ما عداه عن طواعية ومحبة واختيار، فهل نحن ـ المغاربة ـ بالأمس، غيرنا اليوم؟.
مغاربة الأمس فتحوا للدين الجديد قلوبهم وعقولهم وأموالهم ونفوسهم، كغيرهم من الناس الذين تقبلوا هذا الدين، فلم يكتفوا بتقلبه، وإنما حملوه معهم إلى العالمين.. كذلك فعل مغاربة الأمس : صعدوا بإسلامهم وبلغته إلى الأندلس حتى توغلوا به قلب أروبا، وكادوا يلتقون مع بعوث إخوانهم الأسيويين الذين صعدوا ـ هم أيضا ـ بإسلامهم وبلغته من الشرق إلى أروبا.
مغاربة الأمس سمحوا في معتقداتهم وفي زعاماتهم ووثنياتهم ليقبلوا على الإسلام.. مغاربة الأمس تركوا لغتهم الأم واعتنقوا لغة العرب لغة وحدة وحضارة وسيادة وحكم.
أولئك مغاربة الأمس، مغاربة المغرب الحقيقيون وسكانه الأصليون الذين بهم فخرنا وعزنا، ويتجلى في تاريخهم المجيد كياننا القومي العزيز.
.. وما مغاربة اليوم إلا أحفاد لأولئك الأشبال..
كلمة تقال لا لإثارة الحماسة والعزة والنخوة الأصلية وإنما هو الواقع والحقيقة والتاريخ، فنحن بكل فخر أحفادهم وأبناؤهم وأصلابهم، لم يخرجنا من ديارنا وأوطاننا أحد ولم نتبدل ولم نتغير حتى كانت « الحماية » البغيضة في أوائل هذا القرن الحالي حملة أوروبية صليبية مسعورة، اقتصادية وسياسية بقصد « التمدين » و « التحضير ».
ولا ينكرن أحد فعل الحماية في المواطنين فلقد فعلت كل شيء إلا أنها لم تستطع تبديل تلك « الروح » المغربية الأصيلة التي يعتز بها كل مغربي صميم، لقد زرعت فينا الاضطراب والفوضى والخوف والنفاق والثقافة الحديثة بما فيها من أمراض العصر الحديث.
وبفعل ذلك تنكرنا للغتنا وتعرفنا على لغتهم ونسينا حضارتنا بحضارتهم، واستبدلنا بثقافتنا الصحيحة ثقافتهم المريضة، لا أقول هذا تعصبا للغتنا وحضارتنا على لغتهم وحضارتهم.. ولكن أقوله لأقرر من بعده أن لغتهم نافعة لهم وليست بنافعتنا فتيلا، وحضارتهم عظيمة بالنسبة إليهم وليست صالحة لما بما فيها من أمراض العصر الحديث، خاصة وقد بلينا ـ نحن المغاربة ـ بنقل ما في حضارتهم من أمراض ونبذ ما فيها من عظمة وجلال، ومع ذلك فإن « العرق نزاع » كما يقولون :
فإخواننا المتعلمون بالأجنبية ولا يحسنون العربية، ويحنون إلى لغتنا القومية، ينزع بهم عرقهم إلى أصل..
وأخواننا الذين لا يعرفون لغتنا ثم لا يحنون إليها ولا إلى تعلمها، ينزعون ـ هم الأخرون ـ إلى أصل معلوم.
على أن النزعة الطيبة ـ وحدها ـ ليست بفاعلة شيئا، ولا بنافعة فتيلا، فقد أراد مغاربة الأمس للغة العرب أن تكون لغة أدبهم وحيثهم ومناظراتهم وحضارتهم، وعمودا من أعمدة كيانهم فهل يريد مغاربة اليوم أن يسيروا على الطريق نفسها ويأخذوا نفس الاتجاه؟
الحقيقية أن الإجابة على سؤال كهذا دقيقة بعض الشيء، إن كنا نميل بعواطفنا ومشاعرنا إلى الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب، غير أن هذا الجواب الإيجابي إذا أريد له أن يبنى على الفكر والعقل لا على العواطف والمشاعر، وأن يقوم على الحقيقة والواقع لا على الأمل والخيال، يوجب على العاملين في هذا الحقل تقديم التضحيات المتوالية لأن الغايات التي يرمون إليها صعبة ولا تدرك الصعاب إلا بعظيم التضحيات.
فلئن ضحى ءاباؤنا ـ من قبل ـ بلغاتهم وثقافتهم في سبيل إحلال اللغة العربية في المغرب الحبيب محلا لائقا، فيجب على الأبناء والأحفاد ـ من بعد ـ كذلك أن يقدموا قسطا وأقرأ من أمثال هذه التضحيات.
ولكي تبقى العربية لغة للمغرب الحديث ينبغي العمل المثمر الواعي الخلاق على إذكاء جذوة الحماسة إلى هذه اللغة في نفوس العامة من الناس بجميع الوسائل الممكنة، وعلى كل صعيد عام أو خاص وليس بخاف على أحد اعتزاز طائفة هامة من البرابرة بهذه اللغة كلغة للعقيدة والدين، وكلغة للحضارة والثقافة والعلم، إن مثل هذا الاتجاه القائم على سواعد أناس قلائل منتشرين في السهول والقرى والبوادي ووراء الجبال، يجب تشجيعه وتنظيمه بما يلائم روح العصر الحديث والمقومات الأصيلة لشعبنا العزيز.
