islamaumaroc

الأثر النفسي للمسجد

  دعوة الحق

55 العدد

لقد كان للمسجد دور هام في التثقيف التربوي حينما كان المدرسة الأولى التي أعدت المسلم للمجتمع الكبير، أعدته وهو صغير السن فقدمت له التدريب الأول لتعلم القراءة والكتابة، وهيأته بعد ذلك لتذوق الأدب، والتضلع في المواد الفلسفية كالمنطق والتوحيد والإحاطة بالعلوم الفقهية والشرعية، ومن يطلع على تاريخ التربية في الإسلام يجد المسجد المنارة التي حملت مشعل الثقافة جيلا بعد جيل.
وللمسجد أثر في تركيز الشخصية الأخلاقية حسب تعاليم الإسلام الخالدة، فلولاه لما استقر ذلك السلوك الأخلاقي الذي تميزت معالمه وأصبح مظهرا لشخصية المسلم أينما حل، وقد حصل هذا بفضل الدور الفعال للمسجد حينما كان الخطيب كل جمعة يلقي على الناس وجوب ربط الإيمان بالعمل، وإن السلوك الأخلاقي ركن ركين في التوحيد.
ولا يقل دور المسجد في التدريب الاجتماعي عما سلف، حيث أن المسجد كان النادي والمجمع الذي كانت تأوى إليه الناس فتتعارف وتتحابب ويطلع البعض على شؤون الآخرين مما أدى إلى أحكام الروابط والصلات بين الناس.
كل هذه الوظائف العامة والخاصة للمسجد علمت من قبل ويعرفها الخاص والعام بعد أن تطرق إليها الكتاب والمفكرون قديما وحديثا، ولكن ما لم ينتبه إليه إلا النزر القليل هو ما للمسجد من أثر فعال على نفس المصلي وعلى نفسية وأعماق شعور المسلم وهو يستمع إلى الذكر الحكيم أو إلى خطبة الخطيب في ذلك الجو الجليل الذي لا يتوفر إلا في تلك اللحظات التي يلجأ إليها المؤمن ليؤدي شعائر الصلاة يوك الجمعة أو فيما عداه من الأيام.. وأن هذا الاتصال الإنساني في حاجة اليوم إلى مزيد من العلم وإلى استعداد ثقافي خاص لا يقوم فقط على المعرفة اللفظية، أو التاريخية، أو السياسية أو الدينية، وإنما على دراية بالنفس البشرية، هذا الاتصال الإنساني ينحدر من أعلى المنبر لينفذ إلى أنفس المصلين فيهزهم من أعماقهم إن كان قولا مؤثرا أو لا يكاد يتعدى الآذان إن كان مجرد كلام يقال.
وإذا كانت المدرسة مصنع الأفكار والعقول فالمسجد مصنع الأرواح والأنفس أيضا، يطببها ويضمد جراحها فينزل عنها الصدأ ويعيد لها شبابها وحيويتها كانت وظيفة المسجد فيما مضى أعداد الجيل المسلم وقد حافظت جوامع الأزهر والزيتون والقرويين ـ إلى عهد قريب ـ على نمطية هذه الأعداد داخل المساجد، أما اليوم فقد انتزعت المدرسة الحديثة من المسجد تلك الوظيفة التعليمية مبقية له جانب روحيا محضا ولكنه لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى وهو يتمثل في خطبة الجمعة وفي دروس الوعظ والإرشاد، وأحسب أن القاصدين إلى المسجد اليوم في حاجة إلى ثقافة وعلم يختلف بعض الاختلاف عما يتلقاه في المجتمع الفسيح عن طريق المدرسة أو المجلة أو الإذاعة أو الشاشة، إن المؤمن اليوم في حاجة إلى كلام ينفذ إلى القلب، إلى عبر تهز المشاعر، وأغلب القاصدين إلى المسجد أتعبتهم مشاكل الدنيا فقدموا إلى المسجد طلبا للشفاء، تماما كمن يقصد في أيامنا في العواصم الكبرى العيادة النفسية بغية الشفاء النفسي، وما أشبه هذا الحال بذلك بل ما أقرب الصورة بين مريض يمتد على سرير المحلل النفسي وكله عزم على تنفيذ ما سيسمع وبين المصلي وهو يدخل المسجد مستسلما خاشعا لأنه سيسمع قبسا من القرءان وقولا حكيما من روح الإسلام، فيجلس في خشوع وإنصات منتظرا الكلام المنفس، وما العلاج النفسي ألا تنفيس وتفريغ للطاقة المريضة والهواجس المتعفنة والأحقاد المكظومة.
   وللعلاج النفسي الكلينيكي لمرضى العقول كالمجانين وهذا النوع له مجالسه في المستشفيات العقلية الخاصة ـ وتنتهي أنواع العلاج عند أخصائي التوجيه والإرشاد كما هو الشأن في المدارس والمصانع والمؤسسات الاجتماعية، وهذه جميعها تشتمل على خبير نفسي يقدم النصائح ويوجه العمل وتوجيها نفسيا خاصا، وهذا الخبير هو أقرب الناس إلى ما يقوم به الخطيب في المسجد، إلا أن الأول يعمل للدنيا والثاني يعمل لوجه الله أولا، ولإسعاد المؤمنين أخيرا، أي أن الدافع مختلف ولكن الغاية تبقى هي هي سواء هنا أو هناك.