ولا ينبغي للعامل في هذا الميدان أن يهون أو يضعف بحال من الأحوال أو يعتقد أن عجز لغة العرب وسكونها هذه المدة الطويلة من الزمن يقوم عائقا دون لحاقها بركب الحضارة الحديثة.. إذ إن مجرد مثل هذا الاعتقاد يجعل صاحبه غير كفء لأداء هذه الرسالة، ويوجب على العاملين المخلصين إزاحته من الميدان.. ذلك أن الإيمان كفيل بإيصال المرء إلى آماله ولو كانت بعيدة المرام، وما أن يخامر العامل أدنى شك في عدالة منطقه ومطالبه إلا أصابه الوهن والضعف والعجز وباء بالخيبة ولو كان من أقوى الأقوياء في مادته ولغته وعلمه، ولو كان المجال يسمح هاهنا بالإضافة، لبينت كيف خلق « كمال أتاتورك » ـ زعيم تركيا الحديثة ـ للأتراك لغة خمسون في المائة من ألفاظها وكلماتها مأخوذة عن اللغة العربية، وقسم ءاخر منها من اللغات اللاتينية، ثم جعل من هذا الخليط للأتراك لغة قومية بها يتحدثون ويكتبون ويتفاهمون .. ودويلة إسرائيل المزعومة أقامت لنفسها في مبدأ هذا القرن فقط لغتها العبرية وأحيتها من بعد نسيان بعد أن كانت قاصرة أو مقصورة على الأساطير والتوراة.. تقرأ ولا تفهم تبركا وترحما.. وها هما هاتان اللغتان اليوم يتحدث بهما ويكتب ويتراسل فيهما ويتخاطب بهما وتدار بهما المدارس والمعاهد والإدارات والملاحظ المنصف في أحوال لغتنا العربية يجد واقعها الحاضر في مغربنا الحبيب خيرا من واقع تينك اللغتين حين دعا داعي نهضتهما وتطورهما: إذ لا يزال فريق مهم من أننائنا يتحدث بلغته العربية ويكتب بها كأحسن ما تكون الكتابة وأبدع ما يكون الحديث، ولا يطلب منا إلا بدل مجهود يسير في سبيل تعميم هذه القدرة اللغوية التي يتمتع بها فريق ولا يجد فريق آخر منها نصيبا.
إن من حق الفريق الجاهل للغته أن يطلب تعلم هذه اللغة، ومن واجب الفريق العالم بهذه اللغة أن يعلمها لمن جهلها من أبناء قومه على أي صعيد استطاع سواء كان عاما أو خاصا.
لذلك كان على الذي يمسك القلم ليكتب، أو يصعد درجات المنبر ليخطب، أن يبذل الجهد الكبير المخلص في تقوية لغته وأسلوبه وتبسيطهما، وجعلهما في متناول العامة والخاصة، ليجذب الناس إليه، ويفيدهم من علم ما يعلم، رائده في ذلك الإيمان القوي الصادق المخلص بقضيته، والتجربة تعلمنا في كل وقت وحين أن الإيمان بعدالة القضية عامل أساسي في نجاح هذه القضية.
إن كلمة بليغة من النثر، سهلة الألفاظ والكلمات والتراكيب عذبة الأسلوب والمعنى، ينتجها كاتب أديب، ثم يحفظها الناشئة وغير الناشئة ممن يهمهم أمر انتشار اللغة العربية لعمل رائع مجيد في سبيل نشر اللغة العربية وتعميمها بين الناس وإن قطعة من الشعر أنيقة الوزن والقافية، رفيعة الأسلوب والمعنى لكفيلة بأن يكتب لها الذبوع إذا تلقفها عن الشاعر ملحن مغربي فأودعها في لحن عربي الأرومة والنغم، مغربي الغاية والهدف والأمل، إن مثل هذه القطعة قمينة بأن يهزج بها الصغير، ويطرب لها الكبير، وجديرة بأن ترسخ في ضمير الجيل الناشئ مثلا أعلا وغاية من الغايات السامية المقدسة لدى الأمة.
إن ما ينفع الناس حقا أن يجدوا سبل العربية سهلة ميسرة بين أيديهم في كل مكان: في الكتاب.. في الإذاعة بنوعيها المرئي والمسموع.. في المسرح.. في القصة.. في الرواية.. في الفن.. في كل مرفق من مرافق الحياة.. وهكذا يشترك العلم والفن والأدب والصحافة في دعم انتشار اللغة العربية وتعميمها بين الناس..
والشرط في ذلك كله أن يكون صادرا عن إيمان بعدالة هذه القضية، ومن مظاهر هذا الإيمان الإنتاج القوي والمتقن، فإن الله : « يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ».
وما أسرع ما تأخذ العربية مكانتها المجيدة بين قومنا في هذا المغرب الحبيب كلغة للبيت والمدرسة والشارع والمعهد والجامعة، ولا يكون شيء من ذلك إلا بإيمان المخلص و « العمل المتقن ».
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here