والمعهود في التحليل النفسي أن العلاج الناجح يقوم على عناصر ثلاث : طبيب بارع وبصير، ومريض يكشف في صدق وطمأنينة ما لديه من علل بطريقة واعية أو غير واعية (كما هو الشأن في التنويم المغناطيسي وتداعي الأفكار)، ثم كلام متبادل بين المريض والطبيب، وهذه العناصر قائمة داخل المسجد حيث أن هنالك الإمام الواعظ ثم المصلون أو المستمعون إلى دروس الوعظ، ثم كلام صادر وقائم من طرف واحد مما يجعل المصلي في موقف سلبي فتكون العناصر الثلاثة السابقة ناقصة قليلا، وإذا كان هذا الركن مفقودا فمن السهولة بمكان أن يتغلب عليه الخطيب الصادق أو الواعظ المستنير، فهو يستطيع معرفة مشاكل المؤمنين القاصدين إلى المسجد، بطريقة غير مباشرة باستقاء هذه المعلومات من منابعها العامة كمراكز الشرطة ومجالس المحاكم الشرعية والمدنية ومن أنباء الصحافة المحلية ومن مخالطته الشخصية ومعارفه من الناس حتى يتعرف على المشاكل الواقعية والجارية في مجتمعه الصغير حتى إذا ما وقف ليخاطب المؤمنين كان حديثه في محيط تلك المشاكل الخاصة والعامة التي تكون أحداث الساعة.
والقاعدة التربوية الحديثة التي تؤمن بها المدرسة المعاصرة هي أن تجعل التعليم والتثقيف مستمدا من صميم المجتمع المادي والبشري المحسوس، وإعداد من غير هذا القبيل سوف يبقى معزولا عن الحقيقة الخارجية والواقع الحي، والمسجد في ثوبه الجديد هو من صميم المجتمع أو هو كلمة الله لمؤمني القرن العشرين الذين يعيشون مشاكل معينة، لقد نزل القرءان ليخاطب عقول الناس باللغة والمعاني والمقاصد التي تتجاوب مع حاجاتهم، فلماذا نخرج عن القاعدة القرآنية الأولى فنخاطب الجمهور في مشاكل بعيدة  عنه وتقدم له ما لا يشاهد في البيئة العربية الإسلامية الجديدة.
فالمسلم في عصور ازدهار الدولة الإسلامية لم يكن يعرف عقد النقص أمام حضارة أخرى أقوى وأغنى، لأن الدولة الإسلامية العتيدة كانت تحميه وتجعله في اعتزاز بما لدى المسلمين من علم وثقافة وازدهار مدني وصولة عسكرية، أما اليوم فإن التفوق الظاهري للغرب من شأنه أن يزعزع الاعتداد ويدخل على النفس الشك والظنون بعظمة الإسلام وخاصة على هؤلاء الذين يجهلون فلسفة الإسلام ومقاصده الإنسانية الخالدة، بل ويكتفون بالحكم الظاهري السطحي.
ومن التعاليم الشائعة الجارية اليوم الفصل بين متطلبات الروح وبين حاجيات الجسد، وفلسفة الغرب هي انعكاس لهذا المفهوم فما لقيصر لقيصر وما لله لله، وهذه الفلسفة سرت في المجتمع العربي المسلم ولم يعد هنالك ربط بين أوامر الله ونواهيه من جهة وبين سلوكنا اليومي وأعمالنا الخاصة.
والمسلم الحافظ على تعاليم الإسلام الحقيقية في جهاد عنيف أمام مغريات الجسد والجنس، وهو إن لم يجد ما يرفع من معنوياته ويبدد تلك الغيوم، غيوم الشك والارتياب فسوف يضعف وينجرف مع التيار، وخلاصة القول أن المسلم في هذا العصر المضطرب في إرهاق نفسي وتعب فكري وهو حينما يدخل إلى المسجد يدخله دخول المريض إلى المستشفى لأنه أتى طلبا للغذاء المفقود والدواء الشافي ـ وهنا يظهر الدور الخطير الذي يلعبه المسجد في عصرنا الحديث لأنه الملجأ الوحيد الذي يستظل تحته المؤمن ويستقي منه الثقافة الإسلامية القويمة، ويقدم له الحل الإسلامي لمشاكله الدائمة ويوجهه الوجهة التي يرضاها الله حتى إذا ما دخله عابس الوجه يائسا بائسا فسيخرج منه طلق المحيا باسما متهللا لأنه مكن من المفتاح الذي سيحل له الأبواب المغلقة أبواب السعادة والرضوان.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here